خدمة rss
علي بن أبي طالب

   

New Page 1

علي بن أبي طالب

د. ناصر بن محمد الأحمد

 

أجمعت الأمة على أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو رابع الخلفاء الراشدين في الترتيب والفضل.

هو: على بن أبى طالب بن عبد المطلب، فهو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، ووالده أبو طالب شقيق عبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان اسم علىٍّ عند مولده أسد، سمته بذلك أمه رضي الله عنها باسم أبيها أسد بن هاشم، وكان أبو طالب غائبًا فلما عاد، لم يعجبه هذا الاسم وسماه عليًا.

كنيته: أبو الحسن، ويكنى أيضًا بأبي تراب، كناه بها النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يفرح إذا نودي بها.

كان من نعمة الله عز وجل على عليّ بن أبى طالب وما صنع الله له وأراد به من الخير أن قريشًا أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس عمه، وكان من أيسر بنى هاشم: يا عباس، إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد ترى ما أصاب الناس من هذه الأزمة، فانطلق بنا فلنخفف عنه عياله، آخذ من بيته واحدًا وتأخذ واحدًا، فنكفيهما عنه، فقال العباس: نعم. فانطلقا حتى أتيا أبا طالب، فقالا له: إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما: إن تركتما لي عقيلاً فاصنعا ما شئتما، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًا فضّمه إليه، وأخذ العباس جعفرًا رضي الله عنه فضّمه إليه، فلم يزل علي بن أبى طالب رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله نبيًا، فاتبعه علي، فأقر به وصدّقه، ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه.

نلاحظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يرد الجميل والمعروف لعمّه أبي طالب الذي كفله بعد وفاة جدّه عبد المطلب، فكان هذا من أكبر نعم الله عز وجل على علي رضي الله عنه، إذ رباه وأدبه الذي أدبه الله عز وجل، والذي كان خلقه القرآن، فانعكس هذا الخلق القرآني على علي رضي الله عنه، وكفى بتربية النبي صلى الله عليه وسلم تربية لعلي رضي الله عنه، فقد نشأ في بيت الإسلام، وتعرّف إلى أسراره في مرحلة مبكرة من حياته، وذلك قبل أن تتخطى الدعوة حدود البيت وتنطلق إلى البحث عن أنصار يشدّون أزرها وينطلقون بها في دنيا الناس، ويخرجونهم من الظلمات إلى النور.

عندما اجتمعت قبيلة قريش في دار الندوة، وأجمعوا على قتل النبي صلى الله عليه وسلم والتخلص منه، أعلم الله نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أحكم خلق الله، فأراد أن يُبقي من أراد قتله ينظر إلى فراشه ينتظرونه يخرج عليهم، فأَمر عليّ بن أبى طالب رضي الله عنه أن ينام في فراشه تلك الليلة، ومن يجرؤ على البقاء في فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم والأعداء أحاطوا بالبيت يتربصون به ليقتلوه؟ من يفعل هذا ويستطيع البقاء في هذا البيت هو يعلم أن الأعداء لا يفرقون بينه وبين الرسول الله صلى الله عليه وسلم في مضجعه؟ إنه لا يفعل ذلك إلا أبطال الرجال وشجعانهم بفضل الله تعالى، وقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقيم بمكة أيامًا حتى يؤدي أمانة الودائع والوصايا التي كانت عنده إلى أصحابها من أعدائه كاملة غير منقوصة، وهذا من أعظم العدل، وأداء الأمانة، وقد جاء في رواية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: نم في فراشي، وتَسَجَّ ببردي هذا فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم. قال ابن حجر: وذكر موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: فرقد عليّ على فراش رسول الله يواري عنه، وباتت قريش تختلف وتأتمر، أيهم يهجم على صاحب الفراش فيوثقه، حتى أصبحوا فإذا هم بعليّ، فسألوه، فقال: لا علم لي، فعلموا أنه قد فر.

لما أصبح عليّ رضي الله عنه، قام عن فراشه، فعرفه القوم وتأكدوا من نجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا لعليّ: أين صاحبك؟ قال: لا أدري، أمرتموه بالخروج فخرج. وضاق القوم بتلك الإجابة الجريئة وغاظهم خروج رسول الله من بين أظهرهم، فانتهروا عليًا وضربوه، وأخذوه إلى المسجد فحبسوه هناك ساعة ثم تركوه، وتحمّل عليّ ما نزل به في سبيل الله، وكان فرحه بنجاة رسول الله أعظم عنده من كل أذى نزل به، ولم يضعف ولم يخبر عن مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانطلق عليّ في مكة يجوب شوارعها باحثًا عن أصحاب الودائع التي خلّفه رسول الله من أجلها وردها إلى أصحابها، وظل يرد هذه الأمانات حتى برئت منها ذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهناك تأهب للخروج ليلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث ليال قضاهنّ في مكة. وكان عليّ في أثناء هجرته يكمن بالنهار فإذا جنّ عليه الليل سار حتى قدم المدينة، وقد تفطرت قدماه، وهكذا يكون عليّ رضي الله عنه، قد لاقى في هجرته من الشدة ما لاقى، فلم تكن له راحلة يمتطيها، ولم يستطع السير في النهار لشدة حرارة الشمس، وفي مشي الليل ما فيه من الظلمة المفجعة والوحدة المفزعة، ولو أضفنا إلى ذلك أنه رضي الله عنه قد قطع الطريق على قدميه دون أن يكون معه رفيق يؤنسه، لعلمنا مقدار ما تحمّله من قسوة الطريق ووعثاء السفر ابتغاء مرضاة الله عز وجل، وأنه في نهاية المطاف سيلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويستمتع بجواره آمنًا مطمئنًا في المدينة، وهكذا كانت هجرة أمير المؤمنين عليّ بن أبى طالب رضي الله عنه تضحيةً وفداءً وتحملاً وشجاعةً وإقدامًا.

وفي السنة الثانية من الهجرة تزوج عليّ بن أبي طالب فاطمة بنت إمام المتقين سيد ولد آدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عليّ بن أبى طالب رضي الله عنه: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أن قعدت بين يديه أفحمت، فوالله ما استطعت أن أتكلم جلالة وهيبة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما جاء بك؟ ألك حاجة؟" فسكتُّ فقال: لعلك جئت تخطب فاطمة؟ فقلت: نعم، فقال: وهل عندك من شيء تستحلها؟ فقلت: لا والله يا رسول الله، فقال: ما فعلت درع كنت قد أعطيتك؟ قلت: عندي، فقال: قد زوجتك بها، فابعث إليها بها فاستحلها بها، قال عليّ: فوالذي نفس عليّ بيده إنها لحطمية ما قيمتها أربعمائة درهم.

شهد عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه المشاهد مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكان في معظمها هو الذي يحمل اللواء، وله مواقف كثيرة تدل على شجاعته وفروسيته الفائقة:

في غزوة أحد بدأ القتال بمبارزة بين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وطلحة بن عثمان وكان بيده لواء المشركين، وطلب المبارزة مرارًا، فخرج إليه عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه فقال له عليّ: والذي نفسي بيده لا أفارقك حتى يعجلك الله بسيفي إلى النار أو يعجلني بسيفك إلى الجنة، فضربه عليّ فقطع رجله فوقع على الأرض فانكشفت عورته فقال: يا ابن عمي أنشدك الله والرحم! فرجع عنه ولم يجهز عليه، فكبر رسول الله، وقال لعليّ بعض أصحابه: أفلا أجهزت عليه؟ قال: إن ابن عمي ناشدني الرحم حين انكشفت عورته فاستحييت منه.

وفي غزوة الخندق خرج عليّ بن أبى طالب في نفر من المسلمين بعد أن اقتحمت خيل المشركين ثغرة في الخندق حتى أخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموا منها خيلهم، وأقبلت الفرسان تعدو نحوهم، وكان عمرو بن عبد ود وقد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراح، فلم يشهد يوم أُحد، فلما كان يوم الخندق خرج معلمًا لُيرَى مكانه، فلما وقف هو وخيله قال: من يبارز؟ فبرز له عليّ بن أبى طالب فقال له: يا عمرو، إنك قد كنت عاهدت الله ألا يدعوك رجل من قريش إلى أحد خلتين إلا أخذتها منه، قال له: أجل، قال له عليّ: فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام، قال: لا حاجة لي بذلك، قال: فإني أدعوك إلى النّزال، فقال له: لِمَ يا ابن أخي؟ فوالله ما أحب أن أقتلك، قال له عليّ: لكني والله أحب أن أقتلك، فحمي عمرو عند ذلك، فاقتحم عن فرسه فعقرها، وضرب وجهه، ثم أقبل على عليّ، فتنازلا وتجاولا فقتله عليّ رضي الله عنه. قال عمرو لما خرج للمبارزة:

ولقد بححْتُ من النداء

 

 

لَجمعِهِم هل من مبارز؟

 

ووقفت إِذ جَبُنَ المشجَّع

 

 

موقف القرن المناجز

 

ولذاك إني لم أكُن

 

 

متسرعًا قبل الهَزاهِزْ

 

إن الشجاعة في الفتى

 

 

والجود من خير الغرائِزْ

 

فقال علي رضي الله عنه عندما خرج له:

لا تَعْجَلنَّ فقد أتاك
       

 

 

مُجيبُ صَوتكَ غير عاجز

 

في نية وبصيرة

 

 

والصدق مَنْجَى كلِّ فائز

 

إني لأرجُو أن أقيم

 

 

عليك نائحة الجنائز

 

من ضربة نجلاء يَبقى

 

 

ذكرها عند الهزائز

 

وبعد مقتل عمرو بن عبد ود بعث المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشترون جيفته بعشرة آلاف، فقال: ادفعوا إليهم جيفتهم، فإنه خبيث الجيفة، خبيث الدية، فلم يقبل منهم شيئًا. وقد حدث هذا والمسلمون في ضنك من العيش، ومع ذلك فالحلال حلال والحرام حرام، إنها مقاييس الإسلام في الحلال والحرام، فأين هذا من بعض المسلمين الذين يحاولون إيجاد المبررات لأكل الربا وما شابهه والله المستعان؟.

لما توفى النبي صلى الله عليه وسلم كان عليّ ممن باشر غسله مع الفضل بن العباس وأسامة بن زيد. وقال عليّ رضي الله عنه: غسلت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهبت أنظر ما يكون من الميت فلم أر شيئًا وكان طيبًا حيًا وميتًا، وكان رضي الله عنه من ضمن من نزل في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وباشروا دفنه.

تولى الخلافة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وعليّ رضي الله عنه لم يفارق الصديق في وقت من الأوقات ولم ينقطع عنه في جماعة من الجماعات، وكان يشاركه في المشورة، وفي تدبير أمور المسلمين، وسانده في حروبه ضد المرتدين. عن ابن عمر، رضي الله عنهما قال: لما برز أبوبكر واستوى على راحلته، أخذ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه بزمامها، وقال: إلى أين يا خليفة رسول الله، لمْ سيفك ولا تفجعنا بنفسك، وارجع إلى المدينة، فوالله لئن فُجعنا بك لا يكون للإسلام نظام أبدًا، فرجع.

وكان عليّ رضي الله عنه عضوًا بارزًا في مجلس شورى الدولة العمرية، بل كان هو المستشار الأول، فقد كان عمر رضي الله عنه يعرف لعليّ فضله وفقهه وحكمته، وكان عمر يقول: أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن. وعندما احتاج عمر رضي الله عنه أن يضع تاريخًا رسميًا ثابتًا لتنظيم أمور الدولة وضبطها، جمع الناس وسألهم: من أي يوم نكتب التاريخ؟ فقال عليّ رضي الله عنه: من يوم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك أرض الشرك، ففعله عمر. وقد كان عمر رضي الله عنه يراه من أفضل من يقود الناس، فقد ورد عنه أنه كان يناجي رجلاً من الأنصار، فقال: من تُحدّثون أنه يُستخلف من بعدي؟ فعد الأنصاري المهاجرين ولم يذكر عليًا، فقال عمر: فأين أنتم من عليّ؟ فوالله لو استخلفتموه، لأقامكم على الحق وإن كرهتموه. وقال لابنه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بعد أن طعن: إن ولوها الأجلح سلك بهم الطريق.

وفي خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه استمر عليّ رضي الله عنه في طريقته المعهودة مع الخلفاء، وهى السمع والطاعة والإدلاء بالمشورة والنصح، وقد عبّر بنفسه عن مدى طاعته للخليفة عثمان والتزام أمره ولو كان شاقًا بقوله: لو سيّرني عثمان إلى صرار لسمعت وأطعت. وعندما قتل عثمان رضي الله عنه قال عليّ لأبنائه وأبناء إخوانه: كيف قتل عثمان وأنتم على الباب؟ ولطم الحسن، وكان قد جَرح وضَرب صدر الحسين، وشتم ابن الزبير وابن طلحة، وخرج غضباناً إلى منـزله ويقول: تبًا لكم سائر الدهر، اللهم إني أبرأ إليك من دمه أن أكون قَتلت أو مالأت على قتله.

تمت بيعة عليّ رضي الله عنه بالخلافة بطريقة الاختيار وذلك بعد أن استشهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه على أيدي الخارجين، فبعد أن قتلوه رضي الله عنه ظلمًا وعدوانًا، قام كل من بقي بالمدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمبايعة عليّ رضي الله عنه بالخلافة، وذلك لأنه لم يكن أحد أفضل منه على الإطلاق في ذلك الوقت، فلم يَدعُ الإمامة لنفسه أحد بعد عثمان رضي الله عنه، ولم يكن أبو السبطين حريصًا عليها، ولذلك لم يقبلها إلا بعد إلحاح شديد ممن بقي من الصحابة بالمدينة، وخوفًا من ازدياد الفتن وانشارها.

إن أحق الناس بالخلافة بعد أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، هو عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وهذا معتقد أهل السنة والجماعة، وهذا ما يجب على المسلم اعتقاده والديانة لله به في شأن ترتيب الخلافة الراشدة، قال الإمام أحمد: من لم يربع بعليّ في الخلافة فهو أضل من حمار أهله ونهى عن مناكحته.

كان أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه من علماء الصحابة الكبار، وقال: ما دخل نوم عيني، ولا غمض رأسي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى علمت ذلك اليوم ما نزل به جبريل عليه السلام من حلال أو سنة أو كتاب أو أمر أو نهي، وفيمن نزل. كان يقول عن نفسه: "والله ما نزلت آية إلاّ وقد علمت فيم نزلت، وأين نزلت، وعلى من نزلت؟ إن ربي وهب لي قلبًا عقولاً، ولسانًا صادقًا ناطقًا". وقد قال في آخر عهده: "سلوني قبل أن تفقدوني". وكان ذلك عندما مات أكثر علماء الصحابة.

وكان أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه من بين القلة من المسلمين الذين كانوا يعرفون الكتابة في صدر الإسلام، وفوق هذا فقد كان من كتاب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ساعدته هذه المهارة في القراءة والكتابة على التبحر في العلوم الشرعية.

اشتهر أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه بالزهد في الدنيا مع توفر جميع أسباب الثراء له، عن أبي مطر بن عبد الله الجهنى قال: رأيت عليًا عليه السلام متزرًا بإزار، مرتديًا برداء ومعه الدرة، كأنه أعرابي بدوي. وقيل لعليّ رضي الله عنه: لم ترقع قميصك؟ قال: يخشع القلب ويقتدي به المؤمن. ويروي عدي بن ثابت، أنه أتى بطست خوان فالوذج إلى عليّ فلم يأكل، وقال عليّ: إنه لطيب الريح، حسن اللون، طيب الطعم، لكن أكره أن أعوَّد نفسي ما لم تعتده.

لقد كان الزهد من الصفات البارزة في شخصية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان زهده مع توافر أسباب الرخاء والثراء، ولا شك أن زهده رضي الله عنه قد أثّر في من حوله، وأصبح مدرسة مؤثرة في تاريخ الأمة، وقد ربط أبو الحسن الندوي رحمه الله بين الزهد والتجديد في المجتمع الإسلامي فقال: "ولقد رأينا الزهد والتجديد مترافقين في تاريخ الإسلام، فلا نعرف أحدًا ممن قلب التيار، وغيّر مجرى التاريخ، ونفخ روحًا جديدة في المجتمع الإسلامي، أو فتح عهدًا جديدًا في تاريخ الإسلام، وخلّف تراثًا خالدًا في العلم والفكر والدين، وظل قرونًا يؤثر في الأفكار والآراء ويسيطر على العلم والأدب، إلا وله نزعة في الزهد، وتغلُّب على الشهوات، وسيطرة على المادة ورجالها، ولعل السر في ذلك أن الزهد يكسب الإنسان قوة المقاومة، والاعتداد بالشخصية والعقيدة، والاستهانة برجال المادة، وصرعى الشهوات، وأسرى المعدة". انتهى ..

وقد قام أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه بإقامة العدل بين الناس، وقصته مع اليهودي مشهورة: فعن شريح قال: لما توجه عليّ رضي الله عنه إلى حرب معاوية رضي الله عنه، افتقد درعًا له، فلما انقضت الحرب ورجع إلى الكوفة، أصاب الدرع في يد يهودي يبيعها في السوق، فقال له: يا يهودي، هذا الدرع درعي، لم أبِع ولم أهَب، فقال اليهودي: درعي وفي يدي، فقال عليّ: نصير إلى القاضي، فتقدما إلى شريح، فجلس عليّ إلى جنب شريح، وجلس اليهودي بين يديه. فقال شريح: قل يا أمير المؤمنين، فقال: نعم، أقول: إن هذه الدرع التي في يد اليهودي درعي، لم أبِع ولم أهَب، فقال شريح: يا أمير المؤمنين البينة، قال: نعم، قنبر والحسن والحسين يشهدون أن الدرع درعي، قال: شهادة الابن لا تجوز للأب، فقال: رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة" فقال اليهودي: أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه، وقاضيه قضى عليه؟ أشهد أن هذا الحق، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأن الدرع درعك، كنت راكبًا على جملك الأورق وأنت متوجه إلى صفين فوقعت منك ليلاً، فأخذتها قال: أما إذا قلتها فهي لك، وحمله على فرس، فرأيته وقد خرج فقاتل مع علي بالنهروان.

ومن مواقف عدله رضي الله عنه: حرصه على تقسيم المال فور وروده إليه على الناس بالتساوى بعد أن يحتجز منه ما ينبغي أن يأخذ للمرافق العامة، ولم يكن يستبيح لنفسه أن يأخذ من هذا المال إلا مثلما يعطي غيره من الناس، كما أنه كان يعطي معارضيه من الخوارج من العطاء مثلما يعطي غيرهم، وهذا قبل سفكهم للدماء، واعتدائهم على الناس.

دفع مرة طعامًا ودراهم بالتساوى إلى امرأتين إحداهما عربية، والثانية أعجمية، فاحتجت الأولى قائلة: إني والله امرأة من العرب، وهذه من العجم، فأجابها عليّ: إني والله لا أجد لبني إسماعيل في هذا الفيء فضلاً على بني إسحاق. وكذلك لما طُلب إليه تفضيل أشراف العرب وقريش على الموالي والعجم، قال: لا والله، لو كان المال لي لواسيت بينهم، فكيف وإنما هي أموالهم؟.

وعن أبي رافع وقد كان خازنًا لعلي رضي الله عنه على بيت المال، وقال: دخل يومًا وقد زُيّنت ابنته، فرأى عليها لؤلؤة من بيت المال قد كان عرفها، فقال: من أين لها هذه؟ لله عليَّ أن أقطع يدها، قال: فلما رأيت جِدّه في ذلك قلت: أنا والله يا أمير المؤمنين زيّنت بها ابنة أخي، ومن أين كانت تقدر عليها لو لم أعطها؟ فسكت.

حرص أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه على تفقد أحوال المتعاملين في السوق وحملهم على التعامل بالشرع الحنيف، وقد ثبت أن عليًا رضي الله عنه كان شديد العناية بالاحتساب في مجال السوق، فعن الحر بن جرموز المرادي عن أبيه قال: رأيت عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يخرج من القصر وعليه قطريتان، إزاره إلى نصف الساق، ورادؤه مشمر قريبًا منه، ومعه الدرة يمشى في الأسواق ويأمرهم بتقوى الله وحسن البيع ويقول: أوفوا الكيل والميزان. وكان عليّ رضي الله عنه يدخل السوق وبيده الدرة، وعليه عباء ويقول: يا أيها التجار، خذوا الحق، وأعطوا الحق تَسلموا، لا تردوا قليل الربح فتحرموا كثيره. وقال رضي الله عنه: من اتّجر قبل أن يتفقه في الدين فقد ارتطم في الربا، ثم ارتطم، ثم ارتطم.

إن شئون الحكم كانت محل اهتمام الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، لا يطغى جانب على جانب، فقد كانوا يقعّدون للتجارة القواعد التي تصلح للأسواق، وتنظم التداول، وتضمن الثبات والاستقرار، فلا غبن ولا غش ولا احتكار، ولا أسواق سوداء ولا زرقاء، ولا جهل بما يجوز وما لا يجوز في عالم التجارة.

أثيرت قضية المحل التجاري في السوق وقضى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في سوق الكوفة، أن من سبق إلى موضع فهو أحق به ما دام فيه ذلك اليوم، فإذا انتقل عنه فهو لمن حلَّ فيه، قال الأصبغ بن نباته: خرجت مع عليّ بن أبي طالب إلى السوق، فرأى أهل السوق قد حازوا أمكنتهم، فقال عليّ: ما هذا؟ فقالوا: أهل السوق قد حازوا أمكنتهم، فقال: ليس ذلك لهم، سوق المسلمين كُمصلَّى المسلمين، من سبق إلى شيء فهو له يومه حتى يدعه، وظلّت هذه القاعدة متَّبعة حتى ولاية المغيرة بن شعبة، فلمّا كانت ولاية زياد بن أبيه عليها عام 49هـ جعل من قعد في مكان فهو أحق به مادام فيه.

ثبت بالروايات الصحيحة أن خلاف معاوية مع عليّ رضي الله عنهما كان في قتل قتلة عثمان ولم ينازعه في الخلافة، بل كان يقر له بذلك، فعن أبي مسلم الخولانى أنه جاء وأناس معه إلى معاوية وقالوا: أنت تنازع عليًا، هل أنت مثله؟ فقال: لا والله، إني لأعلم أنه أفضل مني، وأحق بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قُتل مظلومًا، وأنا ابن عمه والطالب بدمه فأتوه فقولوا له: فليدفع إلىَّ قتلة عثمان وأسلم له، فأتوا عليًا فكلموه فلم يدفعهم إليه. ويروي ابن كثير بسنده إلى أبي الدرداء وأبي أمامة رضي الله عنهما: أنهما دخلا على معاوية فقالا له: يا معاوية علام تقاتل هذا الرجل؟ فوالله إنه أقدم منك ومن أبيك إسلامًا، وأقرب منك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحق بهذا الأمر منك، فقال: أقاتله على دم عثمان، وأنه آوى قتلته، فاذهبا إليه فقولا له: فليقدنا من قتلة عثمان، ثم أنا أول من أبايعه من أهل الشام.

أرسل أمير المؤمنين عليّ سهل بن حنيف والياً على الشام، إلا أنه ما كاد يصل مشارف الشام حتى أخذته خيل معاوية وقالوا له: إن كان بعثك عثمان فحيهلا بك وإن كان بعثك غيره فارجع. وكانت بلاد الشام تغلي غضبًا على مقتل عثمان ظلمًا وعدوانًا، فقد وصلهم قميصه مخضبًا بدمائه، وبأصابع نائلة زوجه، التي قطعت أصابعها وهي تدافع عنه، وكانت قصة استشهاده أليمة فظيعة اهتزت لها المشاعر، وتأثرت بها القلوب، وذرفت منها الدموع، كما وصلتهم أخبار المدينة وسيطرة الغوغاء عليها، وهروب بني أمية إلى مكة، كل هذه الأمور وغيرها من الأحداث والعوامل كان لها تأثير على أهل الشام وعلى رأسهم معاوية رضي الله عنه، وكان يرى أن عليه مسئولية الانتصار لعثمان والقودَ من قاتليه فهو ولي دمه، والله عز وجل يقول: (وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا)، لذلك جمع معاوية الناس وخطبهم بشأن عثمان وأنه قُتل ظلمًا وعدوانا على يد سفهاء منافقين لم يُقّدروا الدم الحرام إذ سفكوه في الشهر الحرام، في البلد الحرام، فثار الناس، واستنكروا وعلت الأصوات، وكان منهم عدد من الصحابة. وكان الحرص الشديد على تنفيذ حكم الله في القتلة السبب الرئيسي في رفض أهل الشام بزعامة معاوية بن أبى سفيان بيعة علي بن أبى طالب بالخلافة، وليست لأطماع معاوية في ولاية الشام، أو طلبه ما ليس له بحق، إذ كان يدرك إدراكًا تامًا أن هذا الأمر في بقية الستة من أهل الشورى، وأن عليًا أفضل منه وأولى بالأمر. وأما الروايات التي تصور معاوية في خروجه عن طاعة عليّ بسبب أطماع ذاتية وأطماع دنيوية، وبسبب العداء والتنافس الجاهلي القديم بين بني هاشم وبني أمية، وغير ذلك من القذف والافتراءات والطعن على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي روايات متروكة مطعون في رواتها عدلاً وضبطًا.

وقد استمرت ولاية الشام تابعة لنفوذ معاوية بن أبى سفيان طيلة خلافة عليّ رضي الله عنه، ولم يتمكن عليّ من السيطرة أو تعيين العمال والأمراء فيها، وقد وقعت في الشرق من بلاد الشام بعض المناوشات بين جند عليّ وجند معاوية كان أهمها موقعة صفين والتي شهدها عليّ ومعاوية رضي الله عنهما سنة 37هـ، ولم تمنع هذه المعارك من استمرار سيطرة معاوية على الشام.

كان لعبدالله بن سبأ دور في الخلاف الذي حصل بين الصحابة إذ إن هناك أجواءً للفتنة مهدت له، وعوامل أخرى ساعدته، وغاية ما جاء به ابن سبأ آراء ومعتقدات ادّعاها واخترعها من قبل نفسه وافتعلها من يهوديته الحاقدة، وجعل يروجها لغاية ينشدها وغرض يستهدفه، وهو الدَّس في المجتمع الإسلامي بغية النيل من وحدته، وإذكاء نار الفتنة وغرس بذور الشقاق بين أفراده، فكان ذلك من جملة العوامل التي أدّت إلى قتل أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه وتفرق الأمة شيعًا وأحزابًا، وخلاصة ما جاء به أن أتى بمقدمات صادقة وبنى عليها مبادئ فاسدة راجت لدى السذج الغلاة وأصحاب الأهواء من الناس، وقد سلك في ذلك مسالك ملتوية لبّس فيها على من حوله حتى اجتمعوا عليه، فطرق باب القرآن بتأولّه على زعمه الفاسد حيث قال: لَعجَبٌ ممن يزعم أن عيسى يرجع، ويكذب بأن محمدًا يرجع، وقد قال تعالى: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَاد) فمحمد أحق بالرجوع من عيسى، كما سلك طريق القياس الفاسد من ادعاء إثبات الوصية لعليّ رضي الله عنه بقوله: إنه كان ألف نبي، ولكل نبي وصي، وكان عليّ وصي محمد ثم قال: محمد خاتم الأنبياء، وعليّ خاتم الأوصياء، وحينما استقر الأمر في نفوس أتباعه انتقل إلى هدفه المرسوم، وهو خروج الناس على الخليفة عثمان رضي الله عنه، فصادف ذلك هوى في نفوس بعض القوم حيث قال لهم: من أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ووثب على وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتناول أمر الأمة؟ ثم قال لهم بعد ذلك: إن عثمان أخذها بغير حق، وهذا وصي رسول الله فانهضوا في هذا الأمر فحركوه، وابدءوا بالطعن على أمرائكم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس وادعوا إلى هذا الأمر. وبث دعاته، وكاتب من كان في الأمصار، وكاتبوه ودعوا في السرّ إلى ما عليه رأيهم، وجعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيوب ولاتهم ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك، ويكتب أهل كل مصر منهم إلى مصر آخر بما يصنعون، فيقرؤه أولئك في أمصارهم وهؤلاء في أمصارهم حتى تناولوا بذلك المدينة، وأوسعوا الأرض إذاعة، وهم يريدون غير ما يظهرون، ويسترون غير ما يبدون، فيقول أهل كل مصر: إنّا لفي عافية مما فيه الناس.

إن الخلاف الذي نشأ بين أمير المؤمنين عليّ من جهة، وبين طلحة والزبير وعائشة من جهة أخرى، ثم بعد ذلك بين عليّ ومعاوية لم يكن سببه ومنشؤه أن هؤلاء كانوا يقدحون في خلافة أمير المؤمنين عليّ وإمامته وأحقيته بالخلافة والولاية على المسلمين، فقد كان هذا محل إجماع بينهم. وإنما اختلافهم في قضية الاقتصاص من قتلة عثمان، ولم يكن خلافهم في أصل المسألة، وإنما كان في الطريقة التي تعالج بها هذه القضية، إذ كان أمير المؤمنين عليّ موافقًا من حيث المبدأ على وجوب الاقتصاص من قتلة عثمان، وإنما كان رأيه أن يرجئ الاقتصاص من هؤلاء إلى حين استقرار الأوضاع وهدوء الأمور واجتماع الكلمة.

إن وقعة صفين كانت من أعجب الوقائع بين المسلمين. كانت هذه الوقعات من الغرابة إلى حد أن القارئ لا يصدق ما يقرأ ويقف مشدوهًا أمام طبيعة النفوس عند الطرفين، فكل منهم كان يقف وسط المعركة شاهرًا سيفه وهو يؤمن بقضيته إيمانًا كاملاً، فليست معركة مدفوعة من قبل القيادة، يدفعون الجنود إلى معركة غير مقتنعين بها، بل كانت معركة فريدة في بواعثها، وفي طريقة أدائها، وفيما خلّفتها من آثار، فبواعثها في نفوس المشاركين تعبّر عنها بعض المواقف التي وصلت إلينا في المصادر التاريخية، فهم إخوة يذهبون معًا إلى مكان الماء فيستقون جميعًا ويزدحمون وهم يغرفون الماء وما يؤذى إنسان إنسانًا، وهم إخوة يعيشون معًا عندما يتوقف القتال، فهذا أحد المشاركين يقول: كنّا إذا تواعدنا من القتال دخل هؤلاء في معسكر هؤلاء، وهؤلاء في معسكر هؤلاء، وتحدثوا إلينا وتحدثنا إليهم، وهم أبناء قبيلة واحدة ولكل منهما اجتهاده، فيقاتل أبناء القبيلة الواحدة كل في طرف قتالاً مريرًا، وكل منهما يرى نفسه على الحق وعنده الاستعداد لأن يُقْتَل من أجله، فكان الرجلان يقتتلان حتى يُثْخَنا ثم يجلسان يستريحان، ويدور بينهما الكلام الكثير، ثم يقومان فيقتتلان كما كانا، وهما أبناء دين واحد يجمعها، وهو أحب إليهما من أنفسهما، فإذا حان وقت الصلاة توقفوا لأدائها، ويوم قتل عمّار بن ياسر صلى عليه الطرفان، ويقول شاهد عيان اشترك في صفين: تنازلنا بصفين، فاقتتلنا أيامًا فكثر القتلى بيننا حتى عقرت الخيل، فبعث عليّ إلى عمرو بن العاص أن القتلى قد كثروا فأمسك حتى يدفن الجميع قتلاهم، فأجابهم، فاختلط بعض القوم ببعض حتى كانوا هكذا - وشبك بين أصابعه - وكان الرجل من أصحاب عليّ يشد فيُقتل في عسكر معاوية، فيُستخرج منه، وقد مر أصحاب عليّ بقتيل لهم أمام عمرو، فلما رآه بكى وقال: لقد كان مجتهدًا أخشن في أمر الله، وكانوا يسارعون إلى التناهي عن المنكر حتى في مثل هذه المواقع، فكانت هناك مجموعة عُرفوا بالقرّاء، وكانوا من تلامذة عبد الله بن مسعود من أهل الشام معًا، فلم ينضموا إلى أمير المؤمنين عليّ ولا إلى معاوية بن أبى سفيان، وقالوا لأمير المؤمنين: إنا نخرج معكم ولا ننـزل عسكركم، ونعسكر على حدة حتى ننظر في أمركم وأمر أهل الشام، فمن رأيناه أراد ما لا يحل له، أو بدا منه بغى كنا عليه، فقال عليّ: مرحبًا وأهلاً، هذا هو الفقه في الدين، والعلم بالسنة من لم يرض بهذا فهو جائر خائن.

ثم إن المعاملة الحسنة للأسير وإكرامه في صفين من الأمور البدهية بعد ما استعرضنا المعاملة الكريمة أثناء القتال، وقد بين الإسلام معاملة الأسرى، فقد حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على إكرام الأسير، وإطعامه أفضل الأطعمة الموجودة، هذا مع غير المسلمين فكيف إذا كان الأسير مسلمًا؟! لا شك أن إكرامه والإحسان إليه أولى، ولكن الأسير في المعركة يعتبر فئة وقوة لفرقته، ولذلك كان عليّ رضي الله عنه يأمر بحبسه، فإن بايع أخلى سبيله وإن أبى أخذ سلاحه ودابته أو يهبهما لمن أسره ويُحلّفه ألا يقاتل، ويعطيه أربعة دراهم. وغرض الخليفة الراشد من ذلك واضح، وهو إضعاف جانب البغاة، وقد أُتي بأسير يوم صفين، فقال الأسير: لا تقتلني صبرًا. فقال عليّ رضي الله عنه: لا أقتلك صبرًا، إني أخاف الله رب العالمين، فخلى سبيله ثم قال: أفيك خير تبايع؟.

إن هذه الحرب المثالية هي الحرب الإنسانية الأولى في التاريخ التي جرى فيها المتحاربان معًا على مبادئ الفضائل التي يتمنى حكماء الغرب لو يعمل بها في حروبهم، ولو في القرن الحادي والعشرين، وإن كثيرًا من قواعد الحرب في الإسلام لم تكن لتُعلم وتُدوّن لولا وقوع هذه الحرب، ولله في كل أمر حكمة.

كان أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه بعد نهاية الجولات الحربية يقوم بتفقد القتلى، يقول شاهد عيان: رأيت عليًا على بغلة النبي صلى الله عليه وسلم الشهباء، يطوف بين القتلى، وأثناء تفقده القتلى ومعه الأشتر، مر برجل مقتول وهو أحد القضاة والعباد المشهورين بالشام، فقال الأشتر: يا أمير المؤمنين أحابس معهم؟ عهدي والله به مؤمن، فقال عليّ: فهو اليوم مؤمن. لعل هذا الرجل المقتول هو القاضي الذي أتى عمر بن الخطاب وقال: يا أمير المؤمنين، رأيت رؤيا أفزعتني، قال: ما هي؟ قال: رأيت الشمس والقمر يقتتلان والنجوم معهما نصفين. قال: فمع أيهما كنت؟ قال: مع القمر على الشمس، فقال عمر: قال تعالى: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَة)، فانطلِق فوالله لا تعمل لي عملاً أبدًا، قال الراوي: فبلغني أنه قتل مع معاوية بصفين.

إن موقف أهل السنة والجماعة من الحرب التي وقعت بين الصحابة الكرام رضي الله عنهم هو الإمساك عما شجر بينهم إلا فيما يليق بهم رضي الله عنهم، لما يسببه الخوض في ذلك من توليد العداوة والحقد والبغض لأحد الطرفين وقالوا: إنه يجب على كل مسلم أن يحب الجميع ويرضى عنهم ويترحم عليهم، ويحفظ لهم فضائلهم، ويعترف لهم بسوابقهم، وينشر مناقبهم، وأن الذي حصل بينهم إنما كان عن اجتهاد، والجميع مثابون في حالتي الصواب والخطأ، غير أن ثواب المصيب ضعف ثواب المخطئ في اجتهاده، وأن القاتل والمقتول من الصحابة في الجنة، ولم يجوَّز أهل السنة والجماعة الخوض فيما شجر بينهم. سئل عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى عن القتال الذي حصل بين الصحابة فقال: تلك دماء طهّر الله يدي منها أفلا أطهر بها لساني، مثل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل العيون، ودواء العيون ترك مسها. وقال ابن كثير: أما ما شجر بينهم بعده عليه الصلاة والسلام: فمنه ما وقع من غير قصد كيوم الجمل، ومنه ما كان عن اجتهاد كيوم صفين، والاجتهاد يخطئ ولكن صاحبه معذور وإن أخطأ ومأجور أيضًا، وأما المصيب فله أجران. انتهى ..

وبالرغم من كل هذه المحاولات والجهود المضنية لم يستطع عليّ رضي الله عنه أن يحقق ما يريد، إذ لم يستطع أن يغزوا الشام بسبب التفكك والتصدع الذي حدث في داخل جيشه، وتفرق كلمتهم وظهور الأهواء فاضطر في سنة أربعين للهجرة أن يوافق لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، على أن يكون العراق له، والشام لمعاوية، ولا يدخل أحدهما على صاحبه في عمله بجيش ولا غارة ولا غزو.

هادن أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه معاوية، ويبدو أن هذه الهدنة لم تستمر، فمعاوية أرسل بسر بن أبي أرطأة إلى الحجاز في العام الذي استشهد فيه علي رضي الله عنه، ولما لم يتمكن علي من تجهيز الجيش بما يصبوا ويريد، ورأى خذلانهم كره الحياة وتمنى الموت، وكان يتوجه إلى الله بالدعاء ويطلب منه عز وجل أن يعجل منيته. عن أبي صالح قال: شهدت علياً وضع المصحف على رأسه فقال: اللهم إني سألتهم ما فيه فمعنوني، اللهم إني قد مللتهم وملوني، وأبغضتهم وأبغضوني، وحملوني على غير أخلاقي، فأبدلهم بي شراً مني، وأبدلني بهم خيراً منهم.

تفيد بعض أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تعد من دلائل نبوته إخباره بأن علياً سيكون من الشهداء، فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على حراء، هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد". والنبي صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا عن الحروب التي وقعت بين الصحابة قبل وقوعها وهذا من معجزاته صلى الله عليه وسلم وقد ذكرها من ثلاثة جوانب:

الجانب الأول: ذكرها وحدد زمانها: وذلك فيما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان يُقتل بينهما مقتلة عظيمة ودعواهما واحدة". فلقد حدد الرسول صلى الله عليه وسلم القتال بهذه الأعداد الهائلة وأنها مقتلة عظيمة. كان أهل الشام ستين ألفاً، فقتل منهم عشرون ألفاً، وكان أهل العراق مائة وعشرين ألفاً فقتل منهم أربعون ألفاً. فأي مقتلة بين فئتين عظيمتين دعواهما واحدة تفوق هذا العدد؟!. ويكفينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حكماً على المعركة أنه قال عن الطرفين: دعواهما واحدة. فأي محاولة ماكرة لإدخال الهوى في هذه المعركة، أو محاولة اتهام أحد الطرفين بقصد الباطل وشهوة التسلط والحكم، أنه اتهام باطل، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد حدثنا أن دعوى الفريقين واحدة.

الجانب الثاني: حدد الرسول صلى الله عليه وسلم الفريق الذي أصاب الحق: وذلك فيما رواه الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان دعواهما واحدة، تمرق بينهما مارقة يقتلها أولاهما بالحق". وإسناده حسن. والفئة المارقة "الخوارج" والتي يقاتلها أولى الطائفتين بالحق. وقد قاتل عليّ رضي الله عنه الخوارج فعُلم أنه كان على الحق.

والجانب الثالث: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر في الأحاديث الصحيحة التي لا يرتقي الشك إليها أن عمّاراً بن ياسر تقتله الفئة الباغية: روى الشيخان قوله صلى الله عليه وسلم: "يا عمار تقتلك الفئة الباغية" فهذا حديث واضح وصريح في أن معاوية رضي الله عنه وصحبه في الشام قد بغوا على أمير المؤمنين عليّ، وهم الذين قتلوا عمار بن ياسر. مع أنهم معذورون في اجتهادهم فهم يقصدون الحق ويريدونه لكنهم لم يصيبوه. وفئة عليّ أولى منهم كما قال عليه الصلاة والسلام.

توقف القتال بمحاولة التحكيم الذي لم يصل إلى نتيجة وبقي عليّ هو الخليفة على معظم الأقاليم ما عدا الشام.

وتمر الأيام، ويقتل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه بسيف مسموم بيد الشقي عبدالرحمن بن ملجم بتخطيط من الخوارج. لقد تركت معركة النهروان والتي خاضها علي ضد الخوارج في نفوسهم جرحاً غائراً لم تزده الأيام والليالي إلا إيلاماً وحسرة، فاتفق نفر منهم على أن يفتكوا بعلي رضي الله عنه، ويثأروا لمن قتل من إخوانهم في النهروان.

كان من حديث ابن ملجم وأصحابه أن ابن ملجم، والبُرك بن عبد الله، وعمرو بن بكر التيمي اجتمعوا، فتذاكروا أمر الناس، وعابوا على ولاتهم، ثم ذكروا أهل النهر، فترحموا عليهم، وقالوا: ما نصنع بالبقاء بعدهم شيئا، إخواننا الذين كانوا دعاة الناس لعبادة ربهم، والذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، فلو شرينا أنفسهم فأتينا أئمة الضلالة فالتمسنا قتلهم فأرحنا منهم البلاد، وثأرنا بهم إخواننا، فقال ابن ملجم: أنا أكفيكم عليّ بن أبي طالب، وقال البرك بن عبد الله: وأنا أكفيكم معاوية. وقال عمرو بن أبي بكر: وأنا أكفيكم عمرو بن العاص. فتعاهدوا وتواثقوا بالله لا ينكص رجل منا عن صاحبه الذي توجه إليه حتى يقتله أو يموت دونه، فأخذوا أسيافهم، فسموها واتعدوا لسبع عشرة تخلو من رمضان أن يثب كل واحد منهم على صاحبه الذي توجه إليه، وأقبل كل رجل منهم إلى المصر الذي صاحبه فيه. وأتى ابن ملجم رجلا من أشجع يقال له: شبيب بن بجرة فقال له: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ قال: وما ذاك؟ قال: قتل عليّ بن أبي طالب، قال: ثكلتك أمك، لقد جئت شيئاً إدّا، كيف تقدر على عليّ، قال: أكمن له في المسجد فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه، فإن نجونا شفينا أنفسنا وأدركنا ثأرنا، وإن قُتلنا فما عند الله خير من الدنيا وما فيها، قال: ويحك لو كان غير عليّ لكان أهون، قد عرفتَ بلاءه في الإسلام، وسابقته مع النبي صلى الله عليه وسلم، وما أجدني أنشرح لقتله، قال: أما تعلم أنه قتل أهل النهر العباد الصالحين؟ قال: بلى، قال: فنقتله بمن قتل من إخواننا، فأجابه. وأخذوا أسيافهم وجلسوا مقابل السُدّة التي يخرج منها عليّ. قال ابن الحنفية: خرج عليّ لصلاة الغداة، فجعل ينادي: أيها الناس الصلاة الصلاة، فما أدري أخرج من السدة، فتكلم بهذه الكلمات أم لا، فنظرت إلى بريق، وسمعت: الحُكم لله يا عليّ لا لك ولا لأصحابك، فرأيت سيفاً، ثم رأيت ثانياً، ثم سمعت علياً يقول: لا يفوتنّكم الرجل، وشدّ الناس عليه من كل جانب، قال: فلم أبرح حتى أُخذ ابن ملجم وأُدخل على عليّ، فدخلت فيمن دخل من الناس، فسمعت علياً يقول: النفس بالنفس، أنا إن مت فاقتلوه كما قتلني، وإن بقيت رأيت فيه رأيي. جُمع الأطباء لعليّ رضي الله عنه يوم جرح، وكان أبصرهم بالطب أثير بن عمرو السكوني، فأخذ أثير رئة شاة حارة، فتتبع عرقا منها، فاستخرجه فأدخله في جرحه، ثم نفخ العرق فاستخرجه فإذا عليه بياض الدماغ، وإذا الضربة قد وصلت إلى أم رأسه، فقال: يا أمير المؤمنين، اعهد عهدك فإنك ميت. قال الذهبي عن عبد الرحمن بن ملجم: قاتل علي رضي الله عنه، خارجي مفتر. وهو عند الخوارج من أفضل الأمة، وفي ابن ملجم يقول عمران بن حطان الخارجي:

يا ضربة من تقي ما أراد بها

 

 

إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

 

إني لأذكره حيناً فأحسبه

 

 

أوفى البرية عند الله ميزانا

 

وابن ملجم عند الروافض أشقى الخلق في الآخرة، وهو عندنا أهل السنة ممن نرجو له النار، ونُجوّز أن الله يتجاوز عنه، لا كما يقول الخوارج والروافض فيه، وحكمه حكم قاتل عثمان، وقاتل الزبير، وقاتل طلحة، وقاتل سعيد بن جبير، وقاتل عمّار، وقاتل خارجة، وقاتل الحسين، فكل هؤلاء نبرأ منهم ونبغضهم في الله، ونكل أمورهم إلى الله عز وجل.

وأما البرك بن عبد الله فإنه في تلك الليلة التي ضُرب فيها عليّ قعد لمعاوية، فلما خرج ليصلي الغداة شد عليه بسيفه، فوقع السيف في إليته، فأُخذ، فقال: إن عندي خبراً أسرّك به الليلة فلأن أخبرتك فنافعي ذلك عندك؟ قال: نعم، قال: إن أخاً لي قتل علياً في مثل هذه الليلة، قال: فلعله لم يقدر على ذلك، قال: بلى، إن علياً يخرج ليس معه أحد يحرسه، فأمر به معاوية فقتل، وبعث معاوية إلى الساعدي - وكان طبيبا - فلما نظر إليه قال اختر إحدى خصلتين: إما أن أحمي حديدة فأضعها موضع السيف، وإما أن أسقيك شربة تقطع منها الولد وتبرأ منها، فإن ضربتك مسمومة، فقال معاوية أما النار فلا صبر لي عليها، وأما انقطاع الولد فإن في يزيد وعبدالله ما تقر به عيني، فسقاه تلك الشربة فبرأ، ولم يولد له بعدها، وأمر معاوية عند ذلك بالمقصورات وحرس الليل وقيام الشرطة على رأسه إذا سجد. وأما عمرو بن بكر فجلس لعمرو بن العاص تلك الليلة فلم يخرج، وكان اشتكى بطنه، فأمر خارجة بن حذافة، وكان صاحب شرطته، وكان من بني عامر بن لؤي، فخرج ليصلي، فشد عليه فقتله وهو يرى أنه عمرو بن العاص فضربه فقتله، فأمر عمرو بن العاص بقتله فقتل.

كانت مدة خلافة عليّ رضي الله عنه أربع سنين وتسعة أشهر وثلاثة أيام، وكانت وفاته شهيداً في اليوم الحادي والعشرين من شهر رمضان عام أربعين للهجرة. وقد تولى غسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، رضوان الله عليهم، وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص، وصلى عليه الحسن بن علي رضي الله عنهما. وأما موضع قبره فقد اختلف فيه. وفي الحقيقة فإن ابتداع ما يسمى مشهد علي رضي الله عنه بالنجف كان أيام بني بويه في عهد الدولة العباسية وكانوا من الشيعة الروافض، وقد صنع الشيعة ذلك على عاداتهم في القرن الرابع. ولما جاء خبر قتل عليّ إلى معاوية جعل يبكي، فقالت له امرأته أتبكيه وقد قاتلته؟ فقال: ويحكِ إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم.

إن الفرق الضالة والطوائف المنحرفة عندما تنتشر في بلاد المسلمين تعرض أهله للخطر، وتهدد الأمن والاستقرار وتشكك الناس في عقيدتهم، وتعيث في الأرض فساداً وخراباً، وتلك هي حال الخوارج المارقين الذين خرجوا على عليّ رضي الله عنه وكفروه، وقتله نفر منهم على حين بغتة، زاعمين أنهم يشرون أنفسهم بهذا الفعل ابتغاء مرضات الله، وما عندهم في ذلك مستند ولا برهان، إن هو إلا اتباع الأهواء وطاعة الشياطين، وإذا تبين لنا مما سبق أن الخوارج قد تسببوا في قتل عليّ رضي الله عنه وعرفنا مناهجهم الفاسدة، فالواجب على أمة الإسلام أن تحذر منهم، وتحارب مناهجهم، ويقوم العلماء والدعاة بواجبهم في ذلك ليستقر الأمن، وتظهر أنوار السنة، وتخمد نيران البدعة، وفعل ذلك وأداؤه على الوجه الأمثل بالتمكين لعقيدة أهل السنة والجماعة، ومقارعة البدعة والمبتدعين، وهذا كله من أسباب نهوض المجتمعات، وهذه هي الطريقة المثلى لجمع الشمل ووحدة الصف، ومن تأمل تاريخ الإسلام الطويل وجد أن الدول التي قامت على السنة هي التي جمعت شمل المسلمين، وقام بها الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعز به الإسلام قديماً وحديثاً، وهذا بخلاف الدول التي قامت على البدعة، وأشاعت الفوضى والفرقة والمحدثات، وفرقت الشمل فهذه سرعان ما تندثر وتنقرض.

وهكذا خرج أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب من هذه الدنيا بعد جهاد عظيم، وقد طويت بوفاته صفحة من أنصع صفحات التاريخ وأنقاها، فقد عَرَف فيه التاريخ رجلاً فذاً من طراز فريد، كانت همته في رضا الله تعالى، وكان همة انتصار الإسلام، وأعظم أمانيه سيادة أحكام الله في دنيا الناس، وأقصى غايته تحقيق العدالة بين أفراد رعيته.

إن دراسة عهد الخلفاء تمد أبناء الجيل بالعزائم الراشدية، التي تعيد إلى الحياة روعة الأيام الجميلة الماضية وبهجتها، وترشد الأجيال بأنه لن يصلح أواخر هذا الأمر إلا بما صلحت به أوائله، وتساعد الدعاة والعلماء وطلاب العلم على التأسي بذلك العهد الراشدي، ومعرفة خصائصه ومعالمه وصفات قادته وجيله، ونظام حكمه ومنهجه في السير في دنيا الناس، وذلك يساعد أبناء الأمة على إعادة دورها الحضاري من جديد.

 

والحمد لله أولاً وآخراً ...



 
حركة الجهاد والفتح الإسلامي في عهد الدولة الأموية

القائمة البريدية

57.14