خدمة rss
عمر بن الخطاب (4)

   

عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- (4)

الدرس الرابع

معركة القادسية

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد

 

لما علم الفاروق أن الفرس يعدون العدة ويتجمعون لاستئصال القوة القليلة من المسلمين المتبقية في العراق، أمر بالتجنيد الإجباري ذلك أن الحالة تقتضي ذلك، ولذلك أمر المثنى أن ينظر فيما حوله من القبائل ممن يصلح للقتال ويَقدِر عليه فيأتي به طائعاً أو غير طائع، وكان أول من عمل به في الإسلام. وأرسل الفاروق إلى عماله أن لا يدعوا أحداً له سلاح أو فرس أو نجدة أو رأي إلا أرسلوه إليه.

وهذه تعتبر المرحلة الثالثة في فتوحات العراق، تبدأ بتأمير سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- على الجهاد في العراق سنة 14هـ، فقد استهلت هذه السنة وعمر -رضي الله عنه- يحث الناس ويحرضهم على جهاد الفرس، وركب -رضي الله عنه- أول يوم من المحرم في هذه السنة في الجيوش من المدينة فنـزل على ماء يقال له صِرَار، فعسكر به عازماً على غزو العراق بنفسه واستخلف على المدينة عليّ بن أبي طالب، واستصحب معه عثمان بن عفان وسادات الصحابة، ثم عقد مجلساً لاستشارة الصحابة فيما عزم عليه ونودي الصلاة جامعة، وقد أرسل إلى عليّ فقدم من المدينة، ثم استشارهم فكلهم وافقوه على الذهاب إلى العراق إلا عبد الرحمن بن عوف فإنه قال له: إني أخشى إن كُسِرتَ أن تَضْعف المسلمون في سائر أقطار الأرض، وإني أرى أن تبعث رجلاً وترجع أنت إلى المدينة، فاستصوب عمر والناس عند ذلك رأي ابن عوف. فقال عمر: فمن ترى أن نبعث إلى العراق؟ فقال: قد وجدته قال: ومن هو؟ قال: الأسد في براثنه، سعد بن مالك الزهري فاستجاد قوله وأرسل إلى سعد، فأمّره على العراق وقال له: يا سعد لا يغرنك من الله إن قيل خالُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه، فإن الله لا يمحو السيء بالسيء ولكنه يمحو السيء بالحسن، وليس بين الله وبين أحد نسب إلا طاعته، فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء، فانظر الأمر الذي رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يلزمه فالزمه.

سار سعد إلى العراق ومعه أربعة آلاف مجاهد، وقيل في ستة آلاف، وشيعهم عمر. سار سعد بجيشه حتى نزل بمكان يقال له "زَرُود"، من بلاد نجد وأمدّه أمير المؤمنين بأربعة آلاف، واستطاع سعد أن يحشد سبعة آلاف آخرين من بلاد نجد، وكان المثنى بن حارثة الشيباني ينتظره في العراق ومعه اثنا عشر ألفاً. وأقام سعد بزرُود استعداداً للمعركة الفاصلة مع الفرس وانتظاراً لأمر أمير المؤمنين عمر -رضي الله عنهم- أجمعين، وقد كان عمر عظيم الاهتمام بهذه المعركة فلم يدع رئيساً ولا ذا رأي ولا ذا شرف ولا ذا سلطة ولا خطيباً ولا شاعراً إلا رماهم به، فرماهم بوجوه الناس وغررهم، وبينما كان سعد مقيماً بجيشه في زرود مرض المثنى مرضاً خطيراً يقول الرواة: إن الجراحة التي جُرحها يوم الجسر انتقضت عليه، واستشعر دنو أجله واشتد وجعه واستخلف على من معه بشير بن الخصاصية، وطلب المثنى أخاه المعنّى وأفضى إليه بوصيته وأمره أن يعجل به إلى سعد، ثم أسلم المثنى الروح إلى بارئها فانطفأ السراج المضيء وأفلت هذه الشمس المشرقة التي ملأت فتوح العراق نوراً ودفئاً.

جاء الأمر من عمر أمير المؤمنين إلى سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنهما- بالرحيل من زرود إلى العراق استعداداً لخوض المعركة الفاصلة مع الفرس، وقال عمر لسعد في رسائله: ابعث إليهم رجالاً من أهل النظر والرأي والجلد يدعونهم إلى الله فإن الله جاعل دعاءهم توهيناً لهم وفلجاً عليهم، واختار سعد نفراً عليهم مهابة ولهم منظر لأجسامهم ولهم آراء نافذة. تحرك هذا الوفد الميمون بقيادة النعمان بن مقرن، فوصلوا المدائن وأُدخلوا على ملك الفرس يزدجرد، فسألهم بواسطة ترجمانه: ما جاء بكم ودعاكم إلى غزونا والولوغ ببلادنا؟ أمن أجل أنّا تشاغلنا عنكم اجترأتم علينا؟ فتكلم عنهم النعمان بن مقرن، فقال: إن الله رحمنا، فأرسل إلينا رسولاً يأمرنا بالخير وينهانا عن الشر، ووعدنا على إجابته خيري الدنيا والآخرة، فنحن ندعوكم إلى ديننا، وهو دين حسّن الحسن، وقبّح القبيح كله، فإن أبيتم فأمر من الشر أهون من آخر شر منه: الجزية، فإن أبيتم فالمناجزة. فقال ملك الفرس يزدجرد : إني لا أعلم أمة في الأرض كانت أشقى ولا أقل عدداً ولا أسوأ ذات بين منكم، فقد كنا نوكل لكم قرى الضواحي فيكفونا أمركم، ولا تطمعون أن تقوموا لفارس، فإن كان غرور لحقكم فلا يغرنكم منا، وإن كان الجهد، فرضنا لكم قوتاً إلى خصبكم، وأكرمنا وجوهكم، وكسوناكم وملّكنا عليكم ملكاً يرفق بكم. فقام المغيرة بن زرارة، فقال: اختر إما الجزية عن يدٍ وأنت صاغر، أو السيف، وإلاّ فانج نفسك بالإسلام. فقال يزدجرد: لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم، لا شيء لكم عندي، ارجعوا إلى صاحبكم وأعلموه أني مرسل إليه رستم حتى يدفنه ويدفنكم في خندق القادسية. ولما وصل الوفد إلى سعد قالوا له أبشر: فوالله لقد أعطانا الله مفاتيح ملكهم.

ثم إن رستم خرج بجيشه الهائل، مائة ألف أو يزيدون، ولما علم سعد أمير جيش المسلمين خبر رستم، أرسل عمرو بن معد يكرب، وطليحة الأسدي يستكشفان خبر الجيش مع عشرة رجال، وسار رستم بجيشه من الحيرة حتى نزل القادسية أمام عسكر المسلمين، يحول بينهم النهر، ومع الفرس ثلاثة وثلاثون فيلاً.

من البطولات العجيبة التي حصلت قبل المعركة، أن دخل طليحة الأسدي معسكر رستم لوحده فصار يجوسه ويتوسم ما فيه لكي يعرف مقدار قوة جيش العدو، فشعروا به فخرج يحطّم عليهم أعمدة خيامهم وأخذ أمامه فرساً فركبوا في طلبه، فلحق به فارس منهم فقتله طليحة، ثم لحق به آخر فقتله أيضاً، فلحق به ثالث فكرّ عليه طليحة وأسره ودخل به على سعد فطلب الأمان، فأمّنه سعد وأتي بالترجمان فقال الفارسي: لقد باشرت الحروب منذ أنا غلام وسمعت بالأبطال ولم أرى مثل هذا! يدخل المعسكر بمفرده والجند آلاف ثم طلبناه فما أدركناه، فقتل الأول وهو عندنا بألف فارس، ثم الثاني وهو نظيره، ثم أدركته ولا أظنّ أني خلفت من بعدي من يعدلني، فرأيت الموت واستؤسرت، ثم أسلم هذا الأسير وحسن إسلامه.

نزل رستم وأرسل إلى سعد أن ابعث إلينا رجلاً نكلمه. فأرسل إليه: ربعيَّ بن عامر فجاءه وقد جلس على سرير من ذهب، وبُسُط النمارق والوسائد منسوجة بالذهب! فأقبل ربعيُّ على فرسه، وسيفه في خِرْقة ورمحه مشدود بعِصَب، فلما انتهى إلى البساط وطأه بفرسه، ثم نزل وربطها بوسادتين شقهما، وجعل الحبل فيهما، ثم أخذ عباءة بعيره فاشتملها، فأشاروا عليه بوضع سلاحه، فقال: لو أتيتك فعلت ذلك بأمركم، وإنما دعوتموني، ثم أقبل يتوكأ على رمحه ويُقارب خطوه حتى أفسد ما مرّ عليه من البُسط، ثم دنا من رستم، وجلس على الأرض، وركز رمحه على البساط، وقال: إنّا لا نقعد على زينتكم. فقال له رستم: ما جاء بكم؟ قال: الله جاء بنا، وهو بَعَثنا لنُخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومنْ ضيق الدُّنيا إلى سعتها، ومن جور الأدْيَان إلى عدل الإسلام، فأرسل لنا رسوله بدينه إلى خَلْقِهِ، فمن قبله قبلنا منه ورجعنا عنه وتركناه وأرضه، ومن أبى قاتلناه حتى نُفضي إلى الجنة أو الظَّفر. فقال رستم قد سمعنا قولكم، فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه؟ فقال: نعم، وإنَّ مما سَنَّ لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ألاّ نمكن الأعداء أكثر من ثلاث، فنحن مترددون عنكم ثلاثاً، فانظر في أمرك واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل: الإسلام وندعك وأرضك، أو الجزاء فنقبل ونكف عنك، وإن احتجت إلينا نصرناك، أو المنابذة  في اليوم الرابع إلا أن تبدأ بنا، وأنا كفيل عن أصحابي. فقال رستم أسيِّدهم أنت؟ قال: لا، ولكنّ المسلمين كالجسد الواحد بعضهم من بعض، يُجِيزُ أدناهم أعلاهم. ثم انصرف. فلما كان اليوم الثاني من نزوله، أرسل إلى سعد أن ابعث إلينا هذا الرجل. فأرسل إليه حذيفة بن مِحْصَن، فلم يختلف عن ربعي في العمل والإجابة، ولا غرابة، فهما مستقيان من إناء واحد وهو دين الإسلام. فقال له رستم: ما قَعَد بالأول عنا؟ قال: أميرُنا يَعْدل بيننا في الشدة والرّخاء، وهذه نوبتي. فقال رستم: والمواعدة إلى متى؟ قال: إلى ثلاث من أمس. وفي اليوم الثالث أرسل إلى سعد أن ابعث إلينا رجلاً. فأرسل إليه المغيرة بن شعبة فتوجه إليه، ولما كان بحضرته جلس معه على سريره، فأقبلت إليه الأعوان يجذبونه! فقال لهم: قد كانت تبلغنا عنكم الأحلام، ولا أرى قوماً أسفه منكم، إنا معشر العرب لا يستعبد بعضنا بعضاً، إلا أن يكون محارباً لصاحبه، فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى، وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني: أن بعضكم أرباب بعض، وأن هذا الأمر لا يستقيم فيكم، وأن مُلكاً لا يقوم على هذه السِّيرة ولا على هذه العقول.

لم ينتفع الفرس بدعوة الوفود، وتمادوا في غيهم ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، فأجمع الفرس على القتال واستعد المسلمون لذلك وعبر الفرس نهر العتيق، وقد خطب سعد بن أبي وقاص في الناس وتلا قول الله تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [(105) سورة الأنبياء]. وأمر القرّاء أن يشرعوا في سورة الأنفال، فقرئت ولما أتموا قراءتها هشت قلوب الناس وعيونهم، ونزلت السكينة وصلى الناس الظهر وأمر سعد جيشه أن يزحفوا بعد التكبيرة الرابعة وأن يقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله واستمرت المعركة أربعة أيام.

وقد كان سعد -رضي الله عنه- مريضاً بعرق النسا، وبه دمامل لا يستطيع الركوب ولا الجلوس فكان مكبِّا على صدره وتحته وسادة ويشرف على الميدان من قصر قُدَيْس الذي كان في القادسية وقد أناب عنه في تبليغ أوامره خالد بن عرفطة.

وقبل بدء القتال حصل اختلاف على خالد بن عرفطة نائب سعد، وكان ممن شغب عليه بعض وجوه الناس منهم أبو محجن الثقفي، فغصب سعد وهمّ بهم وقال: أما والله لولا أن عدوكم بحضرتكم لجعلتكم نكالاً لغيركم فحبسهم وقيدهم في القصر ومنعهم من المشاركة في القتال.

أطلق يوم أرماث على اليوم الأول من أيام القادسية، وقد وجه سعد -رضي الله عنه- بيانه إلى الجيش قائلاً: الزموا مواقفكم لا تحركوا شيئاً حتى تصلُّوا الظهر، فإذا صليتم الظهر فإني مكبِّر تكبيرة فكبروا واستعدوا، واعلموا أن التكبير لم يُعْطه أحد قبلكم، واعلموا أنّما أُعطيتموه تأييداً لكم، ثم إذا سمعتم الثانية فكبروا، ولتستتم عُدَتكم، ثم إذا كبرت الثالثة فكبروا، وليُنشِّط فرسانكم الناس ليبرزوا وليطاردوا، فإذا كبرت الرابعة فازحفوا جميعاً حتى تخالطوا عدوكم وقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله. وكان لأبطال المسلمين أثر ظاهر في النكاية بالعدو حيث قَتلوا وأَسروا عدداً من أبطالهم ولم يقتل من المسلمين أحد فيما ذُكر أثناء المبارزة، والمبارزة فنٌّ عسير من فنون الحرب لا يتقنه إلا الأبطال من الرجال، والمسلمون الأوائل متفوقون في هذا الفن على غيرهم دائماً، ولذلك هم المستفيدون من المبارزة. خرج فارسيٌّ يريد المبارزة، فقام له عمرو بن معد يكرب أحد فرسان اليمن، فبارزه فاعتنقه ثم جلد به الأرض فذبحه كما تذبح البهيمة، فرماه آخر بقوس من بعيد فعرفه عمرو فحمل عليه فاحتمله ووضعه بين يديه حتى دنا به من المسلمين فكسر عنقه ثم وضع السيف على حلقه فذبحه ثم ألقاه وقال: هكذا فاصنعوا بهم.

ولما رأى رستم تفوق المسلمين في مجالي المبارزة والمطاردة لم يمهلهم حتى يكملوا خطة قائدهم بل أمر جانباً من قواته بأن تهجم هجوماً عاماً على جانب جيش المسلمين، وهكذا هجم الفرس على أحد جناحي جيش المسلمين بثلاثة عشر فيلاً ففرقت الفيلة بين كتائب المسلمين، أبصر سعد -رضي الله عنه- الموقف فأرسل إلى بني أسد فشدُّوا عليهم فما زالوا يطعنونهم ويضربونهم حتى حبسوا الفيلة عنهم. عندها كبَّر سعد الرابعة، فزحف إليهم المسلمون ورحى الحرب تدور، فتوجهت كتيبة فقطعت أحزمة الفيلة لتسقط توابيتها التي تحمل المقاتلين فما بقي لهم يومئذ فيل إلا أُعْريَ، وقتل أصحابها، وتقابل الناس فاقتتلوا حتى غربت الشمس، ثم حتى ذهبت هدأة من الليل، ثم رجع هؤلاء وهؤلاء.

وكان يوم أغواث هو اليوم الثاني من أيام القادسية، وفي ليلة هذا اليوم قدمت طليعة جيش الشام يقودهم القعقاع بن عمرو التميمي وقد كان أمير المؤمنين عمر -رضي الله عنه- قد أمَر أمير الشام، أبا عبيدة بإعادة جيش خالد بن الوليد إلى العراق مدداً للمسلمين في القادسية، فأعادهم وأبقى خالداً عنده لحاجته إليه، وولَّى على هذا الجيش هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ابن أخي سعد وكان هذا الجيش تسعة آلاف حين قدم من العراق إلى الشام بقيادة خالد بن الوليد، وعاد منهم إلى العراق ستة آلاف، وقد ولَّى هاشم بن عتبة القعقاع بن عمرو على المقدمة وعددهم ألف مجاهد. أسرع القعقاع بمقدمته حتى قدم بهم على جيش القادسية صبيحة يوم أغواث، ثم نادى: من يبارز؟ فخرج إليه ذو الحاجب، فقال له القعقاع: من أنت؟ فقال: أنا بهمن جاذويه. وهنا تذكّر القعقاع مصيبة المسلمين الكبرى يوم الجسر على يد هذا القائد ولذلك لم يمهله القعقاع أن أوقعه أمام جنده قتيلاً فكان لقتله بهذه الصورة أثر كبير في زعزعة الفرس ورفع معنوية المسلمين لأنه كان قائداً لعشرين ألف مقاتل من الفرس. ثم نادى القعقاع مرة أخرى من يبارز؟ فخرج إليه رجلان أحدهم البيرزان والآخر البندوان، فانضم إلى القعقاع الحارث بن ظبيان، فبارز القعقاع بيرزان، فقتله القعقاع، وبارز ابن ظبيان بندوان وهو من أبطال الفرس فقتله ابن ظبيان، وهكذا قضى القعقاع في أول النهار على قائدين من قادة الفرس الخمسة. وانتهى اليوم الثاني من أيام القادسية.

في هذا اليوم، يوم أغواث، قام القعقاع بن عمرو وبنو عمه من تميم بمكيدة بالغة التأثير على الفرس، وذلك أنه لما علم بما فعلته الفيلة في اليوم الأول بخيول المسلمين، قام هو وقومه بتوفيق من الله تعالى بتهيئة الإبل لتظهر في مظهر مخيف للخيول، فألبسوها وحلَّلوها ووضعوا لها البراقع في وجوهها، وحملوا عليها المشاة وأحاطوها بالخيول لحمايتها، وهجموا بها على خيول الفرس، فجعلت تلك الإبل لا تصمد لقليل ولا لكثير إلا نفرت بهم خيلهم وركبتهم خيول المسلمين.

استمر القتال يوم أغواث إلى منتصف الليل، وسميت تلك الليلة ليلة السواد، وكان أبو محجن الثقفي محبوس في قيده كما ذكرنا، فصعد حين أمسى إلى سعد يستعفيه ويستقيله فنهره سعد وردّه. فنـزل فأتى سلمى بنت خَصفة امرأة سعد، فقال لها: هل لك إلى خير؟ قالت: وما ذاك؟ قال: تخلين عنّي وتعيرينني البلقاء - وهو فرس سعد - فلله عليّ إن سلمني الله أن أرجع إليك حتى أضع رجلي في قيدي ، وإن أُصبت فما أكثر من أفلت. فقالت: ما أنا وذاك. فرجع يرسف في قيوده حزيناً على نفسه والأبطال في حلبة القادسية وهو مقيّد، وصار يقول:

كفى حُزناً أن تَردِي الخيل بالقنا
إذا قُمت عنّاني الحديد وأغُلقت
وقد كنت ذا مالٍ كثيرٍ وإخوة
وقد شق جسمي أنني كلَّ شارفٍ
فلله درّي يوم أُتركَ موثقاً
حبست عن الحرب العوان وقد بدت
 ولله عهد لا أخيس بعهده

 

 

وأُترك مشدوداً عليّ وثاقيا
مصارع دوني قد تُصِمّ المناديا
فقد تركوني واحداً لا أخا لِيا
أعالج كبلاً مصمتاً قد برانيا
ويذهل عنّي أُسرتي ورجاليا
أعمال غيري يوم ذاك العواليا
لئن فُرّجت أن لا أزور الحوانيا

 

فسمعت سلمى منه وهو يردد هذه الأبيات فقالت: إني استخرت الله ورضيت بعهدك، فأطلقته. فاقتاد الفرس، وأخرجها من باب القصر فركبها، ثم دب عليها حتى إذا كان بحيال الميمنة كبر، ثم حمل على ميسرة القوم يلعب برمحه وسلاحه بين الصفين، ثم رجع من خلف المسلمين إلى الميسرة، فكبر على ميمنة القوم يلعب بين الصفين برمحه وسلاحه، فلما انتصف الليل تحاجز الناس وتراجع المسلمون، وأقبل أبو محجن حتى دخل من حيث خرج، فوضع عن نفسه ودابته وأعاد رجليه في قيوده. فقالت له سلمى: يا أبا محجن! في أي شيء حبسك سعد؟ قال: أما والله ما حبسني بحرام أكلته ولا شربته! ولكني كنت صاحب شراب في الجاهلية، وأنا امرؤ شاعر يدب الشعر على لساني، فيساء بي الظن ولذلك حبسني، وقد قلت:

إذا مت فادفني إلى أصل كرمة
ولا تدفني بالفلاة فإنني
وتروي بخمر الحص لحدي فإنني

 

 

تروي عظامي بعد موتي عروقها
أخاف إذا ما مت ألا أذوقها
أسير لها من بعد ما قد أسوقها

 

فجاء سعد، فقالت له امرأته: كيف كان قتالكم؟ فجعل يخبرها ويقول: لقينا ولقينا، حتى بعث الله رجلاً على فرس أبلق، لولا أني تركت أبا محجن في القيود لقلت: إنها بعض شمائل أبي محجن. فقالت: والله إنه لأبو محجن، كان من أمره كذا وكذا. فقصت عليه قصته. فدعا به وأطلقه وقال: اذهب فما أنا مؤاخذك بشيء تقوله حتى تفعله. فقال أبو محجن: وأنا لا أجيب لساني إلى صفة قبيح أبداً.

جاء اليوم الثالث من أسماء القادسية، يوم عِمَاس فقد قدَّم الفرس فيه فيلتهم بتخطيط جديد تلافوا به ما كان في اليوم الأول من قطع حبالهم، فجعلوا مع كل فيل رجالاً يحمونه ومع الرجال فرسان يحمونهم وظل المسلمون يقاتلون الفيلة ومن فوقها وحولها، ولقوا منها عنتاً شديداً، ولما رأى سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- ما يلاقي المسلمون منها أرسل إلى مسلمي الفرس الذين كانوا مع جيش المسلمين سألهم عن الفيلة هل لها مقاتل؟ فقالوا: نعم المشافر والعيون لا ينتفع بها بعدها، فأرسل إلى القعقاع وعاصم بن عمرو وقال لهما: أكفياني الفيل الأبيض والأجرب وكانت كلها آلفة لهما وكان بإزائهما، فأخذ القعقاع وعاصم رُمحَيهما ودبَّا إليه في كتيبة من الفرسان والرجال، فقالا لمن معهما: اكتنفوه لتحيروه فأصبح الفيل ينظر يمنة ويسرة متحيراً ممن حوله، ودنا منه القعقاع وعاصم فحملا عليه وهو متشاغل بمن حوله فوضعا رمحيهما معاً في عين الفيل الأبيض، ونفض رأسه فطرح سائسه، ودلَّى مشفره، فنفحه القعقاع بسيفه فرمى به، ووقع لجنبه فقتل من كان عليه. وفعلوا مثله بالفيل الآخر، وصاح الفيلان صياح الخنـزير، وكانت الفيلة تابعة لهما فرجعت على الفرس ورجعت معها الفيلة تطأ جيش الفرس حتى قطعت نهر العتيق وولَّت نحو المدائن وهلك من كان عليها، ولما خلا الميدان من الفيلة زحف الناس بعضهم على بعض واشتد القتال بينهم، وكان لدى الفرس جيش احتياطي من أهل النجدات والبأس، فكلما وقع خلل في جيشهم، أبلغوا يزدجرد فأرسل لهم من هؤلاء وقد انتهى ذلك اليوم والمسلمون وأعداؤهم على السواء.

بدأ القتال ليلة الهرير في اليوم الرابع، وقد غيّر الفرس هذه الليلة طريقتهم في القتال، فقد أدرك رستم أن جيشه لا يصل إلى مستوى فرسان المسلمين في المطاردة ولا يقاربهم، فعزم على أن يكون القتال زحفاً بجميع الجيش حتى يتفادى الانتكاسات السابقة التي تسببت في تحطيم معنويات جيشه، فلم يخرج أحد من الفرس للمبارزة والمطاردة بعدما انبعث لذلك أبطال المسلمين، وجعل رستم جيشه ثلاثة عشر صفاً في القلب والمجنَّبتين وبدأ القعقاع بن عمرو القتال وتبعه أهل النجدة والشجاعة قبل أن يكبر سعد، فسمح لهم بذلك واستغفر لهم، فلما كبر ثلاثاً زحف القادة وسائر الجيش، وكانوا ثلاثة صفوف، صفاً فيه الرماة وصفاً فيه الفرسان وصفاً فيه المشاة، وكان القتال في تلك الليلة عنيفاً، وقد اجتلدوا من أول الليل حتى الصباح لا ينطقون، كلامهم الهرير، فسمّيت ليلة الهرير، وقد أوصى المسلمون بعضهم بعضاً على بذل الجهد في القتال لما يتوقعونه من عنف الصراع، وكان القتال في تلك الليلة شديداً متواصلاً وقام زعماء القبائل يحثون قبائلهم على الثبات والصبر، ومما يبين عنف القتال في تلك الليلة، ما أخرجه الطبري عن أنس بن الحليس قال: شهدت ليلة الهرير، فكان صليل الحديد فيها كصوت القيون ليلتهم حتى الصباح، أفرغ عليهم الصبر إفراغاً وبات سعد بليلة لم يبت بمثلها، ورأى العرب والعجم أمراً لم يروا مثله قط، وانقطعت الأصوات والأخبار عن رستم وسعد، وأقبل سعد على الدعاء وكان مستجاب الدعوة.

أصبح المسلمون في اليوم الرابع وهم يقاتلون، فسار القعقاع بن عمرو في الناس فقال: إن الدَّبرة بعد ساعة لمن بدأ القوم، فاصبروا ساعة واحملوا، فإن النصر مع الصبر، فآثروا الصبر على الجزع، فاجتمع إليه جماعة من الرؤساء، وصمدوا لرستم حتى خالطوا الذين دونه مع الصبح ولما رأت ذلك القبائل قام فيها رجال، فقام قيس بن عبد يغوث والأشعث بن قيس، وعمرو بن معد يكرب، فقالوا: لا يكونن هؤلاء (يعني أهل فارس) أجرأ على الموت منكم، ولا أسخى أنفساً عن الدنيا، وقام في ربيعة رجال فقالوا: أنتم أعلم الناس بفارس وأجرؤهم عليهم فيما مضى، فما يمنعكم اليوم أن تكونوا أجرأ مما كنتم، واستطاع القعقاع ومن معه من الأبطال أن يفتحوا ثغرة عميقة في قلب الجيش الفارسي حتى وصلوا قريباً من رستم مع الظهيرة، وهنا تنـزّل نصر الله تعالى، وأمدَّ أولياءه بجنود من عنده فهبَّت ريح عاصف وهي الدَّبور، فاقتلعت طيارة رستم عن سريره، وألقتها في نهر العتيق، ومال الغبار على الفرس فعاقهم عن الدفاع. وتقدم القعقاع ومن معه حتى عثروا على سرير رستم وهم لا يرونه من الغبار، وكان رستم قد تركه واستظل ببغل فوقع على رستم وهو لا يشعر به فأزال من ظهره فقاراً، وهرب رستم نحو نهر العتيق لينجو بنفسه ولكن هلالاً أدركه فأمسك برجله وسحبه ثم قتله، وصعد السرير ثم نادى: قتلت رستم ورب الكعبة، إليَّ، فأطافوا به وما يرون السرير وكبَّروا وتنادوا، وانهزم قلب الفرس، أما بقية قادة المسلمين فإنهم تقدموا أيضاً فيمن يقابلهم وتقهقر الفرس أمامهم، ولما علم الجالينوس بمقتل رستم قام على الرّدم المُقام على النهر ونادى أهل فارس إلى العبور فراراً من القتل فعبروا، أما المقترنون بالسلاسل وعددهم ثلاثون ألفاً فإنهم تهافتوا في نهر العتيق فوخزهم المسلمون برماحهم، فما أفلت منهم أحد.

انتهت المعركة بتوفيق الله تعالى، ثم بجهود أبطال المسلمين وحكمة قائدهم سعد بن أبي وقاص، وكانت معركة عنيفة قاسية ثبت فيها الأعداء للمسلمين ثلاثة أيام حتى هزمهم الله في اليوم الرابع، بينما كان المسلمون يهزمون أعداءهم غالباً في يوم واحد، وكان من أسباب هذا الثبات أن الفرس كانوا يعتبرون هذه المعركة معركة مصير، فإما أن تبقى دولتهم مع الانتصار، وإما أن تزول دولتهم مع الهزيمة والاندحار ولا تقوم لهم قائمة، كما أن من أسباب ثباتهم وجود أكبر قادتهم رستم، على رأس القيادة، وهو قائد له تاريخ حافل بالانتصارات على أعدائه إضافة إلى تفوق الفرس في العدد والعُدد، حيث كان عدد الفرس عشرين ومائة ألف من المقاتلين من غير الأتباع، مع من كان يبعثهم يزدجرد مدداً كل يوم بينما كان عدد المسلمين بضعة وثلاثين ألفاً، ومع هذا كله انتصر المسلمون عليهم بعد أن قدموا ثمانية آلاف وخمسمائة من الشهداء، وهذا العدد من الشهداء هو أكبر عدد قدمه المسلمون في معاركهم في الفتوح الإسلامية الأولى.

وكيف لا ينتصر المسلمون وفيهم رجل عجوز أعمى مثل ابن أمّ مكتوم -رضي الله عنه وأرضاه-، قال أنس -رضي الله عنه-: رأيت يوم القادسية عبد الله بن أمّ مكتوم وعليه درعٌ يجرّ أطرافها وبيده راية سوداء فقيل له: أليس قد أنزل الله عذرك؟ قال: بلى، ولكني أُكثّر سواد المسلمين بنفسي. وقال: ادفعوا إليّ اللواء فإني أعمى لا أستطيع أن أفر، فأقيموني بين الصفين. واستشهد -رضي الله عنه وأرضاه- يوم القادسية، ودفن هناك ليعطّر تلكم البقعة بدمه الطاهر. إنها الهمم العالية والبذل العجيب في سبيل هذا الدين.

أمر سعد -رضي الله عنه- بعد ذلك بمطاردة فلول المنهزمين فوكل القعقاع ابن عمرو وشرحبيل بن السمط الكندي بمطاردة المنهزمين يميناً وشمالاً دون نهر العتيق، وأمر زُهرة بن الحوية بمطاردة الذين عبروا النهر مع قادتهم، وكان الفرس قد بثقوا النهر في الردم حتى لا يستطيع المسلمون متابعتهم، فاستطاع زهرة وثلاثمائة فارس أن يتجاوزوا بخيولهم وأمر من لا يستطيع بموافاتهم من طريق القنطرة، وكان أبعد قليلاً، ثم أدركوا القوم وكان الجالينوس وهو أحد قادتهم الكبار يسير في ساقة القوم يحميهم، فأدركه زهرة فنازله فاختلفا ضربتين فقتله زهرة وأخذ سلبه وطاردوا الفرس وقتلوا منهم، ثم أمسوا في القادسية مع المسلمين. وكتب سعد إلى أمير المؤمنين عمر -رضي الله عنهما- يخبره بالفتح.

ولا شك أن القادسية تقع على قمة قائمة المعارك الحاسمة في تاريخ العالم فهي تبين أنواعاً من التمكين الرباني لأهل الإيمان الصحيح، فقد انفتحت على آثارها أبواب العراق، ومن وراء العراق فارس كلها، وهي التي من عندها استطرد نصر المسلمين، فاستطرد معه السقوط الساساني من الناحيتين الحربية والسياسية، والسقوط المجوسي من الناحية الدينية العقائدية، ومن هنا انساح دين الإسلام في بلاد فارس وما وراءها، ففي القادسية كسر المسلمون شوكة المجوس كسرة لم ينجبر شأنهُم بعدها أبداً، وبهذا استحقت القادسية مكانها على قمة المعارك الحاسمة في تاريخ البشر.


  

التعليقات

mfcemi

V5lljE pgxtvslhaovu, [url=http://qscpuwfpodwr.com/]qscpuwfpodwr[/url], [link=http://kewxryywgakz.com/]kewxryywgakz[/link], http://pbwhqjxophas.com/

شكرا جزيلا

اشكرك جزيلا وجزاك الله خير وجعله الله في ميزان حسناتك ان شاء الله.

العاب العاب طخ قصص منتديات

hNWSDwBI

tqSIoqXS hNWSDwBI

viagra price

wPRIAf viagra price >:-OOO cialis dose XiQsjW

viagra

mPRvhjg viagra 5386 cialis daily 8324

viagra generic

vwgRcZ viagra generic 3220 cialis uDPsPu

viagra

Qooxqsb viagra 8]]] cialis online dGRjBj

viagra

JjUXuMoU viagra :-O cialis daily 5663

cheap cialis

GhdUwZ cheap cialis fjNHW kamagra =-]

viagra

shmosxr viagra 8]]] viagra price gYqen

E-Cigarettes

gAyXMLI E-Cigarettes hCCLfZ

suhagra

dyYkjFb suhagra xHBfp

viagra

ojdtWtj viagra GAVBk viagra dosage 8]]]

cialis

AlOzZn cialis xYFZc cialis dose %-[[[

viagra

KJSbxbdn viagra 0943 cialis >:-OOO cialis 3782 viagra %-[[[

viagra

kZWkNLRr viagra AnoeC cialis dosage %-[[[ buy viagra =-] cialis soft >:-OOO

cialis

FoXYdUIS cialis 5392 viagra >:-OOO generic viagra jjUIK cialisonline lcQNYU

viagra

EfDZkUR viagra :-O buy viagra 1041 cialis 6783 cialis 1807

cialis

uTEZbkj cialis 5957 viagra KTdVuK cheap viagra cHLfD cialis RGxyU

cialis barato

RgSQPn cialis barato :-O viagra 6157 Cialis 6785 Kamagra nIzduI kamagra preço 5408 levitra >:-[

cialis

rowdepth cialis wqYfZD viagra 7966 kamagra 6534 kamagra oral jelly 9793 viagra ZWQdfj levitra BLJfC

viagra

CjTmiYn viagra qKJNUD levitra precio tszzzE cialis bagMVF viagra Genérico 2207 cialis on line %-[[[ kamagra ZvQKGa

venta viagra

SzZAqaym venta viagra >:-OOO cialis =-] levitra xwouc cialis hWgIXR Cheap viagra ZSWXKm kamagra rezeptfrei >:-OOO

viagra

SkKLwsc viagra =-] cialis daily 0871 viagra sWFnj cialis dosage 6548

kamagra

XWIYyCy kamagra >:]] levitra HClLr viagra bijwerkingen 9131 levitra 8759 cialis >:-OOO viagra uten resept 8]]]

viagra

kRwKbcf viagra csRnN cialis 0236 köp viagra online 2287 viagra 4633

payday loans

ytzkvf payday loans sZlhqe

kamagra

rqSkzsuX kamagra 0035 viagra vHCaH levitra >:]] viagra 7843 cialis prix WzysOj viagra :-O

cialis

SfeAWPJE cialis :-O levitra cxeXMP viagra voorschrift =-] viagra >:-OOO aquista kamagra ThGxsc levitra 7666

levitra

xmaYyO levitra >:-OOO kamagra 4253 kamagra 3850 Kamagra 0829 Viagra online 8432 köp cialis xjhhGG

viagra

zFyIHs viagra %-[[[ cialis 7360 Cialis dUpYLz Levitra 5928 buy Priligy %-[[[


 
حركة الجهاد والفتح الإسلامي في عهد الدولة الأموية

القائمة البريدية

219.93