عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – (3)
الدرس الثالث
(مع ولاته - فتوحات العراق)
الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد
عندما قويت شوكة الإسلام بالفتوحات العظيمة وبالذات بعد القضاء على القوتين العظيمتين الفرس والروم، تعددت موارد المال في الدولة الإسلامية وكثرت مصارفه، وللمحافظة على كيان هذه الدولة المترامية الأطراف وصون عزها وسلطانها، وضمان مصالح العامة، والخاصة كان لابد من سياسة مالية حكيمة ورشيدة، فكر لها عمر -رضي الله عنه-، ألا وهي إيجاد مورد مالي ثابت ودائم للقيام بهذه المهام، وهذا المورد هو: الخراج. فقد أراد الفاتحون أن تقسم عليهم الغنائم من أموال وأراضٍ وقد قال عمر فيما قاله: لو قسمتها بينهم لصارت دُولة بين الأغنياء منكم، ولم يكن لمن جاء بعدهم من المسلمين شيء، وقد جعل الله لهم فيها الحق بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ} [(10) سورة الحشر]، وبعد ذلك استقر رأي عمر وكبار الصحابة -رضي الله عنهم- على عدم قسمة الأرض، وبذلك لم يكن الفاروق مخالفاً للهدي النبوي في عدم تقسيمه للأراضي المفتوحة، وقد كان سنده عمل النبي -صلى الله عليه وسلم- حينما فتح مكة عنوة فتركها لأهلها ولم يضع عليها خراجاً.
وأيضاً العشور: وهي الأموال التي يتم تحصيلها على التجارة التي تمر عبر حدود الدولة الإسلامية سواء داخلة أو خارجة من أراضي الدولة، وهي أشبه ما تكون بالرسوم الجمركية في العصر الحاضر، ويقوم بتحصيلها موظف يقال له (العاشر) أي الذي يأخذ العشور، ولم يكن لهذه الضريبة وجود في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وخليفته الأول أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-؛ لأن تلك الفترة كانت فترة دعوة إلى الإسلام، والجهاد في سبيل نشره، وبناء الدولة الإسلامية، فلما اتسعت الدولة في عهد الخليفة عمر -رضي الله عنه-، وامتدت حدودها شرقاً وغرباً وصار التبادل التجاري مع الدول المجاورة، ضرورة تمليها المصلحة العامة، رأى الخليفة عمر -رضي الله عنه- أن يفرض تلك الضريبة على الواردين إلى دار الإسلام، كما كان أهل الحرب يأخذونها من تجار المسلمين القادمين إلى بلادهم، معاملة بالمثل وقد أجمع المؤرخون، أن أول من وضع العشر في الإسلام عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وذلك عندما كتب إليه أهل "منبج" ومن وراء بحر عدن يعرضون عليه أن يدخلوا بتجارتهم أرض العرب وله منها العشر فشاور عمر في ذلك أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- فأجمعوا على ذلك، فهو أول من أخذ منهم العشور، ولكن عمر أراد أن يتأكد من مقدار ما تأخذه الدول الأخرى من تجار المسلمين إذا اجتازوا حدودهم، فسأل المسلمين كيف يصنع بكم الحبشة إذا دخلتم أرضهم؟ قالوا: يأخذون عشر ما معنا، قال: فخذوا منهم مثل ما يأخذون منكم، وسأل أيضاً عثمان بن حنيف كم يأخذ منكم أهل الحرب إذا أتيتم دارهم؟ قال: العشر، قال عمر: فكذلك فخذوا منهم.
وفي بداية الدولة الإسلامية لم يكن هناك بيت مال بالمعنى الذي عرف به فيما بعد فقد كانت سياسة الرسول -صلى الله عليه وسلم- تقوم على أن لا يؤخر تقسيم الأموال أو إنفاقها، وقد سار أبو بكر على نهج النبي -صلى الله عليه وسلم-، ونهج الفاروق طريق صاحبيه في أول خلافته، حتى اتسع سلطان الدولة شرقاً وغرباً، فبدأ بالتفكير في طريقة يدبر فيها ما تجمع لدى الخليفة من أموال الفتوحات وغنائمها، وإيرادات الجزية والخراج والصدقات فكثرت الجيوش واحتاجت إلى ضبط احتياجاتها وأسماء رجالها خوفاً من ترك أحدهم دون عطاء، أو تكرار العطاء للآخرين وتوالت حملات الفتح وانتصاراتها، فكثرت الأموال بشكل لم يكن معروفاً لدى المسلمين من قبل، فرأى أمير المؤمنين عمر أن لا طاقة للخليفة وأمرائه بضبطها، وأنه ليس من الحكمة الاقتصادية أن يترك زمام الأمور المالية بيد العمال والولاة دون أن يضبطها عداً أو يحصيها حساباً، فكان نتيجة ذلك التفكير ملياً في وضع قواعد ثابتة لهذه الأموال، ومن هنا نشأ الديوان، وكان عمر -رضي الله عنه- هو أول من وضع الديوان في الدولة الإسلامية وقصة ذلك كما تناقلها المؤرخون: أن أبا هريرة -رضي الله عنه- قال: قدمت من البحرين بخمسمائة ألف درهم فأتيت عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فسألني عن الناس، فأخبرته، ثم قال لي: ماذا جئت به؟ قال: قلت: جئت بخمسمائة ألف، قال: ويحك. هل تدري ما تقول؟ قلت: نعم، مائة ألف، ومائة ألف، ومائة ألف، ومائة ألف، ومائة ألف. قال: إنك ناعس، ارجع إلى أهلك، فنم، فإذا أصبحت فائتني، فلما أصبحت أتيته، فقال: ماذا جئت به؟ قلت جئت بخمسمائة ألف، قال: ويحك! هل تدري ما تقول؟! قلت: نعم، مائة ألف، حتى عدها خمس مرات، يعدها بأصابعه الخمس، قال أطيّب؟ قلت: لا أعلم إلا ذلك. قال: فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنه قد جاءنا مال كثير، فإن شئتم أن نكيلكم كيلاً، وإن شئتم أن نعدكم عداً، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إني قد رأيت هؤلاء الأعاجم يدونون ديواناً لهم، فاشتهى عمر ذلك، وبدأ عمر -رضي الله عنه- تسجيله بديوان سجل فيه أصحاب الأعطيات ومقدار أعطياتهم، وسمَّى ديوان الجند على أساس أن جميع العرب المسلمين جنود للجهاد في سبيل الله، فبدأ سجله للجيش ببني هاشم الأقرب فالأقرب من رسول الله ثم بمن بعدهم طبقة بعد طبقة، وجعل لكل واحد من المسلمين مبلغاً محدداً، وفرض لزوجات النبي -صلى الله عليه وسلم- وسراريه، وسائر المسلمين من الرجال والنساء والأطفال منذ الولادة والعبيد بمقادير مختلفة، وبإخراج هذا الديوان أظهر عمر اهتمامه بأمر الجهاد في سبيل الله، واعتنى بأمر المجاهدين حفظاً لحقوقهم، وعمل سجل الجند باللغة العربية بالمدينة على يد نفر من نوابغ قريش وعلماء الأنساب منهم، ثم أمر بعمل الدواوين في أقاليم الدولة الإسلامية، فدونت بلغة البلاد المفتوحة، ولم يتم تعريبها إلا في خلافة عبد الملك بن مروان وابنه الوليد، وبعد تدوين الدواوين صار عمر يجمع المال مدة سنة ثم يقسمه بين الناس؛ لأنه يرى أن جمعه أعظم للبركة، فكان جمع المال يستلزم أن يكون له أمناء فكان زيد بن أرقم على بيت المال في عهد عمر.
كما أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- اتخذ في عهده داراً خاصة أطلق عليها (دار الدقيق)، وذلك أنه جعل فيها الدقيق والسويق والتمر والزبيب وما يُحتاج إليه، يُعين به المنقطع به، والضيف ومن ينـزل بعمر، ووضع عمر في طريق السبل ما بين مكة والمدينة ما يصلح من ينقطع به، ويحمل من ماء إلى ماء.
اهتم عمر -رضي الله عنه- بأمر الجند فنظم ديوان الجيش، وسار في تقسيم الأرزاق فيه على أساس القربى من النسب النبوي الشريف، والسابقة للإسلام، وبذلك أصبح في مقدمة أصحاب المعاشات آل بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهم بنو هاشم وكان العباس يتسلمها ويوزعها عليهم، ثم زوجات النبي -صلى الله عليه وسلم- وتختص كل واحدة بمعاش مستقل عن آل البيت أما بقية المسلمين فقد قسموا إلى طبقات حسب ترتيب اشتراكهم في الجهاد في سبيل الله، فبدأ بأهل بدر، ثم من حاربوا بعد بدر إلى الحديبية، ثم من حاربوا من الحديبية إلى آخر حروب الردة ثم من تلاهم من شهد القادسية واليرموك وهكذا، كما أنه جعل مخصصات لزوجات المحاربين وأطفالهم منذ الولادة ولم يغفل أمر الغلمان، واللقطاء، بل خصص لهم أعطيات سنوية، أدناها مائة درهم، تتزايد عند بلوغهم، كما فرض للموالي من ألفين إلى ألف، وكان عطاء المهاجرين والأنصار أربعة آلاف درهم، لكل واحد سنوياً سوى عبد الله بن عمر بن الخطاب فإنه فرض له ثلاثة آلاف وخمسمائة درهم معللاً ذلك بأنه هاجر به أبوه أي ليس كمن هاجر بنفسه.
وقد رأى الخليفة عمر -رضي الله عنه- أن لكل مسلم حقاً في بيت المال، منذ أن يولد حتى يموت، ولقد أعلن هذا المبدأ بقوله: والله الذي لا إله إلا هو ما من أحد إلا له في هذا المال حق أُعطيَه أو مُنِعَه، وما أحد بأحق به من أحد إلا عبد مملوك، وما أنا فيه إلا كأحدكم، ولكنا على منازلنا من كتاب الله وقسمنا من رسول الله فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقدمه في الإسلام، والرجل وغناؤه في الإسلام، والرجل وحاجته، والله لئن بقيت ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو مكانه قبل أن يُخمَّرَ وجهه.
سار الفاروق -رضي الله عنه- على المنهج النبوي الشريف في اختيار الولاة، فكان لا يولي إلا الأكفاء والأمناء والأصلح من غيرهم على القيام بالأعمال، ويتحرى في الاختيار والمفاصلة غاية جهده ولا يستعمل من يطلب الولاية، وكان يرى أن اختيار الولاة من باب أداء الأمانات، بحيث يجب عليه أن يعين على كل عمل أصلح من يجده، فإن عدل عن الأصلح إلى غيره مع عدم وجود ما يبرر ذلك، يكون قد خان الله ورسوله والمؤمنين.
كان عمر حريصاً على أن لا يولي أحداً من أقاربه رغم كفاية بعضهم وسبقه إلى الإسلام مثل سعيد بن زيد ابن عمه وعبد الله بن عمر ابنه، وقد سمعه رجل من أصحابه يشكو إعضال أهل الكوفة به في أمر ولاتهم. وقول عمر: لوددت أني وجدت رجلاً قوياً أميناً مسلماً أستعمله عليهم. فقال الرجل: أنا والله أدلك عليه، عبد الله بن عمر، فقال عمر: قاتلك الله والله ما أردت الله بهذا.
وكان لا يولي عملاً لرجل يطلبه، وكان يقول في ذلك: من طلب هذا الأمر لم يُعن عليه، وقد سار على هذا النهج اقتداء بسنة الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
وكان يمنع عماله وولاته من الدخول في الصفقات العامة سواءً أكانوا بائعين أو مشترين، روي أن عاملاً لعمر بن الخطاب اسمه الحارث بن كعب بن وهب، ظهر عليه الثراء، فسأله عمر عن مصدر ثرائه فأجاب: خرجت بنفقة معي فاتجرت بها. فقال عمر: أما والله ما بعثناكم لتتجروا وأخذ منه ما حصل عليه من ربح. وكان يحصي أموال العمال والولاة قبل الولاية ليحاسبهم على ما زادوه بعد الولاية مما لا يدخل في عداد الزيادة المعقولة، ومن تعلل منهم بالتجارة لم يقبل منه دعواه وكان يقول لهم: إنما بعثناكم ولاة ولم نبعثكم تجاراً.
وكان الوفد إذا قدموا على عمر -رضي الله عنه- سألهم عن أميرهم فيقولون خيراً، فيقول هل يعود مرضاكم؟ فيقولون نعم، فيقول هل يعود العبد؟ فيقولون نعم، فيقول كيف صنيعه بالضعيف؟ هل يجلس على بابه؟ فإن قالوا لخصلة منها لا، عزله، وكان يقوم بعزل العامل إذا بلغه أنه لا يعود المريض ولا يدخل عليه الضعيف.
وكان -رضي الله عنه- يطلب من ولاته القادمين إلى المدينة أن يدخلوها نهاراً، ولا يدخلوها ليلاً، حتى يظهر ما يكون قد جاءوا به من أموال ومغانم فيسهل السؤال والحساب. وكان يطلب من الولاة أن يرسلوا وفوداً من أهل البلاد ليسألهم عن بلادهم، وعن الخراج المفروض عليهم ليتأكد بذلك من عدم ظلمهم. وكان يرسل البريد إلى الولاة في الأمصار فقد كان يأمر عامل البريد عندما يريد العودة إلى المدينة أن ينادي في الناس من الذي يريد إرسال رسالة إلى أمير المؤمنين؟ حتى يحملها إليه دون تدخل من والي البلد، وكان صاحب البريد نفسه لا يعلم شيئاً من هذه الرسائل، وبالتالي يكون المجال مفتوحاً أمام الناس لرفع أي شكوى أو مظلمة إلى عمر نفسه دون أن يعلم الوالي أو رجاله بذلك، وحينما يصل حامل الرسائل إلى عمر ينثر ما معه من صحف ويقرأها عمر ويرى ما فيها. وكان محمد بن مسلمة الأنصاري يستعين به الفاروق في متابعة الولاة ومحاسبتهم والتأكد من الشكاوى التي تأتي ضدهم، فكان موقع محمد بن مسلمة كالمفتش العام في دولة الخلافة. وكان موسم الحج فرصة لعمر ليستقي أخبار رعيته وولاته، فجعله موسماً للمراجعة والمحاسبة واستطلاع الآراء في شتى الأنحاء، فيجتمع فيه أصحاب الشكايات والمظالم، ويفد فيه الرقباء الذين كان عمر يبثهم في أرجاء دولته لمراقبة العمال والولاة ويأتي العمال أنفسهم لتقديم كشف الحساب عن أعمالهم.
كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إذا استعمل عاملاً كتب عليه كتاباً، وأشهد عليه رهطاً من الأنصار: أن لا يركب برذوناً، ولا يأكل نقياً، ولا يلبس رقيقاً، ولا يغلق بابه دون حاجات المسلمين ثم يقول: اللهم فاشهد.
وهذه الشروط تعني الالتزام بحياة الزهد والتواضع للناس، وهي خطوة أولى في إصلاح الأمة بحملها على التوسط في المعيشة، واللباس والمراكب، وبهذه الحياة التي تقوم على الاعتدال تستقيم أمورها، وهي خطة حكيمة، فإن عمر لا يستطيع أن يلزم جميع أفراد الأمة بأمر لا يعتبر واجباً في الإسلام، ولكنه يستطيع أن يلزم بذلك الولاة والقادة، وإذا التزموا فإنهم القدوة الأولى في المجتمع، وهي خطة ناجحة في إصلاح المجتمع وحمايته من أسباب الانهيار.
كان تفكير عمر قبل مقتله أن يجول على الولايات شخصياً لمراقبة العمال وتفقد أحوال الرعية، والاطمئنان على أمور الدولة المترامية، قال عمر: لئن عشت إن شاء الله لأسيرن في الرعية حولا، فإني أعلم أن للناس حوائج تقطع دوني، أما عمالهم فلا يدفعونها إليّ، وأما هم فلا يصلون إليّ، فأسير إلى الشام فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى الجزيرة فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى الكوفة فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البصرة فأقيم بها شهرين، ثم والله لنعم الحول هذا، وقد طبق عمر شيئاً من هذا خصوصاً في ولاية الشام حيث سار إليها عدة مرات وتفقد أحوالها ودخل بيوت ولاتها وأمرائها، ليعرف أحوالهم عن كثب.
استعمل عياض بن غنم على الشام فبلغه أنه اتخذ حمّاماً واتخذ نوّاباً، فكتب إليه أن يقدم عليه، فقدم، فحجبه ثلاثاً، ثم أذن له ودعا بجبة صوف، فقال البس هذه، وأعطاه كنف الراعي وثلاثمائة شاة وقال انعق بها، فنعق بها فلما جازه هنيهة، قال: أقبل، فأقبل يسعى حتى أتاه، فقال: اصنع بكذا وكذا، اذهب فذهب، حتى إذا تباعد ناداه: يا عياض أقبل فلم يزل يردده حتى عرّقه في جبينه، قال أوردها عليّ يوم كذا وكذا، فأوردها لذلك اليوم، فخرج عمر -رضي الله عنه- فقال انزع عليها فاستقى حتى ملأ الحوض فسقاها ثم قال: انعق بها، فإذا كان يوم كذا فأوردها فلم يزل يعمل به حتى مضى شهران أو ثلاثة، ثم دعاه فقال: هيه اتخذت نواباً واتخذت حمّاماً أتعود قال: لا، قال: ارجع إلى عملك، وقد كانت نتيجة هذه العقوبة التأديبية أن أصبح عياض بعد ذلك من أفضل عمّال عمر -رضي الله عنه-.
ومن سياسته أيضاً مع ولاته أنه كان يخشي أن يكون الولاة قد اكتسبوا شيئاً من الأموال بسبب ولايتهم، فكان يشاطرهم أموالهم. وقام أيضا بمشاطرة بعض أقارب الولاة لأموالهم إذا ما رأى مبرراً لذلك، فقد أخذ من أبي بكرة نصف ماله، فاعترض أبو بكرة قائلاً: إني لم آلِ لك عملاً؟ فقال عمر: ولكن أخاك على بيت المال، فهو يقرضك المال تتجر به.
أنتقل بعد هذا إلى ما بذله الفاروق -رضي الله عنه- في الفتوحات الإسلامية.
لما مات الصديق -رضي الله عنه- ودفن ليلة الثلاثاء الثاني والعشرين من شهر جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة، أصبح عمر فندب الناس وحثهم على قتال أهل العراق وحرضهم ورغبهم في الثواب على ذلك، فلم يقم أحد لأن الناس كانوا يكرهون قتال الفرس لقوة سطوتهم، وشدة قتالهم، ثم ندبهم في اليوم الثاني والثالث فلم يقم أحد، وتكلم المثنى بن حارثة فأحسن وأخبرهم بما فتح الله تعالى على يدي خالد من معظم أرض العراق ومالهم هناك من الأموال والأملاك والأمتعة والزاد، فلم يقم أحد في اليوم الثالث فلما كان اليوم الرابع كان أول من انتدب من المسلمين أبو عبيد بن مسعود الثقفي ثم تتابع الناس في الإجابة، وكان سليط بن قيس الأنصاري قد استجاب لنداء عمر بعد أبي عبيد الثقفي وقال: يا أمير المؤمنين إنما كان عن هؤلاء الفرس إلى وقتنا هذا شقشقة من شقاشق الشيطان، ألا وإني قد وهبت نفسي لله أنا ومن أجابني من بني عمي ومن اتبعني، فكان لكلام سليط هذا أثر قوي في تشجيع الناس ورفع معنوياتهم وزيادة رغبتهم في جهاد الفرس، وطالبوا الخليفة أن يوليَ عليهم رجلاً من المهاجرين أو الأنصار فقال عمر: والله ما أجد لها أحق من الذي ندب الناس بدءاً ولولا أن سليطاً عجولٌ في الحرب لأمّرته عليكم ولكن أبو عبيد هو الأمير وسليط هو الوزير فقال الناس سمعاً وطاعة. فقيل لعمر: هلا أمّرت عليهم رجلاً من الصحابة؟ فقال: إنما أؤمّر أول من استجاب، إنكم إنما سبقتم الناس بنصرة هذا الدين، وإن هذا هو الذي استجاب قبلكم. ثم دعاه فوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيراً، وأمره أن يستشير أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وأن يستشير سليط بن قيس فإنه رجل باشر الحروب. ثم أمر المثنى بن حارثة أن يتقدم إلى أن يلحقه الجيش وأمره أن يستنفر من حسنت توبته من المرتدين، فسار مسرعاً حتى وصل الحيرة، وكان عمر -رضي الله عنه- يتابع جبهات العراق والفرس والشام ويمد الجيوش بالإمدادات ويرسل لهم التعليمات والأوامر، ويضع الخطط للمعارك ويشرف بنفسه على تنفيذها.
سار المسلمون إلى أرض العراق وهم سبعة آلاف رجل، وكتب عمر إلى أبي عبيدة أن يرسل من كان بالعراق ممن قدم مع خالد إلى العراق فجهز عشرة آلاف عليهم هاشم بن عتبة، وأرسل عمر، جرير بن عبد الله البجلي في أربعة آلاف إلى العراق فقدم الكوفة، فلما وصل الناس إلى العراق وجدوا الفرس مضطربين في ملكهم، وآخر ما استقر عليه أمرهم أن ملّكوا عليهم بوران بنت كسرى بعد ما قتلوا التي كانت قبلها وفوضت بوارن أمر الملك عشر سنين إلى رجل منهم يقال له رستم على أن يقوم بأمر الحرب، ثم يصير الملك إلى آل كسرى فقبل ذلك. وكان رستم هذا منجماً يعرف النجوم وعِلْمها جيداً فقيل له ما حملك على هذا؟ يعنون وأنت تعلم أن هذا الأمر لا يتم لك فقال: الطمع وحب الشرف.
وأولى المعارك التي وقعت هناك معركة النمارق، وقد كانت هذه المعركة عقب وصول أبي عبيد وتوّليه قيادة الجيوش من العراق، وكأنما أراد منها الفرس أن يرهبوا أبا عبيد أول من انتُدب، حتى يقهروا في نفسه إرادة الظفر ورغبة النصر، فأعدوا لها القوى الداخلية، وعبؤوا الجند، ولقوا فيها المسلمين من خلفهم ومن بين أيديهم ومن أمامهم، وجنداً ليواقعوا المثنى. وبلغ المثنى ذلك، فضم إليه مسالحه وحَذِر ونزل أبو عبيد والمثنى ثم كان اللقاء في النمارق، وكان قتالاً شديداً هزم الله فيه أهل فارس وأُسر جابان القائد وكان الذي أسر جابان مطر بن فضة التميمي وهو لا يعرفه، فخدعه جابان حتى تفلَّت منه بشيء فخلَّى عنه، فأخذه المسلمون فأتوا به أبا عبيد وأخبروه أنه قائد الفرس وأشاروا عليه بقتله فقال: إني أخاف الله أن أقتله وقد أمّنه رجل مسلم، والمسلمون في التّواد والتناصر كالجسد ما لزم بعضهم فقد لزمهم كلهم فقالوا: إنه الملك يعني القائد قال: وإن كان، لا أغدر، فتركه. وهذا الموقف من أبي عبيد الثقفي يعتبر مثالاً على سماحة المسلمين ووفائهم بالعهود وإن أبرمها بعض أفرادهم، ولا شك أن هذه الأخلاق العالية كان لها أثر كبير في اجتذاب الناس إلى الدخول في الإسلام، فحينما يتسامع الناس أن المسلمين أطلقوا أحد قادة الفرس الذين كانوا أسرع الناس في عدائهم لمجرد أنه اتفق مع أحد المسلمين على الفداء فإنهم ينجذبون إلى هذا الدين الذي أخرج هؤلاء الرجال.
ولا ننسى موقف المثنى بن حارثة الرائع حيث استلم الإمارة أبي عبيد مع أنه يَقْدمُ العراق لأول مرة؛ لأن أمير المؤمنين أمّره عليه، فكان نعم القائد ونعم الجندي، وهذه من سجايا المثنى فقد فعل ذلك مع خالد بن الوليد من قبل ولم يختلف عطاؤه للإسلام في حالي القيادة والجندية، وهكذا يكون عظماء الرجال.
ركب أبو عبيد في آثار من انهزم منهم وقد لجأوا إلى مدينة كَسْكَر، وهي لابن خالة كسرى واسمه نَرْسي، فوازرهم نرسي على قتال أبي عبيد، فلقيهم أبو عبيد فقهرهم، وغنم منهم شيئاً كثيراً وأطعمات كثيرة جداً، وهرب نرسي وغلب المسلمون على عسكره وأرضه، ووجدوا في خزائنه شيئاً عظيماً ولم يكونوا بشيء أفرح منهم بشجر النّرسيان لأن نَرْسي كان يحميه ويمالئه عليهم ملوكهم فاقتسموه فجعلوا يطعمونه الفلاحين وبعثوا بخمسه إلى عمر، وكتبوا إليه: إن الله أطعمنا مطاعم كانت الأكاسرة يحمونها وأحببنا أن تروها ولتذكروا إنعام الله وإفضاله.
وفي هذا الخبر إشارة إلى نوع من الأخلاق الرفيعة لدى المسلمين حيث رفعوا من شأن الفلاحين المحرومين فأطعموهم من طعام ملوكهم الذي كان محرماً عليهم، فكأنهم بهذا يقولون لهم: تعالوا إلى هذا الدين العظيم الذي يرفع من شأنكم ويرد عليكم كرامتكم الإنسانية.
ثم التقوا بمكان بين كَسْكَر والسَّقاطية، وعلى ميمنة نَرْسي وميسرته ابنا خاله، وكان رستم قد جهز الجيوش، فلما بلغ أبا عبيد ذلك أعجل نرْسي بالقتال قبل وصولهم فاقتتلوا قتالاً شديداً فانهزمت الفرس وهرب نرسي، فبعث أبو عبيد، المثنى بن حارثة وسرايا أخر إلى متاخم تلك الناحية ففتحها صلحاً وقهراً، وضربوا الجزية والخراج وغنموا الأموال الجزيلة.
وهكذا تم القضاء على ثلاثة جيوش للفرس في مدة وجيزة وكان بإمكان الفرس أن يوحدوا هذه الجيوش وأن يأتوا المسلمين من أمامهم وخلفهم وعن يمينهم وشمالهم، لكثرة عددهم، ولكن الله أعمى بصائرهم وكانوا لشدة خوفهم من المسلمين يتمنى كل قائد أن يكفيه الآخر مهمة المواجهة وإضعاف المسلمين ليظفر بالنصر عليهم بعد ذلك، وقد أفاد المسلمين سرعة تحركهم وبطء حركة جيوش الأعداء.
ولما رجع الهاربون مما لقي من المسلمين تذامرت الفرس بينهم واجتمعوا على رستم فأرسل جيشاً كثيفاً عليهم بهمن جاذويه، وأعطاه راية كسْرى وكانت الفرس تتيمَّن بها، وكانت من جلود النمور وعرضها ثمانية أذرع في طول اثني عشر ذراعاً، فوصلوا إلى المسلمين وبينهم النهر وعليه جسر، فأرسلوا: إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر إليكم. فقال المسلمون لأميرهم أبي عبيد: مرهم فليعبروا هم إلينا، فقال: ما هم بأجرأ على الموت منا. ثم اقتحم إليهم فاجتمعوا في مكان ضيق هنالك فاقتتلوا قتالاً شديداً لم يعهد مثله، والمسلمون في نحو عشرة آلاف، وقد جاءت الفرس معهم بأفْيلَة كثيرة عليها الجلاجل لتذعر خيول المسلمين، فجعلوا كلما حملوا على المسلمين فرت خيولهم من الفيلة ومما تسمع من الجلاجل التي عليها ولا يثبت منها إلا القليل على قَسْر، وإذا حمل المسلمون عليهم لا تقدم خيولهم على الفِيلة، ورشقتهم الفرس بالنبل فنالوا منهم خلقاً كثيراً، وقَتل المسلمون منهم مع ذلك ستة آلاف، وقد جفلت خيول المسلمين من أصوات الأجراس المعلقة بالفيلة، وصار المسلمون لا يستطيعون الوصول إليهم والفيلة تجوس خلالهم، فترجل أبو عبيد وترجل الناس معه، وتصافحوا معهم بالسيوف، وفقد المسلمون خيلهم فأصبحوا رجَّالة يقاومون سلاح الفيلة والفرسان والمشاة من الفرس، إلى جانب الرماة الذي أضرُّوا بالمسلمين وهم يدفعون بخيولهم نحوهم فلا تندفع، فكان موقفاً صعباً أظهر المسلمون فيه من البسالة والتضحية ما يندر أن يوجد له مثيل في التاريخ، وصمدوا للفرس رغم تفوقهم عليهم في كل وسائل القتال، وكانت الفيلة أشد سلاح واجهه المسلمون فقد كانت تهدُّ صفوفهم، فناداهم أبو عبيد بأن يجتمعوا على الفيلة ويقطعوا أحزمتها ويقلبوا عنها أهلها، وبدأ هو بالفيل الأبيض فتعلق بحزامه وقطعه ووقع الذين عليه، وفعل المسلمون مثل ذلك، فما تركوا فيلاً إلا حطوا رحله وقتلوا أصحابه، ولكن الفيلة استمرت في الهجوم لأنها كانت مدربة، فرأى أبو عبيد أن يتخلص منها، فسأل عن مقاتلها، فقيل له إنها إذا قطعت مشافرها تموت، فهجم على الفيل الأبيض، ونفح خرطومه بالسيف فأتقاه الفيل بيده وأطاح به ثم داسه بأقدامه، وأخذ الراية أخوه الحكم بن مسعود فقاتل الفيل حتى أزاحه عن أبي عبيد ولكن وقع له ما وقع لأبي عبيد، فقد أراد الحكم قتله، فألقاه بيده، ثم داسه بأقدامه، وانتقلت راية المسلمين إلى الذين سماهم أبو عبيد، ومنهم أبناؤه الثلاثة وهب ومالك وجبر، إلى أن قُتلوا جميعاً فانتقلت القيادة للمثنى بن حارثة مع آخر النهار، وكان بعض المسلمين قد عبروا الجسر منسحبين، واستمر الانسحاب من الميدان، فلما رأى ذلك عبد الله بن مرثد الثقفي بادر وقطع الجسر، وقال: موتوا على ما مات عليه أمراؤكم أو تظفروا، وحاول منع الناس من العبور فأتوا به إلى المثنى فضربه من شدة غضبه من صنيعه وقال: ما حملك على الذي صنعت؟ قال: ليقاتلوا، وقد كان اجتهاده في غير موضعه لأن قطع الجسر أدى إلى وقوع بعض المسلمين في النهر وغرقوا بسبب شدة الضغط من الفرس، فكانت الفكرة المناسبة أن يحافظ المسلمون على بقيتهم بالانسحاب إن استطاعوا ذلك، وهذا هو ما قام به المثنى حيث أمر بعقد الجسر ووقف هو ومن معه من أبطال المسلمين فحموا ظهور المسلمين حتى عبروا وقال المثنى: يا أيها الناس إنّا دونكم فاعبروا على مهلكم، ولا تدهشوا فإنا لن نزايل حتى نراكم من ذلك الجانب، ولا تغرقوا أنفسكم، وكان المثنى ومن معه من الأبطال من أمثال عاصم بن عمرو والكلج الضَّبِّي هم آخر من عبر، وقد كان بَهْمَن جاذويه حاول أن يجهز على بقية المسلمين ولكنه لم يستطع وفَوَّتَ عليه هذه الفرصة المثنى حينما تولى قيادة هذا الانسحاب المنظم ولا شك أن هؤلاء الأبطال الذي حموا ظهور المسلمين حتى انسحبوا قد بذلوا جهوداً جبارة في الصمود أمام الأعداء، لقد انسحب خمسة آلاف من المسلمين وخلّفوا وراءهم أربعة آلاف من الشهداء منهم عدد كبير من الصحابة -رضي الله عنهم- خاصة الذين رافقوا أبا عبيد من المدينة، وقد عاد ألفان ممن انسحبوا إلى المدينة وغيرها ولم يبق مع المثنى غير ثلاثة آلاف، أما الفرس فقد قتل منهم ستة آلاف بالرغم من الوضع السيئ الذي كان فيه المسلمون مما يدل على بسالتهم وقوة احتمالهم.
إن معركة الجسر أثبتت أهمية القيادة الميدانية المتمثلة في المثنى وأركان قيادته الذين معه، فعندما تنـزل المحن بالجيوش يخرج القادة الذين يستطيعون أن يخرجوا بجيوشهم من تلك المحن، فقد تولى المُثنى مع مساعديه من الأبطال حماية الجيش الإسلامي، فكان آخر من عبر الجسر، وهذا لون رفيع من ألوان التضحية والفداء.
انسحب المثنى بأربعة آلاف جندي من أصل عشرة آلاف، وقام بمطاردته قائدان فارسيان فجرهما المثنى وراءه مسافة حتى توغلا ولم يشأ أن يبدأ حملة مضادة إلا بعد مرحلة من الانسحاب، وعندما أبعد شن هجوماً صاعقاً بالخيالة التي قادها بنفسه، فأنزل بهما هزيمة عجيبة، ويبدو أن هول المفاجأة وعدم تصورهم أن إنساناً قد أبيد معظم جيشه، يمكن أن يكون له مثل هذا العزم الذي يفل الحديد، وتمكن المثنى من أسر القائدين وأعدمهما مباشرة، فكان لهذا النصر أثر كبير في تقوية معنويات البقية الباقية من الجيش.
بعث المثنى بن حارثة بأخبار المعركة إلى الخليفة عمر -رضي الله عنه- مع عبد الله بن زيد الأنصاري وقد تأثر عمر ومن حوله من الصحابة لمصاب الجيش الإسلامي في هذه المعركة، فقام الفاروق بحشد الناس واستنفارهم وبذلك أرسل الإمدادات إلى جيش الإسلام في العراق فكان منهم جرير بن عبد الله البجلي في قومه وحنظلة بن الربيع، ومجموعة من قبائل خثعم فأرسلهما أيضاً إلى العراق لمد جند الإسلام، وهكذا أخذت أرتال الدعم والإمداد تسير نحو العراق بدون انقطاع وفي الوقت ذاته أرسل المثنى بن حارثة الشيباني إلى من في العراق من أمراء المسلمين يستحثهم فبعثوا إليه بالإمداد حتى كثر جيشه. ولما علم قادة الفرس باجتماع جيش كبير عند المثنى بعثوا مهران الهمذاني بجيش من الفرسان لمواجهة جيش المثنى، ولما علم المثنى بذلك كتب إلى من يصل إليه من الأمداد أن يوافوه بالبويب وعلى رأس هؤلاء جرير بن عبد الله حيث كتب إليه المثنى يقول: إنا جاءنا أمر لم نستطع معه المقام حتى تقدموا علينا فعجّلوا اللِّحاق بنا وموعدكم البويب، فاجتمعوا بالبويب وليس بينهم وبين جيش الفرس إلا النهر، فأقام المثنى حتى كتب له مهران: إما أن تعبروا إلينا أو أن نعبر إليكم، فقال المثنى: اعبروا، فعبر مهران بجيشه، وكان ذلك في شهر رمضان من العام الثالث عشر للهجرة، فقام المثنى خطيباً وقال للمسلمين، إنكم صوام والصوم مَرَقَّة ومضعفة وإني أرى من الرأي أن تفطروا ثم تقوَّوا بالطعام على قتال عدوكم، قالوا: نعم فأفطروا، ولما رضي المثنى عن استعداد جيشه قال: إني مكبِّر ثلاثاً فتهيأوا ثم احملوا مع الرابعة، فلما كبر أول تكبيرة أعجلهم أهل فارس وعاجلوهم فخالطوهم مع أول تكبيرة، وليس من عادة الفرس هذا الاندفاع ولكن لعل ما حَصَلوا عليه في معركة الجسر من إصابة المسلمين خفف مما وقر في نفوسهم من هيبة المسلمين والرعب منهم، وهكذا بدأ الفرس بالهجوم وقد صمد لهم المسلمون واستمروا معهم في صراع شديد، والمثنى إلى جانب اشتراكه في القتال يراقب جيشه بدقة حتى إنه رأى خللاً في بعض صفوفه فأرسل إليهم رجلاً وقال: إن الأمير يقرأ عليكم السلام ويقول: لا تفضحوا المسلمين اليوم: فقالوا: نعم واعتَدلوا، فلما طال القتال واشتد قال المثنى لأنس بن هلال: يا أنس إذا رأيتني قد حملت على مهران فاحمل معي، وقال لابن مردي الفهر مثل ذلك فأجابه، ثم حمل المثنى على مهران، فأزاله حتى أدخله في ميمنته واستمر المثنى يضغط على عدوه، فخالطوهم، واجتمع القلبان، وارتفع الغبار، والمجنبات تقتتل لا يستطيعون أن يفرغوا لنصر أميرهم لا المشركون ولا المسلمون، وقال مسعود بن حارثة قائد مشاة المسلمين لجنده: إن رأيتمونا أُصبنا فلا تدعوا ما أنتم فيه فإن الجيش ينكشف ثم ينصرف، الزموا مصافكم وأغنوا غناء من يليكم، وأصيب مسعود وقواد من المسلمين، ورأى مسعود تضعضع من معه لإصابته وهو ضعيف قد ثقل من الجراح. فقال: يا معسكر بكر بن وائل ارفعوا راياتكم رفعكم الله، لا يهولنكم مصرعي. واستمر القتال حتى أفنى المسلمون قلب المشركين وأوغلوا فيه، ووقف المثنى عند ارتفاع الغبار حتى أسفر الغبار، وقد فني قلب المشركين وقُتل قائدهم مهران والمجنَّبات قد هز بعضها بعضاً، فلما رآه المسلمون وقد أزال القلب وأفنى أهله قويت مجنباتهم على المشركين، وجعلوا يردون الأعاجم على أدبارهم، فسابقهم المثنى إلى الجسر فسبقهم وقطعه، وأخذ الأعاجم، فافترقوا بشاطيء الفرات، واعتورتهم خيول المسلمين حتى قتلوهم، ثم جعلوا جثثهم أكواماً من كثرتها، حتى ذكر بعض الرواة أن قتلاهم بلغوا مائة ألف.
بعد ذلك بلغت المثنى أخبار تحركات يزدجرد الثالث وكانت عيونه تأتيه بتفاصيلها، فكتب بها إلى عمر -رضي الله عنه-، فقال عمر: والله لأضربن ملوك العجم بملوك العرب. حدث بعدها معركة القادسية الذي هو حديثنا في الدرس القادم.
والحمد لله ...
التعليقات
ptaxczegce
jGNjQI awffpvujnben, [url=http://sheerqbadvqs.com/]sheerqbadvqs[/url], [link=http://swaaswljzole.com/]swaaswljzole[/link], http://oeozbhxjbldw.com/
vxokwhkrg
3fcsVV qieuvxczvmbb, [url=http://vrjsaxatcbdu.com/]vrjsaxatcbdu[/url], [link=http://hmzijjziynzv.com/]hmzijjziynzv[/link], http://tjcmicwuscen.com/
WCFLMZR
AXFLEA WCFLMZR
viagra
DyGSKdqd viagra CiThEf cialis 0018
viagra online
crxxKTVp viagra online 5070 cialis 10mg fARPd
george karelias tobacco prices
DbBebC george karelias tobacco prices >:-[ Bond Cigarettes XWnBx Salem Cigarettes HxUbD Cigarettes >:-OOO Zippo Gecko Emblem XBvipu Monte Carlo Cigarettes %-[[[
viagra sample
bVhVBTVh viagra sample 2839 cialis ezgnPQ
viagra soft
jsXZdI viagra soft >:-[ cilis 20mg 7236
viagra dosage
bqPRxD viagra dosage %-[[[ cialis kIRGpn
viagra
rFkviyWZ viagra 1878 cialis coupon >:]]
cheap amoxil
IaVzmBfZ cheap amoxil qLsDEu tadalis >:-[ viagra 100 mg 9875 buy levitra MkHPB cheap kamagra jHNKz tadalis BzZdJ
generic viagra
PUvNBbS generic viagra %-[[[ cialis RtWle
viagra sample
kmVxFP viagra sample 8141 viagra 1067
cialis soft
wAQAFDq cialis soft 2568 cialis online >:-[
viagra
EJWHrjiJ viagra vRmEt viagra barato 4402 cialis 6474 cialis bestellen >:-OOO cialis 4043 viagra 0856
Perfumes Christian Dior
MlMpXZ Perfumes Christian Dior 5405
levitra precio
ouEPOTb levitra precio 8160 priligy online %-[[[ cialis 9463
cialis
PWpakHWj cialis 5367
viagra
JzgCPT viagra omffr viagra coupon >:-OOO
buy cialis
EurzJFo buy cialis 0515 cialis generic :-O
viagra for sale
KVSSHPU viagra for sale 1759 generic viagra WyPJV cialis 0989 cialis 9403
viagra
lmQzeO viagra VOPea cialis 5835 viagra 4089 cialis Jkjjk
viagra
nViOQwrQ viagra >:-[ cialis %-[[[ cialis dosage flWLD viagra price =-]
Dunhill Fine Cut
EnPOFQEW Dunhill Fine Cut 2148 Buy Parliament =-] Buy Benson & Hedges 5017 Winston Cigarettes 3384 Gauloises cigarettes 9863 cheap Rothmans cigarettes rRNweR Chesterfield Cigarettes 2402 Buy Camel >:-OOO
viagra
kBCeAyv viagra %-[[[ cialis >:]]
cialis
brxMaS cialis CJJJcJ viagra bwfJg viagra AVyLTs cilis 20mg 5204
buy levitra
CSEnRT buy levitra faZDu suhagra 7248 viagra KztPKz cilis 20mg 3338 cheap propecia >:-OOO cialis professional RkwCMl
viagra
HfFMrHaA viagra gScrDx cialis 2924 buy cialis 7172 viagra KpGrfE
buy cialis online
rNYcEeW buy cialis online 8832 viagra price 1867 viagra AbZYX cialis 10mg =-]
viagra sample
GbcVDBeh viagra sample MaVDBk viagra säljes oQdlp viagra 5935 cialis reviews XioZH cialis :-O
Cialis online
bZxvWJq Cialis online >:-[ levitra 0120 Cheap viagra 8338 Kamagra Oral Jelly 9426 kamagra >:]] cialis generico 2951
levitra kopen
tnaAKN levitra kopen tgHoH viagra >:-[ cialis phIvdU kamagra :-O cialis ervaringen 3198 Koop kamagra >:-[
cialis
aiOeRl cialis =-] kamagra SLsRg venta cialis NIMKI kamagra DjKch levitra kaufen wWwLAD cialis billig 6727
levitra
RvegUek levitra 4581 cialis en ligne 1709 kamagra %-[[[ acheter kamagra %-[[[ levitra vente 5494 viagra 5896
viagra
EjvaVFN viagra DJZrc buy viagra GGlLG cialis >:]] cialis soft 0273
tvoggvecqqq
dCDgRx qdqhwvbgkbpl, [url=http://szokjmnwuxij.com/]szokjmnwuxij[/url], [link=http://yygkuihhrevc.com/]yygkuihhrevc[/link], http://ajheucgboiii.com/
thierry mugler perfume
CRmRIb thierry mugler perfume 8403 Cigars PzDNDZ Viceroy Cigarettes 7480 vodka 6150 Clan Aromatic Tobacco 9702
venta cialis
WtdDpR venta cialis :-O cialis XjSISt Cheap Levitra >:]] kamagra >:-OOO levitra rezeptfrei >:-[ kamagra 6970
viagra
yFRxBwS viagra 3896 cialis aIbjn viagra =-] cialis 9244
levitra
YmMzMw levitra 4232 viagra %-[[[ kjøpe viagra xbIdx levitra iPWmQK viagra DboQv comprare levitra >:-OOO
cialis
LntazW cialis %-[[[ levitra 6077 viagra gebruiksaanwijzing WEVtvk kamagra prijs 5201 viagra =-] levitra goedkoop atwXlL
cialis
dOegPMw cialis aAihDs cialis PVPtop köp kamagra på nätet =-] levitra %-[[[
faxless payday loans
WTMwsl faxless payday loans QaTyt
levitra
AUVmgBSe levitra gpYrkp cialis :-O cialis iKRWMi levitra =-] comprar viagra 6334 cialis >:-[
kamagra
FQQeZrTF kamagra %-[[[ kamagra bestellen 1444 cialis :-O cialis >:-OOO viagra 6929 cialis afRsmP
شكرا جزيلا لكم
شكرا جزيلا لكم على هذا الموقع المبارك
العاب العاب طبيب لعبة السمكة لعبة الفراخ العاب تنظيف المنزل لعبة الجني الازرق
generic Cialis
TfBevXSX generic Cialis eUwvY kamagra 6445 levitra dagelijks 7104 kamagra bestellen 2110 cialis 5778 köpa levitra online 4739
payday loans
mXOGtF payday loans >:-OOO used car auto loans xvURyy
mortgage loan
AlpTxvza mortgage loan >:-OOO cancer insurance policies family heritage =-]
cialis
obSwxb cialis gioGXW viagra 7195 Priligy sYEMv cialis xmOVOj cialis coupon lAzbw