خدمة rss
عمر بن الخطاب (2)

   

عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- (2)

الدرس الثاني

(حلمه – نفقاته – ورعه)

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد

 

من القرارات الكبيرة التي اتخذها عمر والذي يدل على الفقه العمري الثاقب أن أمسك عمر كبار الصحابة في المدينة ومنعهم من الذهاب إلى الأقطار المفتوحة إلا بإذن منه أو لمهمة رسمية، كتعيين بعضهم ولاة أو قادة للجيوش، وذلك حتى يتمكن من أخذ مشورتهم والرجوع إليهم فيما يصادفه من مشاكل في الحكم، ويحول في الوقت نفسه دون وقوع أية فتنة أو انقسام في صفوف المسلمين في حال خروجهم للأمصار واستقرارهم فيها.

وأيضاً أمر بإجلاء نصارى نجران ويهود خيبر من قلب البلاد العربية إلى العراق والشام وسبب ذلك أن يهود خيبر ونصارى نجران لم يلتزموا بالعهود والشروط التي أبرموها مع رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وجددوها مع الصديق، فقد كانت مقرّات يهود خيبر ونصارى نجران أوكاراً للدسائس والمكر فكان لا بد من إزالة تلك القلاع الشيطانية، وإضعاف قواتهم، وأمر بإعطائهم أرضاً كأرضهم في الأماكن التي انتقلوا إليها احتراماً منه وإقراراً لحق الملكية الفردية الذي يكفله الإسلام لأهل الذمة مثلما يكفله للمسلمين، أما بقية النصارى واليهود، كأفراد فقد عاشوا في المجتمع المدني يتمتعون بكافة حقوقهم.

وكان النقد أو النصح للحاكم في عهد الفاروق والخلفاء الراشدين مفتوحاً على مصراعيه، فقد قام الفاروق -رضي الله عنه- يخطب فقال: "أيها الناس من رأى منكم فيّ اعوجاجاً فليقومه"، فقام له رجل وقال: والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا، فقال عمر: "الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة من يقوم اعوجاج عمر بسيفه".

وجاءه يوماً رجل فقال له على رؤوس الأشهاد: اتق الله يا عمر: فغضب بعض الحاضرين من قوله وأرادوا أن يسكتوه عن الكلام، فقال لهم عمر: "لا خير فيكم إذا لم تقولوها ولا خير فينا إذا لم نسمعها".

ووقف ذات يوم يخطب في الناس فما كاد يقول: أيها الناس اسمعوا وأطيعوا. حتى قاطعه أحدهم قائلاً: لا سمع ولا طاعة يا عمر، فقال عمر بهدوء: لم يا عبد الله؟ قال: لأن كلاً منا أصابه قميص واحد من القماش لستر عورته وعليك حلة. فقال له عمر: مكانك، ثم نادى ولده عبد الله بن عمر، فشرح عبد الله أنه قد أعطى أباه نصيبه من القماش ليكمل به ثوبه، فاقتنع الصحابة وقال الرجل في احترام وخشوع: الآن السمع والطاعة يا أمير المؤمنين.

وخطب ذات يوم، فقال: لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية، وإن كانت بنت ذي القصة، يعني يزيد بن الحصين، فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال، فقالت امرأة معترضة على ذلك: ما ذاك لك قال: ولم؟ قالت: لأن الله تعالى قال: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} [(20) سورة النساء]، فقال عمر: امرأة أصابت ورجل أخطأ.

وليست حرية الرأي مطلقة في نظر الشريعة، فليس للإنسان أن يفصح في كل ما يشاء، بل هي مقيدة بعدم مضرة الآخرين بإبداء الرأي، سواء كان الضرر عاماً أو خاصاً.

ومما منعه عمر -رضي الله عنه- وحظره وقيده: الآراء الضالة المضلة في الدين واتباع المتشابهات، والوقوع في أعراض الناس بدعوى الحرية: وقد حبس عمر -رضي الله عنه- الحطيئة من أجل هجائه الزبرقان بن بدر بقوله:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها

 

 

واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

 

لأنه شبهه بالنساء في أنهنّ يطعمن ويسقين ويكسين، وقد توعد عمر الحطيئة بقطع لسانه إذا تمادى في هجو المسلمين ونهش أعراضهم، وقد استعطفه الحطيئة وهو في سجنه بشعر منه قوله:

ماذا أقول لأفراخ بذي مرخٍ
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمةٍ
أنت الأمير الذي من بعد صاحبه

 

 

زُغبِ الحواصلِ لا ماءٌ ولا شجرُ
فاغفر عليك سلام الله يا عمرُ
ألقى إليك مقاليد النُّهى البشرُ

 

فرق له قلب عمر وخلى سبيله، وأخذ عليه ألا يهجو أحداً من المسلمين.

لما ولي عمر بن الخطاب أمر المسلمين بعد أبي بكر مكث زماناً لا يأكل من بيت المال شيئاً حتى دخلت عليه في ذلك خصاصة، لم يعد يكفيه ما يربحه من تجارته؛ لأنه اشتغل عنها بأمور الرعية، فأرسل إلى أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاستشارهم في ذلك، فقال: قد شغلت نفسي في هذا الأمر فما يصلح لي فيه؟ فقال عثمان بن عفان: كل وأطعم.

وقال عمر لعلي: ما تقول أنت في ذلك؟ قال: غداءٌ وعشاءٌ، فأخذ عمر بذلك، وقد بين عمر حظّه من بيت المال فقال: إني أنزلت نفسي من مال الله بمنـزلة قيم اليتيم، إن استغنيت عنه تركت، وإن افتقرت إليه أكلت بالمعروف.

وكان أول من وضع التاريخ بالهجرة عمر، وسبب ذلك أنه دُفِعَ إلى عمر -رضي الله عنه- صكٌ محلُّه في شعبان، فقال عمر: شعبان هذا الذي مضى، أو الذي هو آت، أو الذي نحن فيه، ثم جمع أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال لهم: ضعوا للناس شيئاً يعرفونه، فقال قائل: اكتبوا على تاريخ الروم. فقيل: إنه يطول وإنهم يكتبون من عند ذي القرنين. فقال قائل: اكتبوا تاريخ الفرس، قالوا: كلما قام ملك طرح ما كان قبله. فاجتمع رأيهم على أن ينظروا كم أقام رسول الله بالمدينة فوجدوه أقام عشر سنين، فكُتب التاريخ على هجرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وسبب جعلهم بداية التاريخ في شهر محرم وليس في ربيع الأول الشهر الذي تمت فيه هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن ابتداء العزم على الهجرة كان من المحرم، إذ وقعت بيعة العقبة الثانية في ذي الحجة، وهي مقدمة الهجرة، فكان أول هلال استهل بعد البيعة والعزم على الهجرة هو هلال محرم، فناسب أن يجعل مبتدأً.

ولما مات أبو بكر -رضي الله عنه- وكان يدعى خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال المسلمون: من جاء بعد عمر قيل له: خليفة خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فيطول هذا، ولكن أجمعوا على اسم تدعون به الخليفة، يدعى به من بعده من الخلفاء، فقال بعض أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: نحن المؤمنون وعمر أميرنا، فدُعي عمر أمير المؤمنين، فهو أول من سمي بذلك.

مرض يوماً، فوصفوا له العسل دواءً، وكان في بيت المال عسل جاء من بعض البلاد المفتوحة، فلم يتداو عمر بالعسل كما نصحه الأطباء، حتى جمع الناس وصعد المنبر واستأذن الناس: إن أذنتم لي، وإلا فهو علي حرام، فبكى الناس إشفاقاً عليه، وأذنوا له جميعاً، ومضى بعضهم يقول لبعض: لله درك يا عمر! لقد أتبعت الخلفاء بعدك.

وكان عمر إذا نهى الناس عن شيء تقدم إلى أهله فقال: "إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم كما ينظر الطير إلى اللحم، فإن وقعتم وقعوا، وإن هبتم هابوا، وإني والله لا أوتى برجل وقع فيما نهيت الناس عنه إلا أضعفت له العذاب، لمكانه مني، فمن شاء منكم أن يتقدم، ومن شاء منك أن يتأخر".

قال عبدالله بن عمر: اشتريت إبلاً أنجعتها الحمى فلما سمنت قدمت بها، قال: فدخل عمر السوق فرأى إبلاً سماناً، فقال: لمن هذا الإبل؟ قيل: لعبدالله بن عمر، قال: فجعل يقول: يا عبدالله بن عمر بخٍ بخ! ابن أمير المؤمنين، قال: ما هذه الإبل؟ قال: قلت: إبل اشتريتها وبعثت بها إلى الحمى أبتغي ما يبتغي المسلمون. قال: فيقولون: ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين، اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين، يا عبد الله ابن عمر! اغد إلى رأس مالك، واجعل باقيه في بيت مال المسلمين.

قال عبدالله بن عمر: شهدت جلولاء إحدى المعارك ببلاد فارس فابتعت من المغنم بأربعين ألفاً، فلما قدمت على عمر قال: أريت لو عرضت على النار، فقيل لك: افتده، أكنت مفتدياً به؟ قلت: والله ما من شيء يؤذي بك إلا كنت مفتديا بك منه، قال: كأني شاهد الناس حين تبايعوا، فقالوا: عبد الله بن عمر صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وابن أمير المؤمنين وأحب الناس إليه، وأنت كذلك، فكان أن يرخصوا عليك أحب إليهم من أن يغلوا عليك، وإني قاسم مسؤول، وأنا معطيك أكثر ما ربح تاجر من قريش، لك ربح الدرهم درهم، قال: ثم دعا التجار، فابتاعوا منه بأربعمائة ألف درهم، فدفع إليَّ ثمانين ألفاً وبعث بالباقي إلى سعد بن أبي وقاص ليقسمه.

كان عمر -رضي الله عنه- يقسم المال، ويفضل بين الناس على السابقة والنسب، ففرض لأسامة بن زيد -رضي الله عنه- أربعة آلاف، وفرض لعبد الله بن عمر رضي الله عنه ثلاثة آلاف، فقال: يا أبت! فرضت لأسامة بن زيد أربعة آلاف، وفرضت لي ثلاثة آلاف؟ فما كان لأبيه من الفضل ما لم يكن لك! وما كان له من الفضل ما لم يكن لي! فقال عمر: إن أباه كان أحبَّ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أبيك، وهو كان أحبَّ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منك!.

خرج عمر -رضي الله عنه- في سواد الليل فرآه طلحة بن عبيد الله -رضي الله عنه- فذهب عمر فدخل بيتاً، ثم دخل بيتاً آخر، فلما أصبح طلحة ذهب إلى ذلك البيت، فإذا بعجوز عمياء مقعدة، فقال لها: ما بال هذا الرجل يأتيك؟ قالت: إنه يتعهدني منذ كذا وكذا، يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى! فقال طلحة: ثكلتك أمك! عثرات عمر تَتَبَّع؟.

إن الاهتمام بضعفاء المجتمع من عوامل النصر، ومن القربات العظيمة التي يتقرب بها إلى المولى -عز وجل-، فينبغي لقادة الحركات الإسلامية، وحكام الشعوب الإسلامية، وأئمة المساجد، وأبناء المسلمين، أن يعتنوا بهذا الجانب الإنساني في مجتمعاتهم ويعطوه حقه.

خرج عمر -رضي الله عنه- من المسجد ومعه الجارود العبدي، فإذا امرأة برزت على ظهر الطريق، فسلم عليها عمر بن الخطاب، فردت السلام، وقالت: يا عمر! عهدتك وأنت تسمى عميراً في سوق عكاظ تذعر الصبيان بعصاك، فلم تذهب الأيام حتى سميت عمر، ولم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين، فاتق الله في الرعية، واعلم أنه من خاف الوعيد قرب عليه البعيد، ومن خاف الموت خشي الفوت. فقال الجارود: أكثرتِ أيتها المرأة على أمير المؤمنين! فقال عمر: دعها، أما تعرف هذه؟ هذه خولة بنت ثعلبة التي سمع الله قولها من فوق سبع سموات، فعمر أحق أن يسمع لها. وجاء في رواية: فو الله لو أنها وقفت إلى الليل ما فارقتها إلا إلى الصلاة، ثم أرجع إليها.

عندما استشهد أبناء الخنساء الأربعة في القادسية، وبلغ عمر -رضي الله عنه- الخبر قال: أعطوا الخنساء أرزاق أولادها الأربعة، وأجروا عليها ذلك حتى تُقبض. فلم تزل تأخذ عن كل واحد منهم مائتي درهم حتى قبضت.

وكان -رضي الله عنه- يقول: لا تنظروا إلى صلاة امرئ ولا صيامه، ولكن انظروا إلى عقله وصدقه. ويقول: إني لا أخاف عليكم أحد رجلين: مؤمناً قد تبين إيمانه، وكافراً قد تبين كفره، ولكني أخاف عليكم منافقاً يتعوذ بالإيمان ويعمل لغيره.

وسأل عمر عن رجل شهد عنده بشهادة، وأراد أن يعرف هل له من يزكيه، فقال له رجل: إني أشهد له وأزكيه يا أمير المؤمنين! فقال عمر: أأنت جاره في مسكنه؟ قال: لا! قال: أعاشرته يوماً فعرفت حقيقة أمره؟ قال: لا! قال: أسافرت يوماً معه، فإن السفر والاغتراب محك للرجال؟ قال: لا! قال عمر: لعلك رأيته في المسجد قائماً قاعداً يصلي؟ قال: نعم! قال: اذهب، فأنت لا تعرفه.

أقبل قوم غزاة من الشام يريدون اليمن، وكان لعمر جفنات يضعها إذا صلى الغداة، فجاء رجل منهم فجلس يأكل، فجعل يتناول بشماله، فقال له عمر، وكان يتعهد الناس عند طعامهم: كل بيمينك، فلم يجبه، فأعاد عليه، فقال: هي يا أمير المؤمنين مشغولة، فلما فرغ من طعامه دعا به، فقال: ما شغل يدك اليمنى؟ فأخرجها، فإذا هي مقطوعة فقال: ما هذا؟ فقال: أصيبت يدي يوم اليرموك، قال: فمن يوضئك؟ قال: أتوضأ بشمالي ويعين الله، قال: فأين تريد؟ قال: اليمن، إلى أم لم أرها منذ كذا وكذا سنة، قال: أو برٌّ أيضاً؟ فأمر له بخادم، وخمسة أباعر من إبل الصدقة، وأوقرها له.

وكان عمر -رضي الله عنه- يذكر الأخ من إخوانه في الليل، فيقول: يا طولها من ليلة! فإذا صلى الغداة غدا إليه، فإذا لقيه التزمه أو اعتنقه. وكان يقول: لولا أن أسير في سبيل الله، أو أضع جنبي في التراب لله، أو أجالس قوماً يلتقطون طيب القول كما تلتقط الثمرة، لأحببت أن أكون قد لحقت بالله.

شكا رجل علياً إلى عمر -رضي الله عنهما-، فلما جلس عمر لينظر في الدعوى، قال عمر لعلي: ساو خصمك يا أبا الحسن! فتغير وجه علي، وقضى عمر في الدعوى، ثم قال لعلي: أغضبت يا أبا الحسن! لأني سويت بينك وبين خصمك؟ فقال علي: بل لأنك لم تسو بيني وبين خصمي يا أمير المؤمنين! إذ أكرمتني، فناديتني يا أبا الحسن! بكنيتي، ولم تناد خصمي بكنيته، فقبل عمر رأس علي، وقال: لا أبقاني الله بأرض ليس فيها أبو الحسن.

اهتم عمر -رضي الله عنه- بصحة الرعية، فكان يحذرهم من مغبة السمنة ومخاطرها، ويدعوهم إلى تخفيف أوزانهم لما فيه من القوة على العمل والقدرة على أداء الواجبات، فكان يقول: أيها الناس! إياكم والبطنة عن الطعام، فإنها مكسلة عن الصلاة، مفسدة للجسم، مورثة للسقم، وإن الله -عز وجل- يبغض الحبر السمين، ولكن عليكم بالقصد في قوتكم، فإنه أدنى من الصلاح، وأبعد من السرف، وأقوى على عبادة الله -عز وجل-، ولن يهلك عبد حتى يؤثر شهوته على دينه.

لما تولى الفاروق الخلافة اهتم بأمر الصلاة، وحمل الناس عليها، وتعقب تاركها وكتب إلى أعماله: إن أهم أمركم عندي الصلاة، فمن حفظها، وحافظ عليها، حفظ دينه، ومن ضيعها، فهو لما سواها أضيع. وكان -رضي الله عنه- شديد الحرص على الخشوع في الصلاة، فعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: صليت خلف عمر، فسمعت حنينه من وراء ثلاثة صفوف. وقد قال -رضي الله عنه- لمن يعبث في صلاته: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه.

وكان -رضي الله عنه- إذا أبطأ عليه خبر الجيوش قنت. وكان يدعو للمجاهدين في صلاته ويقنت لذلك، فعندما قاتل أهل الكتاب قنت عليهم في الصلاة المكتوبة، وكان -رضي الله عنه- يربي الناس ونفسه على الاهتمام بأمر الصلاة: فرائضها وسننها، ويرشد الناس إلى السنة، وينهاهم عن البدع، فعندما تأخر -رضي الله عنه- في صلاة المغرب حتى طلع نجمان بسبب شغله ببعض الأمور، أعتق رقبتين بعد الصلاة، وكان يؤنب من تأخر عن التقدم لصلاة الجمعة. وكان -رضي الله عنه- يتمنى أن يكون مؤذناً، فقد قال: لو كنت أطيق الأذان مع الخلافة لأذنت.

وعندما اتسعت الفتوحات الإسلامية، احتاجت للمؤسسات العلمية التربوية، فقد بنيت الأمصار الإسلامية، مثل الكوفة والبصرة والفسطاط، بالإضافة إلى كونها قواعد عسكريه ومراكز لتجمع الجند وأسرهم، أصبحت أيضاً مقراً لتجمع العلماء والفقهاء والوعاظ، فقد كان الفاروق يعين الدعاة والمعلمين ويرسلهم إلى البلدان المفتوحة، وقد صرح الفاروق بأن من أهم مقاصد بعث الولاة والأمراء إلى الأمصار أن يقوموا بتعليم الناس. وقد فرض الأرزاق من بيت مال المسلمين للمعلمين والمفتين حتى يتفرغوا لأداء مهمتهم في التعليم والإفتاء، وحتى الذين يعلمون الأطفال تكفل الفاروق بأرزاقهم، فقد كان بالمدينة ثلاثة معلمين يعلمون الصبيان.

وأرشد القادة والأمراء مع توسع حركة الفتوحات بإقامة المساجد في الأقاليم المفتوحة لتكون مراكز للدين الجديد، ومراكز للعلم والمعرفة، ونشر الحضارة الإسلامية، فقد كانت المساجد هي المؤسسات العلمية الأولى في الإسلام، ومن خلالها تحرك علماء الصحابة لتعليم الأمة وفق الخطة الإستراتيجية التي سار عليها الفاروق والتي وضعت منذ عصر النبي -صلى الله عليه وسلم-. وقد وصلت المساجد التي يُصلى فيها الجمعة في دولة عمر -رضي الله عنه- إلى اثني عشر ألف منبر.

قام عمر -رضي الله عنه- بتوسعة مسجد الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وأدخل فيه دار العباس بن عبد المطلب، وامتدت التوسعة عشرة أذرع من جهة القبلة وعشرين ذراعاً من الناحية الغربية، وسبعين ذراعاً من الناحية الشمالية، وأعاد بناؤه باللبن والجريد، وجعل عمُده من الخشب، وسقفه من الجريد، وكساه ليحمي الناس من المطر، ونهى عن زخرفته بحمرة أو صفرة لئلا يفتتن الناس في صلاتهم، وكان المسجد تراباً ففرشه بالحصى ليكون أنظف للمصلي، وألين على الماشي.

وأجرى -رضي الله عنه- تعديلات يسيرة في المسجد الحرام بمكة، فنقل مقام إبراهيم، وكان ملصقاً بالكعبة إلى مكانه اليوم بعيداً عنها للتيسير على الطائفيين والمصلين، وعمل عليه المقصورة واشترى دوراً حول الحرم وهدمها وزادها فيه، وأبى قوم من جيران المسجد أن يبيعوا، فهدم بيوتهم، ووضع الأثمان حتى أخذوها بعد، واتخذ لهم جداراً قصيراً دون القامة، فكانت المصابيح توضع عليه، وكانت كسوة الكعبة في الجاهلية الجلود، فكساها -صلى الله عليه وسلم- بالثياب اليمانية، ثم كساها عمر القباطي، وهي ثياب مصريه رقيقة بيضاء، كما عمرت المساجد في الأمصار الجديدة في خلافة عمر -رضي الله عنه- فاختط سعد بن أبي وقاص المسجد الجامع بالكوفة، واختط عتبه بن غزوان المسجد الجامع بالبصرة، واختط عمرو ابن العاص المسجد الجامع في الفسطاط، فكانت هذه المساجد الكبيرة محل صلاة المسلمين وتعارفهم وتدارسهم العلم وقضاءهم وتلقيهم أوامر الخليفة والولاة.

رصد الخليفة الفاروق حصةً من بيت مال المسلمين، وخصص عدداً ضخما من الجمال، بوصفها وسيلة المواصلات المتاحة آنذاك لتيسير انتقال من لا ظهر له بين الجزيرة والشام والعراق، كما اتخذ ما يسمى (دار الدقيق) وهي مكان يجعل فيه السويق والتمر والزبيب، ومتطلبات المعيشة الأخرى، يعين به المنقطع من أبناء السبيل، والضيف الغريب، ووضع في الطريق بين مكة والمدينة ما يصلح به حاجة المسافر، وما يحمل عليه من ماء إلى ماء.

لقد قام عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بتمصير الأمصار، وتجنيد الأجناد مع توسع رقعة الدولة وكثرة الفتوحات، وبعد الشقة بين المسلمين، فقد احتاج الجند إلى أماكن يستريحون فيها من عناء السفر، فلابد لهم من منازل يأوون إليها شتاءً، وإذا رجعوا من غزوهم، فوجدت الدواعي لبناء المدن، وما دام هدف الفتوحات هو نشر الدعوة الإسلامية وتبليغها للأمم والشعوب والأفراد، فكان لا بد من إقامة حياة إسلامية تلمسها هذه الأمم والشعوب، ويحس بها الأفراد، فبنيت الأمصار الإسلامية على نمط إسلامي تطبق فيها الحياة الإسلامية كاملة كنماذج للمجتمع الإسلامي، فالكوفة والبصرة والفسطاط والموصل مدن إسلامية، توسط كلاً منها المسجد، وانتشرت من حوله البيوت للجنود. ومن هذه المجتمعات انبثق الإسلام نوراً على البلاد التي افتتحها، فوجهت أبناءها، وطبقت العدل في حكمها، وقبلت من أسلم فيها.

تعرضت الدولة الإسلامية في عهد عمر -رضي الله عنه- للابتلاء، وهذه السنة جارية في الأمم والدول والشعوب والمجتمعات، والأمة الإسلامية أمة من الأمم، فسنت الله فيها جارية لا تتبدل ولا تتغير، ومن أعظم الابتلاءات في عهد عمر عام الرمادة، وطاعون عمواس.

في سنة 18 هـ أصاب الناس في الجزيرة مجاعة شديدة وجدب وقحط، واشتد الجوع حتى جعلت الوحوش تأوي إلى الإنس، وحتى جعل الرجل يذبح الشاه فيعافها من قبحها، وماتت المواشي جوعاً، وسمي هذا العام عام الرمادة؛ لأن الريح كانت تسفي تراباً كالرماد، واشتد القحط، وعزت اللقمة. وهرع الناس من أعماق البادية إلى المدينة يقيمون فيها، أو قريباً منها، ويلتمسون لدى أمير المؤمنين حلاً، فكان الفاروق أكثر الناس إحساساً بهذا البلاء وتحملاً لتبعاته. فحلف عمر لا يذوق لحماً ولا سمناً حتى يحيى الناس! ولقد أجمع الرواة جميعاً أن عمر كان صارماً في هذا الوفاء بهذا القسم، ومن ذلك أنه لما قدمت إلى السوق عكة سمن، ووطب من لبن، فاشتراها غلاماً لعمر بأربعين درهماً، ثم أتى عمر فقال: يا أمير المؤمنين! قد أبر الله يمينك، وعظم أجرك، وقدم السوق وطب من لبن، وعكة من سمن ابتعتهما بأربعين درهماً، فقال عمر: أغليت فتصدق بهما، فإني أكره أن آكل إسرافاً! ثم أردف قائلاً: كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسني ما لم يمسهم؟! فهذه جملة واحدة من كلمات مضيئة، يوضح فيها الفاروق مبدأ من أروع المبادئ الكبرى التي يمكن أن تعرفها الإنسانية في فن الحكم "كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسسني ما مسهم".

وقد تأثر عمر في عام الرمادة حتى تغير لونه -رضي الله عنه-. نحر يوم من الأيام جزوراً فأطعمها الناس، وغرفوا له طيبها، فأتي به فإذا قدر من سنام ومن كبد، فقال: أنى هذا؟ قالوا: يا أمير المؤمنين! من الجزور التي نحرن اليوم. قال: بخٍ بخ، بئس الوالي أنا إن أكلت طيبها، وأطعمت الناس كراديسها.

نظر ذات يوم في عام الرمادة، فرأى بطيخه في يد ولد من أولاده، فقال له على الفور: بخٍ بخ يا ابن أمير المؤمنين! تأكل الفاكهة، وأمة محمد هزلى؟ فخرج الصبي هارباً يبكي، ولم يسكت عمر إلا بعد أن سأل عن ذلك، وعلم أن ابنه اشتراها بكف من نوى.

عن أسلم قال: لما كان عام الرمادة جاءت العرب من كل ناحية فقدموا المدينة، فكان عمر قد أمر رجالاً يقومون بمصالحهم، فسمعته يقول ليلة: أحصوا من يتعشى عندنا. فأحصوهم من القابلة فوجدوهم سبعة آلاف رجل، وأحصوا الرجال المرضى والعيالات فكانوا أربعين ألفاً. ثم بعد أيام بلغ الرجال والعيال ستين ألفاً، فما برحوا حتى أرسل الله السماء، فلما مطرت رأيت عمر قد وكل بهم من يخرجونهم إلى البادية، ويعطونهم قوتاً وحملاناً إلى باديتهم، وكان قد وقع فيهم الموت فأراه مات ثلثاهم، وكان عمر -رضي الله عنه- يأتي بنفسه فيصلي عليهم، لقد رأيته صلى على عشرة جميعاً.

وكانت قدور عمر تقوم إليها العمال من السحر يعملون الكركور ويعملون العصائد. وأسرع -رضي الله عنه- فكتب إلى عماله على البلاد الغنية يستغيثهم، فأرسل إلى عمرو بن العاص عامله على مصر، وكتب عمر إلى كل عامل من عماله على الشام، وكتب إلى عماله على العراق وفارس بمثل ذلك، فكلهم أرسلوا إليه، واستمرت القدور العمرية الضخمة يقوم عليها عمال مهرة، يطبخون من بعد الفجر، ثم يوزعون الطعام على الناس.

وأخذ عمر بالأسباب الشرعية وجعل يستسقي فقام على المنبر، فقرأ هذه الآيات: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا} [(01-11) سورة نوح] ويقول: استغفروا ربكم ثم توبوا إليه. ثم نزل. فقيل له: ما يمنعك من أن تستسقي؟ فقال: طلبت المطر بمجاديح السماء التي ينـزل بها المطر. وكتب إلى عماله أن يخرجوا يوم كذا، وأن يتضرعوا إلى ربهم، ويطلبوا أن يرفع هذا المحل عنهم.

كما قام عمر -رضي الله عنه- بوقف حد السرقة في عام الرمادة، وهذا ليس تعطيلاً لهذا الحد، فالذي يأكل ما يكون ملكاً لغيره بسبب شدة الجوع، وعجزه عن الحصول على الطعام يكون غير مختار، فلا يقصد السرقة.

وأوقف -رضي الله عنه- إلزام الناس بالزكاة في عام الرمادة، ولما انتهت المجاعة وخصبت الأرض، جمع الزكاة عن عام الرمادة واعتبرها ديناً على القادرين.

في العام الثاني عشر من الهجرة وقع شيء فظيع مروع، هو ما تذكره المصادر باسم (طاعون عمواس)، وقد سمي بطاعون عمواس نسبة إلى بلدة صغيرة يقال لها: عمواس، وهي بين القدس والرملة؛ لأنها كان أول ما نجم الداء بها، ثم انتشر في الشام منها، فنسب إليها.

وكان حصول الطاعون في ذلك الوقت بعد المعارك الطاحنة بين المسلمين والروم، وكثرة القتلى، وتعفن الجو وفساده بتلك الجثث أمر طبيعي، قدره الله لحكمة أرادها. فهلك به خلق كثير، منهم: أبو عبيدة بن الجراح، وهو أمير الناس، ومعاذ بن جبل، ويزيد بن أبي سفيان، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وعتبة بن سهيل، وأشراف الناس، ولم يرتفع عنهم الوباء إلا بعد أن وليهم عمرو بن العاص، فخطب الناس وقال لهم: أيها الناس! إن هذا الوجع إذا وقع إنما يشتعل اشتعال النار، فتجنبوا منه في الجبال، فخرج وخرج الناس، فتفرقوا حتى رفعه الله عنهم، فبلغ عمر ما فعله عمرو، فما كرهه.

 

والحمد لله أولاً وآخراً ...


  

التعليقات

qeimhxquq

66iACC uifxwgubelwz, [url=http://numfcvxnivrn.com/]numfcvxnivrn[/url], [link=http://ddonfppfnoft.com/]ddonfppfnoft[/link], http://ncdhzianqkfq.com/

جزاكم الله خير

اللهم أجزك الجنة والفردوس الأعلى منها ، ومثوبة المجاهدين في فلسطين ، وأحفظ اللهم ديار المسلمين عامة ، ورد كيد من اراد بالمسلمين سوءا الى نحره اللهم آمين .
العاب العاب طخ قصص منتديات

GOaJXlwp

BqTLeVn GOaJXlwp

viagra online

GyCaFSq viagra online DYesmf cialis soft WRvKZ

viagra online

VTLFWovz viagra online nqKmAk cialis generic dVbMbU

buy viagra

GhZakgB buy viagra 8]]] cilis 20mg =-]

cialis

oxxvsN cialis >:-OOO propecia 8]]] viagra professional 8452 viagra price 2637 kamagra 1462 tadalis =-]

cialis

LiJfanfs cialis 2832 viagra 7931

viagra coupon

CJOrSopP viagra coupon iWRGaH viagra sample oIFVlW

cialis

QoUAsUsM cialis 2552 cialis coupon 6391

cialis

GLaVNw cialis >:-[ cialis =-] cialis on line OgLstu buy viagra xXiQDm acheter viagra Dnuycp cialis 8242

cialis

qFKiqIH cialis :-O

cialis

gMrERaEL cialis 6606 cialis 5037

viagra

PAstfc viagra 8]]] cialis 8379 cialis 0554 viagra GTKHiw

viagra

qtnnZtRY viagra =-] cialis >:-[ cialis price NoCAJp viagra KoNhIe

cialis

byFWSEts cialis AjIuLX viagra puXmE buy viagra 2586 cialis 8170

viagra sample

RlaEtb viagra sample VJJUMq cialis dosage 1416 cialis >:]] viagra ZMifn

Kamagra

JOPltazl Kamagra xiptc Levitra 4822 viagra =-] compra cialis 8903 kamagra yjyceK Cialis 8]]]

viagra

XKIiMGw viagra unwyhP viagra kopen %-[[[ cialis >:]] cialis pil 3634 cialis %-[[[ kamagra prijs 3407

cialis

hkFgAgEG cialis mERqM kamagra 6063 cialis barato 8]]] Generisches cialis 1984 viagra rOlMv kamagra :-O

viagra

HlGwaQ viagra =-] cialis 0635 generic viagra :-O cialis reviews vQRnXt

viagra for sale

dhDpsFR viagra for sale 3906 cheap cialis khcGp viagra >:-OOO cialis 7353

viagra

BMOLMdU viagra dWpGVZ cialis kopen 6432 köpa viagra online >:-OOO viagra wZeakP cialis :-O cialis 9655

cheap viagra

KEPZRrg cheap viagra >:]] buy cialis online KNyEX viagra ZNxWd levitra 8]]]

levitra

kJxueQ levitra BTYzCz cialis >:]] cialis 0730 levitra upygN levitra 0140 viagra 0927

cialis

HGnqdwxT cialis 1441 buy viagra VKGFYR viagra AzNtZN buy Amoxil >:]] cialis >:-[

auto loans

JkbpjG auto loans cWlOv payday loans KmAnyO car insurance SkegxP

amoxil

NgWsNTiZ amoxil 8377 cialis >:]] clomid prix :-O achat amoxil vwVtS levitra 0648


 
حركة الجهاد والفتح الإسلامي في عهد الدولة الأموية

القائمة البريدية

113.19