خدمة rss
معركة وادي المخازن

   

New Page 1

معركة وادي المخازن

ناصر بن محمد الأحمد

 

معركة وادي المخازن معركة صليبية أوروبيَّة جرت فوق أرض عربية مغربيَّة، هددت كيان الأشراف السَّعديين في الصَّميم، بقاء أو فناء.

احتل البرتغاليون سبتة، فأغراهم ذلك باحتلال المغرب العربي كلَّه، لينفذوا من خلاله إلى الصحراء الكبرى بسهولة، وبالتالي إلى قلب القارة الإفريقية البكر، ولتحقيق هذه الآمال، حشدت أُوربا برعاية الفاتيكان جيشًا، ضمَّ البرتغالي والإسباني والألماني والإيطالي، وسار بقيادة ملك البرتغال الشاب، ونزل على الأرض المغربيَّة، واتجه إلى نهر وادي المخازن قرب القصر الكبير، يحمل صليبًا، يريد رفعه فوق أرض اصطبغت بالإسلام إلى الأبد، منذ موسى بن نصير، وطارق بن زياد، وعقبة بن نافع.

جاء الأوروبيون ونفوسهم شحنت حقدًا، وقلوبهم ملئت تعصُّبًا، يرون أن السماء لن تفتح أبوابها إلا لمن آمن بيسوع ربًّا مصلوبًا. وعلى الرغم من أن المغاربة المسلمين واجهوا في معركة وادي المخازن، أعظم إمبراطورية على وجه الأرض بلا منازع آنذاك، مع دعم أوروبي كبير، إلاّ أن النصر كان إلى جانبهم، فوضعوا بذلك حدًا فاصلاً لأطماع أوربا الصَّليبية بديار الإسلام، وأوقفوا موجات الزَّّحف الصَّليبي.

لقد خاض السلطان المغربي أبو مروان عبدالملك المعتصم بالله السَّعدي، وأخوه أبو العباس أحمد المنصور، معركة غير مرتجلة، معركة خُطِّط لها بدقَّة وإتقان، وعلم وخبرة وكفاية.

وادي المخازن: معركة خَطَّط لها وهيَّأ ميدانها بحنكة، عبدالملك المعتصم بالله، وخاض غمارها ببطولة وتصميم أبو العباس أحمد المنصور، ونظَّم مدفعيتها التي كان لها فعاليتها الكبرى، القائد التركي رضوان، فارتفعت المعنويات، ورخصت الأنفس في سبيل الله، خصوصًا وأن المغاربة ذاقوا حلاوة الانتصار على أعدائهم المحتلين لشواطئهم، عندما انتزعوا منهم ثغورًا كانت محاطة بسياج من الأسوار العالية، والخنادق العميقة، والحصون المنيعة. ومن هنا جاءت أهمية معركة وادي المخازن، إنها معركة صليبية جرت فوق أرض عربية مغربية، وهذا يدل على خطورة نتائجها.

في الوقت الذي ضعفت فيه الروح الصليبية في كل أوربا، فإنها أخذت تنتعش بالبرتغال، أعلن ملك قشتالة الحرب على طليطلة سنة 472هـ وكان سقوطها في السابع والعشرين من المحرم سنة 478هـ نتيجة طبيعية للخصومة والتَّناحر والتَّطاحن بين ملوك الطَّوائف، ودخلت طليطلة بذلك إلى حظيرة النَّصرانيَّة بعد أن حكمها المسلمون، (372) ثلاث مئة واثنين وسبعين عامًا، وغدت بذلك عاصمة إسبانية النَّصرانية. وعلى يد ملك قشتالة بدأت تظهر مملكة البرتغال على خشبة المسرح الدًّولي، خلال الصِّراع الذي خاضه ملوك الطوائف ضد الإسبان.

وعندما عزم الصليبيون غزو سبتة، أرسل ملك البرتغال إلى ملكي قشتالة وغَرْناطة يهدِّئ من روعهما مؤكدّا لهما بأنه إنما يعتزم غزو سبتة، ليتيح لأبنائه فرصة إحراز شرف الفروسيَّة في ميدان القتال، لا أكثر ولا أقل. فأقلع يوحنا الأول يقود (242) مئتين واثنتين وأربعين سفينة، أقلعت من لشبونة هدفه تحقيق أول هجوم توسعي برتغالي، مع استمرارية حرب المسلمين أينما وجدوا، فاتجه إلى المغرب، ونحو سبتة بالذات، لأنها المرسى الذي أقلعت منه سفن المسلمين لفتح الأندلس أيام طارق بن زياد، والمرسى الذي لا يزال تقلع منه قوات المدد الذي كان المغرب يوجهها إعانة مسلمي الأندلس أيام المرابطين والموحدين. وتم احتلال سبتة يوم الخميس 15 جمادى الآخرة سنة 818هـ ومن ذلك اليوم لم تعد مغربيَّة عربيَّة إلى يومنا هذا، واحتلال سبتة حادث عظيم خطير، تبعه هجمات برتغالية على كل الشواطئ المغربية، ومن ثمَّ على الخليج العربي شرقًا. ففي سبتة زُرعت أول بذرة لسياسة الاستعمار البرتغالية، التي لم يكن ليحلم بها أحد حتى ذلك الحين، فاستبدت به رغبة ملحَّة لاستكشاف مجاهل إفريقيا التي يكتنفها الغموض بالنسبة للبرتغاليين والأوروبيين عمومًا، ولم يكن ثمَّة ما يحول بينه وبين رغبته أو يثنيه عن عزمه شيء، خصوصًا وقد سمع في سبتة عن المناجم الغنيَّة بالذهب، والتي يقال أنها توجد في غانة، وما يجنيه التجّار في جنوبي موريتانيا من ربح وغُنم وفير، كما سمع في سبتة أيضًا أن ملك الحبشة يدين بالمسيحية، وأن الحبشة تقع في إفريقيا. وما أن عاد الملك إلى البرتغال حتى عيَّن "هنري" حاكمًا لسبتة، كما أسند إليه تصريف الشؤون التي تتعلَّق بإفريقيا، وبعد ذلك بزمن قصير عيَّنه في منصب الأستاذ الأعظم لجماعة المسيح، وكان كثير من أعضائها قد التجؤوا إلى البرتغال، حيث بسط عليهم الملك حمايته، وكان الفوز بعضويتها يعتبر شرفًا عظيمًا، أما الغاية التي كانت تستهدفها فهي مواصلة محاربة المسلمين.

عكف "هنري" على دراسة المصورات والرسومات، ليقف على كل ما كان معروفًا لأهل عصره، مستفيدًا من إنجازات المسلمين الحضاريَّة خصوصًا في الفلك والملاحة البحرية، ورسم المصوَّرات الجغرافية، واستخدام البوصلة، تعرّف على جزر الآزور، وبعض جزر الكناري، وغانة، وعرف أن ملكها أعظم ملوك هذه الجهات وأغناهم، لكثرة ما يملكه من الذَّهب، وعرف أيضًا قرب الهند من مضيق هرمز، حيث التَّوابل والأحجار الكريمة، وهكذا أبحرت السُّفن ناشرة أشرعتها، حاملة إلى شعوب إفريقيا جماعة من الرُّهبان، يبشِّرون بالعهد الجديد، ويعودون منها بكنوزها من الذهب والعاج والفلفل.

بدأت الكشوف البرتغالية، وجاءت النتائج الأولى غير مشجعة، ولكن عزْم الأمير "هنري" لم يضعف، ولم يتسرَّب إليه وهن أو خور، فمضى بتنفيذ مشروع مغامراته البحرية، لأنه كان يأمل أن يجد في ملك الحبشة حليفًا له في مقاتلة المسلمين، مع الوقوف على مدى قوة المسلمين في إفريقيا، والبحث في تلك الأنحاء عن أمراء مسيحيين يمكن الاستعانة بهم.

توفي "هنري" مع أنه لم يبحر إلى أبعد من ساحل المغرب الشمالي، إلا أنه كان القوَّة الدافعة الحافزة لهذه المغامرات. وتابع البرتغاليون كشوفاتهم، فاجتازوا خط الاستواء لأول مرة بعد ثلاث وخمسين سنة من خوضهم مياه الأطلسي. ولما اعتلى الملك يوحنا الثاني عرش البرتغال، أرسل سفينتين حمولة كلٍّ منهما خمسون طنًا، وثالثة أصغر منهما، لحمل مؤونة ثلاثة أعوام، والهدف: الدوران حول طرف القارة الإفريقية الجنوبي، وقرر الملك "مانويل الأول" القضاء على سيطرة الدول الإسلامية التجارية عن طريق احتلال عدن وهرمز، فسيَّر "فاسكودوغاما" للقيام بهذه المهمة، وبعد ثلاثة وتسعين يومًا، دار "فاسكودوغاما" حول رأس الرجاء الصالح، ثم وصل إلى الهند، فنـزل مدينة "قاليقوت"، وعقد مع حاكمها معاهدة تجارية، وحُمِّلَت سفنه بالبضائع الهندية، وعاد إلى البرتغال بعد غياب سنتين.

ولقد ظهرت قسوة البرتغاليين ووحشيتهم وتعصبهم منذ أول يوم نزلوا فيه أراضي إفريقيا وآسيا، لقد أحرق "فاسكودوغاما" مركبًا للحجاج يحمل مئات الرجال والنساء والأطفال، دون أن يستجيب إلى توسل النساء إليه، وفي إحدى المراكز الهندية أسر حوالي (800) ثمان مئة بحّار هندي، وشنقهم على ظهر سفينته، وقطع أيديهم ورؤوسهم، ثم دفع جثثهم في مركب حمله التَّيار إلى الشاطئ ليراها ذووهم، وهذا يثبت الرُّوح الصليبية الأوروبية الحاقدة، التي توَّجت الكشوف الجغرافية.

لنرجع إلى السعديين الذين كانوا يحكمون بلاد المغرب. إن أصل الأشراف السعديين من الحجاز، ينتسبون إلى ولد محمد النَّفس الزَّكية، وسبب قدومهم من الحجاز إلى المغرب أن أهل "درعة" كانت لا تصلح ثمارهم، وتعتريها الأمراض كثيرًا، فقيل لهم: لو أتيتم بشريف إلى بلادكم، كما أتى أهل "سجلماسة"، لصَلُحَت ثماركم كما صَلُحت ثمارهم، وكان أهل "سجلماسة" جاؤوا من أرض ينبع بشريف من آل البيت، فأتى أهل "درعة" بالمولى زيدان بن أحمد، لذلك يقال: دولة الأشراف السَّعديين من آل زيدان. وأما تسميتهم بالسعديين، هذه النسبة التي لم تكن لهم في القديم، ولم تظهر في سجلاتهم ورسائلهم، بل لم يجترئ أحد على مواجهتهم بهذه التسمية، لأنه إنما يصفهم بها من يقدح في نسبهم، ويطعن في شرفهم، ويزعم أنهم من بني سعد بن بكر بن هوازن الذين منهم حليمة السعدية مرضعة رسول الله e، وكثير من العامة يعتقدون أنهم إنما سموا بذلك لأن الناس سعدوا بهم.

قامت دولة السعديين بعد دولة بني وطّاس، فوقعت على كاهلهم مهمة جهاد البرتغاليين الذين سيطروا على شواطئ المغرب الأقصى.

بعد أن توفي الغالب بالله، بويع ابنه محمد الذي لقَّب نفسه "المتوكل على الله"، وكان فظًّا غليظًا مستبدًا ظالمًا، قَتل اثنين من إخوته عند وصوله إلى الحكم، وأمر بسجن آخر، فكرهته الرّعية، خصوصًا والمُلك يؤول إلى أكبر أمراء الأسرة سنًّا، لذلك رأى عمه عبدالملك أنه أولى بالملك من ابن أخيه، فأضمر المتوكِّل الفتك بعمَّيه عبدالملك وأحمد، ففرَّا منه مستنجدين بالعثمانيين.

وُصف المتوكل بأنه كان فقيهًا أديبًا مشاركًا مجيدًا قوي العارضة في النَّظم والنثر، وكان مع ذلك متكبِّرًا تيَّاهًا غير مبالٍ بأحد، ولا متوقفًا في الدِّماء، عسوفًا على الرَّعية، ومن شعره قوله:

فَقُمْ بِنا نَصْطَبِحْ صَهْباءَ صَـافيةً        في وجهِها عَسْجَدٌ في وجههِ نُقَطُ

وانهَضْ إليها على رغمِ العِدا قَلِقًا       فإنَّ تأخيرَ أوقاتِ الصِّبا غَلَطُ

وأما عمه عبدالملك فقد كانت سجاياه حميدة، وسيرته عطرة، جمع بين العلم والشجاعة، وهو سياسي محنَّك، أتقن عدة لغات أوربية وشرقية، أمُّه "سحابة الرَّحمانيَّة"، سارت به مع أخيه أحمد إلى الجزائر، فهيَّأ الوالي العثماني لهم سبل السفر إلى الأستانة، حيث التجأ إلى السلطان سليم بن سليمان طالبًا نجدته ومعونته، فتثاقل عنه السلطان سليم، إلى أن بعث بأسطول بحري لفتح تونس، وتخليصها من يد الحفصيين الذي استنجدوا بالاسبان، واستطاعت هذه العمارة البحرية تحقيق هدفها، وفرَّ الحسن بن محمد الحفصي إلى قشتالة، بعد أن فتح خير الدين بربروس تونس، فشهد عبدالملك الفتح، وعاد بالبشرى إلى السلطان العثماني فأنجده، وكتب أمرًا للدَّولاتي صاحب الجزائر، ليبعث معه خمسة آلاف من عسكر الترك، يدخلون معه أرض المغرب الأقصى ليعيدوا إليه حقه في الحكم، وعندما دخل عبدالملك المغرب مع الأتراك، كاتب حاشية المتوكل وبطانته، ورؤوس أجناده، يعِد طائعهم، ويتوعَّد عاصيهم، وكتب الله النصر لعبدالملك في معركة قرب مدينة فاس، وفرَّ المتوكل من المعركة، وكان ذلك سبب خراب ملكه، وإقامة ملك عمه، ودخل عبدالملك مدينة فاس يوم الأحد 7 ذي الحجة سنة 983هـ، ثم ضمَّ مَرَّاكش، ففرَّ المتوكل إلى جبال السُّوس، وجعل يتنقَّل بين قبائلها وأحيائها، إلى أن اجتمعت عليه طائفة من الصعاليك، وشكَّل ما يشبه الجيش استهوتهم منه الأضاليل والوعود وقادهم إلى مّرَّاكش، فدخلها إلا أن أحمد أخا عبدالملك جاء من مدينة فاس ففرَّ المتوكل إلى السُّوس ثانية، ومنها إلى سبتة ثم دخل طنجة مستصرخًا بملك البرتغال فكان ذلك سببًا من أسباب معركة وادي المخازن.

قام عبدالملك بعدد من الإصلاحات بعد توليه الحكم فأمر بتجديد السفن وبصنع المراكب الجديدة، فانتعشت بذلك الصناعة العامة، واهتم بالتجارة البحرية، وكان للأموال التي غنمها من الحروب الدائمة على سواحل المغرب أثر في ازدهار الدولة، وأسس جيشًا نظاميًا على النظام العثماني من حيث اللباس والتسليح والرُّتب، وفرض عبدالملك احترامه على أهل عصره حتى الأوربيين احترموا وأجلُّوا هذا الملك.

وأما عن التنظيمات الإدارية والسياسية في دولة الأشراف السعديين فقد ضمت وزارة عبدالملك وأخيه أحمد المنصور وزراء من مستوى ثقافي رفيع، وكان للوزراء كتّاَب يدانونهم ثقافة وسعة أفق، وكان السلطان وكبار رجال الدولة على معرفة بأمور الدولة الداخلية وأحوال السكان عامة، وعلى اطلاع بالسياسة الدولية وخاصة الدول التي لها علاقة بالسياسة المغربية. وكان أحمد المنصور يحاسب وزراءه وكبار موظفيه على عدم المحافظة على أوقات العمل الرسمية، أو التأخر في الرد على المراسلات الإدارية والسياسية، ومن أعماله إحداث شفرة لكتابة المراسلات السرية حتى لا يعرف فحواها إذا وقعت في يد عدو، وكان إذا غادر أحد أبنائه أو مساعديه الخُلَّص إلى العاصمة سلَّّم إليه نسخة منها يمكنه أن يفك بها رموز الخطابات الملكية عند ورودها إليه.

والقضاء المغربي تمتع بسمعة رفيعة عبر التاريخ الإسلامي وأروعها وأجملها أيام أحمد المنصور حيث فُصِلت السُّلطة القضائية عن السلطة التنفيذية تمامًا، ولم يسمح للسلطة التنفيذية أن تتدخل بالسلطة القضائية مطلقًا، وقضاء المظالم الذي كان يعقد له العاهل السعدي نفسه مجلسًا أسبوعيًا دوريًّا كانت مهامه إدارية أكثر منها قضائية. وكان أحمد المنصور يرأس مجلس المظالم في مقصورة جامع القصبة بمراكش بجوار قصره، وشكَّل لجنة للمراقبة تتولى النظر بصفة دورية في مجرى القضاء بالأقاليم وأوضاع الفئات الشعبية بوجه عام، وكان أحمد المنصور يدرس تقاريرهم بعناية كي يتتبع سير الأحكام والإدارة بمملكته. ولاتساع رقعة الدولة أقام السعديون محطات عديدة في أرجاء البلاد تحت حماية حرّاس مقيمين لا يبعد بعضها عن بعض إلا بمسافة عشرين كيلو مترًا، وبهذه المحطات ينـزل المسافرون والقوافل المارّة عبر القرى والبوادي وتتوفر في هذه المحطات المؤن الضرورية ليشتري منها النازلون ما يحتاجون إليه.

نُظِّم الجيش وحظي بعناية عبدالملك وكان نظامه عثمانيًا من حيث اللباس والتسليح والرُّتب، كما حظي في عهد أحمد المنصور بقادة ذوي كفاءة عسكرية عالية، رافق الجيش عدد من التقنيين المتخصصين في النجارة والحدادة والبناء، مع وحدات طبية متخصصة أيضًا تتألف من جراحين وحلاقين وأطباء يتنقلون مع الجيش بأوعيتهم وأدواتهم من مراهم وضمادات وخيام تشكل مستشفيات ميدانية تستقبل الجرحى والمرضى.

أما الأسلحة فقد كانت البنادق سلاحًا فرديًا، وكان للمدافع والمتفجرات القول الفصل في المعارك في هذه الآونة، لذلك بنى السعديون دار العدة لصناعة المدافع، كما اهتموا ببناء الأسطول، فبنيت سفن خفيفة في نهر النيجر. برهن جيش السعديين بقيادة ضباطه الأكفاء على روح انضباط عالية وكفاءة ممتازة في ممارسة مهماته العسكرية، وهذا الجيش الذي حقق نصر معركة وادي المخازن.

إن معركة وادي المخازن كانت تصفية لحساب، وردًا لاعتبار، وتصحيحًا لأوضاع. أراد ملك البرتغال الشاب "سبستيان" القيام بعمل سياسي ديني هدفه محو ما وصم به عرش البرتغال خلال فترة حكم أبيه يوحنا الثالث، ذلك الملك الذي وُصف بالضعف والتخاذل والذي انسحب البرتغاليون في عهده من عدد من المناطق، وأراد أن يعلي شأنه بين ملوك أوربا، فظهر يحمل في يمناه كتابه المقدس، وفي يسراه التاج والصولجان، ليتوج نفسه إمبراطورًا على المغرب وإفريقيا، إنه حلم امتلاك الدنيا بعد الكشوف الجغرافية واحتلال كل أراضي الإسلام والقضاء عليه أينما وجد. فالملك الشاب "سبستيان" كان يملك من الحماس والحقد على الإسلام وأهله عمومًا وعلى المغرب خصوصًا ما تكاد تنفجر به جوارحه، وبدافع حقد وتعصب صليبي من جهة، وبدافع من العقلية الاستعمارية التي ترى أن يدها مطلقة في كل أرض عربية مسلمة تعجز عن حماية نفسها من أي خطر خارجي من جهة أخرى، خطط لغزو واحتلال المغرب، وجاءت الفرصة الكبيرة عندما انتصر به المتوكل المخلوع على عمَّيه عبدالملك وأحمد، وعلى بني جلدته مقابل أن يتنازل له عن جميع شواطئ المغرب، فشرط عليه أن يكون للنصارى سائر السواحل وله هو ما وراء ذلك. وكان "سبستيان" قد عبأ معه اثني عشر ألفًا من البرتغال، كما أرسل إليه الطُّليان ثلاثة آلاف، ومثلها من الألمان وغيرهم عددًا كثيرًا، وبعث إليه البابا صاحب روما بأربعة آلاف أخرى، وبألف وخمس مئة من الخيل، واثني عشر مدفعًا، وجمع "سبستيان" نحو ألف مركب ليحمل هذه الجموع إلى العدوة المغربية. وحذر فيليب الثاني ابن أخته عاقبة التوغل في أرض المغرب، كما حذره كبار دولته عاقبة هذا الخروج كما ذكرت تواريخ البرتغال، ونهوه عن توريط البرتغال في بلاد المغرب وقبائله، فصم عن سماع ذلك كله، ولجَّ في رأيه، ومَلَكَ الطمع قلبه وأبى إلاّ الخروج. ولا ندري هل كانت تواريخ الأوربيين عامة والبرتغاليين خاصة، ستكتب هذا التحذير لو كُتِب لـ "سبستيان" النصر على أرض المغرب. وهكذا وجد الملك الشاب فرصة هائلة بلجوء الملك الطريد المتوكل، وهي فرصة لاسترجاع المجد البرتغالي، فهذه الفرصة ستخوله أن يحتل أجزاء كبيرة من المغرب، كما ستخوله التدخل المباشر في السياسة المغربية، وتَصور أنه أمام فرصة ذهبية يجب اغتنامها بكل حماس وقوة.

أبحرت السفن الصليبية من ميناء لشبونة باتجاه المغرب وأقامت في "لاكوس" بضعة أيام، ثم توجهت إلى "قادس" حيث أقامت أسبوعًا كاملاً ثم رست "بطنجة"، وفي طنجة وجد "سبستيان" حليفه المتوكل، ثم تابعت السفن سيرها إلى "أصيلا"، وأقام "سبستيان" بطنجة يومًا واحدًا ثم لحق بجيشه.

كانت الصرخة في كل أنحاء المغرب: أن اقصدوا وادي المخازن للجهاد في سبيل الله، ولم يكن عند المسلمين أحلى من الاستشهاد، فهذه التعبئة الشعبية ستتكامل لتكون جيشًا ذا معنويات عالية، وذا تصميم أكيد على النصر، وزاد الموقف تفاؤلاً بالنصر، أن القيادة كانت في مستوى الطموح الشعبي والإحساس الإسلامي. ففرار المتوكل واستنجاده بعدو البلاد، والتجاؤه إلى قوى صليبية طامعة حاقدة أجج حماس الناس، وضاعف شعورهم بالخطر على مستقبل البلاد، ولم تَنْطَل عليهم ادعاءاته عندما كتب إلى أهل المغرب: "ما استصرختُ بالنصارى حتى عدمت النصرة من المسلمين"، وتهدَّدَهم قائلاً: (فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله). فأجابه علماء الإسلام عن رسالته برسالة دحضت أباطيله وفضحت ركيك تأويله. وكتب عبدالملك المعتصم بالله من مرَّاكش إلى "سبستيان": "إن سطوتك قد ظهرت في خروجك من أرضك، وجوازك العدوة، فإن ثَبُتَّ إلى أن نقدم عليك فأنت نصراني حقيقي شجاع، وإلا فأنت كلب بن كلب". فلما بلغه الكتاب غضب، واستشار أصحابه: هل نقيم حتى يلحق بنا مَن خلفنا من أصحابنا؟. فقال المتوكل: الرأي أن نتقدم ونملك "تِطَّاوين والعرايش والقصر"، ونجمع ما فيها من العُدَّة ونتقوى بما فيها من الذخائر. فأعجب هذا الرأي هيئة أركان "سبستيان" وقادة جنده الذين أشاروا برمي الكتاب عرض الحائط، ولكن "سبستيان" تريث رغم إشارة رجاله. وكتب عبدالملك لأخيه أحمد المنصور وكان نائبه على مدينة فاس وأعمالها أن يخرج بجند فاس وما حولها، ويتهيأ للقتال، ثم كتب إليه أيضًا في شأن مؤونة الجيش، وهكذا سار أهل مَرَّاكش وجنوبي المغرب بقيادة عبدالملك المعتصم بالله، وسار أخوه أحمد المنصور بأهل فاس وما حولها وكان اللقاء قرب محلَّة القصر الكبير.

كان الجيش البرتغالي 125.000 مقاتل وما يلزمهم من المعدات مع ألوف الخيل وأكثر من أربعين مدفعًا، وكان معهم المتوكل بشرذمة تتراوح ما بين 300 إلى 600 رجل. وكان الجيش المغربي بقيادة عبدالملك المعتصم بالله 40.000 مجاهد يملكون تفوقًا في الخيل، ومدافعهم أربعة وثلاثون مدفعًا فقط، ولكن معنوياتهم كانت عالية جدًا لسببين:

الأول: ذاقوا حلاوة الانتصار على أعدائهم البرتغاليين المحتلين عندما انتزعوا منهم ثغورًا كانت محاطة بسياج من الأسوار العالية والخنادق العميقة والحصون المنيعة.

السبب الثاني: يعلمون أن نتيجة المعركة هذه يتوقف عليها مصير بلادهم كلها، فـ"سبستيان" ومن معه يمثلون حركة توسع على حساب الإسلام وأراضيه، وذكرى سقوط غَرْناطة وضياع الأندلس أرضًا وسكانًا، حادثة لم تنسَ بعد، إنها ماثلة قُبالة الشعب كله بلا استثناء.

اختار عبدالملك المعتصم بالله القصر الكبير مقرًا لقيادته، وخصص من يراقب تحركات "سبستيان" وجيشه بدقة، ثم كتب إلى "سبستيان" مستدرجًا إياه إلى ميدان المعركة التي اختار: "إني قطعت للمجيء إليك ست عشرة مرحلة، فهلا قطعت أنت مرحلة واحدة لملاقاتي؟" فنصحه رجاله والمتوكل أن يبقى بأصيلا، ليبقى على اتصال بالمؤن والعتاد والبحر، ولكن تشوقه إلى الحرب وغروره بمن معه من قوات ومدفعية، جعله يرفض نصيحة أركانه فتحرك قاصدًا القصر الكبير.

وصل الضِّفة الشمالية لوادي المخازن فشاهد طلائع الجيش المغربي المسلم متجهة نحوه. عبر "سبستيان" ومن معه جسر وادي المخازن حيث خيَّم قُبَالة الجيش المغربي وفي جنح الليل، أمر عبدالملك أخاه أحمد المنصور في كتيبة من الجيش بنسف قنطرة جسر وادي المخازن إتمامًا للخطة التي وضعها، فالوادي لا معبر له سوى هذه القنطرة. لقد حَنَّكت التجارب عبدالملك فعزل عدوه عن أُسطوله بالشاطئ بمكيدة عظيمة وخُطَّة مدروسة حكيمة، عندما استدرج "سبستيان" إلى مكان حدده عبدالملك ميدانًا للمعركة، وكان عزله عن أسطوله محكمًا عندما أمر عبدالملك بالقنطرة أن تهدم، ووجه إليها كتيبة من الخيل بقيادة أخيه أحمد فهدمها. جعل "سبستيان" مدفعيته في المقدمة أمام جيشه، وفي الوسط أربع كتائب رئيسة تحيط به، وجعل الفرسان على المجنبتَين مع حراسة خلفية، وتجمعت شرذمة حول المتوكل في الميمنة. أما عبدالملك فقد جعل مدفعيته في المقدمة، تليها مباشرة صفوف للرماة المشاة، وجعل قيادته في القلب وعلى المجنبتين رماة فرسان والقوى الشعبية المتطوعة. وامتازت خطة عبدالملك بوجود كوكبة احتياطية من الفرسان ستنقضّ في الوقت المناسب، وهي في غاية الراحة، لمطاردة فلول البرتغاليين واستثمار النصر.

وفي صباح الاثنين 30 جمادى الآخرة سنة 986هـ كان ذلك اليوم يومًا مشهودًا في تاريخ المغرب، ويومًا خالدًا في تاريخ الإسلام، وقف فيه السلطان عبدالملك المعتصم بالله خطيبًا في جيشه مذكِّرًا بوعد الله للصادقين المجاهدين بالنصر، كما ذكَّر بوجوب الثبات، وذكّر أيضًا بحقيقة لا مراء فيها: "إن انتصرت الصليبية اليوم فلن تقوم للإسلام بعدها قائمة". ثم قُرئت آيات كريمة من كتاب الله بأصوات ندية اشتاقت للشهادة. وهكذا دقَّت ساعة النصر أو الشهادة، وحانت لحظات رخصت فيها الأرواح طمعًا بثواب الله وعظيم مكانة الشهيد عنده. إنها معركة بين فئة تقاتل عدوًا يطمع بالأرض واستئصال الإسلام وأهله أينما كان وكانوا، فالشهادة دون ذلك مطلب وعقيدة، وبين فئة حاقدة أعماها الطمع والجور، وحب المغامرة للمغامرة نفسها، ولمجد عرش يتباهى به بين ملوك أوربا وأباطرتها. ولم يألُ القسسُ والرهبان جهدًا في إثارة حماس جند أوربا الذين يقودهم "سبستيان" مذكِّرين أن البابا أحلَّ من الأوزار والخطايا أرواح من يلقون حتفهم في هذه الحروب التي اتسمت بطابع الحروب الصليبية.

وانطلقت عشرات الطلقات النارية من الطرفين كليهما إيذانًا ببدء المعركة، ورغم تدهور صحة السلطان عبدالملك المعتصم بالله الذي رافقه المرض وهو في طريقه من مَرَّاكش إلى القصر الكبير، خرج بنفسه ليرد الهجوم الأول، منطلقًا كالسهم شاهرًا سيفه يفتح لجنده الطريق إلى صفوف البرتغاليين، ولكن المرض غالبه فغلبه، فعاد إلى محفَّته، وما هي إلا دقائق حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، وأطبق أجفانه وهو موقن بالنصر الذي وعد الله به عباده الصادقين المؤمنين المجاهدين، وأمرُ هذا الرجل عجب في الحزم والشجاعة، لقد مات وهو واضع سبابته على فمه، مشيرًا أن يكتموا الأمر حتى يتم النصر، ولا يضطربوا، وكذلك كان، فلم يطَّلع على وفاته إلا حاجبه "رضوان"، وأخوه أحمد المنصور، وصار حاجبه يقول للجند: "السلطان يأمر فلانًا أن يذهب إلى موضع كذا، وفلانًا أن يلزم الراية، وفلانًا يتقدم وفلانًا يتأخر". ومال أحمد المنصور بمقدمة جيش المغاربة على مؤخرة البرتغاليين، وأوقدت النار في بارود البرتغاليين، واتجهت موجة مهاجمة ضد رماتهم أيضًا، فلم يقف البرتغاليون لقوة الصدمة، فتهالك قسم منهم صرعى، وولَّى الباقون الأدبار قاصدين قنطرة نهر وادي المخازن، فإذا هي أثر بعد عين، نسفها المسلمون بأمر سلطانهم عبدالملك المعتصم بالله، فارتموا بالنهر فغرق من غرق، وأُسر من أسر، وقتل من قتل. وصُرع "سبستيان" وألوف من حوله بعد أن أبدى صمودًا وشجاعة تذكر، حتى زعم مؤرخون النصارى الأوربيون أنه هلك تحته في ذلك اليوم أربعة أفراس، وزعموا أيضًا أنه قال لجنده: "إن تروني تروني أمامكم، وإن لم تروني فأنا في وسط العدو أقاتل عنكم". صُرع بسيف حملته يمنى مجاهد مسلم، صمم على الشهادة أو قتله. وحاول المتوكل رمز الخيانة، الفرار شمالاً، فوقع غريقًا في نهر وادي المخازن، ووجدت جثته طافية على الماء، فسُلخ وملئ تبنًا وطيف به في أرجاء المغرب حتى تمزق وتفسَّخ.

دامت المعركة أربع ساعات وثلث الساعة، ولم يكن النصر فيها مصادفة، بل كان لمعنويات عالية، ونفوس شعرت بالمسؤولية، ولخطة مدروسة مقررة محكمة، فما هي إلا 260 دقيقة فقط ومصير المغرب الأقصى يتقرر إلى الأبد أرضًا إسلامية.

بويع أحمد المنصور بعد انتصار وادي المخازن، بعد الفراغ من القتال بميدان المعركة، فكتب إلى القسطنطينية مقر السلطنة العثمانية يعلم السلطان مراد خان الثالث العثماني وإلى سائر ممالك الإسلام المجاورين للمغرب، يعلمهم بما أنعم الله عليه من نصر حاسم عظيم، وإخفاق الغزو البرتغالي الصليبي لأرض المغرب واستئصال شأفته، فوردت عليه الرسل من سائر الأقطار مهنئين مباركين له بما فتح الله عز وجل على يده، وكان أول الوفود من أقرب الأقطار، من الجزائر، ثم جاءت رسل ملك البرتغال الجديد، تحمل هدية عظيمة، ورسل ملك الاسبان "فيليب الثاني" تحمل هدية أعظم، ثم قدمت رسل السلطان العثماني ومعهم هديته، وبعدها جاءت رسل ملك فرنسا، والأرسال تصبح وتمسي على أعتاب تلك القصور.

أما في البرتغال: لما نُعي "سبستيان" إلى البرتغاليين، لم يصدِّقوا خبر موته بسهولة، فقالوا: لا، إنه مأسور فقط، ولما سُلِّمت جثته بالطرق الرسمية قال الشعب: إن ملكهم لم يمت، وإن له عودة مؤكدة في المستقبل، وأمسى البرتغاليون يسمرون بأخباره، ولا تزال البرتغال تذكره، وله ذكر في أشعار الشعراء الأوربيين على اختلاف جنسياتهم. والتمس ملك البرتغال من أبي العباس أحمد المنصور فداء الأسرى، فأجابه إلى طلبه وحصل بسبب ذلك على أموال طائلة.

يشهد التاريخ بالعظمة والحكمة والشجاعة لعبدالملك المعتصم بالله ولأخيه أحمد المنصور، كما يشهد أيضًا لعدد من القادة كان لهم دور بارز في تحقيق هذا النصر المظفر، وتنجلي المعركة عن نصر خالد في تاريخ الإسلام وعن موت ثلاثة ملوك، لكن هناك اختلاف كبير في نهايتهم:

الملك الأول: صليبي مجندل، هو "سبستيان" ملك أعظم إمبراطورية على الأرض بلا منازع آنذاك.

الملك الثاني: خائن غريق مسلوخ، هو محمد المتوكل، الذي استخرج الغواصون جثته من نهر وادي المخازن، وحُشي جلده تبنًا وطيف به في مَرَّاكش وغيرها من البلاد.

الملك الثالث: شهيد بطل فاضت روحه، هو عبدالملك المعتصم بالله، والذي سيبقى التاريخ يفخر بإخلاصه وحكمته وشجاعته وفروسيته.

تحقق نصر معركة وادي المخازن بعد توفيق الله بسبب آلام المسلمين من سقوط غَرْناطة وضياع الأندلس، إنها جراح لم تندمل ولم تُنس بعد، ووحشية محاكم التفتيش وصور جرائمها التي ارتكبت ما تزال ماثلة في الأذهان. وتحقق النصر بسبب الخطة المحكمة المرسومة بدقة، واستدراج الخصم إلى ميدان تجول فيه الخيل وتصول، مع قطع طرق تموينه وإمداده، ثم نسف القنطرة الوحيدة على نهر وادي المخازن، فلم ينج من البرتغاليين والأوروبيين إلا نزر يسير وشرذمة قليلة، لتهافتهم في النهر ووقعوا في أسر المغاربة. ولا ننسَ القدوة والأسوة المثالية التي أعطاها عبدالملك المعتصم بالله عند الهجوم الأول قُبيل وفاته بدقائق، وإتمام أخيه أحمد المنصور ما بدأه الرجل قبيل وفاته.

من نتائج معركة وادي المخازن أنها ضربة قاضية للبرتغال، فلم تقم لها قائمة بعدها، مما حدا بهم البدء بالتفكير والتخطيط على مستوى أوربا بترك سياسة الحديد والنار، للبدء بغزو فكري ثقافي بعد إخفاق الغزو الصليبي العسكري في المشرق العربي وفي مغربه. وسيبقى التاريخ ذاكرة البشرية وحافظته التي لا تُنسى وواعظها الأمين النـزيه، لذلك سيبقى يذكر عبدالملك المعتصم بالله الذي مات وهو يدافع عن كرامة أُمَّة، وعزة دين، وسيبقى يذكر شعبًا أثمرت أغصان رماحه زهر النصر، وقطفت سيوفه ثمرات جهده نصرًا. وسيبقى يذكر في الوقت ذاته الخائن محمد المتوكل المسلوخ، غارقًا مغلوبًا، مهانًا مذمومًا، نتيجة طبيعية حتمية للخونة ومن هان عليهم وطنهم، ورقَّ عندهم دينهم، وهان شرف العقيدة لديهم.

لقد تميزت هذه المعركة بأنها لم تكن في الواقع تواجه الجيوش البرتغالية وحدها، بل كانت تواجه حربًا صليبية شارك فيها العالم الكاثوليكي بصفة خاصة والمسيحي بصفة عامة.

بعدها جاءت الحروب الصليبية الكبرى التي شنها النصارى على الشرق الإسلامي طيلة قرنين من الزمان تحت مسمى "الحرب من أجل تحرير القبر المقدس". لقد شنّ النصارى سلسلة من الحروب على العالم الإسلامي دافعه ديني صليبي، من أبشع ما عرفته البشرية من حروب. كم ارتكب النصارى في هذه الحروب من مذابح بقيت شامة عار في جباههم، ففي الحملة الصليبية الأولى فقط أبادوا أهل أنطاكية وذبحوا في القدس أكثر من سبعين ألفاً من المسلمين، وخربوا حمص وبعلبك وحماة وعسقلان وطبرية وغيرها من البلاد، وهجَّروا أهلها منها وفعلوا الأفاعيل العظيمة التي استحى حكماؤهم ومؤرخوهم منها. وفي التاريخ القريب ماذا فعل الاستعمار الصليبي في بلاد المسلمين من قتل وتشريد، وفساد وإفساد، وتخريب ودمار، ونهب للأموال والممتلكات، وحَرم المسلمين من أدنى الحقوق التي لا تُحرم منها الدواب والبهائم، وليست مذابح البوسنة والهرسك ومجازر كوسوفا وتدمير أفغانستان والعراق منّا ببعيد.

إن تاريخ النصارى في التعامل مع المسلمين تاريخ أسود كله، إنهم يكيدون لنا كيداً ليردونا عن ديننا فرداً فرداً، سلكوا في ذلك جميع السبل والوسائل ونفّذوا من أجله مخططات الأواخر والأوائل، فمَّرة مكر وخديعة في ثوب الناصح الأمين، ومرّة غصب واستعمار تحت ستار الإعانة والتأمين، وها هو التبشير والتنصير قد أنشب أظفاره وكشر أنيابه، وهو نتيجة من نتائج التعصب الصليبي المسلح، ومولود من مواليد القوة الطاغية التي تُسمِّي كل ما تَرضى عنه من الأعمال المنكرة حرية دين أو حرية فكر أو حرية رأي، وتُسمِّي كل ما لا ترضى عنه من المطالبة بالحقوق المغصوبة وغير ذلك، تسميه إرهاباً وعنفاً وأصوليةً وتشدداً.

إننا لم ننسى الجرائم الشنيعة والعظائم الفظيعة التي ارتكبها النصارى في حق مسلمي الأندلس، أجبروهم على التنصر وحوّلوا مساجدهم إلى كنائس وأتلفوا كتبهم ومصاحفهم، واعتبروا أطفالهم نصارى فعمّدوهم بالقوة ومحوا شعائرهم وشعاراتهم، ومنعوا تقاليدهم وعاداتهم، ونكثوا العهود والمواثيق التي أخذت منهم أن لا يتعرضوا للمسلمين فقَتلوا وعذبوا ونكَّلوا وشرَّدوا.

إن الدول الغربية تفتعل أي سبب لكي تضرب أية دولة أو لتشن حرباً صليبية جديدة، حالهم في ذلك حال ذلك الذئب الذي كان يشرب من أحد الأنهار فأبصر حملاً فطمع في افتراسه، ولكنه أراد أن يراعي شريعة الغاب حتى يكون افتراسه موافقاً لقرارات الأمم المتحدة، فيبدأ بتقديم مسوّغ لافتراس ذلك الحمل، يُقنع به باقي الوحوش! فما إن رأى الحمل يجترّ بفمه، حتى بادره قائلاً: أتهزأ بي لا أبا لك! قال الحمل: أبداً، إنما اجترّ بعض الطعام. قال: فلماذا كدّرت عليّ ماء النهر أثناء شربي؟. قال الحمل: وكيف وأنت أعلى النهر وأنا أسفله. قال: إذاً أنت الذي قتلت أبي في العام الماضي! قال الحمل: أبداً، فلم أولد إلا قبل أشهر! قال: فأبوك إذاً هو الذي قتله!. ثم هجم عليه وافترسه!.

هكذا يتعامل الغرب اليوم مع الشعوب المسلمة لكي يغطوا عورة الحرب الصليبية الجديدة.

 

والحمد لله أولاً وآخراً ...



 
حركة الجهاد والفتح الإسلامي في عهد الدولة الأموية

القائمة البريدية

58.25