خدمة rss
عثمان بن عفان رضي الله عنه

   

New Page 1

عثمان بن عفان رضي الله عنه

ناصر بن محمد الأحمد

إن الحمد لله ...

أما بعد: إن عودة الأمة لما كانت عليه في قيادتها للبشرية منوطة بسيرها على هدى النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، فقد أخبر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم عن المراحل التاريخية التي تمر بها الأمة في مسيرتها في الحياة، فقال عليه الصلاة والسلام: "تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضًّا فيكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة". إن معرفة عهد الخلافة الراشدة ومنهاج النبوة خطوة لا بد منها في تحقيق الأهداف التي تسعى الأمة لتحقيقها في هذه الحياة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي".

إن تاريخ عصر الخلفاء الراشدين تاريخ مليء بالدروس والعبر، وتاريخنا الإسلامي أصبح غرضاً ومرمى لسهام أعداء الإسلام على مختلف مذاهبهم وعقائدهم، ويحاولون أن يوجدوا فجوة في الإسلام وتاريخه الزاهر حتى يتسنى لهم عزل الأجيال عن الإسلام وعقيدته وشريعته وقيمه وتراثه العلمي، ولذلك يبذلون قصارى جهدهم لنفث السموم في المجتمع الإسلامي. لقد حاول المستشرقون ومن قبلهم الروافض أن ينشروا كل رواية باطلة تُنقِص من شأن الصحابة الكرام، وتطعن في تاريخ الأمة المجيد، وتصور تاريخهم بأنه صراع على السلطة والسيادة والنفوذ، ولذلك يجب الحذر من كل رافضي كاذب، ومستشرق حاقد، وعلماني جاهل, وكل من سار على نهجهم، ولا بد من الدفاع المستميت عن تاريخنا الخالد والهجوم الشجاع على مناهج الكذّابين والمنحرفين، ويكون هذا الهجوم المبارك بقذائف الحق العلمية المملوءة بالحقائق الساطعة والأدلة القاطعة والبراهين الدامغة.

حديثنا اليوم سيكون عن الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأصدقها حياء عثمان"، وقال فيه في غزوة تبوك بعد تقديمه النفقة العظيمة: "ما ضر عثمان بعد اليوم، ما ضر عثمان بعد اليوم". وقد بشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة على بلوى تصيبه, وحث الناس عند وقوع الفتنة أن يكونوا مع عثمان وأصحابه، فعن أبي هريرة t قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنكم تلقون بعدي فتنة واختلافا"، فقال له قائل مِنَ الناس: فمن لنا يا رسول الله؟ قال: "عليكم بالأمين وأصحابه" وهو يشير إلى عثمان.

وقد كان الصحابة رضي الله عنهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعدلون بأبي بكر أحداً، ثم عمر، ثم عثمان، فعن ابن عمر رضي ­الله عنهما قال: كنا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا نعدل بأبي بكر أحداً، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نفاضل بينهم.

هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، ويلتقي نسبه بنسب النبي صلى الله عليه وسلم في عبد مناف. وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة، وقد أسلمت وماتت في خلافة ابنها عثمان, وكان ممن حملها إلى قبرها، وأما أبوه فهلك في الجاهلية.

كان يكنى في الجاهلية أبا عمرو، فلما ولد له من رقية بنت رسول الله غلاماً سماه عبد الله، واكتنى به، فكنّاه المسلمون أبا عبد الله. وكان يلقب بذي النورين، لأنه لم يجمع بين ابنتي نبي منذ خلق الله آدم إلى أن تقوم الساعة غير عثمان.

ولد في مكة بعد عام الفيل بست سنين على الصحيح فهو أصغر من النبي صلى الله عليه وسلم بنحو خمس سنين، وتزوج عثمان t ثماني زوجات كلهن بعد الإسلام.

كان t في أيام الجاهلية من أفضل الناس في قومه، فهو عريض الجاه ثري، شديد الحياء، عذب الكلمات، فكان قومه يحبونه أشد الحب ويوقرونه. لم يسجد في الجاهلية لصنم قط ولم يقترف فاحشة قط، فلم يشرب خمراً قبل الإسلام وكان يقول: إنها تُذْهب العقل، والعقل أسمى ما منحه الله للإنسان، وعلى الإنسان أن يسمو به، لا أن يصارعه. وفي الجاهلية كذلك لم تجذبه أغاني الشباب ولا حلقات اللهو، ثم إن عثمان كان يتعفف عن أن يرى عورة. ويرحم الله عثمان t فقد يسر لنا سبيل التعرف عليه، حيث قال: ما تغنيت، ولا تمنيت، ولا مسست ذكري بيمني منذ بايعت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شربت خمرًا في جاهلية ولا إسلام، ولا زنيت في جاهلية ولا في إسلام.

كان عثمان قد ناهز الرابعة والثلاثين من عمره حين دعاه أبو بكر الصديق إلى الإسلام، ولم يُعرف عنه تكلؤ أو تلعثم، بل كان سبّاقاً أجاب على الفور دعوة الصديق، فكان بذلك من السابقين الأولين. فرح المسلمون بإسلام عثمان فرحًا شديدًا، وتوثقت بينه وبينهم عرى المحبة وأخوة الإيمان، وأكرمه الله تعالى بالزواج من بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم رقية، وقصة ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد زوجها من عتبة بن أبي لهب، وزوج أختها أم كلثوم عتيبة بن أبي لهب، فلما نزلت سورة المسد (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ، سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ، وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ، فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَد). قال لهما أبو لهب وأمهما أم جميل بنت حرب بن أمية فارقا ابنتي محمد، ففارقاهما قبل أن يدخلا بهما كرامة من الله تعالى لهما، وهوانًا لابني أبي لهب, وما كاد عثمان بن عفان t يسمع بخبر طلاق رقية حتى استطار فرحاً، وبادر فخطبها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجها الرسول الكريم منه، وزفته أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، وقد كان عثمان من أبهى قريش طلعة، وكانت هي تضاهيه قسامة وصباحة، فكان يقال لها حين زُفت إليه:

أحسن زوجين رآهما إنسان

 

 

رقية، وزوجها عثمان

 

وعن عبد الرحمن بن عثمان القرشي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على ابنته يوماً وهي تغسل رأس عثمان، فقال: "يا بنية أحسني إلى أبي عبد الله، فإنه أشبه أصحابي بي خُلُقًا".

أوذي عثمان رضي الله عنه وعُذب في سبيل الله تعالى على يد عمه الحكم بن أبي العاص بن أمية الذي أخذه فأوثقه رباطاً وقال: أترغب عن ملة آبائك إلى دين محدث؟ والله لا أحلُّك أبداً حتى تدع ما أنت عليه من هذا الدين، فقال عثمان t: والله لا أدعه أبداً ولا أفارقه، فلما رأى الحكم صلابته في دينه تركه.

وكان ممن هاجر إلى أرض الحبشة الهجرة الأولى والهجرة الثانية ومعه فيهما امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تحدث القرآن الكريم عن هجرة المسلمين الأوائل إلى أرض الحبشة، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون).

لما خرج المسلمون لغزوة بدر كانت زوجة عثمان السيدة رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم مريضة بمرض الحصبة ولزمت الفراش، في الوقت الذي دعا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم للخروج لملاقاة القافلة، وسارع عثمان t للخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه تلقى أمرًا بالبقاء إلى جانب رقية رضي الله عنها لتمريضها، وامتثل لهذا الأمر بنفس راضية وبقي إلى جوار زوجته الصابرة الطاهرة رقية ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ اشتد بها المرض، وطاف بها شبح الموت، كانت رقية رضي الله عنها تجود بأنفاسها وهي تتلهف لرؤية أبيها الذي خرج إلى بدر، ورؤية أختها زينب في مكة، وجعل عثمان t يرنو إليها من خلال دموعه، والحزن يعتصر قلبه, ودّعت نبض الحياة وهي تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولحقت بالرفيق الأعلى، ولم ترَ أباها رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان ببدر مع أصحابه الكرام، يعلون كلمة الله، فلم يشهد دفنها صلى الله عليه وسلم, وجُهّزت رقية ثم حمل جثمانها الطاهر على الأعناق، وقد سار خلفه زوجها وهو حزين، حتى إذا بلغت الجنازة البقيع، دفنت رقية هناك، وقد انهمرت دموع المشيعين، وسوى التراب على قبر رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفيما هم عائدون إذ بزيد ابن حارثة قد أقبل على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشر بسلامة الرسول صلى الله عليه وسلم وقتل المشركين وأسر أبطالهم، وتلقى المسلمون في المدينة هذه الأنباء بوجوه مستبشرة بنصر الله لعباده المؤمنين، وكان من بين المستبشرين وجه عثمان الذي لم يستطع أن يخفي آلامه لفقده رقية رضي الله عنها. وبعد عودة الرسول صلى الله عليه وسلم علم بوفاة رقية رضي الله عنها فخرج إلى البقيع ووقف على قبر ابنته يدعو لها بالغفران.

في العام التاسع الهجري ولى هرقل وجهه المتآمر صوب الجزيرة العربية متلمظًا برغبة شريرة في العدوان عليها والتهامها، وأمر قواته بالاستعداد وانتظار أمره بالزحف، وترامت الأنباء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فنادى في أصحابه بالتهيؤ للجهاد وكان الصيف حاراً يصهر الجبال، وكانت البلاد تعاني الجدب والعسرة، فإن قاوم المسلمون بإيمانهم وطأة الحر القاتل وخرجوا إلى الجهاد فوق الصحراء الملتهبة المتأججة فمن أين لهم العتاد والنفقات التي يتطلبها الجهاد؟ لقد حض الرسول صلى الله عليه وسلم على التبرع، فأعطى كلٌّ قدرَ وسعه، وسارعت النساء بالحلي يقدمنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعين به في إعداد الجيش، بيد أن التبرعات جميعها لم تكن لتغني كثيراً أمام المتطلبات للجيش الكبير، ونظر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الصفوف الطويلة العريضة من الذين تهيأوا للقتال وقال: "من يجهز هؤلاء ويغفر الله له؟" وما كاد عثمان يسمع نداء الرسول صلى الله عليه وسلم هذا حتى سارع إلى مغفرة من الله ورضوان، وهكذا وجدت العسرة الضاغطة عثمانها المعطاء، وقام t بتجهيز الجيش حتى لم يتركه بحاجة إلى خطام أو عقال. يقول ابن شهاب الزهري: قدّم عثمان لجيش العسرة في غزوة تبوك تسعمائة وأربعين بعيراً، وستين فرساً أتم بها الألف، وجاء عثمان إلى رسول الله في جيش العسرة بعشرة آلاف دينار صبها بين يديه، فجعل الرسول يقلبها بيده ويقول: "ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم، ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم".

كان عثمان t من الأغنياء الذين أغناهم الله عز وجل، وكان صاحب تجارة وأموال طائلة، ولكنه استخدم هذه الأموال في طاعة الله عز وجل وابتغاء مرضاته وما عنده، وصار سبَّاقا لكل خير، ينفق ولا يخشى الفقر.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قحط المطر على عهد أبي بكر الصديق، فاجتمع الناس إلى أبي بكر فقالوا: السماء لم تمطر، والأرض لم تنبت, والناس في شدة شديدة، فقال أبو بكر: انصرفوا واصبروا، فإنكم لا تمسون حتى يفرج الله الكريم عنكم، قال: فما لبثنا أن جاء أجراء عثمان من الشام، فجاءته مائة راحلة بُرًّا، فاجتمع الناس إلى باب عثمان، فقرعوا عليه الباب، فخرج إليهم عثمان في ملأ من الناس، فقال: ما تشاءون؟ قالوا: الزمان قد قحط، السماء لا تمطر، والأرض لا تنبت، والناس في شدة شديدة، وقد بلغنا أن عندك طعاماً، فبعنا حتى نوسع على فقراء المسلمين، فقال عثمان: حبًّا وكرامة ادخلوا فاشتروا، فدخل التجار، فإذا الطعام موضوع في دار عثمان، فقال: يا معشر التجار كم تُربحونني على شرائي من الشام؟ قالوا: للعشرة اثنا عشر، قال عثمان: قد زادني، قالوا: للعشرة خمسة عشر، قال عثمان: قد زادني، قال التجار: يا أبا عمرو، ما بقي بالمدينة تجار غيرنا، فمن زادك؟ قال: زادني الله تبارك وتعالى بكل درهم عشرة، أعندكم زيادة؟ قالوا: اللهم لا، قال: فإني أشهد الله أني قد جعلت هذا الطعام صدقة على فقراء المسلمين. قال ابن عباس: فرأيت من ليلتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وهو على برذون أبلق عليه حُلَّة من نور، في رجليه نعلان من نور، وبيده قصبة من نور، وهو مستعجل، فقلت: يا رسول الله، قد اشتد شوقي إليك وإلى كلامك فأين تبادر؟ قال: "يا ابن عباس، إن عثمان قد تصدق بصدقة، وإن الله قد قبلها منه وزوجه عروساً في الجنة، وقد دُعينا إلى عرسه". فهل يفتح الله تعالى آذان عُبَّاد المال، ومحتكري قوت العباد شحًّا وجشعًا إلى صوت هذه العظمة العثمانية حتى تدلف إلى قلوبهم فتهزها هزة الأريحية والعطف، وتوقظ فيها بواعث الرحمة والإحسان بالفقراء والمساكين، والأرامل واليتامى وذوي الحاجات، من أهل الفاقة والبؤس، الذين طحنتهم أزمة الحياة، واعتصرت دماءهم شراباً لذوي القلوب المتحجرة من الأثرياء؟! فما أحوج المسلمين في هذه المرحلة من حياتهم إلى نفحة عثمانية في إنفاق الأموال على الفقراء والمساكين والمحتاجين تسري بينهم تعاطفًا ومؤاساة وبرًّا وإحسانا.

وبعد وفاة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذا من جاء بعدهم ممن سلك سبيلهم من أهل السنة والجماعة على أن عثمان بن عفان t أحق الناس بخلافة النبوة بعد عمر بن الخطاب t، ولم يخالف أو يعارض في هذا أحد، بل الجميع سلّم له بذلك لكونه أفضل خلق الله على الإطلاق بعد الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

كان عثمان رضي الله عنه رجلاً هيناً ليناً مع الناس متواضعاً، فعن عمران بن عبد الله بن طلحة: أن عثمان بن عفان t خرج لصلاة الغداة فدخل من الباب الذي كان يدخل منه، فزحمه الباب فقال: انظروا، فنظروا فإذا رجل معه خنجر أو سيف، فقال له عثمان t: ما هذا؟ قال: أردت أن أقتلك، قال: سبحان الله! ويحك، علام تقتلني؟ قال: ظلمني عاملك باليمن، قال: أفلا رفعت ظلامتك إليَّ فإن لم أنصفك أو أعديك على عاملي أردت ذلك مني؟ فقال لمن حوله: ما تقولون؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين، عدو أمكنك الله منه، فقال: عبد همَّ بذنب فكفه الله عني، ائتني بمن يكفل بك، لا تدخل المدينة ما وليت أمر المسلمين، فأتاه برجل من قومه فكفل به فخلى عنه.

وعن عبد الله الرومي قال: كان عثمان بن عفان يأخذ وضوءه لنفسه إذا قام من الليل، فقيل له: لو أمرت الخادم كفاك، قال: لا، الليل لهم يستريحون فيه. فهذا مثل من اتصاف أمير المؤمنين عثمان t بالرحمة، فهو مع كبر سنه وعلو منـزلته الاجتماعية يخدم نفسه في الليل ولا يوقظ الخدم، وإن وجود الخدم من تسخير الله تعالى للمخدومين، وإن مما ينبغي للمسلم الذي سخر الله تعالى من يخدمه أن يتذكر أن الخادم إنسان مثله له طاقة محدودة في العمل، وله مشاعر وأحاسيس فينبغي له أن يراعي مشاعره، وأن ييسر له الراحة كاملة في النوم، وأن لا يشق عليه بعمل.

الحياء من أشهر أخلاق عثمان t وأحلاها، تلك الصفة النبيلة التي زينه الله بها، فكانت فيه منبع الخير والبركة، ومصدر العطف والرحمة، فقد كان t من أشد الناس حياء. إنه ليكون في البيت، والباب عليه مغلق، فما يضع عنه ثوبه ليفيض عليه الماء، يمنعه الحياء.

عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعاً في بيتي كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال فتحدث، ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك فتحدث، ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وسوى ثيابه فدخل فتحدث، فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتشَّ له ولم تُبَالِه، ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك، فقال: "ألا استحي من رجل تستحي منه الملائكة؟!". وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرحم أمتي أبو بكر، وأشدها في دين الله عمر، وأصدقها حياء عثمان، وأعلمها بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأقرأها لكتاب الله أُبي، وأعلمها بالفرائض زيد بن ثابت، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح".

إن معرفة صفات الخلفاء الراشدين ومحاولة الاقتداء بهم، خطوة صحيحة لمعرفة صفات القادة الربانيين الذين يستطيعون أن يقودوا الأمة نحو أهدافها المرسومة بخطوات ثابتة، فمن أسباب التمكين لهذا الدين العمل على إيجاد قادة ربانيين، جرى الإيمان في قلوبهم وعروقهم، وانعكست ثماره على جوارحهم، وتفجرت صفات التقوى في أعمالهم وسكناتهم وأحوالهم، فالقيادة الربانية الحكيمة هي التي تسعى لتحكيم شرع الله وتفجير طاقات الأمة وتوجيهها، وهي التي تحتضن الإسلام وتنهجه قلباً وقالباً، جوهراً ومنظراً، وعقيدةً وشريعة، وديناً ودولة، وهي التي تصبح وتمسي وهمها عقيدتها وأمتها، وهي التي تسعى بكل ما تملك لحل المشاكل التي تواجهها، وتعمل بكل جهد وإخلاص للقضاء على عوائق التمكين الداخلية والخارجية.

عمل عثمان رضي الله عنه أعمالاً عظيمة في الفترة التي تولى فيها خلافة المسلمين:

كلم الناس عثمان بن عفان أول ما تولى الخلافة أن يزيد في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم إذ كان يضيق بالناس في صلاة الجمعة بسبب امتداد الفتح وزيادة سكان المدينة زيادة عظيمة، فاستشار عثمان أهل الرأي فأجمعوا على هدم المسجد وبنائه وتوسيعه، فصلى عثمان الظهر بالناس ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إني قد أردت أن أهدم مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزيد فيه وأشهد أني سمعت رسول الله يقول: "من بنى مسجداً بنى الله له بيتا في الجنة"، وكان لي فيه سلف وإمام سبقني وتقدمني عمر بن الخطاب كان قد زاد فيه وبناه، وقد شاورت أهل الرأي من أصحاب رسول الله، فأجمعوا على هدمه وبنائه وتوسيعه، فحسّن الناس يومئذ ذلك ودعوا له، فأصبح فدعا العمال وباشر ذلك بنفسه.

وفي سنة 26 هـ زاد عثمان في المسجد الحرام ووسعه، وابتاع من قوم وأبى آخرون، فهدم عليهم، ووضع الأثمان في بيت المال، فصاحوا بعثمان، فأمر بهم بالحبس، وقال: أتدرون ما جرأكم عليَّ؟ ما جرأكم علي إلا حلمي، قد فعل هذا بكم عمر فلم تصيحوا به، ثم كلمه فيهم عبد الله بن خالد بن أسيد، فأخرجوا.

وفي نفس السنة كلم أهل مكة عثمان t أن يحول الساحل من الشعيبة وهي ساحل مكة قديماً في الجاهلية إلى ساحلها اليوم وهي جدة لقربها من مكة، فخرج عثمان إلى جدة ورأى موضعها وأمر بتحويل الساحل إليها، ودخل البحر واغتسل فيه وقال إنه مبارك، وقال لمن معه: ادخلوا البحر للاغتسال إلا بمئزر، ثم خرج من جدة من طريق عسفان إلى المدينة وترك الناس ساحل الشعيبة في ذلك الزمان واستمرت جدة بندراً إلى الآن لمكة المشرفة.

وكان عثمان t أول من رزق المؤذنين من بيت المال.

وزاد الأذان الثاني يوم الجمعة لتنبيه الناس عن قرب وقت صلاة الجمعة بعد أن اتسعت رقعة المدينة، فاجتهد في هذا ووافقه جميع الصحابة، واستمر العمل به لم يخالفه أحد حتى في زمن علي وزمن معاوية وزمني بني أمية وبني العباس إلى يومنا هذا.

وسَنَّ عثمان t سُنَّة جديدة، فكان يضع الطعام في المسجد في رمضان وقال: للمتعبد الذي يتخلف في المسجد، وابن السبيل والفقير. وهذه السنة التي استنها عثمان تُرغّب المسلمين في الاعتكاف في المساجد ما دام أكلهم معدًّا.

ومن أعظم مفاخر عثمان رضي الله عنه جمع الأمة على مصحف واحد. عن أنس بن مالك: أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير, وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق.

وكان عثمان يحرص على الحج بنفسه ويلتقي بالحجاج، ويسمع شكاياتهم وتظلمهم من ولاتهم، كما أنه طلب من العمال أن يوافوه في كل موسم، وكتب إلى الأمصار أن يوافيه العمال في كل موسم ومن يشكوهم.

وبعث عثمان t العديد من المفتشين إلى بعض الولايات للاطلاع على أحوالها ومعرفة ما يشاع عن ولاته من ظلم للرعية، وقد جاء أولئك المفتشون بتقارير وافية عن أحوال أولئك الولاة، فقد أرسل عمار بن ياسر إلى مصر، ومحمد بن مسلمة إلى الكوفة، وأسامة بن زيد إلى البصرة، وعبد الله بن عمر إلى الشام، بالإضافة إلى إرساله رجالا آخرين إلى أماكن أخرى.

ومع كل هذه الفضائل وغيرها لعثمان رضي الله عنه إلا أنه تحققت فيه ما أخبره به النبي صلى الله عليه وسلم من بلوى تصيبه، فكان له مبغضون وحاقدون شنعوا عليه في أشياء حتى انتهى بهم إلى قتله رضي الله عنه.

إن مبغضي عثمان بن عفان رضي الله عنه كانوا يشنعون عليه أنه نفى أبا ذر إلى الربذة، وكل ما قيل في قصة أبي ذر مما يشنع به على عثمان بن عفان باطل، لا يبنى على رواية صحيحة، والصحيح: أن أبا ذر t نزل في الربذة باختياره، وأن ذلك كان بسبب اجتهاد أبي ذر في فهم آية خالف فيها الصحابة، وأصر على رأيه، فلم يوافقه أحد عليه فطلب أن ينـزل بالربذة التي كان يغدو إليها زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن نزوله بها نفياً قسرياً، أو إقامةً جبرية، ولم يأمره الخليفة بالرجوع عن رأيه، لأن له وجهاً مقبولاً، لكنه لا يجب على المسلمين الأخذ به. وأصح ما روي في قصة أبي ذر t ما رواه البخاري في صحيحه عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذر t، فقلت له: ما أنزلك منـزلك هذا؟ قال: كنت بالشام، فاختلفت أنا ومعاوية في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم) قال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذاك، وكتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إليَّ عثمان أن أقدم المدينة فقدمتها، فكثر علي الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان، فقال لي: إن شئت فكنت قريباً، فذاك الذي أنزلني هذا المنـزل، ولو أمروا عليَّ حبشياً لسمعت وأطعت. والربذة ليست بعيدة عن المدينة، وكان يجاورها حمى الربذة الذي ترعى فيه إبل الصدقة، ولذلك يروى أن عثمان أقطعه صرمة من إبل الصدقة، وأعطاه مملوكين، وأجرى عليه رزقاً، وكانت الربذة أحسن المنازل في طريق مكة.

وتبدأ قصة مقتله رضي الله عنه عندما نجح الحاقدون الكاذبون في إزاحة الوليد بن عقبة عن ولاية الكوفة، وعين عثمان t سعيد بن العاص والياً جديداً على الكوفة، واطلع سعيد على أحوال الكوفة، وعرف توجهات الناس فيها، وأدرك تعمق الفتن فيها، وضلوع مجموعة من الخوارج والحاقدين وأعداء الإسلام في التآمر والكيد والفتنة وسيطرة الرعاع والغوغاء والأعراب على الرأي فيها. وكتب سعيد رسالة إلى أمير المؤمنين عثمان يخبره فيها بالأوضاع المتردية في الكوفة، فرد عليه عثمان t برسالة طلب منه فيها إعادة ترتيب أوضاع أهلها وتصنيفهم على أساس السبق والجهاد، وتقديم أهل العلم والصدق والجهاد على غيرهم، وقام سعيد بتنفيذ توجيهات عثمان t وأخبر الخليفة بما فعل، وجمع عثمان أهل الحل والعقد في المدينة، وأبلغهم بأوضاع الكوفة ورسوخ الفتنة فيها.

تأذى الرعاع وأجلاف الأعراب من تقديم أصحاب السابقة والجهاد والبلاء والعلم والتقوى في المجالس والرئاسة والاستشارة، وصاروا يعيبون على الولاة تقديم هؤلاء عليهم واستشارتهم دونهم ويعتبرونهم تمييزاً, وجفوةً وإقصاءً لهم، واستغل الحاقدون هذا الأمر في نفوسهم، وغرسوا فيهم كره الخليفة والدولة ورفض أعمال الوالي سعيد بن العاص، ونشر الإشاعات ضده بين الناس، ونظم هؤلاء جمعية سرية خبيثة وجعلوا لهم أتباعا في المدن الكبيرة والأقاليم العديدة، وكونوا شبكة اتصالات سرية بينهم، وكانت أهم فروع جمعيتهم في: الكوفة، والبصرة، ومصر، ولهم بعض العناصر في المدينة والشام.

أوصى ابن سبأ أتباعه المنتشرين في بلاد المسلمين، فقال لهم: انهضوا في هذا الأمر، وابدأوا بالطعن على أمرائكم وولاتكم الذين يعينهم الخليفة، وصار أتباع ابن سبأ يؤلفون الأكاذيب والافتراءات عن عيوب أمرائهم وولاتهم، وينشرونها في كتب يرسلها بعضهم إلى بعض في الأمصار، وبذلك أفسد السبئيون الأرض وأفسدوا المسلمين، ومزقوا كلمتهم، وزعزعوا أخوتهم ووحدتهم، وهيجوا الناس على الولاة والأمراء، ونشروا الافتراءات ضد الخليفة عثمان نفسه. توجه ابن سبأ إلى الشام ليفسد بعض أهلها ويؤثر فيهم، ولكنه لم ينجح في هدفه الشيطاني، فقد كان له معاوية t بالمرصاد. بعدها صار ابن سبأ يتنقل فدخل البصرة والكوفة ومصر واستقر بها. وكان ابن سبأ يرتب الاتصالات السرية بين مقره في مصر وبين أتباعه في المدينة والبصرة والكوفة، ويتحرك رجاله بين هذه البلدان، واستمرت جهود ابن سبأ وأعوانه حوالي ست سنوات، حيث بدأوا أعمالهم الشيطانية سنة ثلاثين، ونجحوا في آخر سنة خمس وثلاثين في قتل الخليفة عثمان رضي الله عنه.

وفي سنة أربع وثلاثين - السنة الحادية عشرة من خلافة عثمان - أحكم عبد الله بن سبأ اليهودي خطته، ورسم مؤامراته, ورتب مع جماعته السبئيين الخروج على الخليفة وولاته، فقد اتصل ابن سبأ اليهودي من وكر مؤامراته في مصر بالشياطين من حزبه في البصرة والكوفة والمدينة، واتفق معهم على تفاصيل الخروج، حصلت بعض التحركات والشغب في عدد من المناطق من قبل رؤوس الفتنة فاقترح عدد من الصحابة على عثمان أن يأخذهم بالشدة وأن سياسة اللين لا تنفع معهم. لكن عثمان t منع الولاة من التنكيل بمثيري الشغب، وقرر أن يعاملهم بالحسنى واللين, وطلب من عماله أن يعودوا إلى أعمالهم وفق ما أعلنه لهم من أسلوب مواجهة الفتنة التي كان كل بصير يرى أنها قادمة. وقبل أن يتوجه معاوية بن أبي سفيان إلى الشام، أتى إلى عثمان وقال له: يا أمير المؤمنين, انطلق معي إلى الشام، قبل أن يهجم عليك من الأمور والأحداث ما لا قبل لك بها. قال عثمان: أنا لا أبيع جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء ولو كان فيه قطع خيط عنقي. قال له معاوية: إذن أبعث لك جيشاً من أهل الشام، يقيم في المدينة، لمواجهة الأخطار المتوقعة ليدافع عنك وعن أهل المدينة، قال عثمان: لا، حتى لا أقتِّر على جيران رسول الله صلى الله عليه وسلم الأرزاق بجند تساكنهم، ولا أضيق على أهل الهجرة والنصرة. قال له معاوية: يا أمير المؤمنين, والله لتغتالنّ أو لتغزينّ، قال عثمان: حسبي الله ونعم الوكيل.

لكأنما معاوية t كان يعلم أن وراء تلك الفتن والشائعات يداً خبيثة تخطط لهدف مرهوب ليس دونه ضرب الخليفة والخلافة، لكن عثمان الخليفة الراشد كان له رأي آخر، فهو يريد أن يسير مع هؤلاء لآخر الطريق حتى لا يترك لهم حجة عند الله وعند الناس، فيفضحهم في الدنيا والآخرة، وتلك مصابرة عظيمة من هذا الإمام العادل العظيم.

اتفق أهل الفتنة فيما بينهم على القيام بخطوتهم العملية النهائية في مهاجمة عثمان في المدينة، وحمله على التنازل عن الخلافة وإلا يقتل، وقرروا أن يأتوا من مراكزهم الثلاثة: مصر والكوفة والبصرة في موسم الحج، وأن يغادروا بلادهم مع الحجاج، وأن يكونوا في صورة الحجاج، وأن يعلنوا للآخرين أنهم خارجون للحج، فإذا وصلوا المدينة تركوا الحجاج يذهبون إلى مكة لأداء مناسك الحج، واستغلوا فراغ المدينة من معظم أهلها المشغولين بالحج وقاموا بمحاصرة عثمان تمهيداً لخلعه أو قتله.

وفي شوال سنة خمس وثلاثين كان أهل الفتنة على مشارف المدينة, وكان عبد الله بن سبأ يسير مع هؤلاء مزهواً مسروراً بنجاح خطته اليهودية الشيطانية، وكان أهل الفتنة من مصر يريدون علي بن أبي طالب خليفة، وكان أهل الفتنة من الكوفة يريدون الزبير بن العوام خليفة، وكان أهل الفتنة من البصرة يريدون طلحة بن عبيد الله. وهذا العمل منهم كان بهدف الإيقاع بين الصحابة رضوان الله عليهم. بعدها تم اللقاء مع كل أهل بلد على حدة ونوقشوا من قبل الخليفة عثمان ومن قبل بعض الصحابة فاقتنعوا ورجعوا إلى بلادهم، وهكذا اصطلح عثمان t مع كل وفد على حدة ثم انصرفت الوفود إلى ديارها. وبعد هذا الصلح وعودة أهل الأمصار جميعاً راضين تبين لمشعلي الفتنة أن خطتهم قد فشلت، وأن أهدافهم الدنيئة لم تتحقق، لذا خططوا تخطيطاً آخر يذكي الفتنة ويحييها يقتضي تدمير ما جرى من صلح بين أهل الأمصار وعثمان t، فزوروا كتباً على لسان عثمان وعليه خاتمه يأمر عامله بمصر بقتل وفد مصر إذا رجعوا. فرجعت الوفود ودخلت المدينة وبدؤا بحصار الخليقة.

وقبل اشتداد الحصار كان عثمان t يتمكن من الخروج للصلاة ودخول من شاء إليه، ثم مُنع من الخروج من الدار حتى إلى صلاة الفريضة. وبعد أن تم الحصار وأحاط الخارجون على عثمان t بالدار طلبوا منه خلع نفسه أو يقتلوه, فقد رفض عثمان t خلع نفسه، وقال: لا أخلع سربالاً سربلنيه الله. يشير إلى ما أوصاه به رسول الله صلى الله عليه وسلم، بينما كان قلة من الصحابة رضوان الله عليهم يرون خلاف ما ذهب إليه, وأشار عليه بعضهم بأن يخلع نفسه ليعصم دمه، ومن هؤلاء المغيرة بن الأخنس t، لكنه رفض ذلك. دخل ابن عمر على عثمان رضي الله عنهما أثناء حصاره، فقال له عثمان t: انظر إلى ما يقول هؤلاء، يقولون: اخلعها ولا تقتل نفسك، فقال ابن عمر رضي الله عنهما: إذا خلعتها أمخلد أنت في الدنيا؟ فقال عثمان t: لا، قال: فإن لم تخلعها هل يزيدون على أن يقتلوك؟ قال عثمان t: لا، قال: فهل يملكون لك جنة أو نارًا؟ قال: لا، قال: فلا أرى لك أن تخلع قميصا قمَّصكه الله فتكون سنة كلما كره قوم خليفتهم أو إمامهم قتلوه.

أرسل عثمان t إلى الصحابة رضي الله عنهم يشاورهم في أمر المحاصرين وتوعدهم إياه بالقتل، فكان معظم الصحابة يرون أن يأذن لهم بقتالهم، لكن عثمان رضي الله عنه رفض قتال المحاصرين له وعزم على الصحابة ألا يريقوا دماً بسببه. وقد جاء المسلمون ينصرونه ويشيرون عليه بقتالهم، وهو يأمر الناس بالكف عن القتال ويأمر من يطيعه أن لا يقاتلهم، وقيل له: تذهب إلى مكة؟ فقال: لا أكون ممن ألحد في الحرم، فقيل له: تذهب إلى الشام؟ فقال: لا أفارق دار هجرتي، فقيل له: فقاتلهم، فقال: لا أكون أول من خلف محمداً في أمته بالسيف، فكان صبر عثمان حتى قتل من أعظم فضائله عند المسلمين.

وقدمت الأخبار إلى المتمردين بأن أهل الموسم يريدون نصرة عثمان، فلما أتاهم ذلك مع ما بلغهم من نفور أهل الأمصار إليهم أعلقهم الشيطان وقالوا: لا يخرجنا مما وقعنا فيه إلا قتل هذا الرجل، فيشتغل بذلك الناس عنا. وفي آخر أيام الحصار وهو اليوم الذي قتل فيه نام t فأصبح يحدِّث الناس: ليقتلني القوم، ثم قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، ومعه أبو بكر وعمر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا عثمان أفطر عندنا، فأصبح صائما وقتل من يومه.

هاجم المتمردون الدار فتصدى لهم الحسن بن علي وعبد الله بن الزبير ومحمد بن طلحة ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص، ومن كان من أبناء الصحابة أقام معهم، فنشب القتال فناداهم عثمان: الله الله، أنتم في حل من نصرتي، فأبوا، ودخل غلمان عثمان لينصروه، فأمرهم ألا يفعلوا، بل إنه أعلن أنه من كف يده منهم فهو حر. وقال عثمان في وضوح وإصرار وحسم، وهو الخليفة الذي تجب طاعته: أعزم على كل من رأى أن عليه سمعاً وطاعة إلا كف يده وسلاحه. ولا تبرير لذلك إلا بأن عثمان كان واثقاً من استشهاده بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم له بذلك، ولذلك أراد ألا تراق بسببه الدماء، وتقوم بسببه فتنة بين المسلمين. وأصيب يومئذ أربعة من شبان قريش وهم: الحسن بن علي، وعبد الله بن الزبير، ومحمد بن حاطب، ومروان بن الحكم, وقتل المغيرة بن الأخنس، ونيار بن عبد الله الأسلمي، وزياد الفهري، واستطاع عثمان أن يقنع المدافعين عنه، وألزمهم بالخروج من الدار، وخلى بينه وبين المحاصرين، فلم يبق في الدار إلا عثمان وآله، وليس بينه وبين المحاصرين مدافع ولا حام من الناس، وفتح t باب الدار، وبعد أن خرج من في الدار ممن كان يريد الدفاع عنه، نشر t المصحف بين يديه، وأخذ يقرأ منه وكان إذ ذاك صائماً، فإذا برجل من المحاصرين لم تسمه الروايات يدخل عليه، فلما رآه عثمان t قال له: بيني وبينك كتاب الله, فخرج الرجل وتركه، وما إن ولى حتى دخل آخر، وهو رجل من بني سدوس، يقال له: الموت الأسود، فخنقه قبل أن يضربه بالسيف، فقال: والله ما رأيت شيئاً ألين من خنقه، لقد خنقته حتى رأيت نفسه مثل الجان تردد في جسده، ثم أهوى إليه بالسيف، فاتقاه عثمان t بيده فقطعها، فقال عثمان: أما والله إنها لأول كف خطت المفصَّل، وذلك أنه كان من كتبة الوحي، وهو أول من كتب المصحف من إملاء الرسول صلى الله عليه وسلم، فقتل t والمصحف بين يديه، وعلى أثر قطع اليد انتضح الدم على المصحف الذي كان بين يديه يقرأ منه، وسقط على قوله تعالى: (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم).

وقد دافعت نائلة عن زوجها عثمان وانكبت عليه واتقت السيف بيدها, فتعمدها سودان بن حمران ونضح أصابعها فقطع أصابع يدها، ولما رأى أحد غلمان عثمان الأمر، راعه قتل عثمان، وكان يسمى (نجيح) فهجم نجيح على سودان بن حمران فقتله، ولما رأى قتيرة بن فلان السكوني نجيحاً قد قتل سودان، هجم على نجيح فقتله، وهجم غلام آخر لعثمان اسمه (صبيح) على قتيرة بن فلان فقتله، فصار في البيت أربعة قتلى شهيدان، ومجرمان، أما الشهيدان: فعثمان وغلامه نجيح، وأما المجرمان فسودان وقتيرة السكونيان، ولما تم قتل عثمان t نادى منادٍ القوم السبئيين قائلا: إنه لم يحل لنا دم الرجل ويحرم علينا ماله، ألا إن ماله حلال لنا، فانهبوا ما في البيت، فعاث رعاع السبئيين في البيت فساداً، ونهبوا كل ما في البيت، حتى نهبوا ما على النساء، وبعدما أتم السبئيون نهب دار عثمان، تنادوا وقالوا: أدركوا بيت المال، واقتحم السبئيون بيت المال وانتهبوا ما فيه، وحقق الخوارج السبئيون مرادهم وقتلوا أمير المؤمنين.

حزن الصالحون في المدينة لمقتل خليفتهم، وصاروا يسترجعون ويبكون، لكن ماذا يفعلون وجيوش الخوارج السبئيين تحتل المدينة، وتعيث فيها فساداً، وتمنع أهلها من فعل أي شيء؟ وكان الحاكم الفعلي للمدينة هو أمير خوارج مصر (الغافقي بن حرب)، وكان معهم شيطانهم المخطط عبد الله بن سبأ وهو فرح مسرور لما وصل إليه من أهداف ومآرب يهودية شيطانية.

كان استشهاده رضي الله عنه صبيحة يوم الجمعة 18/12/35هـ وعمره 82 سنة وصلى عليه الزبير بن العوام ودفن بين المغرب والعشاء.

لقد كانت فتنة قتل عثمان سبباً في حدوث كثير من الفتن الأخرى، وألقت بظلالها على أحداث الفتن التي تلتها، فتغيرت قلوب الناس وظهر الكذب، وبدأ الخط البياني للانحراف عن الإسلام في عقيدته وشريعته. وكان مقتل عثمان من أعظم الأسباب التي أوجبت الفتن بين الناس، وبسببه تفرقت الأمة إلى اليوم، فتفرقت القلوب، وعظمت الكروب، وظهرت الأشرار وذل الأخيار، وسعى في الفتنة من كان عاجزاً عنها، وعجز عن الخير والصلاح من كان يحب إقامته، فبايعوا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب t وهو أحق الناس بالخلافة حينئذ، وأفضل من بقي, لكن القلوب متفرقة ونار الفتنة متوقدة، فلم تتفق الكلمة ولم تنتظم الجماعة، ولم يتمكن الخليفة وخيار الأمة من كل ما يريدون من الخير، ودخل في الفرقة والفتنة أقوام.

ومن فقه عثمان رضي الله عنه أنه لم يجب الخارجين إلى خلع نفسه من الخلافة، فكان بذلك يمثل الثبات واستمرار النظام، لأنه لو أجاب الخارجين إلى خلع نفسه لأصبح منصب الإمامة العظمى ألعوبة في أيدي المفتونين الساعين في الأرض بالفساد، ولسادت الفوضى واختل نظام البلاد، ولكان ذلك تسليطا للرعاع والغوغاء على الولاة والحكام، ولم يجد سوى نفسه يفدي بها الأمة، ويحفظ كيانها وبنيانها من التصدع، ومما لا شك فيه أن هذا الصنع من عثمان كان أعظم وأقوى ما يستطيع أن يفعله رجل ألقت إليه الأمة مقاليدها، إذ لجأ إلى أهون الشرين وأخف الضررين ليدعم بهذا الفداء نظام الخلافة وسلطانها.

 

والحمد لله أولاً ...

 


  

التعليقات

SuOonr

JrXgGi SuOonr

viagra

ToiKND viagra 4718 cialis price 2071

viagra soft

QsojGtIw viagra soft >:-OOO cialis price 8238

buy viagra

nwsRBVe buy viagra 2814 cialis 1992

cheap cialis

vhUZSDZM cheap cialis %-[[[ cialis 1172

cialis

kizyGqn cialis >:-OOO cialis soft %-[[[

viagra

DhdGiLU viagra 1516 viagra :-O compra viagra aySDML acheter viagra 6202 cialis 2387 cialis %-[[[

viagra

CpitEaV viagra bZFqW cheap viagra >:-[

cialis 10mg

jUikNpfn cialis 10mg >:-OOO cialis dose 9424

cheap viagra

ZjAnbGJ cheap viagra tYGgZ cialis 2224 viagra pNNvJ cialis 4408

viagra

sXXYtXDW viagra 5017 viagra 8]]] cialis 3976 cialis rWuQyM

viagra

cXNWEnFQ viagra :-O cialis =-] viagra 0588 cheap cialis djjOZ

tadalis

vGQcourl tadalis rvGHYb cheap suhagra >:-[ viagra qEyItH silagra wOdaf viagra 8053 buy cialis professional =-]

cialis

HJOknY cialis eQTXut viagra QTTgz buy viagra 2585 cialis iDyBZ

viagra

qZAdiY viagra 0459 cialis price arZsG cialis 8667 viagra %-[[[

viagra

cnVeJPX viagra MKGMbc cialis IPqixV viagra mqrBCt köp viagra 3769 cialis ZZsYf

viagra

usGiLqF viagra =-] Viagra EMuNpt Kamagra %-[[[ kamagra LOvyJ Cheap Levitra :-O viagra preço 3821

levitra

ivKGWV levitra >:-[ viagra >:-OOO levitra cgaAT acheter kamagra %-[[[ viagra FyKftg achat cialis GHqMQI

viagra dose

QpDPBwsB viagra dose KnxFj cialis 7550 natural viagra 0900 cialis 5672

levitra

ocxraTW levitra 4012 cialis lfDia viagra ZoGtb Levitra >:]] viagra >:]] comprar viagra wfHoZ

cialis

YlLwPG cialis =-] viagra soft jpjrO cheap viagra jEolr cialis 0808

levitra

BlUKjc levitra >:-[ kamagra JIwpa kamagra prijs 9798 cialis 4430 cialis ievAQZ viagra on line >:-[

viagra

cbnVBLH viagra 6320 cialis goedkoop >:-OOO viagra prijs xISrDk kamagra on line 1410 cialis %-[[[ viagra >:-OOO

levitra

RZzsnw levitra 8878 viagra SSighc cialis 0984 levitra BbKSzr viagra 9450 cialis bijwerkingen OgutC

cialis

WIeMXwQ cialis 4108 Cheap Cialis >:-[ order priligy >:-OOO levitra woTPG cialis 6255


 
حركة الجهاد والفتح الإسلامي في عهد الدولة الأموية

القائمة البريدية

111.64