الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ناصر بن محمد الأحمد (http://www.alahmad.com)

أبوبكر الصديق رضي الله عنه

تم الإنشاء 09/29/2008 - 18:40
New Page 1

أبو بكر الصديق رضي الله عنه

ناصر بن محمد الأحمد

إن الحمد لله ...

إن تاريخ عصر الخلفاء الراشدين مليء بالدروس والعبر، فتاريخ الخلافة إذا أحسن عرضه فإنه يغذي الأرواح، ويهذب النفوس، وينور العقول، ويشحذ الهمم، ويقدم الدروس، ويسهل العِبَر، وينضج الأفكار، فنستفيد من ذلك في إعداد الجيل المسلم وتربيته على منهاج النبوة، ونتعرف على حياة وعصر من قال الله فيهم: (وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم)، وقال تعالى: (مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا)، وقال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم". وقال فيهم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "من كان مستنًا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد كانوا والله أفضل هذه الأمة، وأبرَّها قلوباً، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا. قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم".

قام الصحابة بتطبيق أحكام الإسلام ونشره في مشارق الأرض ومغاربها، فعصرهم خير العصور، فهم الذين علّموا الأمة القرآن الكريم، ورووا لها السنن والآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتاريخهم هو الكنـز الذي حفظ مدخرات الأمة في الفكر، والثقافة، والعلم، والجهاد، وحركة الفتوحات، والتعامل مع الشعوب والأمم، فتجد الأجيال في هذا التاريخ المجيد ما يعينها على مواصلة رحلتها في الحياة على منهج صحيح وهدي رشيد، وتعرف من خلاله حقيقة رسالتها ودورها في دنيا الناس. وقد عرف الأعداء من اليهود والنصارى والعلمانيين والروافض وغيرهم خطورة التاريخ وأثره في صياغة النفوس وتفجير الطاقات، فعملوا على تشويهه وتزويره وتحريفه وتشكيك الأجيال فيه، فقد لعبت فيه الأيدي الخبيثة في الماضي وحرفته أيدي المستشرقين في الحاضر، ففي الماضي تعرض تاريخنا الإسلامي للتحريف والتشويه على أيدي اليهود والنصارى والمجوس والرافضة الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، إذ رأوا أن كيد الإسلام على الحيلة أشد نكاية فيه وفي أهله، فأخذوا يدبرون المؤامرات في الخفاء لهدم الإسلام وتفتيت دولته وتفريق أتباعه، وذلك عن طريق تزييف الأخبار وترويج الشائعات الكاذبة.

واليوم يتعرض تاريخنا الإسلامي لهجمة أخرى من قبل القوى العالمية بأقلام العلمانيين والليبراليين في الصحف والمجلات، عبر مقالات يطعنون من خلالها بالتاريخ الإسلامي بأساليب عديدة.

من الضروري جداً أن يقرأ التاريخ على أبناء الجيل ليتعرفوا على الصفحات المشرقة والتي هي محل القدوة ليتأسوا بها.

واليوم نقلب بعض صفحات إمام هذه الأمة بعد نبيها، أبوبكر الصديق رضي الله عنه، ذلك الجبل، وتلك الشخصية المثالية التي يجهل عدد من المسلمين الكثير عن حياته.

أبو بكر الصديق t، سيد الصديقين وخير الصالحين بعد الأنبياء والمرسلين، فهو أفضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلمُهم وأشرفُهم على الإطلاق، فقد قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو كنت متخذًا خليلاً لاتخذت أبا بكر، ولكن أخي وصاحبي". وقال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عمر أيضاً: "اقتدوا بالذين من بعدي: أبي بكر وعمر". وشهد له عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوله: "أنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم". وقال عنه علي بن أبي طالب لما سأله ابنه محمد بن الحنفية بقوله: "أي الناس خير بعد رسول الله؟ قال: أبو بكر".

إن حياة أبي بكر t صفحة مشرقة من التاريخ الإسلامي الذي بهر كل تاريخ وَفَاقَه، والذي لم تَحْوِ تواريخ الأمم مجتمعة بعض ما حوى من الشرف والمجد والإخلاص والجهاد والدعوة لأجل المبادئ السامية.

اسمه: عبد الله بن عثمان بن عامر القرشي التيمي، ويلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلم في النسب في الجد السادس مرة بن كعب، ويكنى بأبي بكر، لقبه النبي صلى الله عليه وسلم بالعتيق، فقد قال له صلى الله عليه وسلم: "أنت عتيق الله من النار"، ولقبه أيضاً بالصدّيق، ففي حديث أنس t أنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم صعد أحداً، وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم فقال: "اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصدّيق وشهيدان". وقد لُقب بالصدّيق لكثرة تصديقه للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد أجمعت الأمة على تسميته بالصدّيق لأنه بادر إلى تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم، ولازمه الصدق فلم تقع منه هناة أبدًا.

ولد بعد عام الفيل، ونشأ نشأة كريمة طيبة في حضن أبوين لهما الكرامة والعز في قومهما، مما جعل أبا بكر ينشأ كريم النفس، عزيز المكانة في قومه.

كان أبيضاً تخالطه صفرة، حَسَن القامة، نحيفًا خفيف العارضين، لا يستمسك إزاره يسترخي عن حقويه، رقيقاً معروق الوجه، غائر العينين، ويخضب لحيته وشيبه بالحناء والكتم.

تزوج t من أربع نسوة، أنجبن له ثلاثة ذكور وثلاث إناث، عبد الرحمن وعبد الله ومحمد، وأسماء وعائشة وأم كلثوم. ولا يعرف أربعة متناسلون بعضهم من بعض صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا آل أبي بكر الصديق، وهم: عبد الله بن الزبير، أمه أسماء بنت أبي بكر بن أبي قحافة، فهؤلاء الأربعة صحابة متناسلون، وأيضا محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة رضي الله عنهم. وليس من الصحابة من أسلم أبوه وأمه وأولاده، وأدركوا النبي صلى الله عليه وسلم وأدركه أيضاً بنو أولاده إلا أبو بكر من جهة الرجال والنساء، فكلهم آمنوا بالنبيّ وصحبوه، فهذا بيت الصدّيق، فأهله أهل إيمان، ولا يعرف في الصحابة مثل هذه لغير بيت أبي بكر رضي الله عنهم. وكان يقال: للإيمان بيوت، فبيت أبي بكر من بيوت الإيمان من المهاجرين، وبيت بني النجار من بيوت الإيمان من الأنصار.

كان أبو بكر الصدّيق في الجاهلية من وجهاء قريش وأشرافهم وأحد رؤسائهم، وكان من خيارهم، ويستعينون به فيما نابهم، وكانت له بمكة ضيافات لا يفعلها أحد، وقد اشتهر بالعلم بالأنساب والتجارة، وارتحل بين البلدان، وكان رأس ماله أربعين ألف درهم، وكان ينفق من ماله بسخاء وكرم، وكان موضع الألفة بين قومه وكانوا يحبونه ويألفونه، ويعترفون له بالفضل العظيم والخلق الكريم، لم يشرب الخمر في الجاهلية، وقد أجاب الصدّيق من سأله هل شربت الخمر في الجاهلية؟ بقوله: أعوذ بالله، فقيل: ولِمَ؟ قال: كنت أصون عرضي، وأحفظ مروءتي، فإن من شرب الخمر كان مُضيّعًا لعرضه ومروءته. ولم يسجد لصنم قط، قال أبو بكر t في مجمع من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما سجدت لصنم قط، وذلك أني لما ناهزت الحُلُم أخذني أبو قحافة بيدي فانطلق بي إلى مخدع فيه الأصنام، فقال لي: هذه آلهتك الشم العوالي، وخلاني وذهب، فدنوت من الصنم وقلت: إني جائع فأطعمني فلم يُجبني، فقلت: إني عارٍ فاكسني فلم يجبني، فألقيت عليه صخرة فخرَّ لوجهه. فلا عجب على من كانت هذه أخلاقه أن ينضم لموكب دعوة الحق ويحتل فيها الصدارة، ويكون بعد إسلامه أفضل رجل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقُهوا".

لله در الصدّيق t، فقد كان يحمل رصيدًا ضخمًا من القيم الرفيعة، والأخلاق الحميدة والسجايا الكريمة في المجتمع القرشي قبل الإسلام، وقد شهد له أهل مكة بتقدمه على غيره في عالم الأخلاق والقيم والمثل، ولم يُعلم أحد من قريش عاب أبا بكر بعيب ولا نقصه، ولا استرذله كما كانوا يفعلون بضعفاء المؤمنين، ولم يكن له عندهم عيب إلا الإيمان بالله ورسوله.

كان إسلام أبي بكر t وليد رحلة إيمانية طويلة في البحث عن الدين الحق الذي ينسجم مع الفطرة السليمة ويلبي رغباتها، وكان قد سبق أن سمع ببعثة نبي من حوار سمعه بين زيد بن عمرو بن نفيل وأمية بن أبي الصلت، قال: ولم أكن سمعت قبل ذلك بنبي يُنتظر ويبعث، قال: فخرجت أريد ورقة بن نوفل وكان كثير النظر إلى السماء كثير همهمة الصدر فاستوقفته، ثم قصصت عليه الحديث، فقال: نعم يا ابن أخي، إنا أهل الكتب والعلوم، ألا إن هذا النبي الذي يُنتظر من أوسط العرب نسبًا ولي علم بالنسب، وقومك أوسط العرب نسبًا، قلت: يا عم وما يقول النبي؟ قال: يقول ما قيل له؟ إلا أنه لا يَظلم، ولا يُظلم ولا يُظالم، فلما بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنت به وصدقته.

وقد رأى رؤيا لما كان في الشام فقصها على بَحيرا الراهب، فقال له: من أين أنت؟ قال: من مكة، قال: من أيها؟ قال: من قريش، قال: فأي شيء أنت؟ قال: تاجر، قال: إن صدق الله رؤياك، فإنه يبعث بنبي من قومك، تكون وزيره في حياته، وخليفته بعد موته، فأسرّ ذلك أبو بكر في نفسه.

وعندما نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ يدعو الأفراد إلى الله، وقع أول اختياره على الصدّيقt، فهو صاحبه الذي يعرفه قبل البعثة بدماثة خلقه وكريم سجاياه، كما يعرف أبو بكر النبي صلى الله عليه وسلم بصدقه وأمانته وأخلاقه التي تمنعه من الكذب على الناس، فكيف يكذب على الله؟ فعندما فاتحه رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوة الله أسلم الصدّيق ولم يتلعثم وتقدّم ولم يتأخر، وعاهد رسول الله على نصرته، فقام بما تعهد، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حقه: "إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركون لي صاحبي؟"، وبذلك كان الصدّيق t أول من أسلم من الرجال الأحرار. وبإسلام أبي بكر عمَّ السرور قلب النبي صلى الله عليه وسلم.

لقد كان أبو بكر كنـزًا من الكنوز ادخره الله تعالى لنبيه، وكان من أحب قريش لقريش، فذلك الخلق السمح الذي وهبه الله تعالى إياه جعله من الموطئين أكنافا، من الذين يَألَفون ويُؤلفون، والخلق السمح وحده عنصر كاف لألفة القوم، وهو الذي قال فيه عليه الصلاة والسلام: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر".

أسلم الصدّيق t وحمل الدعوة مع النبي صلى الله عليه وسلم، وتعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الإسلام دين العمل، وقد كان الصدّيق كثير الحركة للدعوة الجديدة، وكثير البركة، أينما تحرك أثَّر وحقق مكاسب عظيمة للإسلام.

كانت أول ثمار الصدّيق الدعوية دخول صفوة من خيرة الخلق في الإسلام، وهم: الزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن مظعون، وأبو عبيدة بن الجراح، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد، والأرقم ابن أبي الأرقم رضي الله عنهم. وجاء بهؤلاء الصحابة الكرام فرادى فأسلموا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا الدعامات الأولى التي قام عليها صرح الدعوة، وكانوا العُدَّة الأولى في تقوية جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبهم أعزه الله وأيده، وتتابع الناس يدخلون في دين الله أفواجًا، رجالاً ونساء، وكان كل من هؤلاء الطلائع داعية إلى الإسلام، وأقبل معهم رعيل السابقين، الواحد والاثنان، والجماعة القليلة، فكانوا على قلة عددهم كتيبة الدعوة وحصن الرسالة، لم يسبقهم سابق ولا يلحق بهم لاحق في تاريخ الإسلام.

اهتم الصدّيق بأسرته فأسلمت أسماء وعائشة وعبد الله وزوجته أم رومان وخادمه عامر بن فهيرة، لقد كانت الصفات الحميدة والخلال العظيمة والأخلاق الكريمة التي تجسدت في شخصية الصدّيق عاملاً مؤثرًا في الناس عند دعوتهم للإسلام.

وقد أوذي أبو بكر t وحُثي على رأسه التراب، وضُرِبَ في المسجد الحرام بالنعال، حتى ما يُعرف وجهه من أنفه، وحُمل إلى بيته في ثوبه وهو ما بين الحياة والموت، فقد روت عائشة رضي الله تعالى عنها أنه لما اجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا ثمانية وثلاثين رجلاً ألح أبو بكر t على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهور، فقال: يا أبا بكر إنّا قليل، فلم يزل أبو بكر يلحّ حتى ظهر رسول الله، وتفرق المسلمون في نواحي المسجد كلُّ رجل في عشيرته، وقام أبو بكر في الناس خطيبًا ورسول الله جالس، فكان أول خطيب دعا إلى الله تعالى وإلى رسوله، وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين، فضربوه في نواحي المسجد ضربًا شديدًا، ووُطِئ أبو بكر وضُرب ضربًا شديدًا، ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين ويُحرفهما لوجهه، ونزا على بطن أبي بكر t، حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وجاءت بنو تيم يتعادون، فأجْلَتِ المشركين عن أبي بكر، وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منـزله ولا يشكون في موته، ثم رجعت بنو تيم فدخلوا المسجد وقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلنّ عتبة بن ربيعة، فرجعوا إلى أبي بكر فجعل والده وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب، فتكلم آخر النهار فقال: ما فعل رسول الله؟.

هذه صورة مشرقة تبين طبيعة الصراع بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والإيمان والكفر، وتوضح ما تحمَّله الصدّيق من الألم والعذاب في سبيل الله تعالى،كما تعطي ملامح واضحة عن شخصيته الفذّة، وشجاعته النادرة. إن الصدّيق t أول من أوذي في سبيل الله بعد رسول الله، وأول من دافع عن رسول الله، وأول من دعا إلى الله، وكان الذراع اليمنى لرسول الله، وتفرّغ للدعوة وملازمة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وكان للصدّيق رضي الله عنه شرف صحبة النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة الهجرة المباركة، تلك الرحلة التي بكى فيها أبوبكر من شدة الفرح، تقول عائشة رضي الله عنها في هذا الشأن: فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدًا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ، إنها قمة الفرح البَشَري، أن يتحول الفرح إلى بكاء.

وَرَدَ الكتاب من الحبيب بأنه

 

 

سيزورني فاستَعبرَتْ أجفاني

 

غلب السرور عليَّ حتى إنني

 

 

من فرط ما قد سرني أبكاني

 

يا عين صار الدمع عندك عادة

 

 

تبكين من فرح ومن أحزان

 

فالصدّيق t يعلم أن معنى هذه الصحبة أنه سيكون وحده برفقة رسول رب العالمين بضعة عشر يومًا على الأقل، وهو الذي سيقدم حياته لسيده وقائده وحبيبه، فأي فوز في هذا الوجود يفوق هذا الفوز، أن ينفرد الصدّيق وحده من دون أهل الأرض ومن دون الصحب جميعًا برفقة سيد الخلق وصحبته كل هذه المدة. قام بعدها بتسخير جميع أفراد أسرته لخدمة النبي صلى الله عليه وسلم في هجرته، فكان لابنه عبدالله دور، ولعائشة دور، ولأسماء دور، بل حتى خادمه ومولاه عامر بن فهيرة كان له دور في الهجرة.

من العادة عند كثير من الناس إهمال الخادم وقلة الاكتراث بأمره، لكن الدعاة الربانيين لا يفعلون ذلك، إنهم يبذلون جهدهم لهداية من يلاقونه، لذا أدَّب الصدّيق t عامر بن فهيرة مولاه وعلمه، فأضحى عامر جاهزًا لفداء الإسلام وخدمة الدين. وإنه لدرس عظيم يستفاد من الصدّيق لكي يهتم المسلمون بالخدم الذين يأتونهم من مشارق الدنيا ومغاربها، ويعاملونهم على كونهم بَشَرًا أولاً، ثم يُعلّمونهم الإسلام، فلعل الله يجعل منهم من يحمل هذا الدين كما ينبغي.

اتفق أهل السنة على أن أبا بكر أعلم هذه الأمة، وسبب تقدمه على كل الصحابة في العلم والفضل ملازمته للنبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان أدوم اجتماعًا به ليلاً ونهارًا، وسفرًا وحضرًا، وكان يسمر عند النبي عليه الصلاة والسلام بعد العشاء، يتحدث معه في أمور المسلمين دون غيره من أصحابه، وكان إذا استشار أصحابه أول من يتكلم أبو بكر في الشورى، فيعمل برأيه وحده، فإذا خالفه غيره اتبع رأيه دون رأي من يخالفه. ولم يستخلف غيره لا في حج ولا في صلاة. وكتاب الصدقة التي فرضها رسول الله أخذه أنس من أبي بكر وهو أصح ما روي فيها، وعليه اعتمد الفقهاء وغيرهم، وفي الجملة لا يعرف لأبي بكر مسألة في الشريعة غلط فيها، وقد عرف لغيره، وكان t يقضي ويفتي بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ويُقرّه، ولم تكن هذه المرتبة لغيره، وكان الصديق t يجيد تأويل الرؤى، عن عائشة رضي الله عنها أنها رأت كأنه وقع في بيتها ثلاثة أقمار، فقصتها على أبيها فقال: "إن صدقت رؤياك ليدفننّ في بيتك من خير أهل الأرض ثلاثة"، فلما قبض النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا عائشة هذا خير أقمارك".

ذكر أهل السير أن أبا بكر شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم بدرًا والمشاهد كلها، ولم يفته منها مشهدًا، وثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد حين انهزم الناس، ودفع إليه النبي عليه الصلاة والسلام رايته العظمى يوم تبوك وكانت سوداء.

وأرسله النبي صلى الله عليه وسلم أميرًا على الحج سنة تسع من الهجرة، فخرج أبو بكر الصدّيق بركب الحجيج، ونزلت سورة براءة، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم عليًا t، وأمره أن يلحق بأبي بكر، فخرج على ناقة رسول الله العضباء حتى أدرك الصدّيق بذي الحليفة، فلما رآه الصدّيق قال له: أمير أم مأمور؟ فقال: بل مأمور، فأقام أبو بكر للناس الحج على منازلهم التي كانوا عليها في الجاهلية، وكان الحج في هذا العام في ذي الحجة، وقد خطب الصدّيق قبل يوم التروية، ويوم عرفة، ويوم النحر، ويوم النفير الأول، فكان يُعرّف الناس مناسكهم في وقوفهم وإفاضتهم ونحرهم ونفيرهم ورميهم للجمرات، وعلي بن أبي طالب يخلفه في كل موقف من هذه المواقف فيقرأ على الناس صدر سورة براءة، ثم ينادي في الناس بهذه الأمور الأربعة: "لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدته، ولا يحج بعد العام مشرك".

لما علم الصحابة رضي الله عنهم بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة في اليوم نفسه، وهو يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة، وتداولوا الأمر بينهم في اختيار من يلي الخلافة من بعده، والتفّ الأنصار حول زعيم الخزرج سعد بن عبادة t، ولما بلغ خبر اجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة إلى المهاجرين، وهم مجتمعون مع أبي بكر الصدّيق t لترشيح من يتولى الخلافة، قال المهاجرون لبعضهم: انطلقوا بنا إلى إخواننا من الأنصار، فإن لهم في هذا الحق نصيبًا. وانتهى لقاء السقيفة باجتماع الصحابة وإجماعهم على أبوبكر الصديق رضي الله عنه خليفة للمسلمين.

وقد دلت نصوص عديدة على خلافة الصدّيق رضي الله عنه، فعن جبير بن مطعم قال: أتت امرأة النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأمرها أن ترجع إليه، قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك -كأنها تقول الموت- قال صلى الله عليه وسلم: "إن لم تجديني فأتى أبا بكر". وعن حذيفة قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم جلوسًا فقال: "إني لا أدري ما قدرُ بقائي فيكم، فاقتدوا بالذين من بعدي (وأشار إلى أبي بكر وعمر)، وتمسكوا بعهد عمّار، وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه". وقالت عائشة رضي الله عنها: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه: "ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتابًا، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر".

أجمع أهل السنة والجماعة سلفًا وخلفًا على أن أحق الناس بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصدّيق t، لفضله وسابقته، ولتقديم النبي صلى الله عليه وسلم إياه في الصلوات على جميع الصحابة. وقد فهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مراد المصطفى عليه الصلاة والسلام من تقديمه في الصلاة، فأجمعوا على تقديمه في الخلافة ومتابعته ولم يتخلف منهم أحد، ولم يكن الرب جل وعلا ليجمعهم على ضلالة، فبايعوه طائعين وكانوا لأوامره ممتثلين ولم يعارض أحد في تقديمه.

إن البيعة بمعناها الخاص هي إعطاء الولاء والسمع والطاعة للخليفة مقابل الحكم بما أنزل الله تعالى، وأنها في جوهرها وأصلها عقد وميثاق بين طرفين: الإمام من جهة وهو الطرف الأول، والأمة من جهة ثانية وهي الطرف الثاني، فالإمام يُبايَع على الحكم بالكتاب والسنة والخضوع التام للشريعة الإسلامية عقيدة وشريعة ونظام حياة، والأمة تُبايِع على الخضوع والسمع والطاعة للإمام في حدود الشريعة. فالبيعة خصيصة من خصائص نظام الحكم في الإسلام تفرّد به عن غيره من النظم الأخرى في القديم والحديث، ومفهومه أن الحاكم والأمة كليهما مقيد بما جاء به الإسلام من الأحكام الشرعية، ولا يحق لأحدهما سواء كان الحاكم أو الأمة ممثلة بأهل الحل والعقد الخروج على أحكام الشريعة، أو تشريع الأحكام التي تصادم الكتاب والسنة، أو القواعد العامة في الشريعة، ويعد مثل ذلك خروج على الإسلام، بل إعلان الحرب على النظام العام للدولة الإسلامية، بل أبعد من هذا نجد أن القرآن الكريم نفى عنهم صفة الإيمان، قال الله تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

تسلّم الصدّيق رضي الله عنه الخلافة وضرب أمثلة في عدد من المجالات يعجز المرء عن تصوره لولا أنها نقلت إلينا عن طريق الثقات من المؤرخين.

ورأى الصحابة ضرورة تفريغ الصدّيق للخلافة، فقد كان أبو بكر t رجلاً تاجرًا يغدو كل يوم إلى السوق، فيبيع ويبتاع، فلما استخلف أصبح غاديًا إلى السوق وعلى رقبته أثواب يتّجر بها، فلقيه عمر وأبو عبيدة فقالا: أين تريد يا خليفة رسول الله؟ قال: السوق. قالا: تصنع ماذا وقد وليت أمور المسلمين؟ قال: فمن أين أُطعم عيالي؟ فقالا: انطلق معنا حتى نفرض لك شيئًا، فانطلق معهما ففرضوا له كل يوم شطر شاة. وجاء في "الرياض النضرة" أن رزقه الذي فرضوه له خمسون ومائتا دينار في السنة، وشاة يؤخذ من بطنها ورأسها وأكارعها، فلم يكن يكفيه ذلك ولا عياله، قالوا: وقد كان قد أُلقي كل دينار ودرهم عنده في بيت مال المسلمين، فخرج إلى البقيع ليبيع، فجاء عمر t فإذا هو بنسوة جلوس، فقال: ما شأنكنّ؟ قلن: نريد خليفة رسول الله يقضي بيننا، فانطلق فوجده في السوق فأخذه بيده فقال: تعالَ ها هنا. فقال: لا حاجة لي في إمارتكم، رزقتموني ما لا يكفيني ولا عيالي. قال: فإنا نزيدك. قال أبو بكر: ثلاثمائة دينار والشاة كلها. قال عمر: أما هذا فلا، فجاء علي t وهما على حالهما تلك، قال: أكمِلها له، قال: ترى ذلك؟ قال: نعم، قال: قد فعلنا. وانطلق أبو بكر t فصعد المنبر، واجتمع إليه الناس فقال: أيها الناس، إن رزقي كان خمسين ومائتي دينار وشاة يؤخذ من بطنها ورأسها وأكارعها، وإن عمر وعليا كمّلا لي ثلاثمائة دينار والشاة، أفرضيتم؟ قال المهاجرون: اللهم نعم، قد رضينا.

أين البشرية اليوم من أولئك الصحابة رضوان الله عليهم؟ فإن الخزينة قد أضحت بعدهم بيد أشخاص ينفقون كيف يشاءون، ويتصرفون كما يريدون، كما أصبحت لهم نفقات مستورة لا حصر لها، وفوق هذا فقد تكدست لهم الأموال لكثرتها، مع أنه قد ظهر أن هذه الأموال مهما بلغت، والعقارات مهما كثرت، فإنها لا تكفي شيئًا، ولا تغني صاحبها شيئًا، هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فالأمر أشد والحساب عظيم.

كان الصدّيق قبل الخلافة يحلب للحي، فلما بويع له بالخلافة قالت جارية من الحي: الآن لا يحلب لنا أغنام دارنا، فسمعها أبو بكر فقال: لعمري لأحلبنّها لكم، وإني لأرجو ألا يُغيّرني ما دخلت فيه عن خُلُقٍ كنت عليه، فكان يحلب لهنّ. وهذا تواضع كبير من رجل كبير، كبير في سنه، وكبير في منـزلته وجاهه، حيث كان خليفة المسلمين، وكان حريصًا على أن لا تغير الخلافة شيئًا من معاملته للناس، وإن كان ذلك سيأخذ منه وقتًا هو بحاجة إليه، ويقول: أرجو أن لا يغيرني ما دخلت فيه، وليس الذي دخل فيه بالأمر الهيّن، بل هو خلافة رسول الله، وسيادة العرب، وقيادة الجيوش التي ذهبت لتقلع من الأرض الجبروت الفارسي، والعظمة الرومانية، وتنشئ مكانهما صرح العدل والعلم والحضارة، ثم يرجو ألا يغيره هذا كله، ولا يمنعه من حلب أغنام الحي.

إن من ثمار الإيمان بالله تعالى أخلاقًا حميدة، منها خلق التواضع الذي تَجسّد في شخصية الصدّيق في هذا الموقف وفي غيره من المواقف، وكان عندما يسقط خطام ناقته ينـزل ليأخذه، فيقال له: لو أمرتنا أن نناولك، فيقول: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا نسأل الناس شيئًا.

ولقد دفعه هذا الخلق إلى خدمة المسلمين وبخاصة أهل الحاجة منهم والضعفاء، فعن أبي صالح الغفاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يتعهد عجوزًا كبيرة عمياء في بعض حواشي المدينة من الليل، فيسقي لها، ويقوم بأمرها، فكان إذا جاءها وجد غيره قد سبقه إليها فأصلح ما أرادت، فجاءها غير مرة كيلا يَسبق إليها، فرصده عمر، فإذا هو أبو بكر الذي يأتيها، وهو يومئذ خليفة.

وفي شهر جمادى الآخرة من العام الثالث عشر للهجرة النبوية، مرض الخليفة أبو بكر t واشتد به المرض، فلما ثقل واستبان له من نفسه، جمع الناس إليه فقال: إنه قد نزل بي ما قد ترون ولا أظنني إلا ميتًا لما بي، وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي وحل عنكم عُقدتي، ورد عليكم أمركم فأمّروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمّرتم في حياة مني كان أجدر أن لا تختلفوا بعدي.

وتشاور الصحابة رضي الله عنهم، وكل يحاول أن يدفع الأمر عن نفسه ويطلبه لأخيه، إذ يرى فيه الصلاح والأهلية، لذا رجعوا إليه فقالوا: رأينا يا خليفة رسول الله رأيك، قال: فأمهلوني حتى أنظر لله ولدينه ولعباده، فدعا أبو بكر عبد الرحمن بن عوف فقال له: أخبرني عن عمر بن الخطاب فقال له: ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني، فقال أبو بكر: وإن، فقال عبد الرحمن: هو والله أفضل من رأيُك فيه، ثم دعا عثمان بن عفان، وأسيد بن حضير وكذلك استشار سعيد بن زيد وعددًا من الأنصار والمهاجرين، وكلهم كانوا برأي واحد في عمر. بعدها كتب عهدًا مكتوبًا يُقرأ على الناس في المدينة وفي الأنصار عن طريق أمراء الأجناد: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجًا منها وعند أول عهده بالآخرة داخلاً فيها، حيث يؤمن الكافر ويوقن الفاجر ويصدّق الكاذب، إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا، وإني لم آلُ الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيرًا، فإن عَدَل فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بدّل فلكل امرئ ما اكتسب، والخير أردت ولا أعلم الغيب: (وَسَيَعْلَمْ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُون). وكلف عثمان بن عفان أن يتولى قراءة العهد على الناس، وأخذ البيعة لعمر قبل موت أبي بكر، بعد أن ختمه بخاتمه لمزيد من التوثيق والحرص على إمضاء الأمر دون أي آثار سلبية، وقال عثمان للناس: أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ فقالوا: نعم، فأقرّوا بذلك جميعًا ورضوا به.

وبعد أن قرئ العهد على الناس ورضوا به أقبلوا عليه وبايعوه، ولم تتم بيعة بعد الوفاة بل باشر عمر بن الخطاب أعماله بصفته خليفة للمسلمين فور وفاة أبي بكر t.

إن الخطوات التي سار عليها أبو بكر الصديق في اختيار خليفته من بعده لا تتجاوز الشورى بأي حال من الأحوال، وإن كانت الإجراءات المتبعة فيها غير الإجراءات المتبعة في تولية أبي بكر نفسه، وهكذا تم عقد الخلافة لعمر t بالشورى، ولم يورد التاريخ أي خلاف وقع حول خلافته بعد ذلك، ولا أن أحد نهض طوال عهده لينازعه الأمر، بل كان هناك إجماع على خلافته وعلى طاعته في أثناء حكمه، فكان الجميع وحدة واحدة.

قالت عائشة رضي الله عنها: أول ما بدئ مرض أبي بكر أنه اغتسل وكان يومًا باردًا فحم خمسة عشر يومًا لا يخرج إلى صلاة، وكان يأمر عمر بالصلاة وكانوا يعودونه، وكان عثمان ألزمهم له في مرضه، ولما اشتد به المرض قيل له: ألا تدعو لك الطبيب؟ فقال: قد رآني فقال: إني فعّال لما أريد. وقالت عائشة رضي الله عنها: قال أبو بكر: انظروا ماذا زاد في مالي منذ دخلت في الإمارة فابعثوا به إلى الخليفة بعدي، فنظرنا فإذا عبد نوبي كان يحمل صبيانه، وإذا ناضح كان يسقي بستانًا له، فبعثنا بهما إلى عمر، فبكى عمر، وقال: رحمة الله على أبي بكر لقد أتعب من بعده تعبًا شديدًا.

وقالت عائشة رضي الله عنها: لما مرض أبو بكر مرضه الذي مات فيه، دخلت عليه وهو يعالج ما يعالج الميت ونفسه في صدره، فتمثلتُ هذا البيت:

لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى               إذا حشرجت يومًا وضاق بها الصدر

فنظر إليَّ كالغضبان ثم قال: ليس كذلك يا أم المؤمنين، ولكن قول الله أصدق: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيد)، ثم قال: يا عائشة، إنه ليس أحد من أهلي أحب إليَّ منك، وقد كنت نحلتك حائطًا، وإن في نفسي منه شيئًا فرديه إلى الميراث، قالت: نعم، فرددته. وقال t: أما إنا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأكل لهم دينارًا ولا درهمًا، ولكنا قد أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وليس عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشي وهذا البعير الناضح، وجَرْدُ هذه القطيفة، فإذا مت فابعثي بهنّ إلى عمر وابرئي منهنّ، ففعلتْ، فلما جاء الرسول إلى عمر بكى حتى جعلت دموعه تسيل في الأرض، ويقول: رحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده.

ويظهر من هذه المواقف ورع الصدّيق في المال العام، فقد ترك هذا الخليفة العظيم تجارته، وتخلى عن ذرائع كسبه اشتغالاً عنها بأمور المسلمين، وقيامًا بوظائف الخلافة، فيضطر إلى أخذ نفقته من بيت المال بما لا يزيد عن الحاجة إلى سد الجوع وستر العورة، ثم هو يؤدي للمسلمين خدمة هيهات أن تؤدي حقها الخزائن، ولما أشرف على وفاته وعنده فضلة من مال المسلمين، وهي ذلك المتاع الحقير يأمر بردها إلى المسلمين ليلقي ربه آمنا مطمئنا، نزيه القلب طاهر النفس، خفيف الحمل إلا من التقوى، فارغ اليدين إلا من الإيمان، إن في هذا لبلاغا، وإنها لموعظة لقوم يعقلون.

وقد استمر مرض أبي بكر مدة خمسة عشر يوماً، حتى كان يوم الاثنين ليلة الثلاثاء في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة للهجرة، قالت عائشة رضي الله عنها: إن أبا بكر قال لها: في أي يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: في يوم الاثنين قال: إني لأرجو فيما بيني وبين الليل، ففيم كفنتموه؟ قالت: في ثلاثة أثواب بيض سحولية يمانية ليس فيها قميص ولا عمامة، فقال أبو بكر: انظري ثوبي هذا فيه ردع زعفران أو مشق فاغسليه واجعلي معه ثوبين آخرين. فقيل له: قد رزق الله وأحسن، نكفنك في جديد. قال: إن الحيّ هو أحوج إلى الجديد ليصون به نفسه عن الميت، إنما يصير الميت إلى الصديد وإلى البلى. وقد أوصى أن تغسله زوجه أسماء بنت عميس، وأن يدفن بجانب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان آخر ما تكلم به الصدّيق رضي الله عنه في هذه الدنيا قول الله تعالى: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِين).

وارتجت المدينة لوفاة أبي بكر الصديق، ولم تر المدينة منذ وفاة الرسول يومًا أكثر باكيًا وباكية من ذلك المساء الحزين، وأقبل علي بن أبي طالب مسرعًا باكيًا مسترجعًا ووقف على البيت الذي فيه أبو بكر، فقال: رحمك الله يا أبا بكر، كنتَ إلف رسول الله، وأنيسه ومستراحه وثقته وموضع سره ومشاورته، وكنتَ أول القوم إسلامًا وأخلصُهم، وأشدُهم لله يقينًا، وأخوفُهم له، فجزاك الله عن رسول الله وعن الإسلام أفضل الجزاء.

هذا وقد توفي الصديق رضي الله عنه وهو ابن ثلاث وستين سنة، مجمع على ذلك في الروايات كلها، استوفى سن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغسلته زوجه أسماء بنت عميس، وكان قد أوصى بذلك، ودفن جانب رسول الله، وقد جعل رأسه عند كتفي رسول الله، وصلى عليه خليفته عمر بن الخطاب، ونزل قبره عمر وعثمان وطلحة وابنه عبد الرحمن، وألصق اللحد بقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهكذا خرج أبو بكر الصديق من الدنيا بعد جهاد عظيم، في سبيل نشر دين الله في الآفاق، وستظل الحضارة الإنسانية مدينة لهذا الشيخ الجليل الذي حمل لواء دعوة الرسول بعد وفاته، وحمى غرسه عليه الصلاة والسلام، وقام برعاية بذور العدل والحرية، وسقاها أزكى دماء الشهداء، فأتت من كل الثمرات عطاء جزيلاً.

حقق عبر التاريخ تقدما عظيمًا في العلوم والثقافة والفكر، وستظل الحضارة مدينة للصديق، لأنه بجهاده الرائع وبصبره العظيم حمى الله به دين الإسلام في ثباته في الردة، ونشر الله به الإسلام في الأمم والدول والشعوب بحركة الفتوحات العظيمة، التي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً.

قل إن خير الأنبياء محمد

 

 

وأجَلَّ من يمشي على الكُثبان

 

وأجَلُّ صَحْبِ الرسل صحب محمدٍ

 

 

وكذاك أفضل صحبه العُمَران

 

رجلان قد خلقا لنصر محمد

 

 

بدمي ونفسي ذانك الرجلان

 

فهما اللذان تظاهرا لنبينا

 

 

في نصره وهما له صهران

 

بنتاهما أسنى نساء نبينا

 

 

وهما له بالوحي صاحبتان

 

أبواهما أسنى صحابة أحمد

 

 

يا حبذا الأبوان والبنتان

 

وهما وزيراه اللذان هما هما

 

 

لفضائل الأعمال مستبقان

 

وهما لأحمد ناظراه وسمعه

 

 

وبقربه في القبر مضطجعان

 

كانا على الإسلام أشفق أهله

 

 

وهما لدين محمد جبلان

 

أصفاهما أقواهما أخشاهما

 

 

أتقاهما في السر والإعلان

 

أسناهما أزكاها أعلاهما

 

 

أوفاهما في الوزن والرجحان

 

صِدِّيق أحمد صاحب الغار الذي

 

 

هو في المغارة والنبي اثنان

 

أعني أبا بكر الذي لم يختلف

 

 

من شرعنا في فضله رجلان

 

هو شيخ أصحاب النبي وخيرُهم

 

 

وإمامهم حقا بلا بطلان

 

وأبو المطهرة التي تنـزيهها

 

 

قد جاءنا في النور والفرقان

 

 

والحمد لله ...

 


Source URL:
http://www.alahmad.com/node/830