خدمة rss
السيرة النبوية (22)



  
   

السيرة النبوية
الدرس الثاني والعشرون
مشهد الاحتضار

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد


جاءت الآيات القرآنية مؤكدة على حقيقة بشرية النبي -صلى الله عليه وسلم- وأنه كغيره من البشر، سوف يذوق الموت ويعاني سكراته كما ذاقه من قبل إخوانه من الأنبياء، ولقد فهم -صلى الله عليه وسلم- من بعض الآيات اقتراب أجله، وقد أشار -عليه الصلاة والسلام- في طائفة من الأحاديث الصحيحة إلى اقتراب وفاته، منها ما هو صريح الدلالة على الوفاة، ومنها ما ليس كذلك، حيث لم يشعر ذلك منها إلا الآحاد من كبار الصحابة الأجلاء، كأبي بكر والعباس ومعاذ -رضي الله عنهم-.
قال الله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ}
[(144) سورة آل عمران]، وقال تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ} [(30) سورة الزمر]، وقال -عز وجل-: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} [(34) سورة الأنبياء]، ثم أعقب ذلك ببيان أن الموت حتم لازم وقدر سابق، فقال -عز وجل-: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [(35) سورة الأنبياء].
وقال تعالى: {إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}
[(1-3) سورة النصر]، فقد سأل عمر –رضي الله عنه- ابن عباس عن هذه الآية: {إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ}؟ فقال: "أجل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أعلمه إياه"، فقال عمر: "ما أعلم منها إلا ما تعلم".
عندما نزلت سورة النصر بكى أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- فتعجب الصحابة لبكائه، وقالوا ما بال هذا الشيخ يبكي، ولم يعلموا أن الله ينعِي رسوله إلى أصحابه، ويعلمهم أنه بعد فتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجا فلينتظر حتى يأتيه اليقين.
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "اجتمع نساء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عنده، لم يغادر منهن امرأة، فجاءت فاطمة تمشي لا تخطئ مشيتها مشية أبيها، فقال: ((مرحبًا يا بنيتي))، فأقعدها يمينه أو شماله، ثم سارَّها فبكت، ثم سارَّها فضحكت، فقلت لها: "خصك رسول الله بالسرار وأنت تبكين؟ فلما أن قامت قلت لها: "أخبريني ما سارَّك؟ فقالت: "ما كنت لأفشي سرَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"، فلما توفي قلت لها: "أسألك لما لي عليك من الحق لما أخبرتني"، قالت: "أما الآن فنعم"، قالت: "سارني في الأول قال لي: ((إن جبريل كان يعارضني في القرآن كل سنة مرة، وقد عارضني في هذا العام مرتين، ولا أرى ذلك إلا اقتراب أجلي، فاتقي الله واصبري، فنعم السلف أنا لك))، فبكيت، ثم سارني فقال: ((أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة؟)) فضحكت.
قال جابر –رضي الله عنه-: "رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: ((لتأخذوا عني مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه)).
قال ابن رجب -رحمه الله-: "وما زال -صلى الله عليه وسلم- يعرض باقتراب أجله في آخر عمره، فإنه لما خطب في حجة الوداع قال للناس: ((خذوا عني مناسككم، فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا))، فطفق يودع الناس فقالوا: هذه حجة الوداع.
قال العباس بن عبد المطلب –رضي الله عنه-: "رأيت في المنام كأن الأرض تنـزع إلى السماء بأشطان شداد، فقصصت ذلك على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ((ذاك وفاة ابن أخيك)).
رجع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من حجة الوداع في ذي الحجة، فأقام بالمدينة بقيته والمحرم وصفرًا من العام العاشر، فبدأ بتجهيز جيش أسامة، وأمَّر عليهم أسامة بن زيد بن حارثة، وأمره أن يتوجه نحو البلقان وفلسطين، فتجهز الناس وفيهم المهاجرون والأنصار، وكان منهم أبو بكر وعمر، وكان أسامة بن زيد ابن ثماني عشرة سنة، وتكلم البعض في تأميره وهو مولى وصغير السن على كبار المهاجرين والأنصار، فلم يقبل الرسول -صلى الله عليه وسلم- طعنهم في إمارة أسامة.
وبينما الناس يستعدون للجهاد في جيش أسامة ابتدأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شكواه الذي قبضه الله فيه.
عن أبي مويهبة مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من جوف الليل فقال: ((يا أبا مويهبة، إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فانطلق معي))، قال: فانطلقت معه، فلما وقف بين أظهرهم قال: ((السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهنأ لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع آخرها أولها، والآخرة شر من الأولى))، ثم أقبل عليَّ فقال: ((يا أبا مويهبة، إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة))، قال: فقلت: "بأبي أنت وأمي، خذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة"، قال: ((لا والله يا أبا مويهبة، لقد اخترت لقاء ربي والجنة))، ثم استغفر لأهل البقيع، ثم انصرف، فبدأ برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجعه الذي قبضه الله فيه".
وعن عقبة بن عامر الجهني –رضي الله عنه- قال: "إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلى على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: ((إني بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه وأنا في مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها))، فقال عقبة: "فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".
وعن عائشة -رضي الله عنها-: "لما ثقل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واشتد وجعه، استأذن أزواجه في أن يمرَّض في بيتي، فأَذنّ له، فخرج وهو بين رجلين تخط رجلاه في الأرض، بين عباس ورجل آخر، ولما دخل بيتي اشتد وجعه، قال: ((أهريقوا عليَّ من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن، لعلي أعهد إلى الناس))، فأجلسناه في مخضب لحفصة، ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن، ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم".
وقالت عائشة -رضي الله عنها-: "ما رأيت رجلًا أشد عليه الوجع من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".
وقال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: "دخلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يوعك فمسسته بيدي، فقلت: يا رسول الله، إنك لتوعك وعكًا شديدًا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أجل: إني أوعك كما يوعك رجلان منكم))، قال: "فقلت: ذلك أن لك أجرين؟"، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أجل))، ثم قال: ((ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله به سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها)).
مر العباس -رضي الله عنه- بقوم من الأنصار يبكون حين اشتد برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجعه، فقال لهم: "ما يبكيكم؟" قالوا: "ذكرنا مجلسنا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"، فدخل العباس عليه -صلى الله عليه وسلم- فأخبره، فعُصِّب بعصابة دسماء أو قال: بحاشية برد، وخرج وصعد المنبر، ولم يصعد بعد ذلك اليوم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ((أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم)).
لقد ازدادت شدة المرض على رسول الله، بحيث كان يغمى عليه في اليوم الواحد مرات عديدة، ومع ذلك كله أحب -صلى الله عليه وسلم- أن يفارق الدنيا وهو مطمئن على أمته أن تضل من بعده، فأراد أن يكتب لهم كتابًا مفصلًا ليجتمعوا عليه ولا يتنازعوا، فلما اختلفوا عنده -صلى الله عليه وسلم- عدل عن كتابة ذلك الكتاب وأوصاهم بأمور ثلاثة، ذكر الراوي منها اثنين: ((أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم به)).
وقبل وفاته بخمسة أيام أحس بخفة، فعصبوا رأسه وقام ودخل المسجد حتى جلس على المنبر، فاجتمع الصحابة حوله فتكلم -عليه الصلاة والسلام- وكم كان الصحابة في شوق لسماع صوته فقال: ((لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)).
ثم عرض نفسه للقصاص قائلًا: ((من كنت جلدت له ظهرًا فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضًا فهذا عرضي فليستقد منه)).
ثم نزل فصلى الظهر، ثم رجع فجلس على المنبر، وعاد لمقالته الأولى في القصاص، فقال رجل: "إن لي عندك ثلاثة دراهم"، فقال: ((أعطه يا فضل)).
ثم أوصى بالأنصار قائلًا: ((أوصيكم بالأنصار، إن الناس يكثرون وتقل الأنصار حتى يكونوا كالملح في الطعام))، قال جابر –رضي الله عنه-: "سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول قبل موته بثلاث: ((أحسنوا الظن بالله -عز وجل-)).
وقبل وفاته بيوم، أعتق -صلى الله عليه وسلم- غلمانه، وتصدق بسبعة دنانير كانت عنده، ووهب أسلحته للمسلمين، قال أنس –رضي الله عنه-: "كانت وصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين حضره الموت: ((الصلاة وما ملكت أيمانكم)) حتى جعل يغرغر بها في صدره، ولا يفيض بها لسانه.
قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "كشف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الستر، وهو معصوب في مرضه الذي مات فيه، فقال: ((اللهم بلغت -ثلاث مرات- أنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا، يراها العبد الصالح أو ترى له, ألا وإني قد نهيت عن القراءة في الركوع والسجود، فإذا ركعتم فعظموا الله، وإذا سجدتم فاجتهدوا في الدعاء، فإنه قمن أن يستجاب لكم)).
ولما اشتد المرض بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وحضرت الصلاة فأذن بلال، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((مروا أبا بكر فليصل)) فقيل: "إن أبا بكر رجل أسيف، إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس"، وأعاد فأعادوا له، فأعاد الثالثة فقال: ((إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس))، فخرج أبو بكر فوجد النبي -صلى الله عليه وسلم- في نفسه خفة، فخرج يهادى بين رجلين، ورجلاه تخطان من الوجع، فأراد أبو بكر أن يتأخر، فأومأ إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- أن مكانك، ثم أتى به حتى جلس إلى جنبه، فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي، وأبو بكر يصلي بصلاته، والناس يصلون بصلاة أبي بكر".
كان أبو بكر يصلي بالمسلمين حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في صلاة الفجر، كشف النبي -صلى الله عليه وسلم- ستر الحجرة؛ ينظر إلى المسلمين، وهم وقوف أمام ربهم، ورأى كيف أثمر غرس دعوته وجهاده، وكيف نشأت أمة تحافظ على الصلاة، وتواظب عليها بحضرة نبيها وغيبته، وقد قرت عينه بهذا المنظر البهيج، وبهذا النجاح الذي لم يقدر لنبي أو داعٍ قبله، واطمأن أن صلة هذه الأمة بهذا الدين وعبادة الله تعالى صلة دائمة لا تقطعها وفاة نبيها، فملئ من السرور ما الله به عليم، واستنار وجهه وهو منير.
يقول الصحابة -رضي الله عنهم-: "كشف النبي -صلى الله عليه وسلم- ستر حجرة عائشة ينظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم يضحك، فهممنا أن نفتتن من الفرح، وظننا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خارج إلى الصلاة، فأشار إلينا أن أتموا صلاتكم، ودخل الحجرة وأرخى الستر".
ولما ارتفع الضحى، دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- فاطمة فسارّها بشيء، فلما رأت ما بأبيها من الكرب قالت: "واكرب أباه"، فقال لها: ((ليس على أبيك كرب بعد اليوم))، ثم دعا الحسن والحسين فقبلهما، وأوصى بهما خيرًا ثم دعا أزواجه فوعظهنّ وذكرهنّ.
ثم بدأ -صلوات ربي وسلامه عليه- في الاحتضار، ولقي من الموت شدّة، وكان بين يديه إناء فيه ماء، فجعل يدخل يده في الماء فيمسح بها وجهه ويقول: ((لا اله إلا الله، اللهمّ أعنّي على كُرب الموت وسكراته، اللهمّ أعنّى على كُرب الموت وسكراته))، ويمسح وجهه، وعائشة تنظر إليه ولا تدري ماذا تصنع، وهو ينظر إلي السماء ويقول: ((بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى)).
وكان المسلمون لا يفارقون المسجد في مرضه -صلى الله عليه وسلم-، تركوا الطعام وتركوا الأهل وامتلأ المسجد، وتجد في الصفوف الأخيرة، عمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف، لا يقرّ لهم قرار ولا يهنئون بمنام يتتبعون أخبار النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان مضطجعًا في حجر عائشة، فأصغت إليه وهو يقول: ((مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى))، ثم انحنى رأسه وخرج رذاذ بارد من فمه على يد عائشة، فأسلمت رأسه إلى الوسادة وخرجت تخبر الناس، فلما علموا صاح صائحهم، وأخذ الصحابة يبكون.
فارق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الدنيا وهو يحكم جزيرة العرب، ويرهبه ملوك الدنيا، ويفديه أصحابه بنفوسهم وأولادهم وأموالهم، وما ترك عند موته دينارًا ولا درهمًا، ولا عبدًا ولا أمة، ولا شيئًا إلا بغلته البيضاء، وسلاحه وأرضًا جعلها صدقة.
وتوفي -صلى الله عليه وسلم- ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير، وكان ذلك يوم الاثنين 12من ربيع الأول سنة 11 للهجرة بعد الزوال وله -صلى الله عليه وسلم- ثلاث وستون سنة، وكان أشد الأيام سوادًا ووحشةً ومصابًا على المسلمين، ومحنة كبرى للبشرية، كما كان يوم ولادته أسعد يوم طلعت فيه الشمس.
يقول أنس –رضي الله عنه-: "كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء".
وبكت أم أيمن فقيل لها: "ما يبكيك على النبي؟"، قالت: "إني قد علمت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سيموت، ولكن إنما أبكي على الوحي الذي رفع عنا".
قال ابن رجب -رحمه الله-: "ولما توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اضطرب المسلمون، فمنهم من دهش فخولط، ومنهم من أقعد فلم يطق القيام، ومنهم من اعتقل لسانه فلم يطق الكلام، ومنهم من أنكر موته بالكلية".
لقد أذهل نبأ الوفاة عمر –رضي الله عنه- فصار يتوعد وينذر من يزعم أن النبي مات، ويقول: "ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم، والله ليرجعن رسول الله كما رجع موسى، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنه مات".
ولما سمع أبو بكر الخبر أقبل على فرس من مسكنه بالسنح حتى نزل فدخل المسجد فلم يكلم الناس، حتى دخل على عائشة فتيمم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو مغشىً بثوب حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه فقبله وبكى، ثم قال: "بأبي أنت وأمي! والله لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي عليك فقد متَّها".
ثم خرج أبو بكر –رضي الله عنه- وعمر يتكلم، فقال: "اجلس يا عمر"، وهو ماضٍ في كلامه وفي ثورة غضبه، فقام أبو بكر في الناس خطيبًا بعد أن حمد الله وأثنى عليه فقال: "أما بعد: فإن من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا هذه الآية: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ}
[(144) سورة آل عمران]"، قال عمر: "فوالله ما إن سمعت أبا بكر تلاها فهويت إلى الأرض ما تحملني قدماي، وعلمت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد مات".
إن هذا الموقف أدل دليل على شجاعة الصديق وجراءته، فإن الشجاعة والجراءة حدهما ثبوت القلب عند حلول المصائب، ولا مصيبة أعظم من موت النبي -صلى الله عليه وسلم-، فظهرت شجاعته وعلمه، قال الناس: لم يمت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومنهم عمر، وتوقف لسان عثمان، واستخفى علي، واضطرب الأمر، فكشفه الصديق بهذه الآية، فرحم الله الصديق الأكبر، كم من مصيبة درأها عن الأمة! وكم من فتنة كان المخرج على يديه! وكم من مشكلة ومعضلة كشفها بشهب الأدلة من القرآن والسنة، التي خفيت على مثل عمر –رضي الله عنه-!.
ولما أرادوا غسل النبي -صلى الله عليه وسلم- قالوا: "ما ندري أنجرده من ثيابه كما نجرد موتانا، أو نغسله وعليه ثيابه، فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره، فكلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو: أن اغسلوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعليه ثيابه، فغسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء فوق القميص، ويدلكون بالقميص دون أيديهم، قالت عائشة: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه".
وكفن -صلى الله عليه وسلم- في ثلاثة أثواب سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة، وقد صلى عليه المسلمون.
قال ابن عباس: "لما مات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أدخل الرجال فصلوا عليه بغير إمام أرسالًا، حتى فرغوا، ثم أدخل النساء فصلين عليه، ثم أدخل الصبيان فصلوا عليه، ثم أدخل العبيد فصلوا عليه أرسالًا، لم يؤمهم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحد.
اختلف المسلمون في موقع دفنه فقال بعضهم: يدفن عند المنبر، وقال آخرون: بالبقيع، وقال قائل: في مصلَّاه، فجاء أبو بكر الصديق –رضي الله عنه- فحسم مادة هذا الخلاف أيضًا بما سمعه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
قالت عائشة: "لما قبض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وغسل اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: "ما نسيت ما سمعت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((ما قبض الله نبيًا إلا في الموضع الذي يجب أن يدفن فيه))، ادفنوه في موضع فراشه".
وكان الذين نزلوا في قبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- علي بن أبي طالب، والفضل بن عباس، وقثم بن عباس، وشقران مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ودفن في اللحد، وبنى عليه -صلى الله عليه وسلم- في لحده اللبن، يقال: إنها تسع لبنات، ثم أهالوا التراب، وقد دفن ليلة الأربعاء.
فلما دفن -صلى الله عليه وسلم- قالت فاطمة لأنس: "كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التراب؟!".
لقد كان لوفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أثر على الصحابة الكرام، فقد قال أنس –رضي الله عنه-: "وما نفضنا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- الأيدي، إنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا".
ولقد تأثر حسان بن ثابت بموت حبيبنا -صلى الله عليه وسلم- فرثاه بقصائد مبكية حزينة، حفظها لنا التاريخ ولم تهملها الليالي، ولم تفصلها عنا حواجز الزمن ولا أسوار القرون.
فمما قاله يبكي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:

ما بال عينك لا تنام كأنها *** كحلت مآقيها بكحل الأرمد
جزعًا على المهدي أصبح ثاويًا *** يا خير من وطئ الحصى لا تبعد
وجهي يقيك الترب لهفي ليتني *** غيبت قبلك في بقيع الغرقد
بأبي وأمي من شهدت وفاته *** في يوم الاثنين النبي المهتدي
فظللت بعد وفاته متبلدًا *** متلددًا يا ليتني لم أولد
أأقيم بعدك بالمدينة بينهم؟! *** يا ليتني صبحت سم الأسود
أو حلَّ أمر الله فينا عاجلًا *** في روحة من يومنا أو في غد
فتقوم ساعتنا فنلقى طيبًا *** محضًا ضرائبه كريم المحتد
يا بكر آمنة المبارك بكرها *** ولدته محصنة بسعد الأسعد
نورًا أضاء على البرية كلها *** من يهد للنور المبارك يهتدي
يا رب فاجمعنا معًا ونبينا *** في جنة تثني عيون الحُسَّد
في جنة الفردوس فاكتبها لنا *** يا ذا الجلال وذا العلا والسؤدد
والله أسمع ما بقيت بهالك *** إلا بكيت على النبي محمد
يا ويح أنصار النبي ورهطه! *** بعد المغيَّب في سواء الملحد
ضاقت بالانصار البلاد فأصبحوا *** سودًا وجوههم كلون الإثمد
ولقد ولدناه وفينا قبره *** وفضول نعمته بنا لم تجحد
والله أكرمنا به وهدى به *** أنصاره في كل ساعة مشهد
صلى الإله ومن يحف بعرشه *** والطيبون على المبارك أحمدِ

اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده، اللهم أحسن خاتمتنا، اللهم توفنا وأنت راض عنا، اللهم هون علينا سكرات الموت، اللهم اغفر لآبائنا ولأمهاتنا ولمن له حق علينا، اللهم اغفر لجميع موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم...
والحمد لله...
 


  

التعليقات

feNZthZ

ixuRKK feNZthZ

viagra

aLuQWL viagra 4957 cialis jxldd

cheap viagra

vLZEwCuZ cheap viagra 5248 cialis dosage >:-OOO

buy viagra

kOAfME buy viagra 8]]] cialis >:-OOO

viagra soft

ssqXhLX viagra soft sunyKn cialis 7143

viagra soft

DFenSvSn viagra soft 4611 cilis 20mg 8667

cheap cialis

RFMnbWOh cheap cialis >:]] buy cialis 7311

buy viagra

YNDeVxer buy viagra 8]]] viagra soft 7635

cheap cialis

xwRhNWdh cheap cialis ZuEACE cialis dose 1585

viagra

cPneBZi viagra DxneIg cialis on line :-O viagra ihzOI cialis barato :-O venda viagra PMVIA cialis UiLJng

cialis

zIoAoMz cialis >:]] levitra qceaLy buy priligy vGjkla

cialis

jwjhhchb cialis %-[[[

viagra

QpqpwQ viagra 5474 viagra dosage lIzLbg

viagra price

XJWDLmcG viagra price bFPDlH cialis tDbQs viagra %-[[[ generic cialis 8878

viagra

XlgCultC viagra >:-[ cialis 4802 viagra uoKYET cialis 6934

viagra

QIynMS viagra rxsuhL viagra ldQyZI cialis dose >:-[ cialis %-[[[

viagra

mBsrNkU viagra >:]] cialis soft >:-[

silagra

ZFFdMNch silagra >:]] propecia nkjjf buy tadalis =-] cialis 8]]] cheap levitra %-[[[ cialis 6298

cialis

aekdMs cialis =-] viagra :-O buy viagra 8]]] buy cialis 7935

cialis

FTrGLIm cialis >:]] cheap cialis 1304 köpa viagra på internet :-O viagra >:-OOO viagra >:-OOO

levitra

UPBfqPU levitra 6085 compra viagra RUVPn Kamagra %-[[[ levitra 8]]] Cialis 8514 levitra oIvwB

viagra

leFrgx viagra KIptst levitra 6067 kamagra WAsGWO Generisches levitra %-[[[ cialis Genérico 8]]] viagra 6273

cialis

aMofDgD cialis 9123 kamagra en ligne 8366 viagra %-[[[ levitra vente >:-OOO levitra 7101 levitra 8]]]

viagra price

qRZInDR viagra price tNDkGh cialis 9310 generic cialis >:-OOO viagra 6442

Cialis uk

xozCdBE Cialis uk PGwgn cialis 9627 cialis >:-OOO kamagra %-[[[ venta viagra HKQnu viagra >:-[

viagra soft

bwDeaqtq viagra soft oRfEV cialis coupon SseHvL cialis 8]]] viagra vs cialis 3972

viagra

rjDGQto viagra %-[[[ cialis bijwerkingen 5639 kamagra 6705 kamagra sBMBAY levitra 2267 levitra :-O

kamagra

hAhudAB kamagra 9768 cialis VyalsR viagra 3700 levitra %-[[[ viagra on line 8]]] cialis 8066

cialis

pyjTzz cialis =-] kamagra vNCjy köp viagra på nätet >:]] levitra >:-OOO Kamagra 5220 viagra 9213

cialis generic

UtbIve cialis generic tTWbA viagra >:-OOO viagra >:]] viagra price DuLCH viagra qRNpew

levitra

rzCLNoM levitra %-[[[ cialis 8]]] Cheap priligy 5240 cialis 1201 viagra >:-OOO

priligy

rjUcZYKm priligy >:-OOO viagra costo frEctt amoxil %-[[[ viagra rezeptfrei BoRMzK viagra 1736 comprare lasix vLrNDx


 
حركة الجهاد والفتح الإسلامي في عهد الدولة الأموية

القائمة البريدية

148.21