خدمة rss
السيرة النبوية (21)



  
   

السيرة النبوية
الدرس الحادي والعشرون
حجة الوداع

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد


الحج أحد الأركان الخمسة، وقد فرض في العام العاشر، ولم يحج النبي -صلى الله عليه وسلم- من المدينة غير حجته التي كانت في العام العاشر، وعرفت هذه الحجة بحجة البلاغ، وحجة الإسلام، وحجة الوداع؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- ودع الناس فيها ولم يحج بعدها، وحجة البلاغ؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- بلغ الناس شرع الله في الحج قولًا وعملًا، ولم يكن بقي من دعائم الإسلام وقواعده شيء إلا وقد بينه.
كانت رحلة النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الحج رحلة عظيمة جليلة فيها من التوحيد والعبادة والنسك والتعليم والتربية ما يعجز المرء عن وصفه.
عزم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الحج وأعلم الناس أنه حاج، فتجهزوا وذلك في شهر ذي القعدة سنة عشر للخروج معه، وسمع بذلك من حول المدينة، فقدموا يريدون الحج مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- ووافاه في الطريق خلائق لا يحصون، فكانوا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله مد البصر، بلغ عددهم مائة ألف صحابي.
سار النبي -صلى الله عليه وسلم- تحيط به القلوب، وترمقه المقل، وتفديه المهج، فهو معهم كواحد منهم، لم توطأ له المراكب، ولم تتقدمه المواكب، ولم تشق له الطرقات، ولم تنصب له السرادقات، وإنما سار بين الناس ليس له شارة تميزه عنهم إلا بهاء النبوة وجلال الرسالة، يسير معهم وفي غمارهم.
خرج -صلى الله عليه وسلم- من المدينة نهارًا بعد الظهر لخمس بقين من ذي القعدة يوم السبت، بعد أن صلى الظهر بها أربعًا، وخطبهم قبل ذلك خطبة علمهم فيها الإحرام وواجباته وسننه.
ثم صلى -عليه الصلاة والسلام- بذي الحليفة ثم أهل بالتوحيد: ((لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك))، ثم ركب -عليه الصلاة والسلام- ناقته القصواء وأهلّ أيضًا بالتوحيد، ثم رقى البيداء فأهلّ بالتوحيد أيضًا.
ولو تأملت في راحلته ورحله ومتاعه، لقد ركب -عليه الصلاة والسلام- راحلته وعليها رحل رث وقطيفة لا تساوي أربعة دراهم، فلما انبعثت به راحلته استقبل القبلة وحمد الله وسبح وكبر وقال: ((لبيك حجة لا رياء فيها ولا سمعة)).
وأمر أصحابه أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية، قال أنس -رضي الله عنه-: "فما بلغنا فَجِّ الرَّوْحاء حتى بحت أصواتنا"، وفَجَّ الرَّوْحاء يبعد عن المدينة بما يقرب من سبعين كيلو متر وهذا مسيرة اليوم الواحد، فمن أول يوم بحت أصواتهم لكثرة ما لبوا، استجابة لأمر النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقد قال لهم -عليه الصلاة والسلام-: ((أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية)) فاهتزت الصحراء وتجاوبت الجبال بضجيج الملبين، وهتافهم بتوحيد رب العالمين: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، لبيك إله الحق، لبيك ذا المعارج، لبيك وسعديك، والخير في يديك، والرغباء والعمل". زحفت تلك الجموع على هذه الحال، هتاف بالتلبية، وعجيج بالذكر، وإعلان بشعار الحج.
ثم انطلق النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى مكة ومر بفَجِّ الرَّوْحاء فلقي قومًا فقال: ((من أنتم؟))، قالوا: "المسلمون"، قالوا: من هذا؟! قال: ((رسول الله -صلى الله عليه وسلم-))، فرفعت له امرأة صبيها فقالت: "يا رسول الله ألهذا حج؟" قال: ((نعم، ولك أجر))، فتأمل حرص الصحابيات على العلم والسؤال، وتأمل الحرص على الخير للذرية.
ثم انطلق -عليه الصلاة والسلام- حتى إذا أتى سرِف -وهو وادٍ قبل مكة- فحاضت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها وأرضاها- وكانت قد أحرمت بالعمرة متمتعة، فلما حاضت انسلت من الفراش وبكت -رضي الله عنها-، فقال لها النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((ما لكِ أنفستِ؟ ذاكِ شيء كتبه الله على بنات آدم، اصنعي ما يصنع الحاج غير ألا تطوفي بالبيت)).
انطلق النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يقطع هذه الفيافي الفساح، وكأنما جبالها ووهادها وآكامها وأوديتها تروي له خبرها، وتحدثه بمن مر بها، فتراءت للرسول -صلى الله عليه وسلم- أطياف الأنبياء الذين ساروا يؤمون هذا البيت قبله، كأنما يراهم أمامه ويرافقهم في مسيره، فلما مر بوادي عسفان قال: ((يا أبا بكر، أي واد هذا؟))، قال: "وادي عسفان"، قال: ((لقد مر به هود وصالح على بكرات خطمها الليف، أُزُرُهُم العباء، وأرديتهم النمار، يحجون البيت العتيق))، ولما مر بوادي الأزرق قال: ((أي وادٍ هذا؟)) قالوا: وادي الأزرق، قال: ((كأني أنظر إلى موسى بن عمران منصبًا من هذا الوادي واضعًا أصبعيه في أذنيه له جؤار إلى الله بالتلبية مارًا بهذا الوادي)).
ولما مر بثنية قال: ((أي ثنية هذه؟))، قالوا: هرشى، قال: ((كأني أنظر إلى يونس بن متى على ناقة حمراء جعدة، خطامها ليف، وهو يلبي وعليه جبة صوف)).
وعندما وصل فج الروحاء قال: ((لقد مر بالروحاء سبعون نبيًا، فيهم نبي الله موسى حفاة عليهم العباء، يؤمون بيت الله العتيق)).
إنها شعيرة ضاربة في عمق الزمن، تتابع فيها أنبياء الله ورسله، فهل تتذكر أيها المؤمن وأنت تحج بيت الله، أنك تسير في إثر هذه القافلة العظيمة من أنبياء الله ورسله، في طريق سار فيه إبراهيم وهود وصالح وموسى ويونس ومحمد صلى الله عليهم وسلم؟
إنك وأنت تسير هذا المسير تستشعر أنك ذو نسب في الهداية عريق.
إنه مسير سار فيه الأنبياء والرسل، فادع ربك الذي سيّرك في طريقهم الذي سلكوه أن يجمعك بهم في نزلهم غدًا في الآخرة مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.
سار -صلى الله عليه وسلم- في الطريق بين المدينة ومكة، مسافرًا يتلقى ما يتلقاه المسافر من وعثاء السفر ونصب الطريق، فقد مرض -صلى الله عليه وسلم- في مسيره هذا واشتد به صداع الشقيقة فاحتجم في وسط رأسه.
وفي أحد منازله -صلى الله عليه وسلم- في الطريق في مكان يسمى العرج جلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبجانبه زوجه عائشة وجلس صاحبه أبو بكر وبجانبه ابنته أسماء، وكان أبو بكر ينتظر أن يطلع عليه غلامه براحلته التي كانت تحمل متاعه ومتاع النبي -صلى الله عليه وسلم-، فطلع الغلام وليس معه بعيره فقال له أبو بكر: "أين بعيرك؟"، قال: "أضللته البارحة"، فطفق أبو بكر يضربه ويقول: "بعير واحد وتضله؟"، وجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- ينظر إليه ويبتسم ويقول: ((انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع!))، وجعل أبو بكر يتغيظ على غلامه، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((هون عليك يا أبا بكر؛ فإن الأمر ليس إليك ولا إلينا))، ولم يلبثوا طويلًا حتى وُجدت الراحلة وجاء الله بها.
قطع النبي -صلى الله عليه وسلم- الطريق بين المدينة ومكة في ثمانية أيام، تعرّض فيها لنصب الطريق ووعثاء السفر، ولذلك لما قرب من مكة بات قريبًا منها يستريح هناك، ويتهيأ لدخولها نهارًا، فبات عند بئر ذي طوى، فلما أصبح -صلى الله عليه وسلم- اغتسل ثم دخل مكة من ثنية كداء، وذلك ضحوة يوم الأحد جهارًا نهارًا، ليراه الناس فيقتدوا به، فأناخ راحلته -صلى الله عليه وسلم- عند المسجد، ثم دخل من الباب الذي كان يدخل منه يوم كان بمكة -باب بني شيبة- دخل -صلى الله عليه وسلم- الحرم فإذا هو على ملة أبيه إبراهيم، ليس حول الكعبة صنم، ولا يطوف بها عريان، ولم يحج إليها مشرك.
دخل النبي الحرم، هذه الساحة التي شهدت دعوته وبلاغه وبلاءه وصبره على أذى قومه وجرأتهم عليه.
أَمَا دخل الحرم ليصلي فيه قبل نحو عشر سنين فألقوا سلا الجزور على ظهره وهو ساجد؟ أما دخل الحرم فقام إليه ملأ من قريش فأخذوا مجامع ردائه فخنقوه به حتى جاء أبو بكر فخلّصه منهم وهو يقول: "أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله؟".
ولما وصل الحجر استلمه وكبر ثم فاضت عيناه بالبكاء، ثم قبّله وكان به حفيًا، وكان موقفًا تسكب فيه العبرات.
ثم بدأ -صلى الله عليه وسلم- بالطواف، فطاف -عليه الصلاة والسلام- السبعة الأشواط، وكان من هديه في طوافه أن ابتدأ فاستلم الحَجَر ثم اضطبع -عليه الصلاة والسلام- ورمل الأشواط الثلاثة الأول ومشى الأربعة الباقية.
طاف -عليه الصلاة والسلام- سبعة أشواط متطهرًا متخشعًا متذللًا جاعلًا البيت عن يساره يبتدؤها من الحَجَر وينتهي بالحجر، ثم صلى ركعتي الطواف وأتى إلى المقام وجعله بينه وبين الكعبة ثم تلا الآية: {وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}
[(125) سورة البقرة]، ثم كبر فصلى -عليه الصلاة والسلام- وقرأ فيهما بسورتي الإخلاص، ثم قام وأتى بئر زمزم فشرب منها ثم رجع وقبّل الحجر، ثم انطلق إلى الصفا فتلا الآيات قبل أن يرقى جبل الصفا: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهٌِ} [(158) سورة البقرة]، ثم قال: ((أبدأ بما بدأ الله به))، ثم رقى جبل الصفا حتى رأى البيت فاستقبله فكبر الله -عز وجل- ثلاث تكبيرات ثم قال: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، نصر عبده وأنجز وعده وهزم الأحزاب وحده))، ثم دعا -عليه الصلاة والسلام-، ثم كرر ذلك ثلاث مرات.
وبعد أن فرغ من دعائه نزل حتى إذا انصبت قدماه في الوادي وسعى واشتد سعيه والرداء يدور على ركبته من شدة سعيه وقال وهو يسعى: ((أيها الناس، إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا)).
ثم سار -صلى الله عليه وسلم- بمن معه من الصحابة حتى نزل بالأبطح شرق مكة، وهو مكان فسيح واسع، فنـزل بالناس وأقام بهم أربعة أيام، يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء، وكان رفيقًا بالناس، ومن رفقه بهم أنه لم يذهب إلى المسجد الحرام خلال تلك المدة للصلاة؛ لأنه لو ذهب لسارت معه هذه الجموع العظيمة، ولشق ذلك عليهم، ولكن صلى بهم هناك في الأبطح.
وكان -صلى الله عليه وسلم- قريبًا من الناس والناس قريبون منه، يهابه كل أحد ويدنو منه كل أحد، يسعهم بالخُلق العظيم الذي جبله عليه ربه، فكان في قبة حمراء في الأبطح، فإذا توضأ لصلاته خرج بلال ببقية وضوئه فيفيضها على الناس، فمن أصاب منها شيئًا تمسح به، ومن لم يصب منها أصاب من بلل صاحبه، يبغون بركة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم يخرج فيصلي بهم.
وحدّث أبو جحيفة -رضي الله عنه- عن مشهد من مشاهده مع النبي -صلى الله عليه وسلم- أيامه تلك فقال: "خرج الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالهاجرة وعليه حلة حمراء مشمرًا كأني أنظر إلى بريق ساقيه، فصلى بالناس ركعتين، فلما قضى صلاته قام الناس إليه فجعلوا يأخذون بيديه فيمسحون بها وجوههم، فأخذت بيده فوضعتها على وجهي فإذا هي أبرد من الثلج وأطيب رائحةً من المسك".
وتتابع إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الأبطح من لم يدركه في الطريق، وكان ممن أتاه هناك عليّ بن أبي طالب وأبو موسى الأشعري -رضي الله عنهما- قادمين من اليمن.
وهكذا بقي النبي -صلى الله عليه وسلم- في الأبطح قريبًا من الناس، دانيًا إليهم، معلمًا ومبينًا ما يعرض لهم، فرُوي عنه أنه خطب الناس في اليوم السابع فأخبرهم بمناسكهم، وعلّمهم أحكام حجهم.
وفي اليوم الثامن من ذي الحجة وهو يوم التروية خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى منى، وصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وبات تلك الليلة بمنى، ثم صلى بها الفجر.
وفي اليوم التاسع من ذي الحجة، أشرقت الشمس على خير يوم طلعت فيه الشمس، يوم الجمعة ويوم عرفة.
توجه النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى عرفات، وجموع الحجيج تسير معه، فخرج -عليه الصلاة والسلام- إلى عرفات من طريق ضب، وهو الطريق الذي بأسفل جمرة العقبة، وخرج بعد صلاة الفجر بمنى، وكان من هدي الصحابة -رضي الله عنهم- مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنهم خرجوا ذاكرين لله.
قال أنس -رضي الله عنه-: "غدونا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى عرفات فمنّا الملبي ومنّا المهلل ومنّا المكبر فلم يعب أحدٌ منا على الآخر".
سار -صلى الله عليه وسلم- بالناس ومع الناس قريبًا منهم، يدنو منه من شاء، ويكلمه من شاء، فهذا أعرابي يعرض له بين عرفات ومزدلفة يمسك بخطام ناقته وهي سائرة، ويوقفه والناس حوله يتساءلون: "ماله؟"، ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقطع عليهم تساؤلهم قائلًا: ((اتركوه))، ويسأل الأعرابي: "يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة"، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ((تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم، دع الناقة)).
ويسير -صلى الله عليه وسلم- على حاله هذه رخاء حيث أصاب، حتى وصل إلى نمرة، فإذا قبة قد ضربت له هناك، فجلس فيها حتى زالت الشمس، فركب راحلته القصواء، ثم نزل بها إلى بطن وادي عُرَنَة، وهو أرض دمثة فسيحة يسهل اجتماع الناس عليها وجلوسهم فيها، فاجتمع الناس حوله في بطن الوادي ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- على راحلته مشرف عليهم، فعرفته العيون، وأصاخت له المسامع، واشْرَأبَّت له الأعناق، وخفقت بحبه القلوب، تتعلق بمحياه، وتتلقف قوله، فتطاول -صلى الله عليه وسلم- للناس، وقد أمكن قدميه في الغرز، واعتمد على مقدم الرّحل، وأشرف للناس ليخطبهم خطبة عظيمة، جمع فيها معاقد الدين، وعَصَمَ الملة، وعظّم الحرمات، فدوى صوته بين أهل الموقف، حامدًا ربه مثنيًا عليه، وكانت من أعظم المشاهد وأجلها؛ لأن الله أقر فيها عينه، فقد اجتمع في هذا اليوم قرابة مائة وعشرين ألف صحابي، وكان يومًا عظيمًا؛ لأن الناس كان كثير منهم حديث العهد بالإسلام، وحديث العهد بشرائع الدين، وهو بالأمس يُكَذَّب في مكة ويُؤْذَى أصحابه -صلوات الله وسلامه عليه- وإذا برب العزة والجلال الذي لا يُضَيِّع الحق وأهله إذا به يقر عينه بذلك المشهد العظيم، فتصغي له الناس صغارًا وكبارًا شبابًا وشيبًا وأطفالًا كلهم ينظرون إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وفَتَحَ الله له قلوبهم، وفتح الله له أسماعهم، وكانت خطبة عظيمة جامعة مانعة نافعة، أحل فيها الحلال وحرم فيها الحرام، وقف فيها -عليه الصلاة والسلام- شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، وبيّن فيها المقاصد العظيمة، فأحيا ما اندرس من معالم الحنيفية، وطمس معالم الشرك والوثنية والجاهلية، وأذهب النعرات والعصيبة، فأحل حلال الله وحرم حرام الله.
وكان من عجاب هذا الموقف، أن الذي كان يُبَلِّغ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للناس، ويصرخ فيهم بمقاله هو "ربيعة بن أمية بن خلف" هذا الذي قُتل أبوه في بدر هبرًا بالسيوف، وهو يقاتل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإذا ابنه يبلّغ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويصرخ في الناس بكلماته، ألا إنها أنوار النبوة وهدي الرسالة، أطفأت تراث الجاهلية في القلوب التي كانت تتوارث الحقد، وتستعر فيها حرارة الثأر، فتبدّلت وعادت خُلقًا آخر، لما هطلت عليها فيوض النبوة، فاهتزت وربت وانبتت من كل زوج بهيج، فإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحب إليهم من آبائهم وأمهاتهم وقلوبهم التي بين جوانحهم، {ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء}
[(88) سورة الأنعام].
وبعدما انتهى النبي -صلى الله عليه وسلم- من خطبته قال: ((ألا فليبلغ الشاهد الغائب))، ثم أمر بلالًا فأذن ثم أمره فأقام الصلاة، فصلى الظهر، ثم صلى بعدها العصر جمع تقديم، ثم حرك دابته القصواء -صلوات الله وسلامه عليه- ودخل إلى عرفات واستقبل القبلة، وجعل الجبل بين يديه، ثم رفع يديه وما زال يتضرع مستقبلًا القبلة رافعًا يديه داعيًا وملبيًا، وكان -صلى الله عليه وسلم- مع وقوفه في مقامه ذلك قائمًا بأمر الناس تعليمًا ورعايةً وتوجيهًا ودلالةً، يأتيه ناس من أهل نجد يسألونه عن الحج، فيقول لهم: ((الحج عرفة))، ويخاطب الناس قائلًا: ((وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف)).
وأرسل للناس وهم في فجاج عرفة صارخًا يصرُخ بهم: ((أن كونوا على مشاعركم، فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم)).
ويسقط رجل من أهل الموقف عن راحلته فتنفصم عنقه ويموت، رجلٌ من غمار الناس، لا نعرف اسمه ولا قبيلته ولا بلده، ولكن ربه الذي خلقه يعلم حاله وإليه مآله، فيقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تمسوه طيبًا ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا)).
وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في موقفه ذلك بارزًا للناس مشرفًا عليهم، يجيئه أعرابي من قيس يقال له: ابن المنتفق، وُصِف له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتَطلّبه حتى لقيه بعرفات قال: فزاحمت عليه، فقيل لي: إليك عنه، فقال: دعوا الرجل، قال: فزاحمت حتى خلصت إليه فأخذت بخطام راحلته، قال الأعرابي: "شيئين أسألك عنهما: ما ينجيني من النار، وما يدخلني الجنة؟"، قال: فنظر إلى السماء ثم أقبل إليّ بوجهه الكريم فقال: ((لئن كنت أوجزت المسألة لقد أعظمت فاعقل عليَّ، اعبد الله لا تشرك به شيئًا، وأقم الصلاة المكتوبة، وأد الزكاة المفروضة، وصم رمضان)).
وينـزل الروح الأمين على قلب محمد -صلى الله عليه وسلم- بالوحي من ربه في هذا الموقف العظيم بهذه الآية العظيمة: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا}
[(3) سورة المائدة]، فسري عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقرأها على الناس معلنًا كمال الدين وتمام النعمة، فلما سمعها عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقهها واستشعر من معناها أن مهمة الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد انتهت بكمال الدين، وأنه يوشك أن يلحق بربه الذي أرسله، فاستعبر باكيًا وهو يقول: "ليس بعد الكمال إلا النقصان".
فلما آذنت الشمس بالغروب أقبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على بلال فقال: ((يا بلال، استنصِت الناس))، فأنصتَ الناس لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليفيض على قلوبهم البشرى بالفيض الغامر من رحمة الله وعفوه قائلًا: ((أيها الناس: أتاني جبريل آنفًا فأقرأني السلام من ربي، وقال: بشِّر أهل الموقف والمشعر أن الله قد غفر لهم وتحمّل عنهم التبعات))، فقال عمر: "يا رسول الله، هذه لنا خاصة؟"، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ((بل لكم ولمن بعدكم إلى يوم القيامة))، فقال عمر: "كثر خير الله وطاب".
فلما غابت الشمس دفع -عليه الصلاة والسلام- إلى مزدلفة، وكان دفعه بعد مغيب الشمس وذهاب الصفرة.
يقول أنس -رضي الله عنه- يصف رسول الأمة وهو يدفع من عرفات: "كان يسير العَنَقَ فإذا وجد فجوة نص".
سار -عليه الصلاة والسلام- بين الصحابة كواحدٍ منهم، ما دفعهم ولا كهرهم، يقول جابر -رضي الله عنه- في هذا اليوم: "وما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُدفع أحد بين يديه -صلوات الله وسلامه عليه- ويقول: "كنت أرى الناس أمامي مد البصر، وأرى الناس ورائي مد البصر، وأرى الناس عن يميني وشمالي مد البصر، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((أيها الناس السكينة السكينة))، وأخَّر المغرب والعشاء إلى مزدلفة، فلما أتى الشعب - وهو الذي قبل المشعر - دخل -عليه الصلاة والسلام- فيه وقضى حاجته ثم توضأ وضوءًا خفيفًا، ولما وصل مزدلفة أمر بلالًا فأذن، ثم أمره فأقام فصلى بالناس المغرب، ثم انتظر بقدر ما يُحطّ الرحل، ثم أمره أن يقيم فصلى بالناس العشاء، وبات -عليه الصلاة والسلام- تلك الليلة بمزدلفة.
ثم في صبيحة يوم العيد غَلَّسَ -عليه الصلاة والسلام- بصلاة الفجر فصلى صلاة الفجر في أول وقتها، وذلك لكي يبقى معه وقت من أجل الدعاء، ولما قاربت الشمس من الطلوع، دفع النبي -صلى الله عليه وسلم- وخالف أهل الجاهلية الذين كانوا يدفعون من مزدلفة بعد طلوع الشمس، ثم مضى -عليه الصلاة والسلام- إلى منى، وكان رديفه الفضل -رضي الله عنه-، فلما بلغ وادي محسّر أسرع -صلوات الله وسلامه عليه- وضرب دابته كما هو هديه في مواطن العذاب، ولما أتى منى حياها برمي جمرة العقبة، ورماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ورماها من بطن الوادي -صلوات الله وسلامه عليه-.
وبعد الرمي نحر ثلاثًا وستين بدنة بيده الشريفة، ثم وَكَّلَ عليًا -رضي الله عنه- أن ينحر ما بقي منهنّ، وكان هديه -عليه الصلاة والسلام- تمام المائة.
ثم دعا بالحلاق ليحلق رأسه، فجاء معمر بن عبد الله ومعه الموس، فنظر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في وجهه ثم قال له ملاطفًا: ((يا معمر، قد أمكنك رسول الله من شحمة أذنه وفي يدك الموس))، فقال معمر: "والله يا رسول الله، إن ذلك لمن نعم الله عليّ ومنّه"، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ((أجل))، ثم قال له: ((خذ))، وأشار إلى جانبه الأيمن، فأطاف به أصحابه، ما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل، فجعل يُقسم بين من يليه الشعرة والشعرتين، ثم قال للحلاق: ((خذ)) وأشار إلى جانبه الأيسر، ثم قال: ((أين أبو طلحة؟))، فجاء أبو طلحة، فدفع إليه شعر رأسه الأيسر كله، وكأنما استعاد -صلى الله عليه وسلم- عشر سنين قضاها في المدينة، وبيت أبي طلحة وزوجه أم سليم وربيبه أنس بن مالك، كأنما هو من بيوت النبي -صلى الله عليه وسلم-، خدمةً لرسول الله، وعنايةً بشأنه وقربًا وحفاوةً، فإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يختاره هذا اليوم على أهل هذا الموقف كلهم، فيعطيه شعر شق رأسه الأيسر كله، ويناوله ما لم يناول أحدًا مثله، وينطلق أبو طلحة يحوز شعر النبي -صلى الله عليه وسلم- وكأنما طلائع الأرض ذهبًا وفضة بين يديه -رضي الله عنه-.
وبعده تحلل النبي -صلى الله عليه وسلم- التحلل الأول، ووقف -عليه الصلاة والسلام- للناس يسألونه فخفف عليهم ويسر، ثم مضى إلى البيت وطاف طواف الإفاضة على بعيره؛ لأن الناس زاحموه وأحبوا أن يروا ما يفعله -عليه الصلاة والسلام- في مناسكه.
ثم جاء سقاية بني العباس فشرب منها، ثم انطلق إلى منى وصلى بها الظهر والعصر وبات بها ليلة الحادي عشر.
ولك أن تتساءل: كيف اتسع وقته لكل هذه الأعمال من الرمي والخطبة وإفتاء الناس وانزالهم منازلهم ثم النحر لثلاث وستين بدنة ثم الحلق والتهيؤ للطواف باللباس والطيب ثم القدوم للبيت والطواف ثم الرجوع بعد ذلك إلى منى ليصلي بها الظهر؟ فكيف اتسع لذلك كله ضحوة من نهار؟
إنها البركة التي جعلها الله في وقته وعمله، ولذا أنجز في هذا الوقت القصير كل هذه الأعمال الكثيرة، فإن أبيت التساؤل، فانظر كيف اتسعت ثلاث وعشرون سنة من عمره لأعظم إنجاز في تاريخ البشرية، وهو بلاغ رسالات الله إلى الخلق واستنقاذهم من النار، وإخراجهم من الظلمات إلى النور.
وفي اليوم الحادي عشر انتظر -عليه الصلاة والسلام- حتى إذا زالت الشمس بدأ بالجمرة الصغرى التي تلي مسجد الخيف فرماها بسبع حصيات، ثم أخذ جهة الوادي فرفع كفيه ودعا دعاءً طويلًا، ثم بعد ذلك انطلق فرمى الجمرة الوسطى بسبع حصيات، ثم دعا دعاءً طويلًا، ثم انطلق ورمى جمرة العقبة من بطن الوادي ولم يدع، فأتم الرمي للثلاث الجمرات في هذا اليوم بعد الزوال، ثم بات ليلة الثاني عشر بمنى، ورمى -صلى الله عليه وسلم- يوم الثاني عشر كما رمى اليوم الذي قبله.
ثم إن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يتعجل ورمى في اليوم الثالث عشر بعد الزوال، ثم نفر إلى المحصب، فصلى هناك الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم هجع هجعة حتى ذهب جزء من الليل، واستيقظ ليسير بمن معه إلى الحرم، فيطوف طواف الوداع، فسار -صلى الله عليه وسلم- إلى المسجد الحرام فطاف بالكعبة طواف الوداع قبل الفجر، ثم صلى بالناس صلاة الصبح يترسل في قراءته، وقرأ بهم سورة الطور، وكانت هذه آخر صلاة صلاها والكعبة أمامه، وآخر نظرات تملتها عيناه من بيت الله المعظم.
ثم خرج -صلى الله عليه وسلم- من مكة من أسفلها، وخرجت معه القبائل إلى بلادها، وتفرقت جموعها في فجاج الأرض بعد أيام عظيمة مشهودة كانوا فيها مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، وما كانت هذه الجموع تدري أنه وهو يودعها كان يودع الدنيا، وأن أيامهم معه هي أيامه الأخيرة مع الحياة، وأنه قد أنهى مهمته على الأرض وقضى ما عليه، وإنما هي شهران وأيام ثم يلحق بالرفيق الأعلى والمحل الأسنى.
وفي طريق العودة خطب الرسول -صلى الله عليه وسلم- الناس في غدير خم قريبًا من الجحفة في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، وقد جاء في هذه الخطبة: ((أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين، أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغَّب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي))، ولما أتى ذا الحليفة بات بها، فلما رأى المدينة كبَّر ثلاث مرات، وقال: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده))، ثم دخل المدينة نهارًا.
والحمد لله...
 


  

التعليقات

iybaebbbre

Z0itgD mkhqjchtenpd, [url=http://yqovgqazxsar.com/]yqovgqazxsar[/url], [link=http://zzukjulgnhqj.com/]zzukjulgnhqj[/link], http://dvvkjktuseyc.com/

uegepircucf

orehb2 xxeighmisjtq, [url=http://uszemsysqzuh.com/]uszemsysqzuh[/url], [link=http://lekpdifazfsx.com/]lekpdifazfsx[/link], http://pbltzhlouaai.com/

kppomwfpcd

DeZcyy oqwkftmzhbne, [url=http://udbsfnqjtpsk.com/]udbsfnqjtpsk[/url], [link=http://duiojwwlajsy.com/]duiojwwlajsy[/link], http://cdofdexlsmlr.com/

NHLFbpP

aWYlCr NHLFbpP

cheap viagra

xqeaaB cheap viagra %-[[[ cialis knLsJD

viagra

bNWljK viagra uINUXU cialis dose QHCvK

viagra

OHgQbyfq viagra >:-OOO cialis JHkEEw

viagra dosage

fDdKKx viagra dosage ZXCyoP buy cialis HvlfK

viagra

sQlRjvpP viagra >:-OOO cialis soft 2943

Beauty Lotion

pXMnEAf Beauty Lotion YPTIUo

levitra

BJKzfKeY levitra 1872 priligy online 3791 comprar cialis PBSyBt

viagra soft

NhJdVQYu viagra soft 2073 viagra price yLSst

cialis

ZMkfbC cialis 3234 cialis GlOmB viagra SddnYm viagra 7125

viagra

kDRrEQzx viagra 9782 buy cialis >:]] viagra generic 0996 cialisonline %-[[[

viagra coupon

GAImLnPZ viagra coupon 4679 cialis 7598 viagra NLppxh cialis bbCeaV

cialis

rkOChEfP cialis >:-[ viagra 7366 buy viagra 5326 buy cialis %-[[[

viagra

FAGAHYid viagra IGGwCE köpa viagra på internet XnMOHE viagra soft >:]] cialis 0154 cialis 6893

venda levitra

RXUTmtuQ venda levitra 9057 cialis 2912 cialis 2602 Levitra >:-[ viagra 2044 cialis preço 9452

kamagra

yZIBRyO kamagra 7105 viagra prijs 2469 levitra bAnHBz cialis bestellen mQwQy cialis 2865 levitra pil 6371

viagra

KsxwlZ viagra >:-[ viagra AUoANS levitra HZDYYd kamagra 8]]] levitra precio >:-OOO levitra bestellen VdGpjt

cialis

qsepDI cialis 8525 cialis IaxOZ levitra vente DnkDT kamagra YXOLe viagra vente sPDqo aquista viagra JqiUyN

cialis

fAFggXK cialis 9168 viagra price 8093 cheap viagra 6312 cialis :-O

levitra

VzbEkkdx levitra :-O cialis 3116 kamagra 8]]] generic Cialis 4107 levitra Genérico JvQfda viagra >:]]

cheap viagra

NyAGDtYs cheap viagra :-O cialis dose tgxNID viagra coupon 3591 cialis 7088

levitra

bHdyhO levitra 5227 cialis rezeptfrei wVnsBf viagra 8274 viagra vente :-O kamagra en ligne GyKDsl kamagra >:-[

cialis

URwSth cialis >:]] viagra 9142 levitra lvFEmP comprare viagra 4390 Koop kamagra LfvMj levitra cFoam

cialis

xSUcsxgC cialis zWicYR kamagra 9485 levitra pil 0260 cialis >:-[ kamagra lLknh generic Cialis 9031

viagra sample

EEnkZSm viagra sample 4066 Cialis lSxPUe buy Amoxil 3992 viagra hTyXX Priligy Qblcu


 
حركة الجهاد والفتح الإسلامي في عهد الدولة الأموية

القائمة البريدية

114.87