السيرة النبوية
الدرس التاسع عشر
غزوة حنين
الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد
لما فتح الله مكة على رسوله والمؤمنين وخضعت له قريش، خافت هوازن وثقيف وقالوا: قد
فرغ محمد لقتالنا، فلنغزه قبل أن يغزونا، وأجمعوا أمرهم على هذا، وولوا عليهم مالك
بن عوف، فاجتمع إليه هوازن وثقيف وبنو هلال، ولم يحضرها من هوازن كعب وكلاب، وكان
معهم دريد بن الصُّمَّة، وكان معروفًا بشدة البأس في الحرب وأصالة الرأي، إلا أنه
كان كبيرًا فلم يكن له إلا الرأي والمشورة.
وكان رأي مالك بن عوف أن يخرجوا وراءهم النساء والذراري والأموال حتى لا يفروا،
فلما علم بذلك دريد سأله: لم ذلك؟ فقال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل
عنهم، فقال دريد: راعي ضأن والله، وهل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك
إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك، ولكنه لم يستمع لمشورته.
تحرك المسلمون باتجاه حنين في اليوم الخامس من شوال ووصلوا حنين في مساء العاشر من
شوال، وقد استخلف الرسول -صلى الله عليه وسلم- عتاب بن أسيد على مكة عند خروجه،
وكان عدد جيش المسلمين اثني عشر ألفًا من المسلمين، أما عدد هوازن وثقيف فكانوا ضعف
عدد المسلمين أو أكثر، ولما رأى بعض الطلقاء جيش المسلمين قالوا: لن نغلب اليوم من
قلة، ودخل الإعجاب في النفوس.
اتخذ مالك بن عوف زعيم قبائل هوازن وثقيف تعبئة عالية ووقف خطيبًا في جيشه وحثهم
على الثبات والاستبسال، ومما قال في هذا الجمع الحاشد: "إن محمدًا لم يقاتل قط قبل
هذه المرة، وإنما كان يلقى قومًا أغمارًا لا علم لهم بالحرب فيُنصر عليهم".
جرت عادة العرب في حروبهم أن يكسروا أجفان سيوفهم قبل بدء القتال، وهذا التصرف يؤذن
بإصرار المقاتل على الثبات أمام الخصم حتى النصر أو الموت، وقد أمر مالك جنده بذلك
تحقيقًا لهذا، وكانت عند مالك بن عوف معلومات وافية عن الأرض التي ستدور عليها
المعركة، ولهذا رأى أن يستغل هذه الظروف الطبيعية لصالح جيشه، فعمل بمشورة الفارس
المحنك دريد بن الصمة في نصب الكمائن لجيوش المسلمين، وقد كادت هذه الخطة تقضي على
قوات المسلمين لولا لطف الله -سبحانه وتعالى- وعنايته.
كان ضمن الخطة التي رسمها القائد الهوازني الأخذ بزمام المبادرة ومهاجمة المسلمين؛
لأن النصر في الغالب يكون للمهاجم، أما المدافع فغالبًا ما يكون في مركز الضعف،
ولهذا آتت هذه الخطة ثمارها بعض الوقت، ثم انقلبت موازين القوى بفضل الله تعالى ثم
بثبات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث كسب المسلمون الجولة وانتصروا على
أعدائهم.
كان من ضمن بنود الخطة الحربية التي رسمها القائد مالك بن عوف، استعمال سلاح معنوي
له تأثير كبير في النفوس، فقد شنّ الحرب النفسية ضد المسلمين من أجل إلقاء الخوف في
نفوسهم، وذلك بأن عمد إلى عشرات الآلاف من الجمال التي صحبها معه في الميدان فجعلها
وراء جيشه ثم أركب عليها النساء، فكان لذلك المشهد منظر مهيب يحسب من يراه أن هذا
الجيش مائة ألف مقاتل، وهو ليس كذلك.
لما بلغ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- عزم هوازن على حربه أرسل عبد الله بن أبي
حدرد الأسلمي حتى يوافيه بخبر هوازن، فذهب –صلى الله عليه وسلم- ومكث بينهم يومًا
أو يومين ثم عاد وأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بما رأى.
ولقد ذهب عبد الله إلى حيث أمره الرسول -صلى الله عليه وسلم- وعاد على وجه السرعة
بخبر هؤلاء الأعداء، إلا أنه قصّر –رضي الله عنه- في أداء هذا الواجب حيث لم يختلط
بهوازن اختلاطًا كاملًا بحيث يسمع ويرى ما يدبر ضد المسلمين هناك، وكان من أهم ما
يجب أن يُعنى به معرفة مواقع المشركين التي احتلوها، وقد فوجئ المسلمون باختفاء تلك
الكمائن التي نصبها الأعداء في منحنيات الوادي حتى استطاعوا أن يمطروا المسلمين
بوابل من سهامهم فانهزموا في الجولة الأولى، فكان الجهل بهذه الكمائن أحد الأسباب
الرئيسية وراء هزيمة المسلمين في أول المعركة.
وفي طريق المسلمين إلى حنين مروا بشجرة للمشركين تسمى ذات أنواط، كانوا يأتونـها كل
سنة فيعلقون عليها أسلحتهم ويذبحون عندها، ويعكفون عليها يومًا، فقال بعض المسلمين
من حديثي العهد بالإسلام: "يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط"،
فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((الله أكبر، قلتم والذي نفس محمد بيده كما
قال قوم موسى لموسى: {اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ
قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}
[(138) سورة الأعراف]، إنـها السنن،
لتركبن سنن من كان قبلكم)).
كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد أعد جيشًا قوامه عشرة آلاف، وهم من خرجوا معه
من المدينة، وألفان من مسلمة الفتح، فكان عدد من خرج في تلك الغزوة اثني عشر ألفًا،
وسعى -صلى الله عليه وسلم- لتأمين عدة الجيش فطلب من ابن عمه نوفل بن الحارث بن عبد
المطلب ثلاثة آلاف رمح إعارة، وطلب من صفوان بن أمية دروعًا، وتكفّل -صلى الله عليه
وسلم- بالضمان، وكان نوفل وصفوان لا يزالان على شركهما.
سبقت هوازن المسلمين إلى وادي حنين واختاروا مواقعهم وبثوا كتائبهم في شعابه
ومنعطفاته وأشجاره، وكانت خطتهم تتمثل في مباغتة المسلمين بالسهام أثناء تقدمهم في
وادي حنين، وفعلًا باغت المشركون المسلمين وأمطروهم من جميع الجهات، فاضطربت
صفوفهم، وماج بعضهم في بعض، ونتيجة لهول هذا الموقف انهزم معظم الجيش ولاذوا
بالفرار، كل يطلب النجاة لنفسه، وبقي الرسول -صلى الله عليه وسلم- ونفر قليل في
الميدان يتصدون لهجمات المشركين، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
((أي عباس،
نادِ أصحاب السمرة))، فقال العباس - وكان رجلًا صيتًا -: "أين أصحاب السمرة؟" قال:
"فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها"، فقالوا: "يا لبيك يا
لبيك!"، قال: فاقتلوا الكفار، والدعوة في الأنصار، يقولون: يا معشر الأنصار، يا
معشر الأنصار، قال: ثم قصرت الدعوة على بني الحارث من الخزرج، فنظر رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- وهو على بغلته، كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال رسول الله -صلى
الله عليه وسلم-: ((هذا حين حمي الوطيس)).
وقد أيد الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- يوم حنين بنـزول الملائكة من السماء وسلاح
الرعب وتأثير قبضتي الحصى والتراب في أعين الأعداء.
فمن الأسلحة المادية التي أيد الله بها رسوله -صلى الله عليه وسلم- يوم حنين تأثير
قبضتي الحصى والتراب اللتين رمى بهما وجوه المشركين، حيث دخل في أعينهم كلهم من ذلك
الحصى والتراب فصار كل واحد يجد لها في عينيه أثرًا، فكان من أسباب هزيمتهم، قال
العباس –رضي الله عنه-: "ثم أخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حصيات فرمى بهن
وجوه الكفار، ثم قال: ((انهزموا وربِّ محمد))، قال: فذهبت أنظر فإذا القتال على
هيئته فيما أرى قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلًا
وأمرهم مدبرًا.
بعدها قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمطاردة فلول الفارين إلى
أوطاس والطائف، قال أبو موسى الأشعري –رضي الله عنه-: "لما فرغ النبي -صلى الله
عليه وسلم- من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس، فلقي دُريد بن الصمة، فقتل
دريد، وهزم الله أصحابه، وتوجه النبي -صلى الله عليه وسلم- وحاصر أهل الطائف، فنـزل
الجيش في مكان مكشوف قريب من الحصن، وما كاد الجند يضعون رحالهم حتى أمطرهم الأعداء
بوابل من السهام، فأصيب من جراء ذلك ناس كثيرون، وحينئذ عرض الحباب بن المنذر على
الرسول -صلى الله عليه وسلم- فكرة التحول من هذا الموقع إلى مكان آمن من سهام أهل
الطائف، فقبل -صلى الله عليه وسلم- هذه المشورة وكلف الحباب لكونه من ذوي الخبرات
الحربية الواسعة في هذا المجال بالبحث عن موقع ملائم لنـزول الجند، فذهب –رضي الله
عنه- ثم حدد المكان المناسب، وعاد فأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك، فأمر
النبي -صلى الله عليه وسلم- جيشه بالتحول إلى المكان الجديد".
ولما اشتدت مقاومة أهل الطائف وقتلوا مجموعة من المسلمين أمر النبي -صلى الله عليه
وسلم- بتحريق بساتين العنب والنخل في ضواحي الطائف للضغط على ثقيف، ثم أوقف هذا
العمل بعد أثره في معنوياتهم وإضعافه روح المقاومة، وبعد أن ناشدته ثقيف بالله
والرحم أن يترك هذا العمل، ووجه النبي -صلى الله عليه وسلم- ندائه لعبيد الطائف أن
من ينـزل من الحصن ويخرج إلى المسلمين فهو حر، فخرج ثلاثة وعشرون من العبيد منهم
أبو بكرة الثقفي فأسلموا، فأعتقهم ولم يعدهم إلى ثقيف بعد إسلامهم.
ثم أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ابن الخطاب فأذن في الناس بالرحيل، فضج
الناس من ذلك وقالوا: نرحل، ولم يفتح علينا الطائف؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-: ((فاغدوا على القتال))، فغدوا، فأصابهم جراحات، فقال رسول الله -صلى الله
عليه وسلم-: ((إنا قافلون غدا إن شاء الله))، فسروا بذلك وأذعنوا، وجعلوا يرحلون
ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يضحك، فلما ارتحلوا واستقلوا، قال:
((قولوا: آيبون،
تائبون، عابدون، لربنا حامدون))، وقيل: "يا رسول الله، ادع الله على ثقيف"، فقال:
((اللهم اهد ثقيفًا وائت بهم)).
وقد غنم المسلمون في هذه الغزوة غنائم عظيمة، ورأى -صلى الله عليه وسلم- أن يتألف
الطلقاء والأعراب بالغنائم تأليفًا لقلوبهم؛ لحداثة عهدهم بالإسلام، فأعطى لزعماء
قريش وغطفان وتميم عطاءً عظيمًا؛ إذ كانت عطية الواحد منهم مائة من الإبل، ومن
هؤلاء: أبو سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو، وحكيم بن حزام، وصفوان بن أمية، وعيينة بن
حصن الفزاري، والأقرع بن حابس، ومعاوية ويزيد ابنا أبي سفيان، وقيس ابن عدي.
وكان الهدف من هذا العطاء المجزي هو تحويل قلوبهم من حب الدنيا إلى حب الإسلام، أو
كما قال أنس بن مالك: "إن كان الرجل ليُسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون
الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها".
وعبّر عن هذا صفوان بن أمية بقوله: "لقد أعطاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما
أعطاني وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليَّ".
وقد تأثر حدثاء الأنصار من هذا العطاء بحكم طبيعتهم البشرية، وترددت بينهم مقالة،
فراعى -صلى الله عليه وسلم- هذا الاعتراض وعمل على إزالة التوتر، وبين لهم الحكمة
في تقسيم الغنائم، وخاطب الأنصار خطابًا إيمانيًّا عقليًّا عاطفيًّا وجدانيًّا، ما
يملك القارئ المسلم على مر الدهور وكر العصور وتوالي الزمان إلا البكاء عندما يمر
بهذا الحدث العظيم، فعندما دخل سعد على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "يا
رسول الله، إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء
الذي أصبت، قسمت في قومك وأعطيت عطايا عظامًا في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحي
من الأنصار منها شيء"، قال: ((فأين أنت من ذلك يا سعد؟))، قال: "يا رسول الله، ما
أنا إلا من قومي"، قال: ((فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة؟))، قال: فجاء رجال من
المهاجرين فتركهم فدخلوا، وجاء آخرون فردَّهم، فلما اجتمعوا أتى سعد، فقال: "قد
اجتمع لك هذا الحي من الأنصار"، فأتاهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فحمد الله
وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: ((يا معشر الأنصار، ما مقالة بلغتني عنكم، وجدة
وجدتموها في أنفسكم؟، ألم آتكم ضُلاَّلا فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي،
وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟))، قالوا: "الله ورسوله أمنُّ وأفضل"، ثم قال:
((ألا
تجيبوني يا معشر الأنصار؟))، قالوا: "بماذا نجيبك يا رسول الله، لله ولرسوله المنّ
والفضل"، قال: ((أما والله لو شئتم لقلتم فلصَدَقْتم ولصُدِّقتُم: أتيتنا مكذَّبًا
فصدقناك، ومخذولًا فنصرناك، وطريدًا فآويناك، وعائلًا فآسيناك، أوجدتم عليَّ يا
معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفتُ بها قومًا ليسلموا، ووكلتكم إلى
إسلامكم؟، ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاء والبعير، وترجعون برسول
الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به، ولولا
الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبًا وواديًا، وسلكت الأنصار شعبًا
وواديًا لسلكتُ شعب الأنصار وواديها، الأنصار شعار والناس دثار، اللهم ارحم الأنصار
وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار))، قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا:
"رضينا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- قسمًا وحظًّا"، ثم انصرف رسول الله
وتفرقوا.
ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام أن هذه المقالة لم تصدر من الأنصار كلهم،
وإنما قالها حديثو السن منهم.
إن النبي -صلى الله عليه وسلم- ضرب للأنصار صورة مؤثرة: قوم يبشرون بالإيمان،
يقابلهم قوم يبشرون بالجِمال، وقوم يصحبهم رسول الله، يقابلهم قوم يصحبهم الشاة
والبعير، لقد أيقظتهم تلك الصور وأدركوا أنهم وقعوا في خطأ ما كان لأمثالهم أن يقع
فيه، فانطلقت حناجرهم بالبكاء ومآقيهم بالدموع وألسنتهم بالرضا، وبذلك طابت نفوسهم
واطمأنت قلوبهم بفضل سياسة النبي -صلى الله عليه وسلم- الحكيمة في مخاطبتهم.
لما عاد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الطائف بقي بالجعرانة بضع عشرة ليلة لا
يقسم الغنائم، يبتغي أن يقدم عليه وفد هوازن تائبين فيرد عليهم ما فقدوا، فلما لم
يأتوا شرع -صلى الله عليه وسلم- في تقسيم الغنائم، فقسمها في المهاجرين والطلقاء،
ولم يعط الأنصار منها شيئًا، كما سبق، ثم أتاه وفد هوازن مسلمين وهو بالجعرانة،
فسألوه أن يرد إليهم سبيهم وأموالهم، فقال لهم: ((اختاروا إحدى الطائفتين: إما
السبي وإما المال))، فلما تبين لهم أن رسول الله غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين
قالوا: فإنا نختار سبينا، فقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المسلمين فأثنى
على الله بما هو أهله، ثم قال: ((أما بعد: فإن إخوانكم هؤلاء قد جاؤونا تائبين،
وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب بذلك فليفعل، ومن أحب منكم
أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل))، فقال الناس:
"قد طيبنا ذلك يا رسول الله".
وقد سر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بإسلام هوازن وسألهم عن زعيمهم مالك بن عوف،
فأخبروه أنه في الطائف مع ثقيف، فوعدهم برد أهله وأمواله عليه، وإكرامه بمائة من
الإبل إن قدم عليه مسلمًا، فجاء مالك مسلمًا فأكرمه وأمّره على قومه وبعض القبائل
المجاورة.
وقد تأثر مالك بن عوف بمعاملة النبي -صلى الله عليه وسلم- له، وجادت قريحته بعد ذلك
في مدحه.
لقد كانت سياسته -صلى الله عليه وسلم- مع خصومه مرنة إلى أبعد الحدود، وبهذه
السياسة الحكيمة استطاع -صلى الله عليه وسلم- أن يكسب هوازن وحلفاءها إلى صف
الإسلام، واتخذ من هذه القبيلة القوية رأس حربة يضرب بها قوى الوثنية في المنطقة
ويقودها زعيمهم مالك بن عوف الذي قاتل ثقيفًا في الطائف حتى ضيق عليهم، وقد فكر
زعماء ثقيف في الخلاص من المأزق بعد أن أحاط الإسلام بالطائف من كل مكان فلا تستطيع
تحركًا ولا تجارة، فمال بعض زعماء ثقيف إلى الإسلام، مثل عروة بن مسعود الثقفي الذي
سارع إلى اللحاق برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو في طريقه إلى المدينة بعد أن
قسم غنائم حنين واعتمر من الجعرانة، فالتقى به قبل أن يصل إلى المدينة، وأعلن
إسلامه وعاد إلى الطائف، وكان من زعماء ثقيف محبوبًا عندهم، فدعاهم إلى الإسلام
وأذّن في أعلى منـزله، فرماه بعضهم بسهم فأصابوه، فطلب من قومه أن يدفنوه مع شهداء
المسلمين في حصار الطائف.
إن الإنسان ليعجب من فقه النبي -صلى الله عليه وسلم- في معاملة النفوس، ومن سعيه
الحثيث لتمكين دين الله تعالى.
لقد استطاع -صلى الله عليه وسلم- أن يزيل معالم الوثنية، وبيوتات العبادة الكفرية
من مكة وما حولها، ورتب -صلى الله عليه وسلم- الأمور التنظيمية للأراضي التي أضيفت
للدولة الإسلامية، فعين عتاب بن أسيد أميرا على مكة، وجعل معاذ بن جبل مرشدًا
وموجهًا ومعلمًا ومربيًا، وعين على هوازن مالك بن عوف قائدًا ومجاهدًا، ثم اعتمر
ورجع إلى المدينة -صلى الله عليه وسلم-.
وكان المسلمون قد ساقوا فيمن ساقوه إلى رسول الله الشيماء بنت الحارث، وبنت حليمة
السعدية، أخت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الرضاعة، وعنّفوا عليها في السوق
وهم لا يدرون، فقالت للمسلمين: "تعلمون والله أني لأخت صاحبكم من الرضاعة"، فلم
يصدقوها حتى أتوا بها رسول الله، ولما انتهت الشيماء إلى رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- قالت: "يا رسول الله، إني أختك من الرضاعة"، قال:
((ما علامة ذلك؟))، قالت:
"عضة عضضتها في ظهري وأنا حاملتك على وركي"، وعرف رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
العلامة، وبسط لها رداءه وأجلسها عليه، وخيَّرها، وقال: ((إن أحببت فعندي محببة
مكرمة، وإن أحببت أن أمتعك وترجعي إلى قومك فعلت))، فقالت: "بل تمتعني وتردني إلى
قومي"، ومتعها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأسلمت، وأعطاها رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- ثلاثة أعبد وجارية ونعماء وشاء.
وبعد غزوة حنين توسعت الدولة الإسلامية وامتد نفوذها وأصبح لرسول الله -صلى الله
عليه وسلم- أمراء بمكة وعلى قبيلة هوازن، وصارت تلك الأماكن جزءًا من الدولة
الإسلامية التي عاصمتها المدينة النبوية، وأصبح بالإمكان أن يرسل رسول الله بعوثًا
دعوية بدون خوف أو وجل من أحد، وصارت المدينة بعد الفتح تستقبل وفود المستجيبين،
وأخذت حركة السرايا تستهدف الأوثان والأصنام لتهديمها، فقد أصبح استئصال وجودها من
الجزيرة سهلًا، ونظم رسول الله فريضة الزكاة، فكلف من يقوم على جمعها من القبائل
التابعة للدولة.
وإذا كانت غزوة بدر الكبرى هي أولى معارك الإسلام مع مشركي العرب، وبها كُسرَت
حدتهم وقلت هيبتهم، فقد كانت غزوة حنين وما تلاها من غزو أهل الطائف هي آخر تلك
المعارك، وبها استُفرِغت قوى أولئك المشركين، واستُنفِدت سهامهم، وأُذل جمعهم، حتى
لم يجدوا بدًا من الدخول في دين الله.
بعد عودته -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة في أواخر ذي القعدة شرع في تنظيم
الإدارة والجباية، وكان -صلى الله عليه وسلم- قد استخلف عتّاب بن أَسِيد على مكة
حين انتهى من أداء العمرة، وخلف معه معاذ بن جبل يفقه الناس ويعلمهم القرآن.
وفي مطلع المحرم من العام التاسع وجه الرسول -صلى الله عليه وسلم- عماله إلى
المناطق المختلفة ليجمع صدقاتهم، ويقدم عليه بجزيتهم.
وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد بعث الطفيل بن عمرو من مقره في حنين وقبل أن
يسير إلى الطائف، أمره بأن يهدم ذا الكفلين -صنم عمرو بن حُمَمَة الدوسي- ثم يستمد
قومه ويوافيه مع المدد إلى الطائف، وقد نفذ الطفيل بن عمرو أوامر النبي -صلى الله
عليه وسلم-، فهدم ذا الكفلين وحرقه، وقاد أربعمائة من قومه فوصلوا إليه بعد مقدمه
الطائف بأربعة أيام.
وفي ربيع الآخر خرجت سرية علي بن أبي طالب إلى الفُلس -صنم لطيئ- ليهدمه، وكان
تعدادها خمسين ومائة رجل من الأنصار، على مائة بعير وخمسين فرسًا، ومعه راية سوداء
ولواء أبيض، فشنوا الغارة على محلة آل حاتم الطائي الذي ضرب المثل بجوده مع الفجر
فهدموا الفلس وخربوه، وملؤوا أيديهم من السبي والنعم والشاء، وفي السبي أخت عدي بن
حاتم، وهرب عدي إلى الشام.
وعندما وقعت أخت عدي بن حاتم في أسر المسلمين عاملها رسول الله معاملة كريمة، وبقيت
معززة مكرمة، ثم كساها النبي -صلى الله عليه وسلم- وأعطاها ما تتبلغ به في سفرها،
وعندما وصلت إلى أخيها في الشام شجعته على الذهاب لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-،
فتأثر بنصيحتها وقدم على المدينة وأسلم.
ثم بعث -صلى الله عليه وسلم- سرية جرير بن عبد الله البجلي إلى ذي الخلصة، قال جرير
بن عبد الله: "قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ألا تريحني من ذي
الخلصة؟))، فقلت: "بلى، فانطلقت في خمسين ومائة فارس من أحمَس، وكانوا أصحاب خيل،
وكنت لا أثبت على الخيل، فذكرت ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- فضرب يده على صدري
حتى رأيت أثر يده في صدري فقال: ((اللهم ثبته واجعله هاديًا مهديًّا))، قال: "فما
وقعت عن فرسي بعد"، قال: "وكان ذو الخلصة بيتًا باليمن لخشعم وبجيلة فيه نصب يقال
له: الكعبة، قال: فأتاها فحرقها بالنار وكسرها".
وفي سنة ثمان للهجرة تزوج رسول الله فاطمة بنت الضحاك بن سفيان الكلابي في ذي
القعدة، فاستعاذت منه -عليه السلام- ففارقها.
وفي ذي الحجة منها ولد إبراهيم بن رسول الله من مارية القبطية فاشتدت غيرة أمهات
المؤمنين منها حين رزقت ولدًا ذكرًا.
وفي عام 8 هـ توفيت زينب بنت رسول الله وزوج أبي العاص بن الربيع، ولدت قبل المبعث
بعشر سنين، وكانت أكبر بناته -صلى الله عليه وسلم- تليها رقية ثم أم كلثوم ثم فاطمة
-رضي الله عنهن-.
كان رسول الله محبًا لها، أسلمت قديمًا ثم هاجرت قبل إسلام زوجها بست سنين، وكانت
قد أجهضت في هجرتها ثم نزفت وصار المرض يعاودها حتى توفيت، ولما ماتت قال رسول الله
-صلى الله عليه وسلم-: ((اغسلنها وترًا: ثلاثـًا أو خمسًا، واجعلن في الآخرة
كافورًا)).
والحمد لله...