خدمة rss
السيرة النبوية (18)



  
   

السيرة النبوية
الدرس الثامن عشر
فتح مكة

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد


ارتكبت قريش خطًأ فادحًا عندما أعانت حلفاءها بني بكر على خزاعة حليفة المسلمين بالخيل والسلاح والرجال، وهاجم بنو بكر وحلفاؤهم قبيلة خزاعة عند ماء يقال له: الوتير، وقتلوا أكثر من عشرين من رجالها، عندئذ خرج عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين من خزاعة حتى قدموا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المدينة، وأخبروه بما كان من بني بكر وبمن أصيب منهم، وبمناصرة قريش بني بكر عليهم، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((نُصرت يا عمرو بن سالم!))، فعرفت قريش أن هذا الأمر لا يمكن أن يمر بسلام، فبعثت أبا سفيان إلى المدينة لتمكين الصلح وإطالة أمده، وعندما وصل إلى المدينة ودخل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعرض حاجته، أعرض عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يجبه، فعاد أبو سفيان إلى مكة من غير أن يحظى بأي اتفاق أو عهد، فعزم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على فتح مكة وتأديب كفارها، وحرص على كتمان هذا الأمر حتى لا يصل الخبر إلى قريش فتعد العدة لمجابهته، فكتم أمره حتى عن أقرب الناس إليه وهو أبو بكر –رضي الله عنه- وزوجته عائشة -رضي الله عنها-، وبعث العيون لمنع وصول المعلومات إلى الأعداء، وتوجه إلى الله -عز وجل- بالدعاء والتضرع قائلا: ((اللهم خذ على أسماعهم وأبصارهم فلا يرونا إلا بغتة ولا يسمعوا بنا إلا فجأة)).
وعندما أكمل النبي -صلى الله عليه وسلم- استعداده للسير إلى فتح مكة، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابًا إلى أهل مكة يخبرهم فيه نبأ تحرك النبي -صلى الله عليه وسلم- إليهم، وأرسله مع امرأة مسافرة إلى مكة، ولكن الله -سبحانه وتعالى- أطلع نبيه -صلى الله عليه وسلم- عن طريق الوحي على هذه الرسالة، فقضى -صلى الله عليه وسلم- على هذه المحاولة وهي في مهدها، فأرسل عليًّا والزبير والمقداد فأمسكوا بالمرأة في روضة خاخ على بعد اثني عشر ميلًا من المدينة، وهددوها أن يفتشوها إن لم تخرج الكتاب فسلمته لهم، ثم استدعي حاطب –رضي الله عنه- للتحقيق، فقال: "يا رسول الله، لا تعجل عليّ، إني كنت امرأ ملصقًا في قريش - أي حليفًا - ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين من لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتدادًا عن ديني ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام"، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أما إنه قد صدقكم))، فقال عمر: "يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق"، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ((إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرًا فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)).
إن ما قام به حاطب أمر عظيم، لكن لم ينظر النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى حاطب من زاوية مخالفته تلك فحسب وإن كانت كبيرة، وإنما راجع رصيده الماضي في الجهاد في سبيل الله تعالى، وإعزاز دينه، فوجد أنه قد شهد بدرًا، وفي هذا توجيه للمسلمين إلى أن ينظروا إلى أصحاب الأخطاء نظرة متكاملة، وذلك بأن ينظروا فيما قدموه لأمتهم من أعمال صالحة في مجال الدعوة والجهاد والعلم والتربية، فإن الذي يساهم في إسقاط فروض الكفاية عن الأمة يستحق التقدير والاحترام وإن بدرت منه بعض الأخطاء، هذا فيما إذا كان ما صدر من هؤلاء خطًا محضًا وزلة قدم، فكيف إذا كان ما صدر منهم رأيًا علميًا ناتجًا عن الاجتهاد وهم أهل لذلك.
خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قاصدًا مكة في العاشر من رمضان من العام الثامن للهجرة واستخلف على المدينة كلثوم بن حصين بن عتبة الغفاري.
وكان عدد الجيش عشرة آلاف فيهم المهاجرون والأنصار الذين لم يتخلف منهم أحد، فسار هو ومن معه إلى مكة يصوم ويصومون، فلما وصل الجيش الكديد، أفطر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأفطر الناس معه، وتابع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سيره حتى أتى مرَّ الظهران فنـزل فيه عشاء، فأمر الجيش فأوقدوا النيران، فأوقدت عشرة آلاف نار، حتى ملأت الأفق، فكان لمعسكرهم منظر مهيب كادت تنخلع قلوب القريشيين من شدة هوله.
وقد قصد النبي -صلى الله عليه وسلم- من ذلك تحطيم نفسيات أعدائه والقضاء على معنوياتهم حتى لا يفكروا في أية مقاومة، وإجبارهم على الاستسلام لكي يتم له تحقيق هدفه دون إراقة دماء، وجعل رسول الله على الحرس عمر بن الخطاب.
وعندما وصل النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى ذي طوى وزع المهام، فجعل خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى، وجعل الزبير على المجنبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة على البياذقة وبطن الوادي، وقال: ((يا أبا هريرة ادع لي الأنصار))، فدعاهم فجاؤوا يهرولون، فقال: ((يا معشر الأنصار، هل ترون أوباش قريش؟))، قالوا: "نعم"، قال: ((انظروا إذا لقيتموهم غدًا أن تحصدوهم حصدًا))، وأخفى بيده ووضع يمينه على شماله وقال: ((موعدكم الصفا)).
وبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الزبير بن العوام على المهاجرين وخيلهم، وأمره أن يدخل من كداء من أعلى مكة وأمره أن يغرز رايته بالحجون ولا يبرح حتى يأتيه، وبعث خالد بن الوليد في قبائل قضاعة وسليم وغيرهم، وأمره أن يدخل من أسفل مكة وأن يغرز رايته عند أدنى البيوت، وبعث سعد بن عبادة في كتيبة الأنصار في مقدمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأمرهم أن يكفوا أيديهم ولا يقاتلوا إلا من قاتلهم، وبهذا كانت المسؤوليات واضحة، وكل قد عرف ما أسند إليه من مهام، والطريق الذي ينبغي أن يسير فيه.
ودخلت قوات المسلمين مكة من جهاتها الأربع في آنٍ واحد ولم تلق تلك القوات مقاومة، وكان في دخول جيش المسلمين من الجهات الأربع ضربة قاضية لفلول المشركين، حيث عجزت عن التجمع وضاعت منها فرصة المقاومة، وهذا من التدابير الحربية الحكيمة التي لجأ إليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عندما أصبح في مركز القوة في العدد والعتاد، ونجحت خطة الرسول -صلى الله عليه وسلم- فلم يستطع المشركون المقاومة، ولا الصمود أمام الجيش الزاحف إلى أم القرى، فاحتل كل فيلق منطقته التي وجه إليها في سلم واستسلام، إلا ما كان من المنطقة التي توجه إليها خالد، فقد تجمع متطرفو قريش ومنهم صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو وغيرهم مع بعض حلفائهم في مكان اسمه الخندمة، وتصدوا للقوات المتقدمة بالسهام، وصمموا على القتال، فأصدر خالد بن الوليد أوامره بالانقضاض عليهم، وما هي إلا لحظات حتى قضى على تلك القوة الضعيفة وشتت شمل أفرادها، وبذلك أكمل الجيش السيطرة الكاملة على مكة.
لقد أعلن في مكة قبيل دخول جيش المسلمين أسلوب منع التجول، لكي يتمكنوا من دخول مكة بأقل قدر من الاشتباكات وإراقة الدماء، وكان الشعار المرفوع: ((من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن)).
وجعل -صلى الله عليه وسلم- لدار أبي سفيان مكانة خاصة كي يكون أبو سفيان ساعده في إقناع المكيين بالسلم والهدوء، ويستخدمه كمفتاح أمان يفتح أمامه الطريق إلى مكة دون إراقة دماء، ويشبع في نفسه عاطفة الفخر التي يحبها أبو سفيان حتى يتمكن الإيمان من قلبه.
دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام، وهو واضع رأسه تواضعًا لله، حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن ذقنه ليكاد يمس واسطة الرحل، ودخل وهو يقرأ سورة الفتح مستشعرًا بنعمة الفتح وغفران الذنوب، وإفاضة النصر العزيز، وعندما دخل مكة فاتحًا وهي قلب جزيرة العرب ومركزها الروحي والسياسي رفع كل شعار من شعائر العدل والمساواة، والتواضع والخضوع، فأردف أسامة بن زيد وهو ابن مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولم يردف أحدًا من أبناء بني هاشم وأبناء أشراف قريش وهم كثير، وكان ذلك صبيحة يوم الجمعة لعشرين ليلة خلت من رمضان، سنة ثمانٍ من الهجرة.
إن هذا الفتح المبين ليذكّره بماض طويل الفصول، كيف خرج مطاردًا؟ وكيف يعود اليوم منصورًا مؤيدًا؟
وأي كرامة عظمى حفه الله بها هذا الصباح الميمون؟ وكلما استشعر هذه النعماء ازداد لله على راحلته خشوعًا وانحناء.
هذا وقد حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على تأمين الجبهة الداخلية في مكة عند دخوله يوم الفتح، ولذلك عندما بلغته مقولة سعد بن عبادة لأبي سفيان: "اليوم يوم الملحمة، اليوم نستحل الكعبة"، قال -صلى الله عليه وسلم-: ((هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة))، وأخذ الراية من سعد بن عبادة وسلمها لابنه قيس بن سعد، وبهذا التصرف الحكيم حال دون أي احتمال لمعركة جانبية هم في غنى عنها، وفي نفس الوقت لم يثره ولا أثار الأنصار، فهو لم يأخذ الراية من أنصاري ويسلمها لمهاجر، بل أخذها من أنصاري وسلمها لابنه، ومن طبيعة البشر ألا يرضى الإنسان بأن يكون أحد أفضل منه إلا ابنه.
ولما نزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمكة واطمأن الناس خرج حتى جاء البيت فطاف به وفي يده قوس، وحول البيت وعليه ثلاثمائة وستون صنمًا، فجعل يطعنها بالقوس، ويقول: {جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}
[(81) سورة الإسراء]، {جَاء الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} [(49) سورة سبأ]، والأصنام تتساقط على وجوهها، وإنه لمظهر رائع لنصر الله وعظيم تأييده لرسوله، إذ كان يطعن تلك الآلهة الزائفة المنثورة حول الكعبة بعصا معه، فما يكاد يطعن الواحد منها بعصاه حتى ينكفئ على وجهه أو ينقلب على ظهره جذاذًا، ورأى في الكعبة الصور والتماثيل، فأمر بالصور وبالتماثيل فكسرت، وأبى أن يدخل جوف الكعبة حتى أخرجت الصور، وكان فيها صورة يزعمون أنها صورة إبراهيم وإسماعيل وفي يديهما من الأزلام، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((قاتلهم الله، لقد علموا ما استقسما بها قط)).
ثم دخل البيت وكبَّر في نواحيه ثم صلى، فقد روى ابن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دخل الكعبة هو وأسامة وبلال وعثمان بن طلحة، فأغلقها عليه ثم مكث فيها، قال ابن عمر: "فسألت بلالًا حين خرج: ما صنع رسول الله؟"، قال: "جعل عمودين عن يساره وعمودًا عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه - وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة - ثم صلى".
وكان مفتاح الكعبة مع عثمان بن طلحة قبل أن يسلم، فأراد علي –رضي الله عنه- أن يكون المفتاح له مع السقاية، لكن النبي -صلى الله عليه وسلم- دفعه إلى عثمان بعد أن خرج من الكعبة ورده إليه قائلًا: ((اليوم يوم بر ووفاء))، وكان -صلى الله عليه وسلم- قد طلب من عثمان بن طلحة المفتاح قبل أن يهاجر إلى المدينة، فأغلظ له القول ونال منه، فحلم عنه وقال: ((يا عثمان، لعلك ترى هذا المفتاح يومًا بيدي أضعه حيث شئت))، فقال: "لقد هلكت قريش يومئذ وذلت"، فقال: ((بل عمرت وعزّت يومئذ))، ووقعت كلمته من عثمان بن طلحة موقعًا، وظن أن الأمر سيصير إلى ما قال، ولقد أعطى له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مفاتيح الكعبة قائلًا له: ((هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء، خذوها خالدة تالدة لا ينـزعها منكم إلا ظالم)).
وهكذا لم يشأ النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يستبد بمفتاح الكعبة، بل لم يشأ أن يضعه في أحد من بني هاشم، وقد تطاول لأخذه رجال منهم، لما في ذلك من الإثارة، ولما به من مظاهر السيطرة وبسط النفوذ، وليست هذه من مهام النبوة بإطلاق، هذا مفهوم الفتح الأعظم في شرعة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: البر والوفاء حتى للذين غدروا ومكروا وتطاولوا.
هذا وقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بلالًا أن يصعد فوق ظهر الكعبة فيؤذن للصلاة، فصعد بلال وأذن للصلاة، وأنصت أهل مكة للنداء الجديد كأنهم في حلم، إن هذه الكلمات: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، تقصف في الجو فتقذف بالرعب في أفئدة الشياطين، فلا يملكون أمام دويها إلا أن يولوا هاربين، أو يعودوا مؤمنين.
ذلك الصوت الذي كان يهمس يومًا ما تحت أسواط العذاب: أحد أحد، ها هو اليوم يجلجل فوق كعبة الله تعالى قائلًا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، والكل خاشع منصت خاضع.
وبعد ذلك نال أهل مكة عفوًا عامًّا رغم أنواع الأذى التي ألحقوها بالرسول -صلى الله عليه وسلم- ودعوته، ورغم قدرة الجيش الإسلامي على إبادتهم، وقد جاء إعلان العفو عنهم وهم مجتمعون قرب الكعبة ينتظرون حكم الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيهم، فقال: ((ما تظنون أني فاعل بكم؟))، فقالوا: "خيرًا أخٌ كريمٌ وابن أخٍ كريمٍ"، فقال: ((لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُم)).
وقد ترتب على هذا العفو العام حفظ الأنفس من القتل أو السبي، وإبقاء الأموال المنقولة والأراضي بيد أصحابها، وعدم فرض الخراج عليها، فلم تعامل مكة كما عوملت المناطق الأخرى المفتوحة عنوة لقدسيتها وحرمتها، فإنها دار النسك ومتعبد الخلق وحرم الرب تعالى.
إلى جانب ذلك الصفح الجميل كان هناك الحزم الأصيل الذي لا بد أن تتصف به القيادة الحكيمة الرشيدة، ولذلك استثنى قرار العفو الشامل بضعة عشر رجلًا أمر بقتلهم، وإن وجدوا متعلقين بأستار الكعبة؛ لأنهم عظمت جرائمهم في حق الله ورسوله وحق الإسلام، ولما كان يخشاه منهم من إثارة الفتنة بين الناس بعد الفتح، وهم: عبد العزى بن خطل، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وعكرمة بن أبي جهل، والحويرث بن نقيد، ومقيس بن حبابة، وهبار بن الأسود، وسارة مولاة بني عبد المطلب، والحارث بن طلال الخزاعي، وكعب بن زهير، ووحشي بن حرب، وهند بنت عتبة، ومن هؤلاء من قُتل، ومنهم من جاء مسلمًا تائبًا فعفا عنه الرسول، وحسُن إسلامه.
وفي غداة الفتح بلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- أن خزاعة حلفاءه عدت على رجل من هذيل فقتلوه وهو مشرك برجل قتل في الجاهلية، فغضب وقام بين الناس خطيبًا فقال: ((يا أيها الناس إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دمًا، ولا يعضد فيها شجرًا، لم تحل لأحد كان قبلي، ولا تحل لأحد يكون بعدي، ولم تحل لي إلا هذه الساعة غضبًا على أهلها، ثم قد رجعت كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فمن قال لكم: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد قاتل فيها فقولوا: إن الله قد أحلها لرسوله ولم يحلها لكم)).
كان من أثر عفو النبي -صلى الله عليه وسلم- الشامل عن أهل مكة، والعفو عن بعض من أهدر دماءهم، أن دخل أهل مكة رجالًا ونساء وأحرارًا وموالي في دين الله طواعية واختيارًا، وبدخول مكة تحت راية الإسلام دخل الناس في دين الله أفواجًا، وتمت النعمة، ووجب الشكر، وبايع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الناس جميعًا الرجال والنساء، والكبار والصغار، وبدأ بمبايعة الرجال، فقد جلس لهم على الصفا، فأخذ عليهم البيعة على الإسلام والسمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا، وجاء مجاشع بن مسعود بأخيه مجالد بعد يوم الفتح فقال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "جئتك بأخي لتبايعه على الهجرة"، فقال -عليه الصلاة والسلام-: ((ذهب أهل الهجرة بما فيها))، فقال: "على أي شيء تبايعه؟"، قال: ((أبايعه على الإسلام والإيمان والجهاد)).
ولما فرغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من بيعة الرجال بايع النساء، وفيهن هند بنت عتبة متنقبة متنكرة على ألا يشركن بالله شيئًا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصين في معروف، ولما قال النبي: ((ولا يسرقن))، قالت هند: "يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني ويكفي بنيَّ، فهل عليَّ من حرج إذا أخذت من ماله بغير علمه؟"، فقال لها -صلى الله عليه وسلم-: ((خذي من ماله ما يكفيك وبنيك بالمعروف))، ولما قال: ((ولا يزنين))، قالت هند: "وهل تزني الحرة؟!".
ولما عرفها رسول الله قال لها: ((وإنك لهند بنت عتبة؟))، قالت: "نعم، فاعف عما سلف عفا الله عنك".
وقد بايعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- النساء من غير مصافحة، فقد كان لا يصافح النساء ولا يمس يد امرأة إلا امرأة أحلها الله له أو ذات محرم منه.
وبعد أن طهر البيت الحرام من الأوثان التي كانت فيه، كان لا بد من هدم البيوت التي أقيمت للأوثان، فكانت معالم للجاهلية ردحًا طويلًا من الزمن، فكانت سرايا رسول الله تترى لتطهير الجزيرة منها، فتوجهت سرية قوتها ثلاثون فارسًا بقيادة خالد بن الوليد إلى الطاغوت الأعظم منـزلة ومكانة عند قريش وسائر العرب (العزى)؛ لإزالته من الوجود نهائيًا، وعندما وصلت السرية إلى العزى بمنطقة نخلة قام إليها خالد فقطع السمرات وهدم البيت الذي كان عليه وهو يردد: "كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك".
ثم رجع خالد وأصحابه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقدم تقريره بإنجاز المهمة، ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- استدرك على قائد السرية وقال له: ((هل رأيت شيئًا؟))، قال: "لا"، فقال: ((ارجع فإنك لم تصنع شيئا))، فرجع خالد وهو مغيظ حنق على عدم إنهاء مهمته على الوجه المطلوب، فلما وصل إليها ونظرت السدنة إليه عرفوا أنه جاء هذه المرة ليكمل ما فاته في المرة السابقة، فهربوا إلى الجبل وهم يصيحون: "يا عزى خبليه، يا عزى عوريه"، فأتاه خالد فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحثو التراث على رأسها، فتقدم إليها خالد –رضي الله عنه- بشجاعته المعروفة وضربها بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبره بذلك فقال: ((تلك هي العزى)).
وبعث سرية سعد بن زيد الأشهلي إلى منـاة، ومناة اسم صنم وكانت على ساحل البحر الأحمر، فذهب على رأس سرية قوتها عشرون فارسًا، وكان واجب السرية هو إزالة مناة من الوجود نهائيًا.
انطلق سعد بن زيد ومن معه لإنجاز المهمة المحددة حتى وصل إليها، فقابله سادنها متسائلًا: "ما تريد؟"، قال: "هدم مناة"، قال: "أنت وذاك".
فأقبل سعد يمشي إليها، وتخرج إليه امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس تدعو بالويل وتضرب صدرها، فصاح بها السادن صيحة الواثق: مناة دونك بعض عصاتك، ولكن صيحته ذهبت أدراج الرياح، فلم يأبه سعد –رضي الله عنه- بكل ذلك وضربها ضربة قاتلة قضت عليها، ثم أقبل مع أصحابه على الصنم فهدموه، ولم يجدوا في خزانتها شيئًا، وانصرف راجعًا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وبعث سرية عمرو بن العاص إلى سواع، وسـواع اسم صنم كان لقوم نوح -عليه السلام- ثم صار بعد ذلك لقبيلة هذيل المضرية، وظل هذا الوثن منصوبًا تعبده هذيل وتعظمه حتى إنهم كانوا يحجون إليه حتى فتحت مكة ودخلت هذيل فيمن دخل في دين الله أفواجًا، فبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سرية بقيادة عمرو بن العاص –رضي الله عنه- لتحطيم سواع.
ويحدثنا قائد السرية عن مهمته، فيقول: "فانتهيت إليه وعنده السادن، فقال: ما تريد؟ قلت: أمرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن أهدمه، قال: لا تقدر على ذلك، قلت: لم؟ قال: تمنع، قلت: حتى الآن أنت في الباطل، ويحك! هل يسمع أو يبصر؟! قال: فدنوت منه فكسرته وأمرت أصحابي فهدموا بيت خزانته فلم يجدوا شيئًا، ثم قلت للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمتُ لله".
بعدها جاء بعض صناديد قريش فأسلموا، فأسلم سهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وأتى أبو بكر بأبيه يقوده، فلما رآه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه؟))، قال أبو بكر: "يا رسول الله، هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي إليه أنت"، قالت: فأجلسه بين يديه، ثم مسح صدره، ثم قال له: ((أسلم))، فأسلم.
وأراد فضالة بن عمير الليثي قتل النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أفضالة؟))، قال: "نعم، فضالة يا رسول الله"، قال: ((ماذا كنت تحدث به نفسك؟))، قال: "لا شيء، كنت أذكر الله"، قال: فضحك النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم قال: ((استغفر الله))، ثم وضع يده على صدره، فسكن قلبه، فكان فضالة يقول: "والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب إليَّ منه"
كان عبد الله بن سعد بن أبي السرح قد أسلم وكتب الوحي ثم ارتد، فلما دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكة وقد أهدر دمه، فر إلى عثمان وكان أخاه من الرضاعة، فلما جاء به ليستأمن له صمت عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- طويلًا ثم قال: ((نعم))، فلما انصرف مع عثمان قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمن حوله: ((أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني قد صمت فيقتله؟))، فقالوا: "يا رسول الله، هلا أومأت إلينا؟"، فقال: ((إن النبي لا يقتل بإشارة))، وفي رواية: ((إنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة أعين)).
وبعد فتح مكة تحققت أمنية الرسول -صلى الله عليه وسلم- بدخول قريش في الإسلام، وبرزت قوة كبرى في الجزيرة العربية لا يستطيع أي تجمع قبلي الوقوف في وجهها، وهي مؤهلة لتوحيد العرب تحت راية الإسلام ثم الانطلاق إلى الأقطار المجاورة لإزالة حكومات الظلم والطغيان، وتأمين الحرية لخلق الله لكي يدخلوا في دين الله، ويعبدوه وحده من دون سواه.
كان فتح مكة أهم فتح للإسلام والمسلمين، أكرم الله به نبيه -صلى الله عليه وسلم- خاصة والمسلمين عامة، فقد جاء هذا الفتح المبارك بعد سنوات متواصلة من الدعوة والجهاد لتبليغ رسالة الإسلام، فتوج مرحلة مهمة من مراحل الدعوة الإسلامية، وكان أشبه ما يكون بنهاية المطاف لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في هذه الدار، وبداية المطاف لمن بعده لإتمام مهمة نشر الدعوة في أرجاء الأرض كافة.
ولا نبعد عن الصواب إذا قلنا: إن فتح مكة يحمل من الدلالات والفوائد والعبر ما لا يحيط به كتاب، فضلًا أن يحيط به درس قصير كهذا.
وحسبنا في هذا المقام أن نقف عند بعض الفوائد والدلائل التي حملها ذلك الحدث التاريخي، لنعرف أهميته في تاريخ الإسلام، وندرك مكانته في مسيرة الدعوة إلى الله سبحانه:
- إن من أولى فوائد فتح مكة أنه انتزع تلك البقعة المباركة من براثن الشرك، وضمها لحمى التوحيد، فقد دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- مكة فكان من أول ما فعل أن كسَّر الأصنام المنصوبة حول الكعبة المشرفة، وهو يردد قوله تعالى: {وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}
[(81) سورة الإسراء]، {قُلْ جَاء الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} [(49) سورة سبأ]، وصعد بلال على سطح الكعبة وصدح بالأذان، فكانت كلماته تتردد في أرجاء مكة معلنة انتهاء عهد الخرافة والشرك، وبدء عصر النور والتوحيد.
- وقد كان من فوائد فتح مكة رفعُ سيف الكفر المسلط على رقاب المستضعفين من أهل مكة سواء ممن أسلم، أو ممن كان يرغب في الإسلام الذين أرهبهم سيف قريش، وسَلَبَ حقهم في اختيار الدين الحق، فجاء ذاك الفتح ليرفع السيف عن رقابهم وليدخلوا في دين الله دون خوف أو وجل.
- ومما أسفر عنه هذا الفتح العظيم تحطيم وإزالة رهبة قريش من قلوب قبائل العرب، التي كانت تؤخر إسلامها لترى ما يؤول إليه حال قريش من نصر أو هزيمة.
روى البخاري في صحيحه عن عمرو بن سلمة: أن العرب كانت تنتظر بإسلامها الفتح، يقولون انظروا فإن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما جاءتنا وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم.
- وكان من فوائد هذا النصر المبارك زيادة إيمان المؤمنين بتحقق وعد ربهم -دخول البيت والطواف به- بعد أن منعهم منه المشركون، فقال سبحانه: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ}
[(27) سورة الفتح].
- ومن فوائد فتح مكة اكتساب المسلمين شرف حماية البيت وخدمته، مما جعل لهم من المكانة عند العرب نظير ما كان لقريش من قبل، بل وأعظم.
- ومن فوائد فتح مكة تضعضع مركز الكفر والشرك في جزيرة العرب، وتحول رؤوس الكفر إلى القتال على جبهات ليس لها منـزلة ولا مكانة عند العرب كثقيف وهوازن، وما هي إلا جولة أو جولتان حتى خضعت جزيرة العرب للحكم الإسلامي، وأصبحت الجزيرة مركزًا لنشر الدين الجديد، وانطلقت الجيوش المسلمة الفاتحة لتدك عروش كسرى وقيصر، ولتخضع أكبر إمبراطوريات الشر لحكم الدين الإسلامي.
- ومن أهم الدلالات التي أفصح عنها فتح مكة موقف الرسول -صلى الله عليه وسلم- من أهلها الذين ناصبوه العداء منذ أن بدأ بتبليغ دعوته، فبعد أن أكرمه الله -عز وجل- بدخول مكة توجه إلى أهلها ليقول لهم: ((ما ترون أني فاعل بكم؟))، قالوا: "أخ كريم، وابن أخ كريم"، قال: ((اذهبوا فأنتم الطلقاء))، فيا له من موقف كريم يليق بمن أرسله الله رحمة للعالمين.
هذه بعض فوائد فتح مكة، ذلكم الفتح الذي ليس ثمة فتح يوازيه في مكانته وأهميته، حتى سماه العلماء الفتح العظيم؛ وذلك لما ترتب عليه من نتائج عظيمة ليس أقلها إعادة أعظم بقعة في الأرض من براثن الشرك إلى حمى التوحيد، وليس أدناها اقتران هذا الفتح المبارك بدخول الناس في دين الله أفواجًا، كما قال تعالى: {إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}
[(1-3) سورة النصر]، نسأل الله أن يفتح لهذه الأمة سبل العزة والكرامة، ويدفع عنها ما يراد بها.
والحمد لله...
 


  

التعليقات

phiijm

JF0Jsu tqnhrsykwwxu, [url=http://oeyslwgdnmrn.com/]oeyslwgdnmrn[/url], [link=http://fjsfuvwhnuiu.com/]fjsfuvwhnuiu[/link], http://cmmqstbatada.com/

iyeDfii

QMYAQa iyeDfii

cheap viagra

detJDp cheap viagra 5397 cialis nzJUQe

buy kamagra

SxPpqSi buy kamagra 5222 cheap propecia XYcRL silagra 1032 suhagra 4201 silagra pZhlS cheap tadalis >:]]

buy viagra

NgpUURit buy viagra 0783 kamagra 8]]]

cilis 20mg

pFLRDzCX cilis 20mg 2421 cialis soft 6911

cheap viagra

SerHTT cheap viagra CPVOch cialis 7429 cialis >:-[ viagra barato 6977 cialis 5754 cialis >:-[

Decleor Balm

GaDnujx Decleor Balm 6669

cialis

onwErlLq cialis 1207

cialis

EkbCcYbK cialis 8]]] cialis xveGHC viagra jBvlkX viagra mRhtpS

viagra

ZFPTgu viagra 5206 cialis JmxyT

cheap viagra

rGhYPyK cheap viagra %-[[[ cialis 7410 viagra BvEdY cialis wWiLor

viagra

RgtAjtS viagra =-] cialis 1463 buy viagra %-[[[ cialis >:-OOO

cialis

WaLesC cialis =-] viagra =-] viagra 4398 cialis >:-OOO

viagra

sMcviHs viagra pvgFNr cialis 9795 kamagra jelly 2157 cialis generico 0958 venda viagra 4466 levitra =-]

viagra

bXVIUEOz viagra nYKTZ kamagra ervaringen ICLNAh cialis >:]] viagra 6832 levitra ervaringen RMaeTe Viagra bestellen >:]]

cialis

aQmKSJQ cialis QVEEY cialis 9139 viagra IxwkY venta levitra 8]]] kamagra NgHzK viagra >:-[

cialis

zPziLuNF cialis 8]]] viagra >:-[ levitra SjTKa kamagra prix >:-OOO kamagra 2440 levitra atvnh

natural viagra

JrNyXt natural viagra yNPTrs cialis >:-OOO viagra sample rctmt cialis FNQkI

kamagra

jJiDLbD kamagra >:]] levitra YGYui levitra jeRPIg cialis dPlao cialis EbIzLP Levitra 6805

cialis

IFkmwsw cialis zjXDSM köpa viagra på internet lXiYiJ natural viagra 0031 cialis 2725

kamagra vente

xfTMxDIS kamagra vente 2936 viagra 1115 viagra >:-[ levitra 8160 cialis lvlkTQ viagra 4875

levitra

IwtvHdY levitra =-] levitra >:-[ kamagra 7324 comprare cialis 2629 levitra senza ricetta 1626 viagra UkliWO

vwwgjezmce

i2fXG8 cdjcawxcvdww, [url=http://lutyumlouxue.com/]lutyumlouxue[/url], [link=http://apzmqloxkhqr.com/]apzmqloxkhqr[/link], http://weekoyudjgev.com/

cialis

ZoQdSQA cialis 5056 buy viagra 7590 buy Amoxil 5968 Buy Cialis :-O Clomid 8344

Cheap priligy

VXsbxH Cheap priligy fPSgMW viagra >:]] Levitra GxgxwM cialis :-O levitra >:-[


 
حركة الجهاد والفتح الإسلامي في عهد الدولة الأموية

القائمة البريدية

115.28