الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ناصر بن محمد الأحمد (http://www.alahmad.com)

السيرة النبوية (17)

تم الإنشاء 08/05/2008 - 07:28

السيرة النبوية
الدرس السابع عشر
غزوة مؤتة

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد

 

أشعل عرب الشام فتيل الصراع بين المسلمين والبيزنطيين، فقد دأبت قبيلة كلب من قضاعة التي كانت تنـزل على دومة الجندل على مضايقة المسلمين، وحاولت أن تفرض عليهم نوعًا من الحصار الاقتصادي عن طريق إيذائها للتجار الذين كانوا يحملون السلع الضرورية من الشام إلى المدينة، ولذلك غزا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبيلة كلب بدومة الجندل سنة 5هـ، لكنه وجدهم قد تفرقوا، كما أن رجالًا من جذام ولخم قطعوا الطريق على دحية بن خليفة الكلبي عند مروره بحسمى بعد إنجازه لمهمة أناطها به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واستلبوا كل ما معه، فكانت سرية زيد بن حارثة إلى حسمى في سنة 6هـ، ويضاف إلى ذلك أيضًا ما قامت به قبيلتا مذحج وقضاعة من اعتداء على زيد بن حارثة وصحبه في العام المذكور 6هـ، وذلك عندما ذهبوا إلى وادي القرى في بعثة بغرض الدعوة إلى الله، وبعد صلح الحديبية أخذ هذا المسلك العدواني يأخذ منحنى أكثر خطورة بعد مقتل الحارث بن عمير الأزدي رسـول رسول الله إلى حاكم بصرى التابع لحاكم الروم، فقد قام شرحبيل بن عمرو الغساني بضرب عنق رسـول رسول الله، فأوثقه رباطًا ثم قدّمه فضرب عنقه.
ولم تجر العادة بقتل الرسل والسفراء، وكان قتلُ السفراء والرسل من أشنع الجرائم، يساوي بل يزيد على إعلان حالة الحرب، كما أن الحارث بن أبي شمر الغساني حاكم دمشق أساء استقبال مبعوث رسول الله وهدد بإعلان الحرب على المدينة، ثم حدث بعد ذلك بما يزيد قليلًا عن العام أن بعث رسول الله سرية بقيادة عمرو بن كعب الغفاري ليدعو إلى الإسلام في مكان يقال له: ذات أطلاح، فلم يستجب أهل المنطقة إلى الإسلام وأحاطوا بالدعاة من كل مكان وقاتلوهم حتى قتلوهم جميعًا إلا أميرهم، كان جريحًا فتحامل على جرحه حتى وصل إلى المدينة فأخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وقد قام نصارى الشام بزعامة الإمبراطورية الرومانية بالاعتداءات على من يعتنق الإسلام أو يفكر بذلك، فقد قتلوا والي مَعَانَ حين أسلم، وقتل والي الشام من أسلم من عرب الشام.
كانت هذه الأحداث المؤلمة وبخاصة مقتل سفير رسول الله الحارث بن عمير الأزدي، محركة لنفوس المسلمين، وباعثًا ليضعوا حدًّا لهذه التصرفات النصرانية العدوانية، ويثأروا لإخوانهم في العقيدة الذين سُفكت دماؤهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ونبينا محمد رسول الله.
كما أن تأديب عرب الشام التابعين للدولة الرومانية والذين دأبوا على استفزاز المسلمين وتحديهم وارتكاب الجرائم ضد دعاتهم أصبح هدفًا مهمًّا؛ لأن تحقيق هذا الهدف معناه فرض هيبة الدولة الإسلامية في تلك المناطق بحيث لا تتكرر مثل هذه الجرائم في المستقبل، وبحيث يأمن الدعاة المسلمون على أنفسهم ويأمن التجار المترددون بين الشام والمدينة من كل أذى يحول دون وصول السلع الضرورية إلى المدينة.
وفي سنة 8هـ أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المسلمين بالتجهز للقتال، فاستجابوا للأمر النبوي وحشدوا حشودًا لم يحشدوها من قبل، إذ بلغ عدد المقاتلين في هذه السرية ثلاثة آلاف مقاتل، وهو أكبر جيش إسلامي لم يجتمع قبل ذلك إلا في غزوة الأحزاب.
واختار النبي -صلى الله عليه وسلم- للقيادة ثلاثة أمراء على التوالي: زيد بن حارثة، ثم جعفر بن أبي طالب، ثم عبد الله بن رواحة، وعقد لهم لواءً أبيض، ودفعه إلى زيد بن حارثة، فقد روى البخاري في صحيحه بإسناده إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- قال: "أمَّر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إن قُتل زيد فجعفر، وإن قُتل جعفر فعبد الله بن رواحة)).
وقد أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الجيش الإسلامي أن يأتوا المكان الذي قتل فيه الحارث بن عمير الأزدي –رضي الله عنه- وأن يدعوا من كان هناك إلى الإسلام فإن أجابوا فبها ونعمت، وإن أبوا استعانوا بالله عليهم وقاتلوهم.
وقد زود الرسول -صلى الله عليه وسلم- الجيش في هذه السرية وغيرها من السرايا بوصايا تتضمن آداب القتال في الإسلام، فقد أوصى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصحابه بقوله: ((أوصيكم بتقوى الله وبمن معكم من المسلمين خيرًا، اغزوا باسم الله، في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا ولا تقتلوا وليدًا، ولا امرأة ولا كبيرًا فانيًا، ولا منعزلًا بصومعة، ولا تقربوا نخلًا، ولا تقطعوا شجرًا، ولا تهدموا بناءً، وإذا لقيتم عدوكم من المشركين فادعوهم إلى إحدى ثلاث: فإما الإسلام، وإما الجزية، وإما الحرب)).
ولما تجهز الجيش الإسلامي وأتم استعداده، توجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمسلمون يودعون الجيش، ويرفعون أكف الضراعة لله -عز وجل- أن ينصر إخوانهم المجاهدين.
لقد سلموا عليهم وودعوهم بهذا الدعاء: "دفع الله عنكم وردكم صالحين غانمين".
ولما ودع الناس عبد الله بن رواحة وسلموا عليه بكى وانهمرت الدموع من عينيه ساخنة غزيرة، فتعجب الناس من ذلك، وقالوا: "ما يبكيك يا ابن رواحة؟"، فقال: "والله ما بي حب الدنيا وصبابة، ولكن سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا}
[(71) سورة مريم]، فلست أدري كيف بي بالصدر بعد الورود؟"، فقال لهم المسلمون: "صحبكم الله ودفع عنكم، وردكم إلينا صالحين".
فقال عبد الله بن رواحة:

لكني أسأل الرحمن مغفرة *** وضربة ذات فراغ تقذف الزبدا
أو طعنة بيدي حران مجهزة *** بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقولوا إذا مروا على جدثي *** أرشده الله من غاز وقد رشدا

وودع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عبد الله بن رواحة، فقال ابن رواحة يخاطب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:

يثبت الله ما آتاك من حسن *** تثبيت موسى ونصرًا كالذي نصروا
إني تفرست فيك الخير نافلة *** فراسة خالفتهم في الذي نظروا
أنت الرسول فمن يحرم نوافله *** والوجه منه فقد أزرى به القدر

لما وصل الجيش الإسلامي إلى معان من أرض الشام -وهي الآن محافظة من محافظات الأردن- بلغه أن النصارى الصليبيين من عرب وعجم قد حشدوا حشودًا ضخمة لقتالهم، إذ حشدت القبائل العربية مائة ألف صليبي من لخم وجذام وغيرهم، وعينت لهم قائدًا هو مالك بن رافلة، وحشد هرقل مائة ألف نصراني صليبي من الروم، فبلغ الجيش مائتي ألف مقاتل، مزودين بالسلاح الكافي يرفلون في الديباج لينبهر المسلمون بهم وبقوتهم.
لم يكن المسلمون أدخلوا في حسابهم لقاء مثل هذا الجيش العرمرم، وهل يهجم جيش صغير قوامه ثلاثة آلاف مقاتل فحسب على جيش كبير ضخم مثل البحر الخضم قوامه مائتا ألف مقاتل؟! أي: مقاتل واحد مقابل 66 مقاتلًا.
ولقد أقام المسلمون في معان يومين يتشاورون في التصدي لهذا الحشد الضخم فقال بعضهم: نرسل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المدينة نخبره بحشود العدو، فإن شاء أمدنا بالمدد، وإن شاء أمرنا بالقتال، وقال بعضهم لزيد بن حارثة قائد الجيش: وقد وطئْتَ البلاد وأخفت أهلها، فانصرف فإنه لا يعدل العافية شيء، ولكن عبد الله بن رواحة حسم الموقف بقوله: "يا قوم، والله إن الذي تكرهون للذي خرجتم تطلبون، الشهادة! وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور، وإما شهادة".
فألهبت كلماته مشاعر المجاهدين، واندفع زيد بن حارثة بالناس إلى منطقة مؤتة جنوب الكرك يسير حيث آثر الاصطدام بالروم هناك، فكانت ملحمة سجل فيها القادة الثلاثة بطولة عظيمة انتهت باستشهادهم، وبدأ القتال المرير، ثلاثة آلاف رجل يواجهون هجمات مائتي ألف مقاتل في معركة عجيبة، يشهد لها التاريخ، ولكن إذا هبت ريح الإيمان جاءت بالعجائب.
أخذ الراية زيد بن حارثة حِبُّ رسول الله، وجعل يقاتل بضراوة بالغة وبسالة لا يوجد لها نظير إلا في أمثاله من أبطال الإسلام، فلم يزل يقاتل وتوغل في صفوف الأعداء وهو يحمل راية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى شاط في رماح القوم وخر صريعًا.
ثم أخذ الراية جعفر وانبرى يتصدى لجموع المشركين الصليبيين، فكثفوا حملاتهم عليه، وأحاطوا به إحاطة السوار بالمعصم، فلم تلن له قناة، ولم تهن له عزيمة، بل استمر في القتال، وطفق يقاتل قتالًا منقطع النظير، وزيادة في الإقدام نزل عن فرسه الشقراء فعقرها، وأخذ ينشد:

يا حبذا الجنة واقترابها *** طيبة وباردًا شرابها
والروم روم قد دنا عذابها *** كافرة بعيدة أنسابها
عليَّ إذا لاقيتها ضرابها

لقد أخذ –رضي الله عنه- اللواء بيده اليمنى فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه وانحنى عليه حتى استشهد وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، ولقد أُثخن –رضي الله عنه- بالجراح إذ بلغ عدد جراحه تسعين، بين طعنة برمح أو ضربة بسيف أو رمية بسهم، وليس من بينها جرح في ظهره بل كلها في صدره.
روى الإمام البخاري -رحمه الله- في صحيحه بإسناده إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- قال: "كنت في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعًا وتسعين من طعنة أو رمية".
ولقد عوض الله -تبارك وتعالى- جعفر بن أبي طالب –رضي الله عنه- وأكرمه على شجاعته وتضحيته بأن جعل له جناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء؛ فقد روى البخاري في صحيحه بإسناده إلى عامر قال: "كان ابن عمر إذا حيّا ابن جعفر قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين".
وبعد استشهاد جعفر بن أبي طالب استلم الراية عبد الله بن رواحة الأنصاري –رضي الله عنه- وامتطى جواده، وهو يقول:

أقسمت يا نفس لتنـزلنه *** لتنـزلن أو لتكرهنه
إن أجلب الناس وشدوا الرنة *** ما لي أراك تكرهين الجنة
قد طال ما قد كنت مطمئنة *** هل أنت إلا نطفة في شنة

يا نفس إلا تقتلي تموتي *** هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت *** إن تفعلي فعلهما هُديت

ويذكر أن ابن عم لعبد الله بن رواحة قد قدم له قطعة من لحم وقال له: "شد بهذا صلبك، فإنك لقيت في أيامك هذه ما لقيت"، فأخذها من يده ثم انتهس منها نهسة، ثم سمع جلبة وزخامًا في جبهة القتال، فقال يخاطب نفسه: "وأنت في الدنيا؟"، ثم ألقى قطعة اللحم من يده وتقدم يقاتل العدو حتى استُشهد –رضي الله عنه-، وكان ذلك في آخر النهار.
ولما استشهد عبد الله بن رواحة –رضي الله عنه-، وسقطت الراية من يده التقطها ثابت بن أقرم بن ثعلبة بن عدي الأنصاري، وقال: "يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم"، قالوا: "أنت"، قال: "ما أنا بفاعل"، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد فأخذه خالد بن الوليد –رضي الله عنه-، وأصبحت الخطة الأساسية المنوطة بخالد في تلك الساعة العصيبة من القتال، أن ينقذ المسلمين من الهلاك الجماعي، فبعد أن قدّر الموقف واحتمالاته المختلفة تقديرًا دقيقًا، ودرس ظروف المعركة درسًا وافيًا وتوقع نتائجها، اقتنع بأن الانسحاب بأقل خسارة ممكنة هو الحل الأفضل، فقوة العدو تبلغ 66 ضعفًا لقوة المسلمين، فلم يبق أمام هؤلاء إلا الانسحاب المنظم وهو الحيلولة بين جيش الروم وجيش المسلمين، ليضمن لهذا الأخير سلامة الانسحاب.
ولبلوغ هذا الهدف، لا بد من تضليل العدو بإيهامه أن مددًا ورد إلى جيش المسلمين فيخفف من ضغطه وهجماته، ويتمكن المسلمون من الانسحاب، وصمد خالد حتى المساء عملًا بهذه الخطة، وغيّر في ظلام الليل مراكز المقاتلين في جيشه، فاستبدل الميمنة بالميسرة، ومقدمة القلب بالمؤخرة، وفي أثناء عملية الاستبدال اصطنع ضجة صاخبة وجلبة قوية، ثم حمل على العدو عند الفجر بهجمات سريعة متتالية وقوية ليدخل في روعه إن إمدادات كثيرة وصلت إلى المسلمين.
ونجحت الخطة؛ إذ بدا للعدو صباحًا أن الوجوه والرايات التي تواجهه جديدة لم يرها من قبل، وأن المسلمين يقومون بهجمات عنيفة، فأيقن أنهم تلقوا إمدادات، وأن جيشًا جديدًا نزل إلى الميدان، وكان البلاء الحسن الذي أبلاه المسلمون قد فت في عضد الروم وحلفائهم، فأدركوا أن إحراز نصر حاسم ونهائي على المسلمين أمر مستحيل، فتخاذلوا وتقاعسوا عن متابعة الهجوم، وضعف نشاطهم واندفاعهم، فخف الضغط عن جيش المسلمين، وانتهز خالد الفرصة فباشر الانسحاب.
وكانت عملية التراجع التي قام بها خالد في أثناء معركة مؤتة من أكثر العمليات في التاريخ العسكري مهارة ونجاحًا، بل إنها تتفق وتتلائم مع التكتيك الحديث للانسحاب، فقد عمد خالد إلى سحب الجناحين بحماية القلب، ولما أصبح الجناحان بمنأى عن العدو، وفي مأمن منه، عمد إلى سحب القلب بحماية الجناحين، إلى أن تمكن وضمن سلامة الانسحاب كليًّا.
ويقول المؤرخون: إن خسارة المسلمين لم تتعدَّ الاثني عشر قتيلًا في هذه المعركة، وأن خالدًا قال: "لقد انقطع في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي إلا صفيحة يمانية".
ويمكن القول: إن خالدًا بخطته تلك قد أنقذ الله المسلمين به من هزيمة ماحقة وقتل محقق، وأن انسحابه كان قمة النصر بالنسبة إلى ظروف المعركة، حيث يكون الانسحاب في ظروف مماثلة أصعب حركات القتال، بل أجداها وأنفعها.
وهذه المعركة وإن لم يحصل المسلمون بها على الثأر، لكنها كانت كبيرة الأثر لسمعة المسلمين، ألقت العرب كلها في الدهشة والحيرة؛ فقد كانت الرومان أكبر وأعظم قوة على وجه الأرض، وكانت العرب تظن أن معنى جلادها وقتالها هو القضاء على النفس وطلب الحتف، فكان لقاء هذا الجيش الصغير الذي قوامه ثلاثة آلاف مقاتل مع ذلك الجيش الضخم العرمرم الكبير مائتي ألف مقاتل ثم الرجوع عن الغزو من غير أن تلحق به خسارة تذكر، كان كل ذلك من عجائب الدهر، وكان يؤكد أن المسلمين من طراز آخر غير ما ألفته العرب وعرفته، وأنهم مؤيَّدون ومنصورون من عند الله، وأن صاحبهم رسول الله حقًّا، ولذلك نرى القبائل اللّدودة التي كانت لا تزال تثور على المسلمين جنحت بعد هذه المعركة إلى الإسلام، فأسلمت بنو سُلَيْم وأشْجَع وغَطَفَان وذُبْيَان وفَزَارَة وغيرها، فكانت هذه المعركة توطئة وتمهيدًا لفتوح بلدان الروم على أيدي المسلمين.
ظهرت معجزة للرسول -صلى الله عليه وسلم- في أمر هذه السرية، فقد نعى المسلمين في المدينة زيدًا وجعفرًا وابن أبي رواحة قبل أن يصل إليه خبرهم، وحزن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما وقع للسرية وذرفت عيناه الدموع، ثم أخبرهم بتسلم خالد الراية، وبشرهم بالفتح على يديه وأسماه سيف الله، وبعد ذلك قدم من أخبرهم بأخبار السرية، ولم يزد عما أخبرهم به النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ولما دنا الجيش من حول المدينة، تلقاهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمسلمون، ولقيهم الصبيان ينشدون، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- مقبل مع القوم على دابة فقال: خذوا الصبيان واحملوهم، وأعطوني ابن جعفر، فأتي بعبد الله، فأخذه فحمله على يديه، وجعل الناس يحثون على الجيش التراب ويقولون: "يا فرار، أفررتم في سبيل الله؟"، ويقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ليسوا بالفرار، ولكنهم الكرار إن شاء الله تعالى.
وإن الإنسان ليعجب من هذه التربية النبوية التي صنعت من الأطفال الصغار، رجالًا وأبطالًا، يرون العودة من المعركة دون شهادة في سبيل الله، فرارًا من سبيل الله، لا يكافؤون عليه إلا بحثو التراب في وجوههم، فأين شبابنا المتسكعون في الشوارع، من هذه النماذج الرفيعة من الرجولة الفذة المبكرة؟ ولن تستطيع الأمة أن ترتفع إلى هذه الأهداف النبيلة والقمم الشوامخ إلا بالتربية الإسلامية الجادة القائمة على المنهاج النبوي الكريم.
تعتبر هذه المعركة من أهم المعارك التي وقعت بين المسلمين وبين النصارى الصليبيين من عرب وعجم؛ لأنها أول صدام مسلح ذي بال بين الفريقين، وأثرت تلك المعركة على مستقبل الدولة الرومانية، فقد كانت مقدمة لفتح بلاد الشام وتحريرها من الرومان.
ونستطيع أن نقول: إن تلك الغزوة هي خطوة عملية قام بها النبي -صلى الله عليه وسلم- للقضاء على دولة الروم المتجبرة في بلاد الشام، فقد هزّ هيبتها من قلوب العرب، وأعطت فكرة عن الروح المعنوية العالية عند المسلمين، كما أظهرت ضعف الروح المعنوية في القتال عند الجندي الصليبي النصراني، وأعطت فرصة للمسلمين للتعرف على حقيقة قوات الروم، ومعرفة أساليبهم في القتال.
إن الصبر والثبات والتضحية التي تجلت في كل واحد من الأمراء الثلاثة وسائر الجند كان مبعثها الحرص على ثواب المجاهدين، والرغبة في نيل الشهادة لكي يكرمهم الله برفقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ويدخلوا جنات الله الواسعة التي فيها ما لا عين رأت ولا إذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
لقد تميزت هذه المعركة عن سائر المعارك: فهي الوحيدة التي جاء خبرها من السماء، إذ نعى النبي -صلى الله عليه وسلم- استشهاد الأبطال الثلاثة قبل أن يصل الخبر من أرض المعركة، بل وأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أحداثها.
وتمتاز أيضًا عن غيرها بأنها الوقعة الوحيدة التي اختار النبي -صلى الله عليه وسلم- لها ثلاثة أمراء على الترتيب: زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة.
لما أصيب جعفر دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أسماء بنت عميس فقال: ((ائتيني ببني جعفر))، فأتت بهم فشمّهم وقبلهم وذرفت عيناه، فقالت أسماء: "أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟"، قال: ((نعم أصيبوا هذا اليوم))، فجعلت تصيح وتولول، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((لا تغفلوا عن آل جعفر أن تصنعوا لهم طعامًا، فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم)).
هذا وقد نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن البكاء بعد ثلاث، فقد دخل على أسماء وقال لها: ((لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ادعوا لي بني أخي))، فجيء بهم كأنهم أفرخ، فدعا بالحلاق فحلق لهم رؤوسهم ثم قال: ((أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب، وأما عبد الله فشبيه خلقي وخلقي))، ثم أخذ بيمين عبد الله وقال: ((اللهم اخلف جعفرًا في أهله وبارك لعبد الله في صفقة يمينه)) قالها ثلاثًا. ولما ذكرت له أمهم يتمهم وضعفهم قال لها: ((العيلة تخافين عليهم، وأنا وليهم في الدنيا والآخرة؟!)).
وبعد أن انقضت عدة أسماء بنت عميس خطبها أبو بكر الصديق –رضي الله عنه- فتزوجها، وولدت له محمد بن أبي بكر، وبعدما توفي الصديق تزوجها بعده علي بن أبي طالب، وولدت له أولادًا –رضي الله عنه وعنها وعنهم أجمعين-.
قال عوف بن مالك الأشجعي –رضي الله عنه-: "خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة ورافقني مَدَدِيّ من اليمن، ومضينا فلقينا جموع الروم، فيهم رجل على فرس له أشقر عليه سرج مذهب وله سلاح مذهب، فجعل الرومي يضرب بالمسلمين، فقعد له المددي خلف صخرة فمر به الرومي فعرقب فرسه بسيفه، وفر الرومي، فعلاه بسيفه فقتله وحاز فرسه وسلاحه، فلما فتح الله للمسلمين، بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ منه بعض السلب، قال عوف: "فأتيت خالدًا، وقلت له: أما علمت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قضى بالسلب للقاتل؟"، قال: "بلى، ولكني استكثرته"، قلت: لتردنها إليه أو لأعرفنكها عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"، فأبى أن يرد عليه، قال عوف:" فاجتمعنا عند رسول الله فقصصت عليه قصة المددي، وما فعل خالد، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((يا خالد ما حملك على ما صنعت؟))، قال: "استكثرته"، فقال: ((ردَّ عليه الذي أخذت منه))، قال عوف: فقلت: "دونكها يا خالد، ألم أوف لك؟"، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((وما ذلك؟))، فأخبرته قال: "فغضب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: ((يا خالد لا ترد عليه؛ هل أنتم تاركون لي أمرائي، لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره)).
هذا موقف عظيم من النبي -صلى الله عليه وسلم- في حماية القادة والأمراء من أن يتعرضوا للإهانة بسبب الأخطاء التي قد تقع منهم، فهم بشر معرضون للخطأ، فينبغي السعي في إصلاح خطئهم من غير تنقص ولا إهانة، فخالد حين يمنع ذلك المجاهد سلبه لم يقصد الإساءة إليه، وإنما اجتهد فغلَّب جانب المصلحة العامة، حيث استكثر ذلك السلب على فرد واحد، ورأى أنه إذا دخل في الغنيمة العامة نفع عددًا أكبر من المجاهدين، وعوف بن مالك أدى مهمته في الإنكار على خالد، ثم رفع الأمر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حينما لم يقبل خالد قوله، وكان المفترض أن تكون مهمته قد انتهت بذلك؛ لأنه والحال هذه قد دخل في أمر من أوامر الإصلاح، وقد تم الإصلاح على يديه، ولكنه تجاوز هذه المهمة حيث حول القضية من قضية إصلاحية إلى قضية شخصية، فأظهر شيئًا من التشفي من خالد، ولم يقره النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك، بل أنكر عليه إنكارًا شديدًا وبيَّن حق الولاة على جنودهم.
وكون النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر خالدًا بعدم رد السلب على صاحبه لا يعني أن حق ذلك المجاهد قد ضاع؛ لأنه لا يمكن أن يأخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنسانًا بجريرة غيره، فلا بد أن ذلك المجاهد قد حصل منه الرضا، إما بتعويض عن ذلك السلب أو بتنازل منه، أو غير ذلك فيما لم يذكر تفصيله في الخبر.
إن الأمة التي لا تقدر رجالها ولا تحترمهم لا يمكن أن يقوم فيها نظام.
إن التربية النبوية استطاعت بناء هذه الأمة بناء سليمًا، وما أحرى المسلمين اليوم أن يكون كل إنسان في مكانه، وأن يحترم ويقدر بمقدار ما يقدم لهذا الدين، ويبقى الجميع بعد ذلك في الإطار العام الذي وصف الله به المؤمنين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}
[(54) سورة المائدة].
وفي قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((هل أنتم تاركون لي أمرائي))، وسام آخر يضاف إلى خالد –رضي الله عنه- حيث عُدَّ من أمراء الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وهذا من المنهاج النبوي الكريم في تقدير الرجال.
توقف الجيش الإسلامي في معان يناقش كثرة جيش العدو، وكانت المقاييس المادية لا تشجعهم على خوض المعركة، ومع ذلك تابعوا طريقهم ودخلوا بمقاييس إيمانية، فهم خرجوا يطلبون الشهادة، فلماذا إذن يفرون مما خرجوا لطلبه؟.
إن التأمل بعمق في غزوة مؤتة يساعدنا في معالجة الهزيمة النفسية والروحية التي تمر بها الأمة، وإقامة الحجة على القائلين" بأن سبب هزيمتنا التفوق التكنولوجي لدى الأعداء.
لقد سجل ابن كثير رأيه في هذه المعركة وقال: "هذا عظيم جدًا أن يقاتل جيشان متعاديان في الدين، أحدهما وهو الفئة التي تقاتل في سبيل الله عدتها ثلاثة آلاف، وأخرى كافرة وعدتها مائتا ألف مقاتل، من الروم مائة ألف، ومن نصارى العرب مائة ألف، يتبارزون ويتصاولون ثم مع هذا كله لا يقتل من المسلمين إلا اثنا عشر رجلًا، وقد قتل من المشركين خلق كثير، هذا خالد وحده يقول: لقد اندقَّت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقى في يدي إلا صفيحة يمانية، فماذا ترى قد قتل بهذه الأسياف كلها؟ دع غيره من الأبطال والشجعان من حملة القرآن، وقد تحكموا في عبدة الصلبان عليهم لعائن الرحمن في ذلك الزمان وفي كل أوان" انتهى..
لم تمضِ سوى أيام على عودة الجيش من مؤتة إلى المدينة حتى جهز النبي -صلى الله عليه وسلم- جيشًا بقيادة عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل، وذلك لتأديب قضاعة التي غرّها ما حدث في مؤتة التي اشتركت فيها إلى جانب الروم، فتجمعت تريد الدنو من المدينة، فتقدم عمرو بن العاص في ديارها ومعه ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار، ولما وصل إلى مكان تجمع الأعداء بلغه أن لهم جموعًا كثيرة، فأرسل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يطلب المدد فجاءه مدد بقيادة أبي عبيدة ابن الجراح، وقاتل المسلمون الكفار وتوغل عمرو في ديار قضاعة التي هربت وتفرقت وانهزمت، ونجح عمرو في إرجاع هيبة الإسلام لأطراف الشام، وإرجاع أحلاف المسلمين لصداقتهم الأولى، ودخول قبائل أخرى في حلف المسلمين، وإسلام الكثيرين من بني عبس، وبني مرة وبني ذبيان، وكذلك فزارة وسيدها عيينة بن حصن في حلف مع المسلمين، وتبعها بنو سليم، وعلى رأسهم العباس بن مرداس، وبنو أشجع، وأصبح المسلمون هم الأقوى في شمال بلاد العرب، وإن لم يكن في بلاد العرب جميعهًا.
قال عمرو بن العاص: "بعث إليَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ((خذ عليك ثيابك وسلاحك ثم ائتني))، فأتيته وهو يتوضأ، فصعّد فيّ النظر، ثم طأطأ، فقال: ((إني أريد أن أبعثك على جيش فيسلمك الله ويغنمك، وأرغب لك في المال رغبة صالحة))، قال: قلت: "يا رسول الله ما أسلمت من أجل المال، ولكني أسلمت رغبة في الإسلام، وأن أكون مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((يا عمرو نعم المال الصالح للمرء الصالح)).
عندما وصل المدد الذي بعثه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقيادة أبي عبيدة بن الجراح لجيش عمرو في ذات السلاسل، أراد أبو عبيدة أن يؤم الناس ويتقدم عمرو، فقال له عمرو: "إنما قدمت عليّ مددًا لي، وليس لك أن تؤمني، وأنا الأمير، وإنما أرسلك النبي -صلى الله عليه وسلم- إلي مددًا"، فقال المهاجرون: "كلا، بل أنت أمير أصحابك وهو أمير أصحابه"، فقال عمرو: "لا، بل أنتم مدد لنا"، فلما رأى أبو عبيدة الاختلاف، وكان حسن الخلق لين الطبع، قال: "لتطمئن يا عمرو، وتعلمن أن آخر ما عهد إليَّ رسول الله أن قال: ((إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا ولا تختلفا))، وإنك والله إن عصيتني لأطيعنك"، فأطاع أبو عبيدة، فكان عمرو يصلي بالناس.
لقد أدرك أبو عبيدة –رضي الله عنه- أن أي اختلاف بين المسلمين في سرية ذات السلاسل يؤدي إلى الفشل، ومن ثم تغلب العدو عليهم، ولهذا سارع إلى قطع النـزاع، وانضم جنديًا تحت إمرة عمرو بن العاص امتثالًا لأمر الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ((لا تختلفا)).
اتجهت حملات المسلمين العسكرية بعد صلح الحديبية نحو الشمال، وأصبح غرب الجزيرة وجنوبها الغربي حيث تقبع مكة آمنة في ظلال الصلح، وحققت سرايا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أهدافها ومقاصدها في شمال الجزيرة، فوصلت إلى حدود الروم، فأمنت حدود الدولة الإسلامية، وبسطت هيبتها وأفشلت محاولات الإغارة على المدينة، وبذلك حققت سياسية النبي -صلى الله عليه وسلم- في حركة السرايا هدفين عظيمين هما:
أولًا: تأمين حماية الدين الإسلامي في الداخل. وثانيًا: حمايته في الخارج.
وما من شك أن المتتبع لأحداث السيرة النبوية الشريفة والمطلع على تفاصيلها ودقائقها بإمعان يجد بحق أن صلح الحديبية هو من أهم المكاسب السياسية والعسكرية والإعلامية، بل هو حصيلة كسب لأعظم معركة دارت بين الإسلام والوثنية في العهد النبوي، من حيث النتائج الإيجابية التي رسخت دعائم الإسلام من جهة، وصدعت بفعلها قواعد الشرك والوثنية من جهة أخرى، وما حدث في خيبر من فتوح، وفي مؤتة من نصر، وفي ذات السلاسل من توسيع هيبة الدولة الإسلامية إلا نتائج تابعة لصلح الحديبية، وبسبب القدرة الفائقة في تعامل النبي -صلى الله عليه وسلم- مع سنن الله في المجتمعات والشعوب وبناء الدول.
وختامًا نستطيع أن نخرج من هذه الغزوة بنتائج مهمة منها:
أولًا: أن النظرة المادية المجردة عند قياس معيار القوة والضعف بعيد كل البعد عن الواقعية والفهم العميق للحياة، وسبر أغوار بواطن الأمور؛ إذ الوقائع تشهد، والأحداث على مر العصور تبرهن، بأنه: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ}
[(249) سورة البقرة]، فالأمر لله من قبل ومن بعد.
ثانيًا: أن الإيمان في قلوب أهله أقوى من قوى العالم وإن اجتمعت، فكم من مجاهد أعزل من السلاح يرفع إصبع السبابه يناجي ربه، وكم من دعوة في جنح الظلام تفتح لها أبواب السماء، تفعل الأفاعيل في الأعداء، بل هي أشد عليهم من آلاف المقاتلين وقد قالوها، والحق ما شهدت به الأعداء.
ثالثًا: أن على الأمة أن تربي أبناءها على حب دينهم واعتزازهم به، والشعور بالنصر والعلو والفخر، ألا فلينقش على القلوب والصدور ولتردده الأفواه والسطور، {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}
[(139) سورة آل عمران].
رابعًا: على الآباء والأمهات والمربين أيًّا كانوا، وعلى الأمة جمعاء أن تعاود النظر في عرض القدوات للأجيال، فلا بد من نشر سير أولئك الأفذاذ من صحابة رسول الله وأتباعهم، ليرتسم الأبناء سير الأجداد منهجًا للحياة ودستورًا للواقع.
والسؤال المهم الذي نعلم إجابته ولكن واقعنا يخالفه: أي شيء يقدمه لدينه وأمته مغنٍّ أو ممثل هابط أو هابطة، ماذا عساه أن يقدم للإسلام والمسلمين ذاك اللاعب وهو يدحرج كرته، أو يجري خلفها، وقديمًا قيل:
يكفي اللبيب إشارة مرموزة *** وسواه يدعى بالنداء العالي
خامسًا: وبعد هذه الغزوة، دهش العرب كلهم فقد كانت الروم أكبر وأعظم قوة على وجه الأرض لا يستطيع أحدٌ الصمود أمامها، كيف وقد عاد جيش صغير بدون خسائر تذكر، فأحدث هذا سمعة للمسلمين بلغت المشرق والمغرب وأضحت تلك الغزوة الخطوات الأولى لفتح بلاد الروم واحتلال المسلمين أقاصي الأرض.
سادسًا: إلى المرابطين في الثغور، والمجاهدين في ساحات الوغى، ما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين.
إلى أهل الإسلام والحق الداعين إليه، المرابطين على ثغور الكلمة ونشر المبدأ، الساعين لإعادة الأمة إلى مجدها وعزها، ما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين.
إلى الجبناء المنكسرين المنهزمين، الذين يخترقون صف الأمة الواحد، يعيثون في الأرض فسادًا وينشرون الباطل والزيغ، يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، ما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين.
إنها كلمة عظيمة لا بد أن تبقى شعارًا تتعاقبه أجيال الأمة جيل بعد جيل، ينقله الأباء والأجداد إلى الأبناء والأحفاد، يرضعه الوليد مع لبن أمه، ويلقنه الصغير، ويحيا عليه الكبير، لا بد أن تبقى هذه الكلمات نبراسًا يضيء للأمة طريقها في نشر دين الله، في جهادها ودعوتها وعلمها وعملها.
سابعًا: إن هذه الغزوة لتذكرنا بمآسي المسلمين المتكررة في هذه العصور المتأخرة، فقد قامت غزوة مؤتة انتصارًا لمسلم واحدٍ قتله الأعداء في سبيل الله؛ لأن دم المسلم في الإسلام غالٍ ونفيس، بل إن زوال الدنيا بأسرها أهون على الله تعالى من قتل امرئٍ مسلم.
وهكذا كانت الغزوات في الإسلام انتصارًا للمسلمين والمستضعفين، وما فتح عمورية عنا ببعيد، والتي قامت من أجل صرخة امرأة مسلمة اعتدى عليها علج كافر فصاحت: "وامعتصماه!"، فلما بلغ الخبر المعتصم الخليفة العباسي أجابها بجيش عظيم أوله في عمورية وآخره عنده في العراق، فانتصر لها وردّ لها كرامتها وفتح عمورية فتحًا عظيمًا.
وفي زماننا هذا تتتابع صيحات الثكالى ونداءات اليتامى من المسلمين في كل مكان، في فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان، فأين المعتصم؟
لقد أثقلتهم المحن والفتن على أيدي اليهود والنصارى بالعشرات يوميًا ولا مجيب ويبكي اليتامى والمستضعفون من المسلمين هناك ولا نصير ولا معتصم، ومع كل أسف إننا لا نتفاعل مع أية جهة منكوبة إلا إذا صعّد الإعلام قضيتهم، فأين مواساتنا لإخواننا؟
قال ابن القيم -رحمه الله-: "المواساة أنواع: فتكون بالمال وبالجاه وبالبدن والخدمة وبالنصيحة والإرشاد وبالدعاء والاستغفار لهم وبالتوجع"، قال: "وعلى قدر الإيمان تكون هذه المواساة" انتهى كلامه.
فأين أقل درجات المواساة؟ أين التوجع لأحوالهم؟ أين الدعاء والاستغفار لهم؟
لقد طال تقصيرنا في حق إخواننا! في كل يوم للجرحى أنين، ولكن أين الدواء؟ في كل يوم أشلاء تتطاير ودماء تسيل ونساء ترمّل وأطفال تُيتّم.
ما ذنب الطفلة الصغيرة تلعب في بيتها ثم تقتل، {بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ}
[(9) سورة التكوير].
ما ذنب الشيخ الكبير الذي ربى أسرته سنوات طويلة فيرجع فيرى أن البيت قد دمّر عليهم جميعًا.
ما ذنب النساء وقد أصبحن أشلاء ممزقة بعد هتك أعراضهن.
في كل يوم للجرحى أنين، ولكن أين الدواء؟ في كل يوم يسكب دمع الحزين على طفل أخذ من بين يدي أمه.
أما آن لنا أن نفيق من غفلتنا، ونصحو من نومتنا؟
إن كنّا آمنين فإخواننا في شدة وخوف، إن كنّا ننام فإخواننا لا يذوقون للنوم طعمًا، ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)).
ثامنًا:

نُسبى ونطرد يا أبي ونبادُ *** فإلى متى يتطاول الأوغادُ
وإلى متى تدمي الجراح قلوبنا *** وإلى متى تتقرّح الأكباد
نصحو على عزف الرصاص كأننا *** زرعٌ وغارات العدو حصاد
ونبيت يجلدنا الشتاء بصوته *** جلدًا فما يَغشى العيون رُقاد
يتسامر الأعداء في أوطاننا *** ونصيبنا التشريد والإبعاد
وتفرّق الأمراض في أجسادنا *** أوّاه مما تحمل الأجساد
كم من مريض ملّ منه فراشه *** ما زاره آسٍ ولا عُوّاد
أين الأحبة يا أبي أو ما دروا *** أنّا إلى ساح الفداء نقاد
أو ما لنا في المسلمين أحبةٌ *** فيهم من العَوز المميت سداد
ما بال إخوتنا استكانوا يا أبي *** لا شامَنا انتفضت ولا بغداد
قالوا الحيادُ وتلك أكبرُ كِذبةٍ *** فحيادنا ألاّ يكون حياد
يا ويحنا ماذا أصاب رجالنا *** أو ما لنا سعدٌ ولا مقداد
سُلّت سيوف المعتدين وعربدت *** وسيوفنا ضاقت بها الأغماد

والحمد لله...
 


Source URL:
http://www.alahmad.com/node/804