الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ناصر بن محمد الأحمد (http://www.alahmad.com)

السيرة النبوية (14)

تم الإنشاء 08/05/2008 - 07:16

السيرة النبوية
الدرس الرابع عشر
سرايا بعد الأحزاب

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد


وبعد غزوة الأحزاب تغيرت موازين القوى، وأصبح المسلمون لهم القدرة على الهجوم أكثر من قبل، فأرسل -صلى الله عليه وسلم- أكثر من عشرة سرايا، كان القصد منها المزيد من إنهاك قوى قريش وحلفاؤها بإحكام الحصار عليهم وتقليم أظافرهم، ومن هذه السرايا:
أولًا: سرية محمد بن مسلمة إلى بني القرطاء:
كانت العشائر النجدية من أجرأ العناصر البدوية الوثنية على المسلمين؛ لأن النجديين أهل قوة وبأس وعدد غامر، وقد رأينا كيف أن العمود الفقري لقوات الأحزاب الضاربة كان من هذه القبائل النجدية، حيث كان رجال هذه القبائل الشرسة يشكلون الأغلبية الساحقة من تلك القوة الضاربة، ستة آلاف مقاتل من غطفان وأشجع وأسلم وفزارة وأسد، كانت ضمن الجيوش التي قادها أبو سفيان لحرب المسلمين فحاصرهم أهل المدينة، ولهذا فإن أول حملة عسكرية وجهها النبي -صلى الله عليه وسلم- لتأديب خصومه بعد غزوة الأحزاب هي تلك الحملة التي جردها على القبائل النجدية من بني بكر بن كلاب الذين كانوا يقطنون القرطاء على مسافة سبع ليالٍ من المدينة.
ففي أوائل شهر المحرم عام خمس للهجرة وبعد الانتهاء مباشرة من القضاء على يهود بني قريظة وجه النبي -صلى الله عليه وسلم- سرية من ثلاثين من أصحابه عليهم محمد بن مسلمة لشن الغارة على بني القرطاء من قبيلة بكر بن كلاب، وذلك في العاشر من محرم سنة 6هـ، وقد داهموهم على حين غرة فقتلوا منهم عشرة وفر الباقون، وغنم المسلمون إبلهم وماشيتهم.
وفي طريق عودتهم أسروا ثمامة بن أثال الحنفي سيد بني حنيفة وهم لا يعرفونه، فقدموا به المدينة وربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ((ماذا عندك يا ثمامة؟)) فقال: "عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت"، فتركه حتى كان الغد فقال: ((ما عندك يا ثمامة؟))، فقال: "عندي ما قلت لك، إن تنعم تنعِم على شاكر"، فتركه حتى كان بعد الغد فقال: ((ما عندك يا ثمامة؟))، فقال: "عندي ما قلت لك"، فقال: ((أطلقوا ثمامة))، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، يا محمد! والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إليَّ، والله ما كان دين أبغض إليَّ من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إليَّ، والله ما كان بلد أبغض إليَّ من بلدك، فأصبحت بلدك أحب البلاد إليَّ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟"، فبشره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت؟ قال: "لا والله ولكني أسلمت مع محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي -صلى الله عليه وسلم-".
وقد أبر بقسمه مما دفع وجوه مكة إلى أن يكتبوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامة ليخلي لهم حمل الطعام، فاستجاب النبي -صلى الله عليه وسلم- لرجاء قومه بالرغم أنه في حالة حرب معهم، وكتب إلى سيد بني حنيفة ثمامة: ((أن خَلِّ بين قومي وبين ميرتهم))، فامتثل ثمامة أمر نبيه، وسمح لبني حنيفة باستئناف إرسال المحاصيل إلى مكة، فارتفع عن أهلها كابوس المجاعة.
وقد أخذ العلماء من قصة ثمامة:
1- جواز ربط الكافر في المسجد.
2- يستحب الاغتسال عند الإسلام كما فعل ثمامة حين أسلم.
3- الإحسان يزيل البغض وينبت الحب.
4- يشرع للكافر إذا أراد عمل خير ثم أسلم أن يستمر في عمل ذلك الخير، حيث أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- ثمامة بإتمام عمرته وكان قد نواها قبل الإسلام.
5- ينبغي أن يخلع المؤمن على عتبة الإيمان وعند تركه للكفر كل علاقاته السابقة، ثم يلتزم بأوامر رب العالمين بعد إيمانه.
ثانيًا: سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى سيف البحر:
تعتبر سرية أبي عبيدة إلى سيف البحر استمرارًا لسياسية النبي -صلى الله عليه وسلم- العسكرية لإضعاف قريش ومحاصرتهم اقتصاديًّا على المدى الطويل، فقد بعث -صلى الله عليه وسلم- أبا عبيدة بن الجراح في ثلاثمائة راكب قِبَل الساحل ليرصدوا عيرًا لقريش، وعندما كانوا ببعض الطريق فني الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد الجيش فجمع، فكان قدر مزود تمر يقوتهم منه كل يوم قليلًا قليلًا، حتى كان أخيرًا نصيب الواحد منهم تمرة واحدة، وقد أدرك الجنود صعوبة الموقف فتقبلوا هذا الإجراء بصدور رحبة دون تذمر أو ضجر، بل إنهم ساهموا في خطة قائدهم التقشفية فصاروا يحاولون الإبقاء على التمرة أكبر وقت ممكن.
يقول جابر –رضي الله عنه- أحد أفراد هذه السرية: "كنا نمصها كما يمص الصبي، ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل"، وقد سأل وهب بن كيسان جابرًا –رضي الله عنه-: "ما تغني عنكم تمرة؟"، فقال: "لقد وجدنا فقدها حين فنيت".
وقد اضطر ذلك الجيش إلى أكل ورق الشجر، قال جابر –رضي الله عنه-: "وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء فنأكله"، فسمى ذلك الجيش جيش الخبط، وقد أثّر هذا الموقف في قيس بن سعد بن عبادة -رضي الله عنهما- أحد جنود هذه السرية الشجاعة وهو رجل من أهل بيت اشتهر بالكرم، فنحر للجيش ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم إن أبا عبيدة نهاه.
فبينما هم كذلك من الجوع والجهد الشديدين إذ زفر البحر زفرة أخرج الله فيها حوتًا ضخمًا، فألقاه على الشاطئ، ويصف لنا جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- مقدار ضخامة هذا الحوت العجيب فيقول: "انطلقنا على ساحل البحر، فرُفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر، قال: قال أبو عبيدة: ميتة، ثم قال: لا بل نحن رسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفي سبيل الله، وقد اضطررتم فكلوا، قال: فأقمنا عليها شهرًا ونحن ثلاثمائة حتى سمَّنا، قال: ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينيه بالقلال الدهن، ونقتطع منه قطعة اللحم قدر الثور، فلقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في وقب عينيه، وأخذ ضلعًا من أضلاعه فأقامها، ثم رحّل أعظم بعير معنا فمر من تحتها، وتزودنا من لحمه وشائق، فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ((ما حبسكم؟))، قلنا: كنا نتبع عيرات قريش، وذكرنا له من أمر الدابة، فقال: ((هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟))، قال: فأرسلنا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منه فأكله.
قصة عجيبة، وكرامة من الله تعالى لجنوده في سبيل الله.
نلحظ:
- كرم قيس بن سعد بن عبادة -رضي الله عنهما- في وقت عصيب، ليس بيده يومها ما يخفف عن الناس، ففي رواية الواقدي: "أن قيس بن سعد –رضي الله عنه- استدان هذه النوق من رجل جهني، وأن أبا عبيدة –رضي الله عنه- نهاه قائلًا: تريد أن تخفر ذمتك ولا مال لك، فأراد أبو عبيدة الرفق به، وقد بدأ سعد ينحر وينحر حتى نهاه أبو عبيدة، فقال له سعد: يا أبا عبيدة، أترى أن أبا ثابت يقضي ديون الناس ويحمل الكل، ويطعم في المجاعة، لا يقضي عني تمرًا لقوم مجاهدين في سبيل الله؟
وقال ذلك قيس لأبي عبيدة؛ لأنه قد اتفق مع رجل من جهينة على أن يشتري منه نوقًا ينحرها للجيش على أن يعطيه بدل ذلك تمرًا بالمدينة وقد وافق الجهني على تلك الصفقة، وعندما علم سعد بن عبادة بنهي أبي عبيدة لقيس بحجة أنه لا مال له وإنما المال لأبيه، وهب ابنه أربع حوائط أدناها يُجذ منه خمسون وسقًا.
إن المسلمين في هذه السرية بلغ بهم الجوع غايته، فكانت التمرة الواحدة طعام الرجل طوال يوم كامل في سفر ومشقة، ويمرون وهم على تلك الحال من فقد التمر وأكل الخبط على الجهني الذي اشترى منه قيس أو على قومه، فما يخطر بفكرهم أن يغيروا عليهم لينتزعوا منهم طعامهم كما كانت الحال في الجاهلية؛ لأنهم اليوم ينطلقون بدين الله الذي جاء ليحفظ على الناس أموالهم في جملة ما حفظ وهم اليوم يفرقون بين الحلال والحرام الذي تعلموه من منهج رب العالمين.
- وتدل القصة على جواز أكل ميتة البحر، وفي السنن عن ابن عمر -رضي الله عنهما- مرفوعًا وموقوفًا: ((أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالسمك والجراد، وأما الدَّمان فالكبد والطحال)).
- قال النووي -رحمه الله-: في هذا الحديث جواز صد أهل الحرب واغتيالهم والخروج لأخذ مالهم واغتنامه، وأن الجيوش لا بد لها من أمير يضبطها، وينقادون لأمره ونهيه، وأنه ينبغي أن يكون الأمير أفضلهم، أو من أفضلهم، قالوا: ويستحب للرفقة من الناس وإن قلّوا أن يؤمروا بعضهم عليهم وينقادوا له.
قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: يستحب للرفقة من المسافرين خلط أزوادهم ليكون أبرك وأحسن في العشرة، وألا يختص بعضهم بأكل دون بعض، والله أعلم.
ثالثًا: سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل:
كانت هذه السرية قد وجهت إلى أبعد مدى وصلت إليه الجيوش النبوية في الجزيرة العربية، ودومة الجندل قريبة من تخوم الشام، فهي أبعد ثلاثة أضعاف عن المدينة بعدها عن دمشق، وهي تقوم في قلب الصحراء العربية واسطة الصلة بين الروم في أرض الشام والعرب في الجزيرة، وسكانها من قبيلة كلب الكبرى، وقد دخلوا في النصرانية نتيجة جوارهم وتأثرهم بجوار الروم النصارى، وهذه السرية تدخل ضمن مخطط النبي -صلى الله عليه وسلم- في احتكاكه مع الإمبراطورية الرومانية.
وأما أمير السرية فهو عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن رجال الرعيل الأول، فقد كان إحدى الدعائم الكبرى للدعوة الإسلامية منذ دخوله فيها على يد الصديق –رضي الله عنه-.
ومهمة هذه السرية ذات جانبين: مهمة دعوية، ومهمة حربية، لذلك انتدب لها عبد الرحمن بن عوف الذي تربى على محض الإسلام منذ أيامه الأولى.
وعن هذه السرية حدثنا عبد الله بن عمر فقال: "دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عبد الرحمن بن عوف فقال: ((تجهّز فإني باعثك في سرية في يومك هذا، أو من غد إن شاء الله))، قال ابن عمر: فسمعت ذلك فقلت: لأدخلنّ فلأصلينّ مع النبي الغداة، فلأسمعنّ وصيته لعبد الرحمن بن عوف، قال: فغدوت فصليت فإذا أبو بكر وعمر، وناس من المهاجرين فيهم عبد الرحمن بن عوف، وإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد كان أمره أن يسير من الليل إلى دومة الجندل فيدعوهم إلى الإسلام، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعبد الرحمن: ((ما خلفك عن أصحابك؟))، قال ابن عمر: وقد مضى أصحابه في السحر، فهم معسكرون بالجرف وكانوا سبعمائة رجل، فقال: أحببت يا رسول الله أن يكون آخر عهدي بك وعليّ ثياب سفري، قال: وعلى عبد الرحمن بن عوف عمامة قد لفها على رأسه، قال ابن عمر: فدعاه النبي -صلى الله عليه وسلم- فأقعده بين يديه فنقض عمامته بيده، ثم عممه بعمامة سوداء فأرخى بين كتفيه منها، ثم قال: ((هكذا فاعتم يا ابن عوف))، قال: وعلى ابن عوف السيف متوشحه، ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((اغزُ باسم الله، وفي سبيل الله، فقاتل من كفر بالله، لا تغل ولا تغدر ولا تقتل وليدًا))، قال ابن عمر: ثم بسط يـده، فقال: ((يا أيها الناس، اتقوا خمسًا قبل أن يحل بكم: ما نقص مكيال قوم إلا أخذهم الله بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يرجعون، وما نكث قوم عهدهم إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما منع قوم الزكاة إلا أمسك الله عليهم قطر السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، وما ظهرت الفاحشة في قوم إلا سلط الله عليهم الطاعون، وما حكم قوم بغير آي القرآن إلا ألبسهم الله شيعًا، وأذاق بعضهم بأس بعض))، قال: فخرج عبد الرحمن حتى لحق أصحابه فسار حتى قدم دومة الجندل، فلما حل بها دعاهم إلى الإسلام فمكث بها ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام، وقد كانوا أول ما قدم يعطونه إلا السيف، فلما كان اليوم الثالث أسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي، وكان نصرانيًّا وكان رأسهم، فكتب عبد الرحمن إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يخبره بذلك، وبعث رجلًا من جهينة يقال له رافع بن مكيث، وكتب يخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قد أراد أن يتزوج فيهم، فكتب إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يتزوج بنت الأصبغ تماضر، فتزوجها عبد الرحمن وبنى بها، ثم أقبل بها.
نرى في قصة هذه السرية: تواضع النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه وشفقته عليهم، حيث ألبس عبد الرحمن بن عوف عمامته بيده، وهذا التواضع منه -صلى الله عليه وسلم- يرفع من معنويات الصحابة -رضي الله عنهم-، ويدفعهم إلى بذل المزيد من الطاقة في سبيل خدمة هذا الدين؛ لأن التلاحم والمودة بين القائد وجنوده، من أهم عوامل نجاح العمل وتحقيق الأهداف.
كان جيش عبد الرحمن جيش مبادئ، فتحرك ضاربًا في هذه الصحراء المترامية يحمل شرع الله إلى خلقه، وهَدي رسوله إلى أمته، مستوعبًا لمقاصد الجهاد وأحكامه، فالجهاد ليس باسم محمد -صلى الله عليه وسلم- فهو عبد الله ورسوله، ولا مكان لزعيم أو أمة أو قبيلة أو راية أو وطن أو جيش أو قومية بجوار هذه الراية الخفاقة في هذا الوجود، راية الله تعالى: ((اغزُ باسم الله))، فحزب الله تعالى هو الذي يحيي هذه الصحراء الظمأى بغيث العقيدة الخالصة، عقيدة التوحيد، وهدفهم من هذا التحرك في سبيل الله وحده، قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}
[(162-163) سورة الأنعام]، قتالهم لمن كفر بالله، وليس القتال على المبدأ الجاهلي:

وأحيانا على بكر أخينا *** إذا لم نجد إلا أخانا

أما هذا الجيش القوي الفتي فهو يمضي في الأرض قدمًا ليقاتل من كفر بالله.
ثم نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عبد الرحمن بن عوف عن الغلول وهو الأخذ من الغنيمة قبل قسمتها، ونهاه عن الغدر في العهود وعن قتل الولدان، وتلك نماذج من الأدب الإسلامي في الجهاد، فالقتال نوع من العنف والقسوة، ولكنه بالنسبة للمسلمين الذين طهر الله تعالى قلوبهم من الغل والحسد أمر عارض لإحقاق الحق وإزهاق الباطل، وحماية المحقين من المبطلين، ولذلك كان محفوفًا بالآداب السامية التي تجعل الإنسان الواحد جامعًا بين منتهى القوة والبطش ومنتهى الرحمة والعطف.
كان عبد الرحمن بن عوف –رضي الله عنه- سيدًا من سادات هذه الأمة، وواحدًا من أكبر دعاتها، فهو يملك من الحلم والحكمة والثقافة والتجربة والعبقرية والقدم في الإسلام والبلاء فيه ما لا يملكه غيره، ولهذا بذل كل طاقته لتحقيق الهدف الرئيسي الأول، وهو الدخول في الإسلام، وكان متريثًا هاديًا خبيرًا بالنفوس والقلوب، فشحن كل الإمكانات الفكرية والحركية، لإنجاح هذه المهمة العظمى، وتكلل عمله بفضل الله تعالى بالنجاح الكبير، وخاصة أن الجهد انصب على إقناع الرئيس، حسب توجيهات المصطفى -صلى الله عليه وسلم-.
إن إسلام سيد بني كلب في دومة الجندل الأصبغ بن عمرو على يد عبد الرحمن بن عوف يذكرنا بجعفر بن أبي طالب الذي أسلم على يديه النجاشي ملك الحبشة، ومصعب بن عمير بالمدينة حيث استجاب له سادات الأوس والخزرج وزعامتهم للإسلام، وهذه الشخصيات العظمى الثلاثة هم من الرواد الأوائل، ومن المؤسسين في المدرسة الإسلامية الأولى بمكة المكرمة.
هذا عبد الرحمن بن عوف الذي أصيب بأحد عشر جرحًا أدت بعضها إلى أن يكون عنده عرج من شدتها، يصنع ركائز العقيدة الإسلامية بجيشه المظفر شمال الجزيرة العربية، وينضم الكثيرون إلى الإسلام، لتغدو دومة الجندل موقعًا جديدًا من المواقع الإسلامية، في هذه الأطراف المتنامية، فلا غنى للمسلمين عن هذه القلعة، وعن هذه الموقعة للمستقبل القريب في المواجهة مع العرب والروم المناوئين للإسلام.
وهذه أول مرة يحكم الإسلام خارج حدوده ويتعايش المسلمون والنصارى في دولة واحدة، فالذين أسلموا تطبق عليهم أحكام الإسلام، والذين بقوا على نصرانيتهم تؤخذ منهم الجزية، وكان هذا الانفتاح تدريبًا جديدًا للصحابة على المجتمعات الجديدة التي سينتقلون إليها فيما بعد، وينساحون في العراق والشام وفي قلب فارس والروم، ليعلموا الناس أن العقيدة تنبني من خلال الحوار لا من خلال السيف، وأن مبادئ الإسلام لها قوتها الذاتية التي تشع أنوارها على المجتمعات التي قد انغمست في الظلام البهيم.
إن زواج عبد الرحمن بن عوف من ابنة سيد بني كلب زعيم دومة الجندل يقوي الروابط بين الزعيم المسلم الجديد بدومة الجندل وبين دولة الإسلام في المدينة، ويربط مصيره بمصير دولة الإسلام ومصير الإسلام نفسه حين يشعر أن فلذة كبده مقيمة في العرين الإسلامي الذي أصبح يحن له حنينه لأرضه وبلده.
وقد كان -صلى الله عليه وسلم- يحرص على أن يتزوج هو وقادته ببنات سادة القبائل؛ لأن ذلك كسبًا كبيرًا لدعوة الإسلام، حيث تكون المصاهرة سببًا في القرب وامتصاص أسباب العداء ثم الدخول في الإسلام.
رابعًا: غزوة بني لحيان، وغزوة الغابة:
بعد رحيل الأحزاب انتقل المسلمون من دور الدفاع إلى دور الهجوم وأصبحوا يمسكون بأيديهم زمام المبادرة، وحان الوقت لتأديب بني لحيان الذين غدروا بخبيب وأصحابه يوم الرجيع، وأخذ ثأر الشهداء، فخرج إليهم -صلى الله عليه وسلم- في مائتي صحابي، في ربيع الأول سنة ست من الهجرة.
كانت أرض بني لحيان من هذيل تبعد عن المدينة أكثر من مائتين من الأميال، وهي مسافة بعيدة، يلاقي مشاقَّ كبيرة كل من يريد قطعها، ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان حريصًا على الاقتصاص لأصحابه من الذين استشهدوا غدرًا على يد هذه القبائل الهمجية التي لا قيمة للعهود عندها.
وكما هي عادة النبي -صلى الله عليه وسلم- في تضليل العدو الذي يريد مهاجمته اتجه بجيشه نحو الشمال، بينما تقع منازل بني لحيان في أقصى الجنوب، وقد أعلن النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل تحركه نحو الشمال أنه يريد الإغارة على الشام، وحتى أصحابه لم يعلموا أنه يريد بني لحيان إلا عندما انحرف بهم نحو الجنوب، بعد أن اتجه بهم متوغلًا نحو الشمال حوالي عشرين ميلًا في حركة تمويهية على العدو.
وكان تغيير خط سيره من الشمال إلى الجنوب عند مكان يقال له البتراء، ففي ذلك المكان عطف بجيشه نحو الغرب حتى استقام على الجادة منصبًا نحو الجنوب.
كانت بنو لحيان على غاية التيقظ والانتباه، فقد بثت الأرصاد والجواسيس في الطرق ليتحسسوا لها ويتجسسوا لذلك، فما كاد النبي -صلى الله عليه وسلم- يقترب بجيشه من منازلهم حتى انسحبوا منها فارين، وهربوا في رؤوس الجبال، وذلك بعد أن نقلت إليهم عيونهم خبر اقتراب جيش المسلمين من ديارهم.
ولما وصل النبي -صلى الله عليه وسلم- بجيشه عسكر في ديارهم ثم بث السرايا من رجاله ليتعقبوا هؤلاء الغادرين، ويأتون إليه بمن يقدرون عليه، واستمرت السرايا النبوية في البحث والمطاردة يومين كاملين إلا أنها لم تجد أي أثر لهذه القبائل التي تمنعت في رؤوس تلك الجبال الشاهقة، وأقام -صلى الله عليه وسلم- في ديارهم يومين لإرهابهم وتحديهم، وليظهر للأعداء مدى قوة المسلمين وثقتهم بأنفسهم، وقدرتهم على الحركة حتى إلى قلب ديار العدو متى شاؤوا.
رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يغتنم فرصة وجوده بجيشه قريبًا من مكة فقرر أن يقوم بمناورة عسكرية يرهب بها المشركين في مكة، فتحرك بجيشه حتى نزل به وادي عسفان، وهناك استدعى أبا بكر الصديق، وأعطاه عشرة فوارس من أصحابه وأمره بأن يتحرك بهم نحو مكة ليبث الذعر والفزع في نفوسهم، فاتجه الصديق بالفرسان العشرة نحو مكة حتى وصل بهم كراع الغميم، وهو مكان قريب جدًا من مكة، فسمعت قريشٌ بذلك فظنت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ينوي غزوها فانتابها الخوف والفزع والرعب، وساد صفوفها الذعر، هذا هو الذي هدف إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- بهذه الحركة التي كلف الصديق أن يقوم بها.
أما الصديق وفرسانه العشرة فبعد أن وصلوا كراع الغميم وعلموا أنهم قد أحدثوا الذعر والفزع في نفوس أهل مكة عادوا سالمين إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فتحرك بجيشه عائدًا إلى المدينة.
وعندما وصل النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى بطن غران حيث لقي الشهداء من أصحابه مصرعهم على أيدي الخونة من هذيل، ترحم على هؤلاء الشهداء ودعا لهم.
لم تكد تمضي ليالٍ قلائل على عودة النبي -صلى الله عليه وسلم- من غزوته لبني لحيان، حتى أغار عيينة بن حصن الفزاري في خيل لغطفان كان عددها أربعين على لقاح الإبل الحوامل ذوات الألبان لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالغابة، وقتلوا ذر بن أبي ذر الغفاري، وأسروا زوجته ليلى، واستاقوا الإبل التي كان عددها عشرين، ولما علم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بخبر عيينة، خرج في خمسمائة من أصحابه في إثره، بعد أن استخلف سعد بن عبادة في ثلاثمائة من قومه يحرسون المدينة، وعند جبل ذي قرد أدرك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- العدو، فقتل بعض أفراده واستنقذ الإبل.
وقد أبدى سلمة بن الأكوع في هذه الغزوة بطولة نادرة وخاصة قبل وصول كتيبة الفرسان النبوية، حيث كان من ضمن الرعاة في منطقة الغابة، وظل بمفرده يشاغل المغيرين ويراميهم بالنبل، وكان من أعظم الرماة في عصره، وقد استخلص مجموعة من الإبل المنهوبة قبل قدوم كتيبة الفرسان.
أما المرأة التي أسرها المغيرون من غطفان وهي زوجة ابن أبي ذر الذي قتله المشركون أثناء الغارة في الغابة فقد عادت سالمة إلى المدينة بعد أن تمكنت من الإفلات من القوم على ظهر ناقة تابعة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقد نذرت إن نجاها الله -عز وجل- لتنحرن تلك الناقة، فلما أخبرت النبي -صلى الله عليه وسلم- عن نذرها تبسم وقال: ((بئسما جزيتيها))، أي أنها حملتك ونجت بك من الأعداء فيكون جزاؤها النحر؟ ثم قال لها -صلى الله عليه وسلم-: ((لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا تملكين))".
وقد عاد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة بعد أن أمضى خمس ليالٍ خارجها.
وهذه الغزوة من أكبر الغزوات التأديبية التي قادها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بنفسه ضد أعراب نجد بعد غزوة الأحزاب وبني قريظة وقبل غزوة خيبر.
إن حركة السرايا والبعوث التي كان يقودها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ترشد المسلمين إلى أهمية متابعة أخبار الأعداء وجمع المعلومات عنهم، فقد كانت المعلومات تتجمع عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من مصادر متعددة عن طريق سراياه الاستطلاعية، والمسلمين المتخفين، والمتعاطفين مع المسلمين، والمعاهدين، والفراسة، واستكشاف ما وراء السطور، المهم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما كان يفاجأ بتآمر داخلي أو تهديد خارجي، وهذا يجعل المسلمين في عصرنا أمام قضية يجب أن يعطوها كامل الاعتبار، مع ملاحظة الضوابط الشرعية.
خامسًا: سرية عبد الله بن عتيك لقتل سلاّم بن أبي الحُقيق:
كان أبو رافع سلام بن أبي الحقيق من يهود بني النضير كثير التحريض على الدولة الإسلامية، حتى إنه جعل لغطفان ومن حولها من قبائل مشركي العرب الجعل العظيم إن هي قامت لحرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وشاع أمر أبي رافع وانتشر، وكان ممن ألب الأحزاب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأصبح تحريضه على دولة الإسلام من الأخطار التي يجب أن يوضع لها الحد، فبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى أبي رافع اليهودي رجالًا من الأنصار وأمّر عليهم عبد الله بن عتيك.
وكان أبو رافع في حصن له فلما دنوا منه وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم، قال عبد الله بن عتيك لأصحابه: "اجلسوا مكانكم فإني منطلق ومتلطف للبواب، لعلي أن أدخل"، فأقبل حتى دنا من الباب ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجة، وقد دخل الناس، فهتف به البواب: يا عبد الله، إن كنت تريد أن تدخل فادخل، فإني أريد أن أغلق الباب، قال: فدخلت، فكمنت، فلما دخل الناس أغلق الباب، ثم غلق الأغاليق على وتد.
قال ابن عتيك: فقمت إلى الأقاليد فأخذتها ففتحت الباب.
ولما دخل أبو عتيك –رضي الله عنه- ومن معه من أفراد سريته إلى داخل الحصن، وأخذوا ينتظرون الفرصة المناسبة لقتل هذا اليهودي الخبيث أبي رافع.
وقد جاء في البخاري: "أن عبد الله بن عتيك أدرك نفرًا من أصحاب أبي رافع يسمرون عنده، وكان في علالي له، فكمن حتى ذهب عنه أهل سمره ثم صعد إليه، وكلما دخل بابًا أغلقه عليه من الداخل حتى لا يحول أحد بينه وبين تنفيذ العقوبة بحق أبي رافع، فانتهى إلى أبي رافع فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله لا يدري أين هو من البيت، قال ابن عتيك: فقلت: يا أبا رافع. قال: من هذا؟ قال ابن عتيك: فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف، وأنا دهش ما أغنيت شيئًا، وصاح، فخرجت من البيت، فمكثت غير بعيد ثم دخلت إليه، فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ قال: لأمك الويل إن رجلًا في البيت ضربني قبل بالسيف، قلت: فأضربه ضربة أثخنته ولم أقتله، ثم وضعت ظبة السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره فعرفت أني قتلته، فجعلت أفتح الأبواب بابًا بابًا، حتى انتهيت إلى درجة له، فوضعت رجلي وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض، فوقعت في ليلة مقمرة فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامة، ثم انطلقت حتى جلست على الباب فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته؟ فلما صاح الديك قام الناعي على السور فقال: أنعي أبا رافع تاجر أهل الحجاز، فانطلقت إلى أصحابي فقلت: النجاء، فقد قتل الله أبا رافع، فانتهيت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فحدثته فقال: ((ابسط رجلك، فبسطت رجلي فمسحها فكأنها لم أشتكها قط)).
وقد ذكرت كتب السيرة أن امرأة أبي رافع حينما ضُرب بالسيف صاحت فأراد قتلها ثم كف عن ذلك؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد نهاهم عن قتل النساء والصبيان، وأن ابن عتيك كان يرطن بلغة اليهود وأنه استخدمها مع زوجة أبي رافع اليهودي وأهل بيته.
وقد ذكرت كتب السيرة أسماء سرية عبد الله بن عتيك وهم: مسعود بن سنان، وعبد الله بن أنيس، وأبو قتادة الحارث بن ربعي، وخزاعي بن أسود.
إن كل أعضاء هذه السرية كانوا من الخزرج فقد حرصوا على أن ينافسوا إخوانهم من الأوس الذين قتلوا كعب بن الأشرف، فقد كانوا كفرسي رهان في المسابقة في الخيرات.
كما نلاحظ فائدة تعلم لغة العدو: فقد استطاع عبد الله بن عتيك أن يصعد إلى حصن أبي رافع وأن يخاطب امرأته وأن يدخل بيته مطمئنًا؛ لأنه خاطبه بلغته -لغة اليهود- في ذلك الوقت.
ويؤخذ من ذلك استحباب تعلم لغة غير المسلمين لا سيما الأعداء منهم، خاصة لأولئك العسكريين الذين يذهبون لمهمات استطلاعية تجمع أخبار العدو وتزود القيادة بها.
ثم إنها عناية الله -عز وجل- بأوليائه، فهذا الصحابي الجليل استمر بعون من الله تعالى يمشي ويبذل طاقته حتى بعد أن أصيبت رجله وكأنه لا يشكو من علة حتى إذا انتهت مهمته تمامًا، وأصبح غير محتاج لبذل الجهد عاد إليه الألم، وحمله أصحابه، فلما حدّث النبي -صلى الله عليه وسلم- خبره قال له: ((ابسط رجلك))، قال: "فبسطت رجلي فمسحها فكأنها لم اشتكها قط".
إن وجود عبد الله بن أنيس جنديًا في هذه السرية وليس أميرًا فيها له دلالته الكبرى في عملية التربية والتعليم، فهو العقبي البدري المصلي للقبلتين، وهو من السابقين الأولين من الأنصار، وليس عبد الله بن أنيس نكرة في مجال الجهاد والبطولات، فلا بد أن نذكر أنه وحده الذي ابتعثه النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى اغتيال سفيان بن خالد الهذلي في أطراف مكة، وهو الذي كان يعد العدة لغزو المدينة، وهو الذي نجح نجاحًا باهرًا في مهمته تلك، وقتله في فراشه وداخل خيمته، وأعجز قومه هربًا، وعاد منتصرًا مظفرًا، فهو مليء بالمجد، ومع ذلك فلم يكن أمير المجموعة، إنما كان أحد أفرادها، وهو يحمل هذا التاريخ المشرق في سجلاته عند ربه -عز وجل- قبل أن يكون عند الناس.
إنه درس تربوي خالد قد استوعبه أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا النوع من التربية لا مثيل له في عالم الأرض، فالذي يحكم في الجيوش تسلسل الرتب حتى أن الرتبة الواحدة يتحكم فيها المتقدم بالمستجد، وعلى المستجد السمع والطاعة للمتقدم ولو بأشهر، وبهذا المنطق لا يجوز أن يتقدم على عبد الله بن أنيس أحد، ولكنها التربية النبوية العظيمة التي خطها النبي -صلى الله عليه وسلم- في أكثر من موقع، لتجعل هذا الجيل يتعلم من سابقه ويتدرب على يديه، فطالما أرسل -عليه الصلاة والسلام- سرايا فيها أبو بكر وعمر جنديان عاديان في غمار الجنود.
لقد شهد العام السادس من الهجرة تصعيدًا عنيفًا في عمليات المواجهة مع العدو، ولا يكاد يمر شهر دون سرية أو سريتين تضرب في الصحراء، وتفض جمعًا أو تحطم عدوًا أو تغتال طاغوتًا، فقد كان شعار المرحلة: ((الآن نغزوهم ولا يغزوننا))، فقد كان حزب الله ينطلق في الآفاق باسم الله، يحمل المبادئ الخالدة، والقيم العليا يقدمها للخلق كافة، ويزيح كل طاغوت يحول دون وصول هذه المبادئ، ونشهد حزب الله في أفراده جميعًا، والذين تلقوا أعلى مستويات التربية الخلقية والفكرية والعسكرية والسياسية كيف ينفذون هذا المنهج وكيف يكون واقعهم ترجمة عملية وحية لمبادئهم، وكيف يتقدمون ليتصدروا مرحلة جديدة تبدأ معالمها وملامحها مع صلح الحديبية الذي هو عنوان الدرس القادم إن شاء الله تعالى..
والحمد لله...
 


Source URL:
http://www.alahmad.com/node/801