السيرة النبوية
الدرس الثالث عشر
غزوة الأحزاب
الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد
سبب غزوة الأحزاب:
إن يهود بني النضير بعد أن خرجوا من المدينة إلى خيبر خرجوا وهم يحملون معهم
أحقادهم على المسلمين، فما أن استقروا بخيبر حتى أخذوا يرسمون الخطط للانتقام،
فاتفقت كلمتهم على التوجه إلى القبائل العربية المختلفة لتحريضها على حرب المسلمين،
وكونوا لهذا الغرض الخبيث وفدًا يتكون من سلام بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب، وكنانة
بن الربيع بن أبي الحقيق، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبي عمار.
وقد نجح الوفد نجاحًا كبيرًا في مهمته حيث وافقت قريش التي شعرت بمرارة الحصار
الاقتصادي المضروب عليها من قبل المسلمين، ووافقت غطفان طمعًا في خيرات المدينة وفي
السلب والنهب وتابعتهم قبائل أخرى.
وقد قال وفد اليهود لمشركي مكة: إن دينكم خير من دين محمد، وأنتم أولى بالحق منه،
وعن ذلك يقول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ
الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ
كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلًا* أُوْلَئِكَ الَّذِينَ
لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا}
[(51-52)
سورة النساء].
ولا ريب فإن قريشًا قد سُرَّت بما سمعت من مدح لدينها فازدادت حماسًا، وأصبحت أكثر
تصميمًا على حرب المسلمين، ثم أعلنت موافقتها على هذه الدعوة والاشتراك في الحملة
التي ستهاجم المدينة، وضربت لها موعدًا.
وقد أبرم الوفد اليهودي مع زعماء أعراب غطفان اتفاقية الاتحاد العربي الوثني
اليهودي العسكري ضد المسلمين، وكان أهم بنود هذا الاتفاق هو أن تكون قوة غطفان في
جيش الاتحاد هذا ستة آلاف مقاتل، وأن يدفع اليهود لقبائل غطفان مقابل ذلك كل تمر
خيبر لسنة واحدة.
لقد استطاع وفد اليهود أن يرجع من رحلته إلى المدينة ومعه عشرة آلاف مقاتل، أربعة
آلاف من قريش وأحلافها، وستة آلاف من غطفان وأحلافها، وقد نزلت تلك الأعداد الهائلة
بالقرب من المدينة، وكان جهاز أمن الدولة الإسلامية على حذر تام من أعدائه، لذا فقد
كان يتتبع أخبار الأحزاب ويرصد تحركاتهم، ويتابع حركة الوفد اليهودي منذ خرج من
خيبر في اتجاه مكة، وكان على علم تام بكل ما يجري بين الوفد اليهودي وبين قريش
أولًا، ثم غطفان ثانيًا، وبمجرد حصول المدينة على هذه المعلومات عن العدو شرع
الرسول -صلى الله عليه وسلم- في اتخاذ الإجراءات الدفاعية اللازمة، ودعا إلى اجتماع
عاجل حضره كبار قادة جيش المسلمين من المهاجرين والأنصار، بحث فيه معهم هذا الموقف
الخطير الناجم عن مساعي اليهود الخبيثة.
فأدلى سلمان الفارسي –رضي الله عنه- برأيه الذي يتضمن حفر خندق كبير لصد عدوان
الأحزاب، فأعجب النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك.
وعندما استقر الرأي بعد المشاورة على حفر الخندق، ذهب النبي -صلى الله عليه وسلم-
هو وبعض أصحابه لتحديد مكانه والبدء بالعمل.
لقد كانت خطة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الخندق متطورة ومتقدمة، حيث شرع
بالأخذ بالأساليب الجديدة في القتال، ولم يكن حفر الخندق من الأمور المعروفة لدى
العرب في حروبهم، بل كان الأخذ بهذا الأسلوب غريبًا عنهم، وبهذا يكون الرسول -صلى
الله عليه وسلم- هو أول من استعمل الخندق في الحروب في تاريخ العرب والمسلمين، فقد
كان هذا الخندق مفاجأة مذهلة لأعداء الإسلام، وأبطل خطتهم التي رسموها، وكان من
عوامل تحقيق هذه المفاجأة ما قام به المسلمون من إتقان رفيع لسرية الخطة وسرعة
إنجازها، وكان هذا الأسلوب الجديد في القتال له أثر في إضعاف معنويات الأحزاب
وتشتيت قواتهم.
لما علم النبي -صلى الله عليه وسلم- بقدوم جيش الأحزاب وأراد الخروج إلى الخندق أمر
بوضع ذراري المسلمين ونسائهم وصبيانهم في حصن بني حارثة، حتى يكونوا في مأمن من خطر
الأعداء، وقد فعل ذلك -صلى الله عليه وسلم- لأن حماية الذراري والنساء والصبيان لها
أثر فعال على معنويات المقاتلين؛ لأن الجندي إذا اطمأن على زوجه وأبنائه يكون مرتاح
الضمير هادئ الأعصاب، فلا يشغل تفكيره أمر من أمور الحياة، ويسخر كل إمكاناته
وقدراته العقلية والجسدية للإبداع في القتال، أما إذا كان الأمر بعكس ذلك فإن أمر
الجندي يضطرب ومعنوياته تضعف ويستولي عليه القلق، مما يكون له أثر في تراجعه عن
القتال، وبذلك تنـزل الكارثة بالجميع.
ومن الأمور التي ساهمت في تقوية وتماسك الجبهة الداخلية مشاركة النبي -صلى الله
عليه وسلم- جنده أعباء العمل، فقد شارك الرسول -صلى الله عليه وسلم- الصحابة في
العمل المضني، فأخذ يعمل بيده الشريفة، في حفر الخندق، فعن ابن إسحاق قال: "سمعت
البراء يحدث قال: لما كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، رأيته
ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه، وكان كثير الشعر".
فعمل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع الصحابة بهمة عالية لا تعرف الكلل، فأعطى
القدوة الحسنة لأصحابه حتى بذلوا ما في وسعهم لإنجاز حفر ذلك الخندق.
وكان -صلى الله عليه وسلم- يشارك الصحابة -رضي الله عنهم- في آلامهم وآمالهم، بل
كان يستأثر بالمصاعب الجمة دونهم، ففي هذه الغزوة نجد أنه -صلى الله عليه وسلم- كان
يعاني من ألم الجوع كغيره، بل أشد، حيث وصل به الأمر إلى أن يربط حجرًا على بطنه
الشريف من شدة الجوع.
واقترن حفر الخندق بصعوبات جمة، فقد كان الجو باردًا، والريح شديدة، والحالة
المعيشية صعبة، بالإضافة إلى الخوف من قدوم العدو الذي يتوقعونه في كل لحظة، ويضاف
إلى ذلك العمل المضني، حيث كان الصحابة يحفرون بأيديهم وينقلون التراب على ظهورهم،
ولا شك في أن هذا الظرف بطبيعة الحال يحتاج إلى قدر كبير من الحزم والجد، ولكن
النبي -صلى الله عليه وسلم- لم ينسَ في هذا الظرف أن هؤلاء الجند إنما هم بشر
كغيرهم، لهم نفوس بحاجة إلى الراحة من عناء العمل، كما أنها بحاجة إلى من يدخل
السرور حتى تنسى تلك الآلام التي تعانيها فوق معاناة العمل الرئيسي.
ولهذا نجد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يرتجز بكلمات ابن رواحة وهو ينقل
التراب:
اللهم لولا الله ما اهتدينا *** ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا *** وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الأعادي قد بغوا علينا *** وإن أرادوا فتنة أبينا
ثم يمد صوته بآخرها. وعن أنس –رضي الله عنه- أن أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم-
كانوا يقولون يوم الخندق:
نحن الذين بايعوا محمدًا *** على الجهاد ما بقينا أبدًا
والنبي يقول:
اللهم إن الخير خير الآخرة *** فاغفر للأنصار والمهاجرة
لقد كان لهذا التبسط والمرح في ذلك الوقت أثره في التخفيف عن الصحابة مما يعانونه
نتيجة للظروف الصعبة التي يعيشونها، كما كان له أثره في بعث الهمة والنشاط بإنجاز
العمل الذي كلفوا بإتمامه، قبل وصول عدوهم.
هذا وقد ظهرت خلال مرحلة حفر الخندق بعض دلائل النبوة، منها:
تكثير الطعام الذي أعده جابر بن عبد الله، في قصة مشهورة معروفة.
ومن دلائل النبوة أثناء حفر الخندق إخباره -صلى الله عليه وسلم- عمار بن ياسر وهو
يحفر معهم الخندق بأنه ستقتله الفئة الباغية، فقتل في صفين وكان في جيش عليّ.
وعندما اعترضت صخرة الصحابة وهم يحفرون، ضربها الرسول -صلى الله عليه وسلم- ثلاث
ضربات فتفتتت قال إثر الضربة الأولى: ((الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني
لأبصر قصورها الحمراء الساعة))، ثم ضربها الثانية فقال:
((الله أكبر، أعطيت مفاتيح
فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض))، ثم ضرب الثالثة، وقال:
((الله أكبر،
أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذه الساعة)).
وقد تحققت هذه البشارة التي أخبرت عن اتساع الفتوحات الإسلامية والإخبار عنها في
وقت كان المسلمون فيه محصورين في المدينة يواجهون المشاق والخوف والجوع والبرد
القارس.
كان الصحابة -رضي الله عنهم- على قدر كبير من الأدب مع النبي -صلى الله عليه وسلم-،
فكانوا يستأذنونه في الانصراف إذا عرضت لهم ضرورة، فيذهبون لقضاء حوائجهم، ثم
يرجعون إلى ما كانوا فيه من العمل، رغبة في الخير واحتسابًا له.
وقسم النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه إلى مجموعات للحراسة، ومقاومة كل من يريد
أن يخترق الخندق، وقام المسلمون بواجبهم في حراسة الخندق وحراسة نبيهم -صلى الله
عليه وسلم-، واستطاعوا أن يصدوا كل هجوم حاول المشركون شنّه، وكانوا على أهبة
الاستعداد جنودًا وقيادة، وقد أخذوا بكافة الاحتياطات في تأمين جبهتهم الداخلية،
ومحاولة الدفاع عن الإسلام والمدينة من جيش الأحزاب الزاحف إلا أن سنة الله الماضية
لا نصر إلا بعد شدة، ولا منحة إلا بعد محنة، وكلما اقترب النصر زاد البلاء
والامتحان، وقد ازدادت محنة المسلمين في الخندق، فقد نقض اليهود من بني قريظة العهد
ومحاولة ضرب المسلمين من الخلف، وكان المسلمون يخشون غدر يهود بني قريظة الذين
يسكنون في جنوب المدينة فيقع المسلمون حينئذ بين نارين، اليهود خلف خطوطهم،
والأحزاب بأعدادهم الهائلة من أمامهم، ونجح اليهودي زعيم بني النضير في استدراج كعب
بن أسد زعيم بني قريظة لينضم مع الأحزاب لمحاربة المسلمين.
وسرت الشائعات بين المسلمين بأن قريظة قد نقضت عهدها معهم، وكان الرسول -صلى الله
عليه وسلم- يخشى من ذلك؛ لأن اليهود قوم لا عهد لهم ولا ذمة، ولذلك انتدب النبي
-صلى الله عليه وسلم- الزبير بن العوام ليأتيه بخبرهم، فذهب الزبير فنظر ثم رجع
فقال: "يا رسول الله، رأيتهم يصلحون حصونهم ويدربون طرقهم، وقد جمعوا ماشيتهم".
وبعد أن كثرت القرائن الدالة على نقض بني قريظة للعهد، أرسل سعد بن معاذ وسعد بن
عبادة وعبد الله بن رواحة وخوات بن جبير -رضي الله عنهم- وقال لهم:
((انطلقوا حتى
تنظروا أحقٌّ ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا، فإن كان حقًّا فالحنوا لي لحنًا
أعرفه، ولا تفتوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا
به للناس)).
فخرجوا حتى أتوهم، فوجدوهم قد نقضوا العهد، فرجعوا فسلموا على النبي -صلى الله عليه
وسلم- وقالوا: "عضل والقارة"، فعرف النبي -صلى الله عليه وسلم- مرادهم.
واستقبل النبي -صلى الله عليه وسلم- غدر بني قريظة بالثبات والحزم واستخدام كل
الوسائل التي من شأنها أن تقوي روح المؤمنين وتصدع جبهات المعتدين، فأرسل في الوقت
نفسه سلمة بن أسلم في مائتي رجل، وزيد بن حارثة في ثلاثمائة رجل، يحرسون المدينة،
ويظهرون التكبير ليرهبوا بني قريظة، وفي هذه الأثناء استعدت بنو قريظة للمشاركة مع
الأحزاب، فأرسلت إلى جيوشها عشرين بعيرًا كانت محملة تمرًا وشعيرًا وتينًا لتمدهم
بها وتقويهم على البقاء، إلا أنها أصبحت غنيمة للمسلمين الذين استطاعوا مصادرتها
وأتوا بها إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-.
زادت جيوش الأحزاب في تشديد الحصار على المسلمين بعد انضمام بني قريظة إليها، واشتد
الكرب على المسلمين، وتأزم الموقف، وقد تحدث القرآن الكريم عن حالة الحرج والتدهور
التي أصابت المسلمين ووصف ما وصل إليه المسلمون من جزع وخوف وفزع في تلك المحنة
الرهيبة أصدق وصف، حيث قال تعالى: {إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ
مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ
وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا* هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ
وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [(10-11) سورة الأحزاب].
وكان ظن المسلمين بالله قويًا، وقد سجله القرآن الكريم بقوله تعالى:
{وَلَمَّا
رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ
وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا
وَتَسْلِيمًا} [(22) سورة الأحزاب].
وأما المنافقون فقد انسحبوا من الجيش، وزاد خوفهم حتى قال معتب بن قشير أخو بني
عمرو بن عوف: "كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن على نفسه أن
يذهب إلى الغائط".
وطلب البعض الآخر الإذن لهم بالرجوع إلى بيوتهم بحجة أنها عورة، فقد كان موقفهم
يتسم بالجبن والإرجاف وتخذيل المؤمنين.
وتزايدت محاولات المشركين لاقتحام الخندق، وأصبحت خيل المشركين تطوف بأعداد كبيرة
كل ليلة حول الخندق حتى الصباح، وحاول خالد بن الوليد مع مجموعة من فرسان قريش أن
يقتحم الخندق على المسلمين في ناحية ضيقة منه ويأخذهم على حين غرة، لكن أسيد بن
حضير في مائتين من الصحابة يراقبون تحركاتهم، وقد حصلت مناوشات استشهد فيها الطفيل
بن النعمان والذي قتله وحشي قاتل حمزة يوم أحد، رماه بحربة عبر الخندق فأصابت منه
مقتلًا، واستطاع حبان بن العرقة من المشركين أن يرمي سهمًا أصاب سعد بن معاذ –رضي
الله عنه- في أكحله، وقال: خذها وأنا ابن العرقة، وقد قال سعد بن معاذ عندما أصيب:
"اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إليَّ أن
أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه، اللهم وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم
فاجعلها شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة".
وقد استجاب الله دعوة هذا العبد الصالح، ثم وجه المشركون كتيبة غليظة نحو مقر رسول
الله -صلى الله عليه وسلم-، فقاتلهم المسلمون يومًا إلى الليل، فلما حانت صلاة
العصر دنت الكتيبة، فلم يقدر النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا أحد من أصحابه الذين
كانوا معه أن يصلوا، وشغل بهم النبي -صلى الله عليه وسلم- فلم يصل العصر، ولم تنصرف
الكتيبة إلا مع الليل، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ملأ الله عليهم
بيوتهم وقبورهم نارًا، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس)).
وكره فوارس من قريش أن يقفوا حول الخندق على هذا النحو، فتيمموا مكانًا ضيقًا من
الخندق وضربوا خيلهم فاقتحمت منه فجالت بهم في أرض المدينة ومنهم الفارس المشهور
عمرو بن عبد ود، الذي كان يقوم بألف فارس وكان قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراح
فلم يشهد يوم أحد، فلما كان يوم الخندق خرج واضعًا علامة يعرف بها، فلما وقف قال:
من يبارز؟ فبرز علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، فقال: "يا عمرو إنك كنت عاهدت الله
لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه"، قال: "أجل"، قال علي: "فإني
أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام"، قال: "لا حاجة لي بذلك"، قال: "فإني
أدعوك إلى النـزال"، فقال له: "لم يا ابن أخي؟ فوالله ما أحب أن أقتلك"، قال له
علي: "لكني والله أحب أن أقتلك"، فحمي عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه
ثم أقبل علي -رضي الله عنه- فتنازلا وتجاولا فقتله علي -رضي الله عنه-.
وظهرت حنكة النبي -صلى الله عليه وسلم- وحسن سياسته في خلخلة الأحزاب حين اختار
قبيلة غطفان بالذات لمصالحتها على مال يدفعه إليها على أن تترك محاربته وترجع إلى
بلادها، فهو يعلم أن غطفان وقادتها ليس لهم من وراء الاشتراك في هذا الغزو أي هدف
سياسي يريدون تحقيقه، أو باعث عقائدي يقاتلون تحت رايته، وإنما كان هدفهم الأول
والأخير من الاشتراك في هذا الغزو الكبير هو الحصول على المال بالاستيلاء عليه من
خيرات المدينة عند احتلالها، ولهذا لم يحاول الرسول -صلى الله عليه وسلم- الاتصال
بقيادة الأحزاب من اليهود كحيي بن أخطب، وكنانة بن الربيع، أو قادة قريش كأبي سفيان
بن حرب؛ لأن هدف أولئك الرئيسي، لم يكن المال، وإنما كان هدفهم هدفًا سياسيًّا
وعقائديًّا يتوقف تحقيقه والوصول إليه على هدم الكيان الإسلامي من الأساس، لذا فقد
كان اتصاله فقط بقادة غطفان الذين فعلًا لم يترددوا في قبول العرض الذي عرضه عليهم
النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقد استجاب القائدان الغطفانيان عيينة بن حصن والحارث
بن عوف لطلب النبي -صلى الله عليه وسلم- وحضرا مع بعض أعوانهما إلى مقر قيادة النبي
-صلى الله عليه وسلم- واجتمعا به وراء الخندق مستخفين دون أن يعلم بهما أحد، وشرع
رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مفاوضتهم، وكانت تدور حول عرض تقدّم به رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- يدعو فيه إلى عقد صلح منفرد بينه وبين غطفان، وأهم
البنود التي جاءت في هذه الاتفاقية المقترحة، عقد صلح منفرد بين المسلمين وغطفان
الموجودة ضمن جيوش الأحزاب، وتوادع غطفان المسلمين وتتوقف عن القيام بأي عمل حربي
ضدهم وخاصة في هذه الفترة، وتفك الحصار عن المدينة وتنسحب بجيوشها عائدة إلى
بلادها، على أن يدفع المسلمون لغطفان مقابل ذلك ثلث ثمار المدينة كلها من مختلف
الأنواع.
لقد أبرز النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذه المفاوضات جانبًا من جوانب منهج النبوة
في التحرك لفك الأزمات عند استحكامها وتأزمها؛ لتكون لأجيال المجتمع المسلم درسًا
تربويًّا من دروس التربية المنهجية عند اشتداد البلاء.
وقبل عقد الصلح مع غطفان شاور رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصحابة في هذا
الأمر، فكان رأيهم في عدم إعطاء غطفان شيئًا من ثمار المدينة، وقال سعد بن معاذ،
وسعد بن عبادة: "يا رسول الله أمرًا تحبه، فنصنعه، أم شيئًا أمرك الله به لا بد لنا
من العمل به، أم شيئا تصنعه لنا؟"، فقال: ((بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك
إلا لأني رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم
من شوكتهم إلى أمر ما))، فقال له سعد بن معاذ: "يا رسول الله قد كنا وهؤلاء على
الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها
ثمرة واحدة إلا قرى أو بيعًا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه،
نعطيهم أموالنا؟ ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف، حتى يحكم الله
بيننا وبينهم"، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((أنت وذاك))، فتناول سعد بن معاذ
الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال: ليجهدوا علينا.
كان رد زعيمي الأنصار سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة في غاية الاستسلام لله تعالى
والأدب مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وطاعته، فقد جعلوا أمر المفاوضة مع غطفان
ثلاثة أقسام:
الأول: أن يكون هذا الأمر من عند الله تعالى فلا مجال لإبداء الرأي بل لا بد من
التسليم والرضا.
والثاني: أن يكون شيئًا يحبه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باعتباره رأيه الخاص،
فرأيه مقدم وله الطاعة في ذلك.
الثالث: أن يكون شيئًا عمله الرسول -صلى الله عليه وسلم- لمصلحة المسلمين من باب
الإرفاق بهم، فهذا هو الذي يكون مجالا للرأي.
ولما تبين للسعدين من جواب الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنه أراد القسم الثالث،
أجاب سعد بن معاذ بجواب قويّ كبت به زعيمي غطفان حيث بين أن الأنصار لم يذلوا
لأولئك المعتدين في الجاهلية، فكيف وقد أعزهم الله تعالى بالإسلام.
وقد أعجب النبي -صلى الله عليه وسلم- بجواب سعد، وتبين له منه ارتفاع معنوية
الأنصار واحتفاظهم بالروح المعنوية العالية، فألغى بذلك ما بدأ به من الصلح مع
غطفان.
في هذه الأثناء ساق المولى -عز وجل- نعيم بن مسعود الغطفاني إلى رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- ليعلن إسلامه، وقال له: "يا رسول الله، إن قومي لم يعلموا بإسلامي
فمرني بما شئت، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إنما أنت
فينا رجل واحد
فخذّل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة)).
فقام نعيم بزرع الشك بين الأطراف المتحالفة بأمر من رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-، فأغرى اليهود بطلب رهائن من قريش؛ لئلا تدعهم وتنصرف عن الحصار، وقال لقريش
بأن اليهود إنما تطلب الرهائن لتسليمها للمسلمين ثمنًا لعودتها إلى صلحهم، وهكذا
قام نعيم بن مسعود بدور عظيم في غزوة الأحزاب.
وعندما اشتد الكرب على المسلمين أكثر مما سبق حتى بلغت القلوب الحناجر وزلزلوا
زلزالًا شديدًا، فما كان من المسلمين إلا أن توجهوا إلى الرسول -صلى الله عليه
وسلم- وقالوا: "يا رسول الله هل من شيء نقوله؟ فقد بلغت القلوب الحناجر"، فقال:
((نعم، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا)).
وجاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: "دعا رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- على الأحزاب فقال: ((اللهم منـزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم
اهزمهم وزلزلهم))، فاستجاب الله سبحانه دعاء نبيه -صلى الله عليه وسلم-، فأقبلت
بشائر الفرج فقد صرفهم الله بحوله وقوته، وزلزل أبدانهم وقلوبهم، وشتت جمعهم
بالخلاف، ثم أرسل عليهم الريح الباردة الشديدة، وألقى الرعب في قلوبهم، وأنزل
جنودًا من عنده سبحانه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا
نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ
رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا}
[(9) سورة الأحزاب]، وبعث الله عليهم الملائكة فقلعت الأوتاد وقطعت أطناب الخيام،
وأطفأت النيران وأكفأت القدور، وجالت الخيول بعضها في بعض، وأرسل عليهم الرعب، وكثر
تكبير الملائكة في جوانب المعسكر.
عن أبي هريرة –رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقول:
((لا إله
إلا الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده، فلا شيء بعده)).
ودعاء الرسول -صلى الله عليه وسلم- ربه، واعتماده عليه وحده، لا يتناقض أبدًا مع
التماس الأسباب البشرية للنصر، فقد تعامل -صلى الله عليه وسلم- في هذه الغزوة مع
سنة الأخذ بالأسباب، فبذل جهده لتفريق الأحزاب، وفك الحصار، مع الدعاء.
وبعد حصار استمر خمسة وعشرين يومًا، أسفر عن هزيمة مخزية لجيوش الأحزاب وفي مقدمتها
قريش، حيث اضطروا جميعًا للانسحاب من أرض المعركة وهم يجرون ذيول الهزيمة، لم
ينالوا خيرًا وكفى الله المؤمنين القتال.
لقد أدرك أبو سفيان ومن معه من القادة أنه لا قدرة لهم على اقتحام المدينة، وأن
الإقامة على هذا الحال من الحصار ليست في صالحهم جميعًا، فالمواد التموينية للجيش
أشرفت على النفاد، ولا مصدر مأمونًا يمولهم، وقد حاول اليهود إمدادهم بالزاد
فأرسلوا عشرين بعيرًا فاستولى عليها المسلمون، أضف إلى ذلك أن جبهة الأحزاب قد
تصدعت وتمزق شملهم، ولم تعد كلمتهم واحدة، وكل فقد ثقته بغيره، فانقطع حبل الود بين
قريش وبني قريظة، وبين قريظة وغطفان، وبين غطفان وقريش، ودب اليأس والسآمة في قلوب
المقاتلين من جراء هذا الحصار الطويل دون أن يحققوا شيئًا، وحالتهم تزداد سوءًا
يومًا بعد يوم، والجو يرميهم بالريح الشديدة والبرد والمطر الشديد.
هذا ويرابط خلف الخندق رجال مؤمنون أشداء على الكفار يستعذبون الموت في سبيل الله.
ومع هذا فقد سخر الله أسبابًا أخرى للنصر لم تخطر على بال المسلمين، فقد أرسل الله
ريحًا شديدة عاصفة في يوم بارد، خلعت الخيام وكفأت القدور، وذرت الرمال في أعينهم
حتى استحالت أسباب الحياة في هذا المكان، وأنزل الله الملائكة تلقي الرعب في قلوب
الكافرين وتقاتل مع المؤمنين.
كل هذه الأسباب حملت أبا سفيان على أن يدعو جيوش الأحزاب للانسحاب السريع، وأعلن
انسحابه في الجيش قائلًا: "يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك
الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما
ترون، ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني
مرتحل"، ثم قام إلى جمله فوثب عليه وانطلق، وانطلق الناس معه.
انتصر المسلمون في هذه الغزوة رغم قلة عددهم وضعف عدتهم على جيوش الأحزاب الوفيرة
في عددها وسلاحها، وهيأ الله لهم من أسباب النصر وعوامله ما لم يكن في الحسبان،
فالملائكة جند من جنود الله سخرها لتساعد المسلمين وتوهن كيد الكافرين وتلقي الرعب
في قلوبهم، والريح جند من جنود الله سخرها الله لتكفأ القدور وتطفئ النار وتخلع
الخيام، وسلمان الفارسي جند من جنود الله وفقه الله ليشير على النبي -صلى الله عليه
وسلم- بحفر الخندق، والخندق جند من جنود الله حال بين المشركين وبين اقتحام
المدينة، ونعيم بن مسعود جند من جنود الله وفَّقه الله لتمزيق شمل الأحزاب
وانقسامهم، وصدق الله: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ}
[(31) سورة
المدثر].
وبعد عودة النبي -صلى الله عليه وسلم- من الخندق ووضعه السلاح أمر الله تعالى نبيه
بقتال بني قريظة، فأمر الحبيب -صلى الله عليه وسلم- أصحابه بالتوجه إليهم، وقد
أعلمهم بأن الله تعالى قد أرسل جبريل ليزلزل حصونهم ويقذف في قلوبهم الرعب وأوصاهم
بأن: ((لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة)). وضرب المسلمون الحصار على بني قريظة
خمسًا وعشرين ليلة، ولما اشتد الحصار وعظم البلاء عليهم، أرادوا الاستسلام والنـزول
على أن يحكِّم الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيهم سعد بن معاذ –رضي الله عنه- ونزلوا
على حكمه، ورأوا أنه سيرأف بهم بسبب الحلف بينهم وبين قومه الأوس، فجيء بسعد
محمولًا؛ لأنه كان قد أصابه سهم في ذراعه يوم الخندق، فقضى أن تُقتل المقاتلة، وأن
تُسبى النساء والذرية، وأن تُقسم أموالهم، فأقره رسول الله -صلى الله عليه وسلم-،
وقال: ((قضيت بحكم الله))، ونفذ حكم الإعدام في أربعمائة في سوق المدينة، حيث حفرت
أخاديد وقتلوا فيها بشكل مجموعات، وقد نجا مجموعة قليلة جدًا بسبب وفائها للعهد
ودخولها في الإسلام، وقُسمت أموالهم وذراريهم على المسلمين، وهذا جزاء عادل نزل بمن
أراد الغدر وتبرأ من حلفه للمسلمين، وكان جزاؤهم من جنس عملهم، حين عرّضوا بخيانتهم
أرواح المسلمين للقتل، وأموالهم للنهب، ونساءهم وذراريهم للسبي، فكان أن عوقبوا
بذلك جزاءً وفاقًا.
بالقضاء على بني قريظة خلت المدينة تمامًا من الوجود اليهودي، وصارت خالصة
للمسلمين، وخلت الجبهة الداخلية من عنصر خطر لديه القدرة على المؤامرة والكيد
والمكر، واضمحل حلم قريش؛ لأنها كانت تعول وتؤمل في يهود بأن يكون لهم موقف ضد
المسلمين، وابتعد خطر اليهود الذي كان يمد المنافقين بأسباب التحريض والقوة.
إن حماية الجبهة الداخلية للدولة الإسلامية من العابثين منهج نبوي كريم رسمه الحبيب
المصطفى للأمة المسلمة.
وهاهنا وقفة تأمل في صبر وتحمل بعض الكفار، وكيف يقدمون على القتل إما وفاءً لعهد
أو عصبية، ومن ذلك:
- مقتل حيي بن أخطب: فلما فضَّ الله جموع الأحزاب انطلق حييّ مع قومه بني النضير،
حتى إذا كان بالروحاء ذكر العهد والميثاق الذي أعطاه لبني قريظة، فرجع حتى دخل
معهم، فلما أقبلت بنو قريظة ليطبق فيهم القتل، أُتي بحيي مكتوفًا، فقال حيي للنبي
-صلى الله عليه وسلم-: "أما والله ما لمت نفسي في عداوتك، ولكنه من يخذل الله
يُخذل"، فأمر به النبي -صلى الله عليه وسلم- فضربت عنقه، ثم أنه أقبل على الناس قبل
تنفيذ حكم الإعدام وقال لهم: "أيها الناس، إنه لا بأس بأمر الله، كتاب وقدر وملحمة
كتبها الله على بني إسرائيل، ثم جلس فضربت عنقه، وكان بإمكانه أن يرجع إلى قومه".
لقد تجلّد حيي وتقدم لتضرب عنقه حتى لا يشمت فيه شامت، وهو يعرف أنه على باطل، ظالم
لنفسه، قد أوردها موارد الهلاك، ومع هذا يموت على ذلك، والعزة بالإثم تأخذه إلى
جهنم وبئس المصير؛ لأنه يعبد هواه، ولا يعبد ربه، قال تعالى:
{أَفَرَأَيْتَ مَنِ
اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى
سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ
اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [(23) سورة الجاثية].
- وأيضًا مقتل كعب بن أسد القرظي رئيس بني قريظة: جيء به، وقبل أن يضرب رسول الله
-صلى الله عليه وسلم- عنقه، جرى بينه وبين كعب الحوار التالي: "قال رسول الله -صلى
الله عليه وسلم-: ((كعب بن أسد؟))، قال كعب: "نعم يا أبا القاسم"، فقال رسول الله
-صلى الله عليه وسلم-: ((ما انتفعتم بنصح ابن خراش لكم، وكان مصدقًا بي، أما أمركم
باتباعي، وإن رأيتموني تقرئوني منه السلام؟))، قال كعب: "بلى والتوراة يا أبا
القاسم، ولولا أن تعيرني يهود بالجزع من السيف لاتبعتك، ولكني على دين يهود"، فأمر
رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بضرب عنقه فضربت.
ونلحظ خبر مقتل كعب بن أسد، أنه كان متعصبًا ليهوديته وهو يعلم بطلانها، وأنه على
علم بصدق رسالة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولكنه لم يؤمن ولم يدخل الإسلام خوفًا
من أن تعيره يهود بأنه جزع من السيف، فعدم إيمانه وبقاؤه على الكفر كان نتيجة
ريائه، وحبه للثناء، وخوفه من ذمّه وتعييره.
- والأعجب مما سبق الزبير بن باطا: أقبل ثابت بن قيس بن شماس إلى رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- فقال: "يا رسول الله، هب لي الزبير اليهودي أُجزه، فقد كانت له
عندي يد يوم بعاث"، فأعطاه الرسول -صلى الله عليه وسلم- إياه، فأقبل ثابت حتى أتى
الزبير فقال: "يا أبا عبد الرحمن، هل تعرفني؟"، فقال: "نعم، وهل ينكر الرجل أخاه"،
قال ثابت: "أردت أن أجزيك اليوم بيد لك عندي يوم بعاث"، قال: "فافعل، فإن الكريم
يجزي الكريم"، قال: "قد فعلت، قد سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فوهبك لي"،
فأَطلقه ونجّاه من القتل. فقال الزبير: "ليس لي قائد، وقد أخذتم امرأتي وابني"،
فرجع ثابت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاستوهبه امرأته وبنيه فوهبهم له،
فرجع ثابت إلى الزبير فقال: "رد إليك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- امرأتك
وبنيك"، فقال الزبير: "حائط لي فيه أعذق، وليس لي ولا لأهلي عيش إلا به"، فرجع ثابت
إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فوهبه له، فرجع ثابت إلى الزبير فقال: "قد رد
إليك رسول الله أهلك ومالك، فأسلم تسلم"، قال: "ما فعل الجليسان؟" وذكر رجال قومه،
قال ثابت: "قد قتلوا وفُرغ منهم، ولعل الله -تبارك وتعالى- أن يكون أبقاك لخير"،
قال الزبير: "أسألك بالله يا ثابت وبيدي التي عندك يوم بعاث إلا ألحقتني بهم، فليس
في العيش خير بعدهم"، فذكر ذلك ثابت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأمر بالزبير
فقُتل.
تعجب من ثبات هؤلاء على مواقفهم وهم على كفر وضلال، فيجب على كل مسلم أن يكون أقوى
من كل قوى الأرض على مبادئه ومنهجه.
بعدها جمع صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الغنائم التي خلفها بنو قريظة،
فكانت من السيوف ومن الرماح ومن الدروع ومن التروس، كما تركوا عددًا كبيرًا من
الشياه والإبل، وأثاثًا كثيرًا وآنية كثيرة، فوزعت الغنائم وهي الأموال المنقولة
كالسلاح والأثاث وغيرها بين المحاربين من أنصار ومهاجرين ممن شهدوا الغزوة، فأعطي
أربعة أخماس الغنائم لهم، والخمس المتبقي هو سهم الله ورسوله المقرر في كتابه
تعالى.
وقد أسهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لسويد بن خلاد الذي قتلته المرأة اليهودية
بالرحى، وأعطى سهمه لورثته، ولصحابي آخر مات أثناء حصار بني قريظة.
وأما الأموال غير المنقولة كالأراضي والديار فقد أعطاها رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- للمهاجرين دون الأنصار، وأمر المهاجرين أن يردوا إلى الأنصار ما أخذوه منهم
من نخيل وأرض، وكانت على سبيل العارية ينتفعون بثمارها، قال تعالى عن تلك الأراضي
والديار: {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا
لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا}
[(27) سورة
الأحزاب].
إن غزوة الأحزاب لها طابع خاص بين غزوات الرسول -صلى الله عليه وسلم- كلها، ولها
مكانة متميزة في نفوس الصحابة.
لقد كانت غزوة الأحزاب نهاية مرحلة من مراحل القتال بين معسكر الإيمان ومعسكر الكفر
في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-. في هذه الغزوة وما قبلها من الغزوات تجرأ
المشركون منفردين ومجتمعين على غزو المسلمين في عقر دارهم، وأخذ المسلمون موقف
الدفاع، وبعد هذه الغزوة تحول المسلمون إلى مهاجمة المشركين في عقر دارهم، وإقامة
المعارك على أرضهم، ومن ثم فتح المسلمون أعتى قلاع الشرك في ذلك الوقت مكة.
لقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن هذا التحول قبل أن يباشر به عمليًا فقال:
((الآن نغزوهم ولا يغزونا، نحن نسير إليهم)).
وَدَاعًا أيُّها الجيش العَرَمْرَمْ *** فَمَوْعدنا قريبًا عندَ زَمْزَمْ
رَحَلْتَ كما أتيتَ فأيُّ شأن *** أصابك أيها الجيش المحطَّمْ
ظننتَ الحربَ راحلةً وسيفًا *** ولم تَعْلمْ بما هو منه أعظمْ
جنودُ اللهِ ما وضَعَتْ يديها *** بأمر إلهها لو كنت تعْلَمْ
ألاقيتم كهذا اليوم رعبًا *** وريحًا من بقايا الرّعْب تَلْهَمْ
سقيتَ الخزيَ يا جيشًا تربّى *** على كفِّ الهنا عيش المنعَّمْ
فَلَمْلِمْ جيشك الباقي وغادرْ *** فقد يَفنَى غدًا إن لم يُلَمْلَمْ
أأنت القوة العظمى؟ محالٌ *** فلم نعهدْك ذا الوجه المذمَّمْ!
قريشُ بأي بأسٍ قد لقيتم *** جنودَ الله إنَّ العوْدَ أَسْلَمْ
محمّدُ يضربُ الصخر ابتهاجًا *** ستفتح فارسٌ والرُّوم تُهزَمْ
تألمنا وما خاضَ المنايا *** جوادٌ في الوغى إلا تألّمْ
وزُلْزِلْنا ولكنّا انتصرنا *** وأنجزَ وعدَه ربي وَتمَّمْ
لنا في الحسنيين مُنىً عِظَامٌ *** وما للكافرين سوى جهنَّمْ
فيا لجحافل الأحزاب ذاقت *** مرارة خزيِها والخزي عَلْقَمْ
سيُسمعكم بلال غدًا أذانًا *** به تدرون من فينا المعظّمْ
أرى لبني قريظة وجهَ غدرٍ *** ووجهًا بالظغينة قد تجهَّمْ
رأتْ نصر الإلهِ فألفُ ويلٍ *** لها جند الإله لها تقدَّمْ
لقد هُزمت جيوش الكفر قهرًا *** ولو بالظنّ قلنا ليس تُهْزَمْ
سلوا في ليلة الأحزاب نصرًا *** نراه ولو له ثغر تكلَّمْ
تبسمْ أيها المحزون هذي *** حكايا النصر تصرخ أن تبسمْ
أرى بجحافل الأحزاب درسًا *** من الآمال لمَّا بَعْدُ يُفْهَمْ
إن معركة الأحزاب ليست معركة خسائر، وإنما هي معركة عقيدة وإيمان، فقتلى الفريقين
من المؤمنين والكفار يعدّون على الأصابع، ومع هذه الحقيقة فهي من أهم المعارك في
تاريخ الإسلام، فلقد كانت ابتلاءً كاملًا وامتحانًا دقيقًا وتمييزًا بين المؤمنين
والمنافقين، فلقد اشترك الجميع في الشعور بالكرب، ولم يختلف الشعور من قلب إلى قلب،
وإنما الذي اختلف هو استجابة تلك القلوب وظنها بالله، وسلوكها في الشدة، ويقينها
بالنصر، واطمئنانها وقت الزلازل.
وحين تُبذل الطاقة البشرية كلها، جهدًا ومالًا وقوة في الدفاع والذود عن حياض
الإسلام، ثم تنقص الوسائل ويتفوق الكافرون بما عندهم من السلاح والعتاد والأحلاف،
فالله بعد ذلك هو الذي يتولى عباده المؤمنين.
والحمد لله...