خدمة rss
السيرة النبوية (12)



  
   

السيرة النبوية
الدرس الثاني عشر
أهمّ الأحداث بعد غزوة أحد
غزوة يهود بني النضير
غزوة ذات الرقاع
غزوة بني المصطلِق

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد


بعد غزوة أحد وقبل غزوة الأحزاب حصل عدد من الأحداث المهمة:
الحدث الأول: مقتل خالد بن سفيان الهذلي:
قام خالد بن سفيان الهذلي يجمع المقاتلة من هذيل وغيرها في عرفات، وكان يتهيأ لغزو المسلمين في المدينة مظاهرةً لقريش، وتقربًا إليها، ودفاعًا عن عقائدهم الفاسدة، وطمعًا في خيرات المدينة, فأرسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصحابي عبد الله بن أنيس الجهني إليه بعد أن كلّفه مهمة قتله.

وهذا عبد الله بن أنيس يحدثنا بنفسه قال –رضي الله عنه-: "دعاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ((إنه قد بلغني أن خالد بن سفيان يجمع لي الناس ليغزوني وهو بعرنة فأته فاقتله))، قال: قلت: "يا رسول الله انعته حتى أعرفه"، قال: ((إذا رأيته وجدت له قشعريرة)).
قال: "فخرجت متوشحًا بسيفي، حتى وقعت عليه بعرنة مع ظعن يرتاد لهن منـزلاً، حين كان وقت العصر, فلما رأيته وجدت ما وصف لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من القشعريرة، فأقبلت نحوه وخشيت أن يكون بيني وبينه محاولة تشغلني عن الصلاة، فصليت وأنا أمشي نحوه أوميء برأسي الركوع والسجود، فلما انتهيت إليه قال: من الرجل؟، قلت: رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل فجاءك لهذا، قال: أجل أنا في ذلك، قال: فمشيت معه شيئاً، حتى إذا أمكنني حملت عليه بالسيف حتى قتلته، ثم خرجت وتركت ظعائنه مكبات عليه، فلما قدمت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرآني فقال: ((أفلح الوجه))، قال: قلت: قتلته يا رسول الله، قال: ((صدقت))، قال: ثم قام معي رسول الله فدخل في بيته فأعطاني عصا، فقال: ((أمسك هذه عندك يا عبد الله بن أنيس))، قال: فخرجت بها على الناس فقالوا: ما هذه العصا؟ قال: قلت أعطانيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأمرني أن أمسكها، قالوا: أوَلا ترجع إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتسأله عن ذلك؟ قال: فرجعت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلت: يا رسول الله لمَ أعطيتني هذه العصا؟ قال: ((آية بيني وبينك يوم القيامة))، فقرنها عبد الله بسيفه فلم تزل معه، حتى إذا مات أمر بها فضمت معه في كفنه، ثم دفنا جميعًا.
كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعطي للجانب الأمني أهميته، ولذلك كان يتابع تحركات الأعداء، ويعدّ بعد ذلك الحلول المناسبة للمشكلات والأزمات في وقتها الملائم، ولذلك لم يمهل خالد بن سفيان حتى يكثر جمعه ويشتد ساعده، بل عمل على القضاء على الفتنة وهي في أيامها الأولى بحزم، وبذلك حقق للأمة مكاسب كبيرة وقلل التضحيات المتوقعة من مجيء خالد بن سفيان بجيش لغزو المدينة، وهذا العمل يحتاج لقدرة في الرصد الحربي، وسرعة في اتخاذ القرار.
وأيضاً فراسة النبي -صلى الله عليه وسلم- في اختيار الرجال: كان -صلى الله عليه وسلم- يتمتع بفراسة عظيمة في اختيار الرجال ومعرفة كبيرة لذوي الكفاءات من أصحابه، فكان يختار لكل مهمة من يناسبها، فيختار للقيادة من يجمع بين سداد الرأي وحسن التصرف والشجاعة، ويختار للدعوة والتعليم من يجمع بين غزارة العلم ودماثة الخلق والمهارة في اجتذاب الناس، ويختار للوفادة على الملوك والأمراء من يجمع بين حسن المظهر وفصاحة اللسان وسرعة البديهة، وفي الأعمال الفدائية يختار من يجمع بين الشجاعة الفائقة وقوة القلب والمقدرة على التحكم في المشاعر، فقد كان عبد الله بن أنيس الجهني قوي القلب ثبت الجنان، راسخ اليقين، عظيم الإيمان، وبجانب هذه الصفات العظيمة التي أهلته لهذه المهمة فهناك سبب آخر فقد كان يمتاز بمعرفة مواطن تلك القبائل لمجاورتها ديار قومه جهينة.
الحدث الثاني: غدر قبيلتي عضل والقارة، وفاجعة الرجيع:
قدم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رهط من قبيلتي عضل والقارة المضريتين إلى المدينة وقالوا: "إن فينا إسلامًا فابعث معنا نفرًا من أصحابك يفقهونا ويقرئونا القرآن ويعلمونا شرائع الإسلام".
ويظهر أن قبيلة هذيل قد سعت للثأر من المسلمين لخالد بن سفيان الهذلي فلجأت إلى الخديعة والغدر، حيث مشت إلى عضل والقارة، وجعلت لهم جعلًا ليخرجوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويطلبوا منه أن يخرج معهم من يدعوهم إلى الإسلام ويفقههم في الدين، فيكمنوا لهم ويأسروهم ويصيبوا بهم ثمنًا في مكة.
وهكذا بعث الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذه السرية التي تتألف من عشرة من الصحابة، وجعل عليهم عاصم بن ثابت بن الأقلح أميرًا، حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة أغار بنو لحيان، وهم قريب من مائتي مقاتل، فألجؤوهم إلى تل مرتفع بعد أن أحاطوا بهم من كل جانب، ثم أعطوهم الأمان من القتل، ولكن قائد السرية أعلن رفضه أن ينـزل في ذمة كافر, وقال عاصم بن ثابت: "إني نذرت ألا أقبل جوار مشرك أبدًا"، فجعل عاصم يقاتلهم، فرماهم بالنبل حتى فنيت نبله، ثم طاعنهم بالرمح حتى كسر رمحه، وبقي السيف فقال: اللهم حميت دينك أول نهاري فاحم لي لحمي آخره، وكانوا يجردون كل من قتل من أصحابه, فكسر غمد سيفه ثم قاتل حتى قُتل، وقد جرح رجلين وقتل واحدًا، ثم شرعوا فيه الأسنة حتى قتلوه، وكانت سلافة بنت سعد قد قُتل زوجها وبنوها أربعة، قد كان عاصم قتل منهم اثنين، فنذرت لأن أمكنها الله منه أن تشرب في قحف رأسه الخمر، وجعلت لمن جاء برأس عاصم مائة ناقة، قد علمت بذلك العرب وعلمته بنو لحيان, فأرادوا أن يحتزوا رأس عاصم ليذهبوا به إلى سلافة بنت سعد ليأخذوا منها مائة ناقة، فبعث الله تعالى عليهم الدبر فحمته, فلم يدنُ إليه أحد إلا لدغت وجهه، وجاء منها شيء كثير لا طاقة لأحد به، فقالوا: دعوه إلى الليل، فإنه إذا جاء الليل ذهب عنه الدبر، فلما جاء الليل بعث الله عليه سيلاً ولم يكن في السماء سحاب في وجه من الوجوه، فاحتمله فذهب به فلم يصلوا إليه.
لقد قتل عاصم في سبعة من أفراد السرية بالنبال، ثم أعطى الأعراب الأمان من جديد للثلاثة الباقين, فقبلوا غير أنهم سرعان ما غدروا بهم بعد ما تمكنوا منهم, وقد قاومهم عبد الله بن طارق فقتلوه واقتادوا الاثنين إلى مكة، وهما خبيب وزيد بن الدثنة فباعوهما لقريش, وكان ذلك في صفر سنة 4 هـ.
فأما خبيب فقد اشتراه بنو الحارث بن عامر بن نوفل ليقتلوه بالحارث الذي كان خبيب قد قتله يوم بدر، فمكث عندهم أسيرًا حتى إذا أجمعوا قتله استعار خبيب موساً من بنات الحارث استحد بها فأعارته، وغفلت عن صبي لها فجلس على فخذه، ففزعت المرأة لئلا يقتله انتقاماً منه، فقال خبيب: "أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله تعالى"، فكانت تقول: "ما رأيت أسيرًا قط خيرًا من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذ ثمرة، وإنه لموثق في الحديد, وما كان إلا رزقًا رزقه الله".
فخرجوا به من الحرم ليقتلوه، فقال: "دعوني أصلي ركعتين"، ثم انصرف إليهم فقال: "لولا أن تروا ما بي جزع من الموت لزدت" فكان أول من سن الركعتين عند القتل هو, ثم قال: "اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا ولا تبق منهم أحدًا" ثم قال:

لقد أجمع الأحزاب حولي وألبوا *** قبائلهم واستجمعوا كل مجمع
وكلهم مبدي العداوة جاهد *** عليَّ لأني في وثاق بمضيع
وقد قربوا أبناءهم ونساءهم *** وقربت من جذع طويل ممنع
إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي *** وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي
فذا العرش صبرني على ما يراد بي *** فقد بضَّعوا لحمي وقد ياس مطمعي
وقد خيروني الكفر، والموت دونه *** فقد ذرفت عيناي من غير مجزع
وما بي حذار الموت إني لميت *** وإن إلى ربي إيابي ومرجعي
ولست أبالي حين أُقتل مسلمًا *** على أي شق كان في الله مضجعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ *** يبارك على أوصال شلوٍ مُمزع
فلست بمبدٍ للعدو تخشعًا *** ولا جزعًا إني إلى الله مرجعي

فقال له أبو سفيان: "أيسرك أن محمدًا عندنا يضرب عنقه وأنك في أهلك"، فقال: "لا والله، ما يسرني أني في أهلي، وأن محمدًا في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه", ثم قُتل وصلبوه ووكلوا به من يحرس جثته، فجاء عمرو بن أمية الضمري، فاحتمله بجذعه ليلاً، فذهب به ودفنه.
وأما زيد بن الدثنة فاشتراه صفوان بن أمية وقتله بأبيه أمية بن خلف الذي قتل ببدر، وقد سأله أبو سفيان قبل قتله: "أنشدك الله يا زيد أتحب أن محمدًا الآن عندنا مكانك تضرب عنقه وأنت في أهلك؟"، فقال: "والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وإني جالس في أهلي"، فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدًا يحب أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا، وقد عرفت هذه الحادثة المفجعة بالرجيع؛ نسبة إلى ماء الرجيع الذي حصلت عنده.
في هذه القصة:
- أن للأسير أن يمتنع من قبول الأمان ولا يمكّن من نفسه ولو قتل، أنفة من أن يجري عليه حكم كافر، وهذا إذا أراد الأخذ بالشدة، فإن أراد الأخذ بالرخصة فله أن يستأمن.
- وفيها تعظيم سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وكيف أن خبيبًا مع أنه في أسر المشركين، ويعلم أنه سيقتل بين عشية أو ضحاها, ومع ذلك كان حريصًا على سنة الاستحداد، واستعار الموس لذلك، وفي هذا تذكير لمن يستهين بكثير من السنن، بل والواجبات بحجة أنه لا ينبغي أن ينشغل المسلمون بذلك للظروف التي تمر بها الأمة، وفي الواقع لا منافاة بين تعظيم السنة والدخول في شرائع الإسلام كافة.
وعندما استعار خبيب الموس من بعض بنات الحارث ليستحدّ بها فأعارته، قالت المرأة: "فغفلت عن صبي لي، تدرج إليه حتى أتاه، فوضعه على فخذه، فلما رأته فزعت منه فزعة عرف ذلك مني، وفي يده الموس، فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله".
إنه موقف رائع يدل على سمو الروح، وصفاء النفس، والالتزام بالمنهج الإسلامي فقد قال تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}
[(164) سورة الأنعام]، إنه الوفاء يتعلمه الناس ممن غدر بهم.
إن الاستقامة طبيعة سلوك المسلم في حالتي الرخاء والشدة.
وفي قول خبيب –رضي الله عنه-: "ما كنت لأفعل إن شاء الله" يشير هذا الأسلوب في البيان العربي إلى أن هذا الفعل غير وارد ولا متصور ولا هو في الحسبان في هذا الظرف الحاسم، الذي قد يتعلق فيه الاستثناء لموقع الضرورة وإنقاذ المهج، لكن المبدأ الأصلي، الوفاء والكف عن البرءاء، لا تنهض له هذه الاعتبارات الموهومة.
وهذا مثل من عظمة الصحابة -رضي الله عنهم- حين يطبقون أخلاق الإسلام على أنفسهم مع أعدائهم, وإن كانوا قد ظلموهم، وهذا دليل على وعيهم وكمال إيمانهم.
الحدث الثالث: طمع عامر بن الطفيل في المسلمين وفاجعة بئر معونة:
عامر بن الطفيل زعيم من زعماء بني عامر كان متكبرًا متغطرسًا، طامعًا في الملك، وكان يرى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سوف تكون له الغلبة على الجزيرة العربية، ولذلك جاء هذا المشرك إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال له: "أخيرك بين ثلاث خصال: أن يكون لك السهل، ولي أهل المدر، أو أن أكون خليفتك من بعدك, أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء"، فرفض -صلى الله عليه وسلم- تلك المطالب الجاهلية.
وجاء إلى المدينة ملاعب الأسنة سيد بني عامر عم عامر بن الطفيل وقدّم إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- هدية، فعرض عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- الإسلام فأبى أن يسلم، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((فإني لا أقبل هدية من مشرك))، فقال ملاعب الأسنة: "فابعث إلى أهل نجد من شئت فأنا لهم جار"، فبعث إليهم بقوم فيهم المنذر بن عمرو، وهو الذي يقال له: المعتق ليموت، أو أعتق الموت، فاستجاش عليهم عامر بن الطفيل بني عامر فأبوا أن يطيعوه، وأبوا أن يخفروا ملاعب الأسنة، فاستجاش عليهم بني سليم فأطاعوه، فاتبعهم بقريب من مائة رجل رام فأدركهم ببئر معونة، فقتلوهم إلا عمرو بن أمية.
ومن حديث أنس –رضي الله عنه- قال: جاء ناس إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: أن ابعث معنا رجالاً يعلمونا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلاً من الأنصار يقال لهم: القرّاء فيهم خالي حرام، يقرؤون القرآن، ويتدارسون بالليل يتعلمون، وكانوا بالنهار يجيؤون بالماء فيضعونه في المسجد، ويحتطبون فيبيعونه، ويشترون به الطعام لأهل الصفة وللفقراء، فبعثهم النبي -صلى الله عليه وسلم- إليهم، فعرضوا لهم فقتلوهم، قبل أن يبلغوا المكان، فقالوا: "اللهم بلغ عنّا نبينا أنا قد لقيناك فرضينا عنك، ورضيت عنا"، قال: وأتى رجل حرامًا خال أنس من خلفه فطعنه برمح حتى أنفذه، فقال حرام: فزت وربِّ الكعبة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه: ((إن إخوانكم قد قتلوا وإنهم قالوا: اللهم بلغ عنّا نبينا أنا قد لقيناك، فرضينا عنك ورضيت عنا)).
وفي هذه الحادثة المؤلمة، والفاجعة المفجعة عبر وفوائد منها:
- أنه لا بد للدعوة من تضحيات: رأينا كيف غدر حلفاء هذيل بأصحاب الرجيع من القراء، الذين أرسلهم النبي -صلى الله عليه وسلم- معلمين ومفقهين في غزوة الرجيع، وها هنا عامر بن الطفيل يغدر بالسبعين القرّاء، الذين استُنفروا للدعوة إلى الله، والتفقيه في دين الله في مجزرة رهيبة دنيئة، وذلك في يوم بئر معونة، وقد تركت هذه المصائب في نفس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- آثارًا غائرة، بعيدة الأعماق حتى إنه لبث شهرًا يقنت في صلاة الفجر، داعيًا على قبائل سليم التي عصت الله ورسوله، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "قنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شهرًا متتابعًا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء وصلاة الصبح، في دبر كل صلاة، إذا قال: سمع الله لمن حمده من الركعة الأخيرة، يدعو على أحياء من بني سليم، على رعل وذكوان وعصية, ويؤمِّن من خلفه", قال أنس بن مالك –رضي الله عنه-: "وذلك بدء القنوت وما كنا نقنت".
لكن ذلك لم يفت في عضد المسلمين، ولا فتر من حميتهم في الدعوة إلى الله, ولا كسر من عزمهم في مواصلة الدعوة وخدمة دين الله؛ لأن مصلحة الدعوة فوق الأنفس والدماء، بل إن الدعوة لا يكتب لها النصر إذا لم تبذل في سبيلها الأرواح، ولا شيء يمكّن للدعوة في الأرض مثل الصلابة في مواجهة الأحداث والأزمات واسترخاص التضحيات من أجلها.
إن الدعوات بدون قوى أو تضحيات، يوشك أن تكون بمثابة فلسفات وأخيلة تلفها الكتب وترويها الأساطير ثم تطوى مع الزمن.
إن حادثتي الرجيع وبئر معونة تبصرنا بالمسؤولية الضخمة عن دين الله والدعوة إليه، ووضعت نصب أعيننا نماذج من التضحيات العظيمة التي قدمها الصحابة الكرام من أجل عقيدتهم ودينهم ومرضاة ربهم.
إن للسعادة ثمنًا، وإن للراحة ثمنًا، وإن للمجد والسلطان ثمنًا، وثمن هذه الدعوة دم زكي يهراق في سبيل الله من أجل تحقيق شرع الله ونظامه, وتثبيت معالم دينه على وجه البسيطة.
- الفائدة الثانية: في قول حرام بن ملحان -رضي الله عنه-: "فزت ورب الكعبة" عندما اخترق الرمح ظهره حتى خرج من صدره، وأصبح يتلقى الدم بيديه، ويمسح به وجهه ورأسه ويقول: "فزت ورب الكعبة".
إن هذا المشهد يجعل أقسى القلوب وأعظمها تحجرًا يتأثر ويستصغر نفسه أمام هؤلاء العظماء الذين لا تصفرّ وجوههم فزعًا من الموت، وإنما يعلوها البشر والسرور، وتغشاها السكينة والطمأنينة.
وهذا المنظر البديع الرائع الذي لا يتصوره العقل البشري المجرد عن الإيمان جعل جبّار بن سَلمى وهو الذي طعن حرام بن ملحان يتساءل عن قول حرام: "فزت ورب الكعبة"، وهذا جبّار يحدثنا بنفسه فيقول: "إن مما دعاني إلى الإسلام، أني طعنت رجلاً منهم يومئذ برمح بين كتفيه فنظرت إلى سنان الرمح حين خرج من صدره فسمعته يقول: "فزت ورب الكعبة"، فقلت في نفسي: "ما فاز؟ ألست قد قتلت الرجل؟ حتى سألت بعد ذلك عن قوله، فقالوا: للشهادة، فقلت: فاز لعمر الله"، فكان سببًا لإسلامه.
الحدث الرابع: غزوة يهود بني النضير:
أصاب يهود المدينة الخوف والرعب طيلة الفترة التي تفصل بين مقتل كعب بن الأشرف وبين معركة أحد، ولكن الهزيمة التي حلت بالمسلمين في تلك المعركة، أحيت في نفوس المشركين والمنافقين الأمل من جديد، بتحقيق مطامعهم وأغراضهم، وأزالت من قلوب اليهود الهلع على المصير، ومما ساهم في تبديد هذا الهلع عندهم مقتل أصحاب الرجيع، وبئر معونة, وبذلك لم يدم خوف اليهود طويلاً وعادوا إلى أساليب الدس والمكر والخداع، وشرعوا في حشد حصونهم بالسلاح والعتاد للانقضاض على المسلمين ودولتهم، ثم صمموا على قتل النبي -صلى الله عليه وسلم- والغدر به.
هناك مجموعة من الأسباب حملت النبي -صلى الله عليه وسلم- على غزوة بني النضير وإجلائهم من أهمها:
- نَقْض بني النضير عهودهم التي تحتم عليهم ألا يؤووا عدوًا للمسلمين، ولم يكتفوا بهذا النقض، بل أرشدوا الأعداء إلى مواطن الضعف في المدينة.
وقد حصل ذلك في غزوة السويق حيث نذر أبو سفيان بن حرب حين رجع إلى مكة بعد غزوة بدر، نذر ألا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو المدينة، فلما خرج في مائتي راكب قاصدًا المدينة قام سيد بني النضير، سلاّم بن مشكم بالوقوف معه وضيافته وأبطن له خبر الناس، ولم تكن مخابرات المدينة غافلة عن ذلك.
- وأيضاً محاولة اغتيال النبي -صلى الله عليه وسلم-: فقد خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- في نفر من أصحابه عن طريق قباء إلى ديار بني النضير يستعينهم في دية القتيلين العامرين اللذين ذهبا ضحية جهل عمرو بن أمية الضمري بجوار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لهما، وذلك تنفيذاً للعهد الذي كان بين النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين بني النضير حول أداء الديات، وإقرارًا لما كان يقوم بين بني النضير وبين بني عامر من عقود وأحلاف.
استقبل بنو النضير النبي -صلى الله عليه وسلم- بكثير من البشاشة والكياسة، ثم خلا بعضهم إلى بعض يتشاورون في قتله والغدر به، واتفقوا على إلقاء صخرة عليه -صلى الله عليه وسلم- من فوق جدار كان يجلس بالقرب منه، ولكن الرسول -صلى الله عليه وسلم- الذي كان برعاية الله وحفظه أدرك مقاصد بني النضير، إذ جاءه الخبر من السماء بما عزموا عليه من شر، فنهض وانطلق بسرعة إلى المدينة، ثم تبعه أصحابه بعد قليل.
لم تكن مؤامرة بني النضير، التي أفشلها الله -سبحانه وتعالى- تستهدف شخص النبي -صلى الله عليه وسلم- فحسب، بل كانت تستهدف كذلك دولة المدينة والدعوة الإسلامية برمتها، لذا صمم النبي -صلى الله عليه وسلم- على محاربة بني النضير، الذين نقضوا العهد والمواثيق معه وأمر أصحابه بالتهيؤ لقتالهم والسير إليهم.
وقد ذكَّر القرآن الكريم المؤمنين بهذه النعمة الجليلة وكيف نجى الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- من مكر يهود بني النضير, قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}
[(11) سورة المائدة].
أنذر النبي -صلى الله عليه وسلم- بني النضير بالجلاء خلال عشرة أيام، وقد أرسل محمد بن مسلمة إليهم، وقال له: ((اذهب إلى يهود بني النضير، وقل لهم: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أرسلني إليكم أن اخرجوا من بلادي؛ لقد نقضتم العهد الذي جعلت لكم مما هممتم به من الغدر، وقد أجلتكم عشرًا، فمن رُئي بعد منكم ضربت عنقه))، ولم يجدوا جوابًا يردون به سوى أن قالوا لمحمد بن مسلمة: يا محمد، ما كنا نظن أن يجيئنا بهذا رجل من الأوس, فقال محمد: "تغيرت القلوب، ومحا الإسلام العهود"، فقالوا: نتحمل، فمكثوا أياما يعدون العدة للرحيل.
وفي تلك المدة أرسل إليهم عبد الله بن أبي بن سلول من يقول لهم: "اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم، وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم, ولا تخرجوا فإن معي من العرب وممن انضوى إلى قومي ألفين، فأقيموا؛ فهم يدخلون معكم حصونكم، ويموتون عن آخرهم قبل أن يصلوا إليكم".
فعادت لليهود بعض ثقتهم، وتشجع كبيرهم حيي بن أخطب وأرسل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول له: "إنا لن نبرح دارنا فاصنع ما بدا لك"، فكبَّر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكبَّر المسلمون معه، وقال: ((حاربت يهود)).
انقضت الأيام العشرة ولم يخرجوا من ديارهم، فتحركت جيوش المسلمين صوبهم، وضربت عليهم الحصار لمدة خمس عشرة ليلة.
وأمر -صلى الله عليه وسلم- بحرق نخيلهم، وقضى بذلك على أسباب تعلقهم بأموالهم وزروعهم, وضعفت حماستهم للقتال، وجزعوا وتصايحوا: "يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من يفعله, فما بال قطع النخيل وتخريبها؟"، وألقى الله في قلوبهم الرعب، وأدرك بنو النضير أن لا مفر من جلائهم، ودب اليأس في قلوبهم وخاصة بعد أن أخلف ابن أبيّ وعده بنصرهم، وعجز إخوانهم أن يسوقوا إليهم خيرًا أو يدفعوا عنهم شرًا, فأرسلوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يلتمسون منه أن يؤمنهم حتى يخرجوا من ديارهم، فوافقهم النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك وقال لهم: ((اخرجوا منها، ولكم دماؤكم وما حملت الإبل إلاّ الدروع والسلاح))، فرضوا بذلك.
ونقض اليهود سقف بيوتهم وعمدها وجدرانها لكي لا ينتفع منها المسلمون، وحملوا معهم كميات كبيرة من الذهب والفضة حتى أن سلام بن أبي الحقيق وحده حمل جلد ثور مملوءًا ذهبًا وفضة، وكان يقول: "هذا الذي أعددناه لرفع الأرض وخفضها، وإن كنا تركنا نخلاً ففي خيبر النخل".
وحملوا أمتعتهم على ستمائة بعير، وخرجوا ومعهم الدفوف والمزامير والقيان يعزفن من خلفهم, حتى لا يشمت بهم المسلمون, فقصد بعضهم خيبر وسار آخرون إلى أذرعات الشام.
وقد تولى عملية إخراجهم من المدينة محمد بن مسلمة بأمر من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان من أشرافهم الذين ساروا إلى خيبر: سلام بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، فلما نزلوها دان لهم أهلها.
تحدث القرآن الكريم عن غزوة بني النضير في سورة كاملة وهي سورة الحشر، وقد سمى حبر الأمة عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- سورة الحشر بسورة بني النضير، وقد بينت هذه السورة ملابسات هذه الغزوة، وفصلت القول فيها، وبينت أحكام الفيء, ومن هم المستحقون له، وأوضحت موقف المنافقين من اليهود، كما كشفت عن حقائق نفسيات اليهود، وضربت الأمثال لعلاقة المنافقين باليهود، وفي أثناء الحديث عن الغزوة وجه سبحانه خطابه إلى المؤمنين وأمرهم بتقواه وحذرهم من معصيته، ثم تحدث سبحانه عن القرآن الكريم، وأسمائه وصفاته، وهكذا كان المجتمع المسلم يتربى بالأحداث على التوحيد وتعظيم منهج الله، والاستعداد ليوم القيامة.
ومن المستجدات بعد هذه الغزوة، تطوير السياسة المالية للدولة الإسلامية: فقد بيَّن -سبحانه وتعالى- حكم الأموال التي أخذها المسلمون من بني النضير بعد أن تم إجلاؤهم, فقال تعالى: {وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
[(6) سورة الحشر]، وبيَّن -سبحانه وتعالى- أن الأموال التي عادت إلى المسلمين من بني النضير قد تفضل بها عليهم بدون قتال شديد؛ وذلك لأن المسلمين مشوا إلى أعدائهم ولم يركبوا خيلاً ولا إبلاً وافتتحها -صلى الله عليه وسلم- صلحًا، وأجلاهم، وأخذ أموالهم ووضعها حيث أمره الله، فقد كانت أموال بني النضير للنبي -صلى الله عليه وسلم- خاصة، ثم بيَّن المولى -عز وجل- أحكام الفيء في قرى الكفار عامة, فقال تعالى: {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [(8) سورة الحشر]، فكانت هذه الغنيمة خالصة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولهذا تصرف فيه كما يشاء فرده على المسلمين في وجوه البر والمصالح التي ذكرها الله -عز وجل- في هذه الآيات.
ولما غنم -صلى الله عليه وسلم- أموال بني النضير، دعا ثابت بن قيس فقال: ((ادع لي قومك))، قال ثابت: "الخزرج؟"، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ((الأنصار كلها))، فدعا له الأوس والخزرج، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم ذكر الأنصار وما صنعوا بالمهاجرين وإنزالهم في منازلهم وأموالهم، وأثرتهم على أنفسهم ثم قال: ((إن أحببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين ما أفاء الله عليَّ من بني النضير، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في منازلكم وأموالكم، وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دوركم))، فقال سعد بن عبادة وسعد بن معاذ: "يا رسول الله، بل نقسم بين المهاجرين ويكونون في دورنا كما كانوا"، وقالت الأنصار: "رضينا وسلمنا يا رسول الله".
وقسم ما أفاء الله، وأعطى المهاجرين ولم يعط أحدًا من الأنصار شيئًا غير أبي دجانة وسهل بن حنيف لحاجتهما، ومع أنه -صلى الله عليه وسلم- يعلم أن الفيء كان خاصًّا له إلا أنه جمع الأنصار وسألهم عن قسمة الأموال لتطييب نفوسهم، وهذا من الهدي النبوي الكريم في سياسة الأمور.
وكانت الغاية من هذا التوزيع تخفيف العبء عن الأنصار، وهكذا انتقل المهاجرون إلى دور بني النضير، وأعيدت دور الأنصار إلى أصحابها، واستغنى بعض المهاجرين مما يمكن أن يقال فيه: إن الأزمة قد بدأت بالانفراج.
إن قسمة أموال بني النضير أوجدت تطورًا كبيرًا في السياسة المالية للدولة الإسلامية، فقد كانت الغنائم الحربية قبل هذه الغزوة تقسم بين المحاربين بعد أن تأخذ الدولة الإسلامية خمسها لتصرف في مصارف معينة حددها القرآن الكريم، وبعد غزوة بني النضير، أصبحت هناك سياسة مالية جديدة فيما يتعلق بالغنائم، وخلاصتها: أن الغنائم الحربية أصبحت حسب السياسة الجديدة على نوعين:
1- غنائم استولى عليها المجاهدون بحد سيوفهم، وهذه الغنائم تقسم بين المجاهدين بعد أن تأخذ الدولة خمسها لتصرفه في مصارفه الخاصة.
2- غنائم يوقعها الله بأيدي المجاهدين دون قتال، وهذا النوع يختص رئيس الدولة الإسلامية بالتصرف فيه حسب ما يرى المصلحة في ذلك، يعالج به الأوضاع الاقتصادية في البلاد، فينقذ الفقراء من فقرهم، أو يشتري به سلاحًا، أو يبني به مدينة أو يصلح به طرقا أو غير ذلك، وهذا يعني أنه قد أصبح لرئيس الدولة الإسلامية ميزانية خاصة يتصرف فيها تصرفًا سريعًا حسب مقتضيات المصلحة.
الحدث الخامس: غزوة ذات الرقاع:

وكان سببها ما ظهر من الغدر لدى كثير من قبائل نجد بالمسلمين، ذلك الغدر الذي تجلى في مقتل أولئك الدعاة السبعين الذين خرجوا يدعون إلى الله تعالى، فخرج -صلى الله عليه وسلم- قاصدًا قبائل محارب وبني ثعلبة، عندما جاءه الخبر أن بني محارب وبني ثعلبة من غطفان قد جمعوا الجموع لحرب المسلمين، فما كان منه -صلى الله عليه وسلم- إلا أن سار إليهم في عقر دارهم على رأس أربعمائة مقاتل وقيل: سبعمائة مقاتل، ولما وصل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى ديارهم خافوا وهربوا إلى رؤوس الجبال، تاركين نساءهم وأطفالهم وأموالهم، وحضرت الصلاة فخاف المسلمون أن يغيروا عليهم، فصلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاة الخوف، وعاد بعدها إلى المدينة.
وقد حققت هذه الحملة العسكرية أغراضها، وتمكنت من تشتيت الحشد الذي قامت به غطفان لغزو المدينة فأرهب تلك القبائل وألقى عليها درسًا بأن المسلمين ليسوا قادرين فقط على سحق من تحدثه نفسه بالاقتراب من المدينة، بل قادرين على نقل المعركة إلى أرض العدو نفسه وضربه في عقر داره.
وسميت بذات الرقاع؛ لأنهم كانوا يربطون على أرجلهم من الخرق والرقاع اتقاء الحر، روى الشيخان بسنديهما عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: "خرجنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نتعقبه، فنقبت أقدامنا، ونقبت قدماي، وسقطت أظفاري، وكنا نَلُفُّ على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع؛ لما كنا نعصب بالخرق على أرجلنا".
وأنزل الله تعالى على نبيه -صلى الله عليه وسلم- صلاة الخوف في هذه الغزوة، وبيَّن القرآن الكريم صفة الصلاة ساعة مواجهة العدو قال تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا}
[(102) سورة النساء].
فقد صلى المسلمون صلاة الخوف، وصفة هذه الصلاة أن طائفة صفت معه، وطائفة في وجه العدو، فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائمًا، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت في صلاته، ثم ثبت جالسًا، وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم.
ولها صفات أخرى ذكرها العلماء في موضعها ليس هنا مجال التفصيل فيه.
وكانت هذه الصلاة بمنطقة نخل تبعد عن المدينة يومين، ودل تشريع صلاة الخوف على أهمية الصلاة، فحتى في قلب المعركة لا يمكن التساهل فيها، ولا يمكن التنازل عنها مهما كانت الظروف، وبذلك تندمج الصلاة والعبادة بالجهاد وفق المنهاج النبوي في تربية الأمة الذي استمد من كتاب الله تعالى، فلا يوجد أي انفصال أو انفصام بين العبادة والجهاد.
وعندما قفل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من غزوة ذات الرقاع أدركته القائلة في أحد الأودية، فنـزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتفرق الناس يستظلون الشجر، ونزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تحت شجرة علق بها سيفه.
قال جابر بن عبد الله: "فنمنا نومة، فإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدعونا، فجئناه فإذا عنده أعرابي جالس، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتًا، فقال لي: من يمنعك مني؟ فقلت له: الله، فها هو ذا جالس)).
لم يعاقبه رسول الله، واسم الأعرابي: غورث بن الحارث. وقد عاهد غورث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ألا يقاتله، ولا يكون مع قوم يقاتلونه، فخلى سبيله، فجاء إلى أصحابه فقال: "جئتكم من عند خير الناس".
الحدث السادس: غزوة بني المصطلِق:
بني المصطلق من القبائل التي أيدت قريش واشتركت معها في معركة أحد ضد المسلمين، إضافة إلى سيطرة هذه القبيلة على الخط الرئيسي المؤدي إلى مكة، فكانت حاجزًا منيعًا من نفوذ المسلمين إلى مكة.
ثم إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- بلغه أن بني المصطلق يجمعون له، وكان قائدهم الحارث بن أبي ضرار ينظم جموعهم، فلما سمع بهم خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له: المريسيع.
عندما شعر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بحركة بني المصطلِق المريبة أرسل بريدة الأسلمي للتأكد من نيتهم، وأظهر لهم بريدة أنه جاء لعونهم فتأكد من قصدهم، فأخبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بذلك.
وفي يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر شعبان من السنة الخامسة للهجرة خرج الرسول -صلى الله عليه وسلم- من المدينة في سبعمائة مقاتل وثلاثين فارسًا متوجهًا إلى بني المصطلق، ولما كان بنو المصطلق ممن بلغتهم دعوة الإسلام، واشتركوا مع الكفار في غزوة أحد، وكانوا يجمعون الجموع لحرب المسلمين، فقد روى البخاري ومسلم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أغار عليهم وهم غافلون وأنعامهم تُسقى على الماء، فقتل مقاتلهم وسبى ذراريهم، ثم قسم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سبايا بني المصطلق على المجاهدين معه، وكان من بين الأسرى جويرية بنت الحارث، وكانت بركة على قومها، ولنسمع قصتها من السيدة عائشة -رضي الله عنها- حيث قالت: "لما قسم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في سهم لثابت بن قيس بن شماس، فكاتبته على نفسها، وكانت امرأة جميلة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فأتت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لتستعينه في كتابتها، قالت: فوالله ما هو أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها، وعرفت أنه سيرى منها ما رأيت، فدَخَلَتْ عليه فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لا يخفى عليك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن شماس فكاتبته على نفسي، فجئتك أستعينك على كتابتي. قال: ((فهل لك في خير من ذلك؟))، قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: ((أقض عنك كتابك وأتزوجك))، قالت: نعم يا رسول الله، قد فعلت، قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد تزوج جويرية بنت الحارث، فقال الناس: أصهار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأرسلوا ما بأيديهم، قالت: فلقد أُعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها".
وجاء الحارث بن أبي ضرار بعد الوقعة بفداء ابنته إلى المدينة، فدعاه النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الإسلام فأسلم.
تعتبر غزوة المريسيع من الغزوات الفريدة المباركة التي أسلمت عقبها قبيلة بأسرها، وكان الحدث الذي أسلمت القبيلة من أجله هو أن الصحابة حرروا وردوا الأسرى الذين أصابوهم إلى ذويهم بعد أن تملكوهم باليمين في قسم الغنائم، واستكثروا على أنفسهم أن يتملكوا أصهار نبيهم -عليه الصلاة والسلام-، وحيال هذا العتق الجماعي، وإزاء هذه الأريحية الفذة، دخلت القبيلة كلها في دين الله.
إن مرد هذا الحدث التاريخي وسببه البعيد هو حب الصحابة للنبي -صلى الله عليه وسلم- وتكريمهم إياه، وإكبارهم شخصه العظيم، وكذلك يؤتي الحب النبوي هذه الثمار الطيبة، ويصنع هذه المآثر الفريدة في التاريخ.
لقد كان زواج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من جويرية بنت الحارث له أبعاده، وتحققت تلك الأبعاد بإسلام قومها، فقد كان الزواج منها من أهدافه الطمع في إسلام قومها، وبذلك يكثر سواد المسلمين، ويعز الإسلام، وهذه مصلحة إسلامية بعيدة يسر الله هذا الزواج وباركه، وحقق الأمل البعيد المنشود من ورائه، فأسلمت القبيلة كلها بإسلام جويرية، وإسلام أبيها الحارث، فقد عاد هذا الزواج على المسلمين بالبركة والقوة، والدعم المادي والأدبي معًا للإسلام والمسلمين.
أصبحت جويرية بنت الحارث زوجة لسيد المرسلين وأُمًّا للمؤمنين، فكانت -رضي الله عنها- عالمة بما تسمع، وعاملة بما تعلم، فقيهة عابدة، تقية ورعة، نقية الفؤاد، مضيئة العقل، مشرقة الروح، تحب الله ورسوله، وتحب الخير للمسلمين، وكانت من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات في مجال مناجاة الله تعالى وتحميده وتقديسه وتسبيحه.
تحدثنا فتقول: "إن النبي -صلى الله عليه وسلم- خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال: ((ما زلت على الحال التي فارقتُكِ عليها؟))، قالت: نعم، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((لقد قلت بعدك أربع كلمات، ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن، سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته)).
وقد توفيت -رضي الله عنها- سنة خمسين، وقيل: ست وخمسين للهجرة.
وفي أثناء رجوع النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة، وقد أغاظ المنافقون انتصاره -عليه الصلاة والسلام- وقلوبهم تتطلع إلى اليوم الذي يهزم فيه المسلمون.
يحكي جابر بن عبد الله ما حدث عند ماء المريسيع، وأدى إلى كلام المنافقين لإثارة العصبية وتمزيق وحدة المسلمين، قال: "كنا في غزاة فكسع - أي ضربه برجله - رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمع ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ((ما بال دعوى الجاهلية؟))، قالوا: يا رسول الله، كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار فقال: ((دعوها فإنها منتنة))، فسمع بذلك عبد الله بن أبي فقال: فعلوها؟ أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فبلغ النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقام عمر فقال: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((دعه؛ لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، ولكن أذن بالرحيل))، وذلك في ساعة لم يكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرتحل فيها، فارتحل الناس.
وقد مشى عبد الله بن أبي ابن سلول إلى رسول الله حين بلغه أن زيد بن أرقم قد بلّغه ما سمعه منه، فحلف بالله ما قلت ما قال ولا تكلمت به، فقال من حضر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الأنصار من أصحابه: "يا رسول الله عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه".
فلما سار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقيه أسيد بن حضير، فحياه بتحية النبوة وسلم عليه ثم قال: "يا نبي الله، لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح في مثلها، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أو بلغك ما قال صاحبكم؟))، قال: "وأي صاحب يا رسول الله؟"، قال: ((عبد الله بن أبي؟))، قال: "وما قال؟"، قال: ((زعم إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل))، قال: "فأنت يا رسول الله تخرجه منها إن شئت؛ هو الذليل وأنت العزيز"، ثم قال: "يا رسول الله، ارفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك، وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه، فإنه يرى أنك استلبت ملكه".
ثم مشى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نيامًا، وإنما فعل ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبد الله بن أبي، ونزلت السورة التي ذكر فيها المنافقون في ابن أبي ومن كان على مثل أمره، فلما نزلت أخذ رسول الله بأذن زيد بن أرقم، ثم قال: ((هذا الذي أوفى الله بأذنه)).
كان لابن أبي بن سلول ولد مؤمن مخلص يسمى عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول، فلما علم بالأحداث ونزول السورة أتى رسول الله فقال له: "يا رسول الله، بلغني أنك تريد قتل أبي بن سلول فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلًا، فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها من رجل أبرّ بوالده مني، وإني لأخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي بين الناس فأقتله، فأقتل رجلاً مؤمنًا بكافر فأدخل النار"، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((بل نترفق به، ونحسن صحبته ما بقي معنا)).
ولما وصل المسلمون مشارف المدينة تصدى عبد الله لأبيه عبد الله بن أبي، وقال له: "قف فوالله لا تدخلها حتى يأذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ذلك"، فلما جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- استأذنه في ذلك، فأذن له.
ومما حصل أيضاً في هذه الغزوة والنبي -صلى الله عليه وسلم- راجع إلى المدينة حادثة الإفك المشهورة، فقد حاك المنافقون في هذه الغزوة حادثة الإفك، بعد أن فشل كيدهم في المحاولة الأولى، وقد انتهت الحادثة بتبرئة أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- بما رماها به المنافقون، وأنزل الله في ذلك آيات تتلى إلى يوم القيامة.
والحمد لله...
 


  

التعليقات

جزاكم الله خير

اللهم أجزك الجنة والفردوس الأعلى منها ، ومثوبة المجاهدين في فلسطين ، وأحفظ اللهم ديار المسلمين عامة ، ورد كيد من اراد بالمسلمين سوءا الى نحره اللهم آمين .
العاب العاب طخ قصص منتديات

neClYMUQ

KnavyDq neClYMUQ

viagra

uyXtLVx viagra OCVVUe cilis 20mg Esywh

viagra

DFMBWvLH viagra 1862 cialis 10mg 8]]]

viagra

xuXfGBdh viagra 5540 cialis generic BXRbTN

viagra

haIMYhKg viagra :-O cialis generic :-O

viagra dosage

hrjWSNIQ viagra dosage pMcjBv cialis reviews >:-OOO

cialis

MQqVfZHX cialis >:-[ viagra %-[[[

cialis

FbHayJ cialis >:]] cialis dosage >:-[

viagra

dSHoNV viagra %-[[[ cialis bestellen 6807 cialis 8614 aquista viagra 0274 cialis >:]] cialis barato qPxqNz

cialis

FwTEgRCr cialis 0324

viagra

uLOCPEss viagra SDvjt viagra 6723

cheap cialis

bXLIqa cheap cialis >:-OOO cialis soft fRoeBO

viagra

KBrjTF viagra 5615 cialis vs viagra RHVjhM viagra :-O cialis vs viagra >:]]

viagra

ABkmbB viagra Fzhep cialis XAwstR viagra 1821 cialis 4417

cialis

sxcVpu cialis %-[[[ buy cialis online hsyes viagra 8780 cheap viagra neNZv

cialis

aXwEjG cialis 2422 buy intagra YsRZJF buy cialis super active hxnnbk viagra 8]]] buy suhagra %-[[[ levitra 8725

cialis

dweGWg cialis =-] viagra 2859 viagra %-[[[ cialis OgoJt

cialis generic

JIaQHtIs cialis generic %-[[[ cialis :-O viagra 100 mg >:-[ viagra %-[[[

cialis

VGgFyPq cialis 8372 viagra price iwaLyC viagra säljes %-[[[ cheap cialis OcQRfZ viagra 8769

order viagra

vljvZO order viagra FPHvpV Kamagra Oral Jelly 4381 cialis uDCeM Cheap Levitra evPRL cialis hzaMK Cialis 0169

cialis goedkoop

cisjCjfc cialis goedkoop ZrsqHa viagra voorschrift %-[[[ cialis >:-[ levitra :-O kamagra AVvxE cialis >:-[

viagra

ILeoSkR viagra Qepge viagra JIqFv comprare cialis %-[[[ kamagra 0544 kamagra 0337 levitra 2377

viagra

cLgOBPU viagra >:]] cialis 4248 viagra 6643 cialis OTWtZA

levitra

oTFPbdKl levitra XoALnc viagra PHqpT viagra AXZyzl Kamagra Pndoqi order Levitra oKMJpV viagra 6046

levitra

rUuLjMoo levitra 2932 kamagra costo 0183 cialis ervaringen hLyHjA viagra =-] cialis >:-OOO levitra 1262

levitra

CRgwXuU levitra 0663 acheter viagra 0845 viagra >:-OOO köpa levitra billigt cjPMWn kamagra >:]] levitra 2212

viagra

kXxqFFH viagra %-[[[ viagra %-[[[ levitra :-O levitra >:-[ viagra zihvfy kamagra 9774

cheap cialis

DdaqRTt cheap cialis 8]]] viagra >:]] Buy Levitra 4164 viagra HhFbc buy Priligy 6588

achat levitra

cSAOpi achat levitra 3878 viagra RYxSg Buy Cialis :-O levitra 2791 viagra >:-[


 
حركة الجهاد والفتح الإسلامي في عهد الدولة الأموية

القائمة البريدية

154.63