خدمة rss
السيرة النبوية (10)



  
   

السيرة النبوية
الدرس العاشر
أهم الأحداث بين غزوتي بدر وأحد

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد

 

الأحداث التي حصلت بعد غزوة بدر وقبل أحد كثيرة، اخترنا أهم ثلاثة منها:
أولًا: الغزوات التي قادها الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد بدر وقبل أحد:
أولًا: غزوة ماء الكدر في بني سليم: غزا النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد سبع ليالٍ من عودته إلى المدينة من غزوة بدر، وبلغ ماء الكدر في ديار بني سليم الذين قصدهم بغزوته هذه، غير أنه لم يلق حربًا، فأقام ثلاث ليالٍ على الماء ثم رجع إلى المدينة.
كان سبب تلك الغزوة تجمع أفراد بني سليم لمقاتلة المسلمين والاعتداء عليهم بعد معركة بدر مباشرة ولكن الرسول -صلى الله عليه وسلم- فاجأهم بهجوم سريع غير متوقع، فهرب بنو سليم وتفرقوا على رؤوس الجبال، وبقيت إبلهم مع راعٍ لها يدعى يسارًا، فاستاق الرسول -صلى الله عليه وسلم- الإبل مع راعيها، وعند موضع صرار على ثلاثة أميال من المدينة، قسم النبي -صلى الله عليه وسلم- الإبل التي كان عددها خمسمائة بعير على أصحابه، فأصاب الواحد منهم بعيرين، ونال النبي -صلى الله عليه وسلم- خمسها، وكان يسار من نصيبه، ولكنه أعتقه بعد ذلك.
ثانيًا: غزوة السويق: قدم أبو سفيان بمائتي فرس من مكة، وسلك طريق النجدية حتى نزلوا حي بني النضير ليلًا، واستقبلهم سلام بن مشكم سيد بني النضير، فأطعمهم وأسقاهم وكشف لهم عن أسرار المسلمين، وتدارس معهم إحدى الطرق لإيقاع الأذى بالمسلمين، ثم قام أبو سفيان بمهاجمة ناحية العُريض - وادٍ بالمدينة في طرف حرة واقم - فقتل رجلين وأحرق نخلًا وفر عائدًا إلى مكة، فتعقبه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مائتي رجل من المهاجرين والأنصار، ولكنه لم يتمكن من إدراكهم؛ لأن أبا سفيان ورجاله قد جدوا في الهرب، وجعلوا يتخففون من أثقالهم ويلقون السويق التي كان يحملونها لغذائهم، وكان المسلمون يمرون بهذه الجرب فيأخذونها، حتى رجعوا بسويق كثير، لذا سميت هذه الغزوة بغزوة السويق، وعاد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة بعد أن غاب عنها خمسة أيام دون أن يلقى حربًا.
ثالثًا: غزوة ذي أمر: جاءت الأخبار من قِبَل رجال الاستخبارات الإسلامية تفيد بأن رجال قبيلتي ثعلبة ومحارب تجمعوا بذي أمر بقيادة دُعثور بن الحارث المحاربي، يريدون حرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والإغارة على المدينة، فاستعمل النبي -صلى الله عليه وسلم- على المدينة عثمان بن عفان وخرج في أربعمائة وخمسين من المسلمين بين راكب وراجل، فأصابوا رجلًا بذي القصة يقال له: جبار من بني ثعلبة، كان يحمل أخبارًا عن قومه أسرَّ بها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقد دخل في الإسلام وانضم إلى بلال ليتفقه في الدين، أما المشركون من بني ثعلبة ومحارب ما لبثوا أن فروا إلى رؤوس الجبال عند سماعهم بمسير المسلمين، وبقي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في نجد مدة تقارب الشهر دون أن يلقى كيدًا من أحد وعاد بعدها إلى المدينة.
وفي هذه الغزوة أسلم دعثور بن الحارث الذي كان سيدًا مطاعًا بعد أن حدثت له معجزة على يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقد أصاب المسلمين في هذه الغزوة مطرٌ كثيرٌ فابتلت ثياب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فنـزل تحت شجرة ونشر ثيابه لتجف، واستطاع دُعثور أن ينفرد برسول الله بسيفه، فقال: "يا محمد من يمنعك مني اليوم؟"، قال: ((الله))، ودفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده فأخذه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ((من يمنعك مني)) قال: "لا أحد، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والله لا أكثر عليك جمعًا أبدًا"، فأعطاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سيفه فلما رجع إلى أصحابه فقالوا: "ويلك، ما لك؟ فقال: "نظرت إلى رجل طويل فدفع صدري فوقعت لظهري, فعرفت أنه ملك، وشهدت أن محمدًا رسول الله، والله لا أكثر عليه جمعًا".
وجعل يدعو قومه إلى الإسلام، ونزل في ذلك قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}
[(11) سورة المائدة].
رابعًا: غزوة بحران: كانت هذه الغزوة في شهر جمادى الأولى من السنة الثالثة للهجرة، وقد خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- في ثلاثمائة من المسلمين حتى بلغ بحران بين مكة والمدينة يريد قتال بني سليم, فوجدهم قد تفرقوا فانصرف عنهم، وعاد إلى المدينة بعد أن أمضى خارجها عشر ليالٍ.
خامسًا: سرية زيد بن حارثة إلى القُردة: أصبح مشركو مكة بعد هزيمتهم في بدر يبحثون عن طريق أخرى لتجارتهم للشام، فأشار بعضهم إلى طريق نجد العراق، وقد سلكوها بالفعل، وخرج منهم تجار فيهم أبو سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية, وحويطب بن عبد العزى، ومعهم فضة وبضائع كثيرة، بما قيمته مائة ألف درهم، فبلغ ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بواسطة أحد أفراد جهاز الأمن الإسلامي يدعى سليط بن النعمان –رضي الله عنه-، فبعث -صلى الله عليه وسلم- زيد بن حارثة في مائة راكب لاعتراض القافلة، فلقيها زيد عند ماء يقال له القردة، وهو ماء من مياه نجد، ففر رجالها مذعورين، وأصاب المسلمون العير وما عليها، وأسروا دليلها فرات بن حيان الذي أسلم بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلم-, وعادوا إلى المدينة، فخمسها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ووزع الباقي بين أفراد السرية.
نلحظ في هذه الغزوات قدرة القيادة الإسلامية على رصد تحركات العدو، ومعرفة قوته وخططه ومدده، لكي تحطم هذه التجمعات المناوئة للدولة الإسلامية الفتية قبل أن يستفحل أمر هذه القبائل، وتصبح خطرًا على المدينة.
وهذه الغزوات في هذه الصحراء المترامية الأطراف كانت دورات تدريبية تربوية للصحابة الكرام، وسعدت سرايا الصحابة بقيادة النبي -صلى الله عليه وسلم- لها، فقد كانت تلك الدورات العملية التدريبية القتالية التربوية مستمرة، وتمتد من خمسة أيام إلى شهر، تتم فيها الحياة الجماعية، ويتربى جنود الإسلام على السمع والطاعة، والتدريب المتقن, ويكتسبون خبرات جديدة تساعدهم على تحطيم الباطل وتقوية الحق.
لقد كان المنهاج النبوي الكريم يهتم بتربية الصحابة في ميادين النـزال، ولا يغفل عن المسجد ودوره في صقل النفوس، وتنوير العقول، وتهذيب الأخلاق من خلال وجود المربي العظيم -صلى الله عليه وسلم- الذي أصبحت تعاليمه تشع في أوساط المجتمع من خلال القدوة والعبادة الخاشعة لله -عز وجل-، فالمنهاج النبوي الكريم جمع بين الدورات المسجدية التربوية والدورات العسكرية التربوية المكثفة؛ لكي يقوي المجتمع الجديد، وترص صفوفه، ويكسب الخبرات؛ لكي تقوم بنشر الإسلام في الآفاق.
ثانيًا: غزوة بني قينقاع: الحدث الثاني من الأحداث المهمة والتي حصلت بعد غزوة بدر وقبل غزوة أحد: غزوة بني قينقاع.
لم يلتزم يهود بني قينقاع بالمعاهدة التي أبرمها الرسول -صلى الله عليه وسلم- معهم، ولم يوفوا بالتزاماتهم التي حددتها، ووقفوا من الرسول -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين مواقف عدائية، فأظهروا الغضب والحسد عندما انتصر المسلمون في بدر، وجاهروا بعداوتهم للمسلمين.
وقد جمعهم النبي -صلى الله عليه وسلم- في سوقهم بالمدينة ونصحهم ودعاهم إلى الإسلام، وحذرهم أن يصيبهم ما أصاب قريشًا في بدر, غير أنهم واجهوا النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتحدي والتهديد رغم ما يفترض أن يلتزموا به من الطاعة والمتابعة لبنود المعاهدة التي جعلتهم تحت رئاسته، فقد جابهوه بقولهم: "يا محمد، لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وإنك لم تلق مثلنا".
وهكذا بدأت الأزمة تتفاعل إذ لم يكن في جوابهم ما يشير إلى الالتزام والاحترام، بل على العكس فإنهم قد أظهروا روحًا عدائيًا، وتحديًا واستعلاء واستعدادًا للقتال، فأنزل الله -سبحانه وتعالى- فيهم قوله تعالى: {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ* قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ}
[(12-13) سورة آل عمران].
أضمرت بنو قينقاع نقض العهد الذي بينهم وبين المسلمين، وأخذوا يتحينون الفرصة السانحة لمناوشة المسلمين، حتى جاءتهم فرصتهم الحقيرة الدنيئة عندما جاءت امرأة من العرب قدمت بجَلَب لها، فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوءتها، فضحكوا بها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله وكان يهوديًا، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود فغضب المسلمون فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع، فحين علم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بذلك سار إليهم على رأس جيش من المهاجرين والأنصار، وذلك يوم السبت للنصف من شوال من السنة الثانية للهجرة, وكان الذي حمل لواء المسلمين يومئذ حمزة بن عبد المطلب –رضي الله عنه-، واستخلف -صلى الله عليه وسلم- على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر العمري, وحين سار إليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نبذ إليهم العهد كما أمره الله تعالى في قوله: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ}
[(58) سورة الأنفال].
علم اليهود بمقدمه -صلى الله عليه وسلم- فتحصنوا في حصونهم، فحاصرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- خمس عشرة ليلة، واستمر الحصار حتى قذف الله في قلوبهم الرعب واضطروا للنـزول على حكمه -صلى الله عليه وسلم-, فقد فاجأهم -صلى الله عليه وسلم- بأسلوب الحصار، فأربكهم وأوقعهم في حيرة من أمرهم بعد أن قطع عنهم كل مدد وجمّد حركتهم، فعاشوا في سجن مما جعلهم في النهاية ييأسون من المقاومة والصبر، فبعد أن كانوا يهددون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبأنهم قوم يختلفون بأسًا وشدة عن مشركي قريش، إذا بهم يضطرون للنـزول على حكم الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فأمر بهم فرُبطوا فكانوا يُكتّفون أكتافًا، واستعمل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على كتافهم المنذر بن قدامة السلمي الأوسي.
حاول ابن سلول زعيم المنافقين أن يحل حلفاءه من وثاقهم، فعندما مر عليهم قال: حلوهم, فقال المنذر: "أتحلون قومًا ربطهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ والله لا يحلهم رجل إلا ضربت عنقه", فاضطر عبد الله بن أبي ابن سلول أن يتراجع عن أمره ويلجأ إلى استصدار الأمر من النبي -صلى الله عليه وسلم- بفك أسرهم.
فأتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا محمد أحسن في موالي - وكانوا حلفاء الخزرج - قال: فأبطأ عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: "يا محمد، أحسن في موالي"، قال: فأعرض عنه، فأدخل ابن أبي يده في جيب درع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أرسلني))، وغضب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى رأوا لوجهه ظللًا, ثم قال: ((ويحك أرسلني))، قال: "لا والله، لا أرسلك حتى تحسن في موالي أربع مائة حاسر، وثلاثة مائة دارع، قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة؟ إني والله امرؤ أخشى الدوائر"، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((هم لك))، فخلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سبيلهم ثم أمر بإجلائهم، وغنم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمسلمون ما كان لديهم من مال.
ويظهر في هذا الخبر حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يتفادى حدوث فتنة في مجتمع المؤمنين، حيث إن بعض الأنصار حديثو عهد بالإسلام، ويخشى أن يؤثر فيهم رأس المنافقين عبد الله بن أبي لسمعته الكبيرة فيهم, ولذلك سلك -صلى الله عليه وسلم- معه أسلوب المداراة والصبر عليه وعلى إساءته تجنبًا للفتنة وإظهارًا لحقيقة الرجل من خلال تصرفاته ومواقفه عند من يجهلها، ومن ثم يفر الناس من حوله ولا يتعاطفون معه، وقد حقق هذا الأسلوب نجاحًا باهرًا، فقد ظهرت حقيقة ابن سلول لجميع الناس حتى أقرب الناس إليه ومنهم ولده عبد الله، فكانوا بعدها إذا تكلم أسكتوه، وتضايقوا من كلامه, بل أرادوا قتله.
ولما تقرر جلاء بني قينقاع أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عبادة بن الصامت أن يجليهم، فقالت بنو قينقاع: "يا محمد، إن لنا دَينًا في الناس"، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((تعجلوا وضعوا))، وأخذهم عبادة بالرحيل والإجلاء، وطلبوا التنفس، فقال لهم: "ولا ساعة من نهار, لكم ثلاث لا أزيد عليها, هذا أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولو كنت أنا ما نفستكم"، فلما مضت ثلاث، خرج في آثارهم حتى سلكوا إلى الشام وهو يقول: "الشرف الأبعد الأقصى فالأقصى"، ثم رجع ولحقوا بأذرعات.
وهكذا خرج بنو قينقاع من المدينة صاغرين قد ألقوا سلاحهم وتركوا أموالهم غنيمة للمسلمين، وهم كانوا من أشجع يهود المدينة، وأشدهم بأسًا، وأكثرهم عددًا وعدة؛ ولذلك لاذت القبائل اليهودية بالصمت والهدوء فترة من الزمن بعد هذا العقاب الرادع، وسيطر الرعب على قلوبهم وخضدت شوكتها.
ثالثًا: أيضًا من الأحداث المهمة: تصفية المحرضين على الدولة الإسلامية:
إن خطر المحرضين على الفتنة لا يقل عن خطر الذين يشهرون السيوف لقتال المسلمين، إذ لولا هؤلاء المحرضون لما قامت الفتنة، لذلك أخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتتبع هؤلاء المحرضين ويقتلهم إطفاء لنار الفتنة، وتمكينًا للحق، وقد قتل منهم خلقًا بعد موقعة بدر منهم:
- عصماء بنت مروان: التي كانت تحرض على النبي -صلى الله عليه وسلم- وتعيب الإسلام, فقد أقدم عمير بن عدي الخطمي –رضي الله عنه- على قتلها، وحين سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك عما إذا كان عليه شيء؟ قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((نصرت الله ورسوله يا عمير))، ثم قال: ((لا ينتطح فيها عنزان))، وقد أسلم نتيجة ذلك عدد من بني خطمة وجهر بالإسلام منهم من كان يستخفي.
- كذلك مقتل أبي عفك اليهودي: كان أبو عفك شيخًا كبيرًا من بني عمرو بن عوف وكان يهوديًا، يحرض على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويقول الشعر، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من لي بهذا الخبيث؟))، فخرج له الصحابي سالم بن عمير فقتله.
- وأهم حدث في تصفية المحرضين على الدولة ما بين بدر وأحد هو مقتل كعب بن الأشرف:
هاجر النبي -صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى المدينة، وبدأ في وضع قواعد الدولة الجديدة، وكان أهل المدينة عندما قدم عليهم النبي -صلى الله عليه وسلم- على ثلاثة أقسام: المسلمون من الأنصار، والمنافقون، واليهود، وكان المنافقون واليهود لا يعنيهم شأن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا يلقون له بالًا، ويظنون أنه عما قريب سيُقتل ويهزم وينتهي أمره.
مضى الشهر الأول ثم الثاني ثم الخامس ثم العاشر، ثم انتهت السنة الأولى ودخلت السنة الثانية وحدث ما لم يكن في الحسبان، حدث ما لم يتوقعه المنافقون واليهود، التقى المسلمون مع كفار قريش من غير ميعاد، فكان يوم الفرقان -غزوة بدر- وانتصر النبي -صلى الله عليه وسلم- على من آذوه وأخرجوه، فتبعثرت أوراق اليهود المنافقين في المدينة، وحصلت ربكة غير طبيعية، وبدأت الجلسات السرية والمباحثات حول هذا الحدث، وشعروا منذ تلك اللحظة بخطورة هذا الكيان الجديد، وبدأت العداوة العملية للنبي -صلى الله عليه وسلم- وللمسلمين في المدينة.
بدأ معسكر الكفر وقد اجتمعت أجنحة المكر الثلاثة اليهود والمنافقون ومشركو مكة، وأظهروا عداوتهم الشديدة بعد غزوة بدر، قال الله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ}
[(82) سورة المائدة]، وانبرى شعراء اليهود في هجاء المسلمين والوقيعة في أعراضهم، وهو ما نسميه اليوم الحرب الإعلامية على الدعوة، ولم يسلم حتى الرسول -صلى الله عليه وسلم- وكان على رأس هؤلاء اليهود رجل يسمى كعب بن الأشرف.
ينتسب كعب بن الأشرف إلى بني نبهان من قبيلة طيء، كان أبوه قد أصاب دمًا في الجاهلية, فقدم المدينة وحالف يهود بني النضير، وتزوج عقيلة بنت أبي الحقيق فولدت له كعب, فظاهره عربي أصيل لكن قلبه يركع تحت عرش اليهود، وكان شاعرًا ناصب الإسلام، وقد غاظه انتصار المسلمين على قريش في معركة بدر، فسافر إلى مكة يهجو النبي -صلى الله عليه وسلم- ويحرض قريش على الثأر لقتلاهم الذين كان ينوح عليهم ويبكيهم في شعره، ويدعو إلى القضاء على الرسول والمسلمين.
واستمر كعب بن الأشرف في أذية الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالهجاء وتشجيع قريش لمحاربة المسلمين، واستغوائهم على النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال له أبو سفيان: أناشدك الله، أديننا أحبُّ إلى الله أم دين محمد وأصحابه؟"، قال: "أنتم أهدى منهم سبيلًا", ثم خرج مقبلًا قد أجمع رأي المشركين على قتال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معلنًا بعداوته وهجائه. ولما قدم المدينة أعلن معاداة النبي -صلى الله عليه وسلم- وشرع في هجائه، وبلغت به الوقاحة والصلف أن يمتد لسانه إلى نساء المسلمين، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحث حسانًا للتصدي لكعب بن الأشرف، فكان -صلى الله عليه وسلم- يعلم حسانًا أين نزل ابن الأشرف في مكة؟ فعندما نزل على المطلب بن أبي وداعة بن ضميرة السهمي وزوجته عاتكة بنت أسيد بن أبي العيص, فأبلغ -صلى الله عليه وسلم- حسان بن ثابت بذلك فهجاهم لإيوائهم ابن الأشرف، فلما بلغ عاتكة بنت أسيد هجاء حسان نبذت رحل اليهودي كعب بن الأشرف وقالت لزوجها: "ما لنا ولهذا اليهودي؟ ألا ترى ما يصنع بنا حسان؟".
وتحول كعب إلى أناس آخرين، وكان كلما تحول إلى قوم آخرين دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حسانًا وأخبره أين نزل ابن الأشرف فيهجو من نزل عندهم فيطردونه، وظل يلاحقه حتى لفظه كل بيت هناك, فعاد إلى المدينة راغمًا بعد أن ضاقت في وجهه السبل ينتظر مصيره المحتوم وجزاءه الذي يستحقه.
وكان ممن رافق كعب إلى مكة شيطان خيبر حيي بن أخطب، فقال أهل مكة لحيي وكعب: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم فأخبرونا عنا وعن محمد، فقالوا: ما أنتم وما محمد؟ فقالوا نحن نصل الأرحام وننحر الإبل ونسقي الماء على اللبن ونفك الأسير ونسقي الحجيج، أما محمد فصنبور قطع أرحامنا واتّبعه سرّاق الحجيج، فنحن خير أم هو؟ فقالا: أنتم خير وأهدى سبيلًا، فأنزل الله تعالى قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً* أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا}
[(51-52) سورة النساء].
لقد قام اليهودي ابن الأشرف بجرائم كثيرة، وخيانات عديدة وإساءات متعددة للرسول -صلى الله عليه وسلم- وللمسلمين والمسلمات القانتات العابدات، وكل جريمة من هذه الجرائم تعد نقضًا للعهد تستوجب عقوبة القتل، فكيف إذا اجتمعت هذه الجرائم كلها في هذا اليهودي الشرير؟
إن ابن الأشرف بهجائه للنبي -صلى الله عليه وسلم- وإظهاره التعاطف مع أعداء المسلمين ورثاء قتلاهم وتحريضهم على المسلمين يكون قد نقض العهد وصار محاربًا مهدور الدم، ولذلك أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بقتله، وقد ذكر البخاري -رحمه الله- في صحيحه خبر مقتله، فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من لكعب بن الأشرف؛ فإنه قد آذى الله ورسوله))، فقام محمد بن مسلمة، فقال: "يا رسول الله، أتحب أن أقتله؟" قال: ((نعم))، قال: "فأذن لي أن أقول شيئًا، قال: ((قل)).
جلس بعدها محمد بن مسلمة ثلاثة أيام يفكر في كيفية قتل كعب بن الأشرف، رجع محمد بن مسلمة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يستشيره في الأمر، فقال له الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ((لا تعجل حتى تشاور سعد بن معاذ))، وكان سعد منظرًا ذكيًا، فقال سعد لمحمد: اذهب إليه واشتكي إليه الحاجة، وسله أن يسلفكم طعامًا.
انطلق محمد بن مسلمة وذهب معه أبو نائلة -وهو أخو كعب بن الأشرف من الرضاع- فأتى ابن مسلمة إلى كعب في حصنه فقال له: إن هذا الرجل - يعني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد سألنا صدقةً ونحن لا نجد ما نأكل، وإنه قد أتعبنا وشق علينا وإني قد أتيتك أستسلفك، ثم تكلم أبو نائلة فقال: لقد كان قدوم هذا الرجل علينا بلاءً؛ عادتنا العرب ورمتنا عن قوس واحدة وقطعت عنا السبيل حتى ضاع العيال وجهدت الأنفس"، فقال كعب: لم تروا شيئًا كثيرًا بعد، وهذا قليل من اتباع هذا الرجل.
فلما رأى ابن مسلمة أن الحيلة قد انطلت على كعب قال: إنا قد اتبعناه ولا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلفنا وسقًا أو وسقين.
فقال كعب: وأين طعامكم؟، قالا: أنفقناه على هذا الرجل وعلى أصحابه، فقال كعب: أسلفكم ولكن ارهنوني، قالوا: وأي شيء تريد؟"، قال: "ارهنوني نساءكم"، قالوا:" كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب تُعجب بك النساء؟"، فانتشى لسماع هذا الكلام وأعجبه هذا المديح، فقال: "فارهنوني أبناءكم"، قالوا: "كيف نرهنك أبناءنا وفي هذا عار علينا وستتكلم العرب؟ لكن نرهنك سلاحنا مع علمك بحاجتنا إليه". قال: "نعم"، وهذه الحيلة أيضًا انطلت عليه.
فقال أبو نائلة: "إن معي أصحابًا لي على مثل رأيي إن أردت آتيك بهم"، أراد أبو نائلة ألا ينكر كعب السلاح إذا جاؤوا بها.
تم الاتفاق بين الطرفين على أن يأتوه بالسلاح ليأخذوا منه الطعام.
رجعا إلى المدينة -رضي الله عنهما- وأخبرا الرسول -صلى الله عليه وسلم- بما جرى، ثم أخذوا ما أرادوا من السلاح والرجال، فلما أرادوا الرجوع إلى كعب قام معهم النبي -صلى الله عليه وسلم- ومشى معهم إلى بقيع الغرقد ثم وجههم فقال: ((انطلقوا على اسم الله))، ثم دعا لهم: ((اللهم أعنهم)).
رجع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى بيته وكانت ليلة مُقمرة، فانطلقوا حتى أتوا حصنه، وكان معهم عباد بن بشر والحارث بن أوس وأبو عبس بن جبر -رضي الله عن الجميع- فرقة لمكافحة وإبادة العناصر الشريرة في البلد.
هتف أبو نائلة وصاح من تحت الحصن: يا أبا سعيد، كنية كعب بن الأشرف، فقال: سامعًا دعوت -وكان كعب حديث عهد بعرس- فوثب لما سمع النداء من تحت ملحفته، فدعاهم إلى الحصن ونزل إليهم، فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة؟، فقال: إنما هو محمد بن مسلمة وأخي أبو نائلة، فقالت له: أنت امرؤ مُحارب وإن أصحاب الحرب لا ينـزلون في هذه الساعة، فقال كعب: إنه أبو نائلة لو وجدني نائمًا ما أيقظني، فقالت المرأة: والله إني لأعرف في صوته الشر، وإني أسمع صوتًا كأنه يقطر منه الدم، فتعلقت به الزوجة، لكن مع كل هذه النذر نزل إليهم في ظلام الليل ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
وجلست المرأة ترقب ما عسى أن يكون، فلما نزل إليهم جلس وتحدث معهم ساعة، وكان قد نزل إليهم متوشحًا بوشاح وهو ينفح منه رائحة الطيب.
ولما اطمأن إليهم قالوا له: هل لك يا ابن الأشرف أن نتماشى إلى شعب العجوز فنتحدث به بقية ليلتنا هذه؟ قال: إن شئتم، فخرجوا ومشوا ساعة -وهذه أيضًا انطلت عليه- وهكذا لو كتب الله شيئًا، وأراد المولى حدوث شيء فإنه يهيئ لها الأسباب، وتفوت أتفه الأشياء على أكابر الرجال والعقول، وتتعجب كيف انطلت كل هذه الأمور على مثل كعب، إنها إرادة الله وتسخير جنوده لحفظ دينه، {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}
[(82) سورة يــس].
اتفق أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- على أن يمسك أبو نائلة برأس كعب ليشم رائحة الطيب فإذا استمكن منه ومن رأسه علوه بقية أصحابه بأسيافهم وأسلحتهم.
فأولًا مسك أبو نائلة يد كعب بن الأشرف وشمها ثم قال: ما رأيت كالليلة طيبًا أعطر من هذا، قال كعب: عندي أعطر نساء العرب وأكمل العرب، فقال له: أتأذن لي يا أبا سعيد أن أشم رأسك وأمسح به عيني ووجهي، قال الغبي: نعم، فمكنه من رأسه، ثم مشى معه ساعة، وأصحابه حوله -رضوان الله عليهم- فعاد لمثلها وشم رأسه ثم مشى معه ساعة حتى اطمأن كعب تمامًا ثم قال له: أتأذن لي؟ قال نعم، فلما تمكن منه صاح أبو نائلة بأصحابه وقال: دونكم اضربوا عدو الله، فاختلفت أسيافهم عليه، فأخذ محمد بن مسلمة بقرون شعره وقال: اقتلوا عدو الله، فالتفت عليه السيوف، وأصاب حدّ بعض السيوف الحارث بن أوس -رضي الله عنه- في ظلمة الليل فنـزف دمه، عندها صاح كعب بن الأشرف صيحة لم يبق حصن من حصون اليهود إلا أوقدت عليه نار لينظروا ما الخبر، فصاحت امرأة كعب وكانت ترقب ما يحدث تحت ضوء القمر وصاحت يا آل قريظة والنضير، يا آل قريظة والنضير، فأخرج محمد بن مسلمة سيفًا صغيرًا فوضعه في سُرَّة كعب واتكأ عليه حتى انتهى إلى عانته ثم احتزوا رأسه وأخذوه معهم.
بدأ اليهود في هذا الوقت بالخروج من حصونهم لرؤية ما حدث ولعلهم يمسكوا بأصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكن محمد بن مسلمة وأصحابه قد خرجوا وتركوا تلك المنطقة إلى مناطق مجاورة، فخرجوا من حرة إلى حرة، ومن شعب إلى آخر، حتى بلغوا حرة العريض، وعندما وصلوا إليها افتقدوا الحارث بن أوس فإن السيف الذي أصابه أثر فيه فصار ينـزف دمًا، فوقفوا ينتظرون ساعة حتى وصل -رضي الله عنه- وهو في جهد جهيد فاحتملوه، ثم أقبلوا سراعًا حتى دخلوا المدينة، واجتمعت يهود وأخذوا يبحثون عن أحد يرونه فلم يعثروا على أحد ولا أثر.
ولما بلغ أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- بقيع الغرقد كبّروا، وقد قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تلك الليلة يصلي، فلما سمع تكبيرهم كبر وعرف أنهم قد قتلوه، فانتهوا إليه، فلما رآهم قال: ((أفلحت الوجوه))، فقالوا: "ووجهك يا رسول الله"، ورموا برأسه بين يديه، فحمد الله على قتله.
إن في مقتل كعب بن الأشرف دروسًا وعبرًا وفوائد في فقه النبي -صلى الله عليه وسلم- في تعامله مع خصوم الإسلام والدولة الإسلامية، فقد اتضح أن عقوبة الناقض للعهد القتل, وهذا ما حكم به النبي -صلى الله عليه وسلم-, وعقوبة المعاهد الذي يشتم الرسول -صلى الله عليه وسلم- ويؤذيه بهجاء أو غيره هي القتل, وهذا ما كان لابن الأشرف، ويؤخذ من هذا أن شاتم الرسول -صلى الله عليه وسلم- سواء كان معاهدًا أو غيره تضرب عنقه عقوبة له، وقد أجاد شيخ الإسلام ابن تيمية في تفصيل هذه الأحكام في كتابه القيم "الصارم المسلول على شاتم الرسول -صلى الله عليه وسلم-".
ويؤخذ من طريقة تنفيذ حكم الرسول -صلى الله عليه وسلم- باليهودي ابن الأشرف, أن الحكم قد تقتضي المصلحة العامة للمسلمين أن ينفذ سرًّا، ويتأكد هذا إن كان يترتب على تنفيذه بغير هذه الصورة السرية فتنة أو خطر قد يكلف المسلمين ثمنًا باهظًا.
وقد بينت هذه الصورة على أن مواجهة الكفار أعداء الإسلام ومحاربي الدولة الإسلامية لا تقتصر على مواجهتهم في ميدان المعارك، وإنما تتعدى ذلك إلى كل عمل تحصل به النكاية بالأعداء، ما لم يكن إثمًا، وقد يوفر القضاء على رجل له دوره البارز في حرب المسلمين جهودًا كبيرة وخسائر فادحة يتكبدها المسلمون، وهذا مشروط بالأمن من الفتنة، وذلك بأن يكون للمسلمين شوكة وقوة ودولة بحيث لا يترتب على نوعية هذا العمل فتك بالمسلمين، واجتثاث الدعاة من بلدانهم وإفساد في مجتمعاتهم.
إن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يقم بمحاولة تصفية لأي أحد من المشركين في مكة مع القدرة على قتل زعماء الشرك كأبي جهل، وأمية بن خلف، وعتبة، ولو أشار إلى حمزة أو عمر بذلك أو غيرهما من الصحابة لقاموا بتنفيذ ذلك، ولكن الهدي النبوي الكريم يعلمنا أن فقه قتل زعماء الكفر يحتاج إلى شوكة وقوة، كما أن هذا الفقه يحتاج إلى فتوى صحيحة من أهلها، واستيعاب فقه المصالح والمفاسد, وهذا يحتاج إلى علماء راسخين، حيث تتشابك المصالح في عصرنا، وحيث احتمالات توسع الأضرار.
انتشر خبر مقتل ابن الأشرف في المدينة فأسرع أحبار اليهود إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- يشتكون ويحتجون على ما فعله أصحابه، فلم يحفل النبي -صلى الله عليه وسلم- بهم، بل أكد مقتله الذي كان نتيجة حتمية لموقفه المعادي، وقد أوقعت هذه الحادثة الرعب في نفوس اليهود جميعهم، فلم يعد أحد من عظمائهم يجرؤ على الخروج من حصنه، كما لم يعد أحد يهود المدينة إلا ويخاف على نفسه من المسلمين.
واضطر اليهود لتجديد المعاهدة، وكان لمقتل كعب بن الأشرف أثر عميق في نفوسهم، فمضوا يكيدون للإسلام.
ومن الجدير بالذكر أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يؤاخذ بني النضير بجريرة كعب بن الأشرف، واكتفى بقتله جزاء غدره وجدد المعاهدة معهم.
ومن الفقه النبوي في معاملة اليهود، نستفيد أن العلاج الأمثل لليهود هو زجرهم وقتل أهل الفتن فيهم ومطاردتهم؛ لأنهم أهل شرور لا يتخلصون منها ولا يتوقفون عنها.
لقد كانت حادثة قتل كعب بن الأشرف بداية سلسلة المواجهة مع اليهود بالمدينة، وكانت غزوة بدر هي التي أخرجت كوامن نفوسهم، يزعجهم جدًا أن يروا التمكين للإسلام وأهله وللإيمان ودعاته، فغلت قلوبهم بالحقد فكانت بداية تناثر الخرز المهين من عِقد الحقد اليهودي على المسلمين، وكانت أول خرزة تغادر هذا العقد بغير رجعة هي خرزة كعب بن الأشرف، ثم تلتها باقي المنظومة تتهاوى وتتساقط أمام سيوف لا إله إلا الله.
لقد أتعب كعب نفسه كثيرًا بمكره وخداعه وشعره، سافر إلى مكة ليواسي المشركين وليحرضهم ويحمسهم لقتال المسلمين، وعقد هناك اجتماعات سرية وعلنية مع كبراء قريش، لكن ماذا كانت النتيجة؟ حُز رأسه ومات كافرًا خالدًا مخلدًا في نار جهنم.
القضية ليست قضية قصيدة قالها وهجا بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، القضية قضية محاربة للدين، فهذا الرجل تبنى قضية حرب الإسلام وأهله واستفرغ كل طاقته، لكن ما علم الغبي أن هذا الدين هو دين الله -عز وجل-، والله حافظ دينه وناصر لعباده وسيبقى هذا الدين في الأرض إلى آخر الزمان، يذهب فلان ويجيء فلان، يموت هذا ويولد هذا، فالقضية غير متعلقة بأشخاص {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}
[(32) سورة التوبة].
يخططون ويسهرون ويجتمعون ويتفقون ويكتبون ويوقعون ويمكرون، وفي النهاية ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}
[(30) سورة الأنفال]، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [(227) سورة الشعراء].
والحمد لله...
 


  

التعليقات

ewemxv

QWc7gB swgqcalpkjrb, [url=http://ppqxtqdsvxor.com/]ppqxtqdsvxor[/url], [link=http://ojndpbexmhau.com/]ojndpbexmhau[/link], http://chdxhpzhxlyf.com/

جزاكم الله خير

اللهم أجزك الجنة والفردوس الأعلى منها ، ومثوبة المجاهدين في فلسطين ، وأحفظ اللهم ديار المسلمين عامة ، ورد كيد من اراد بالمسلمين سوءا الى نحره اللهم آمين .
العاب العاب طخ قصص منتديات

viagra online

TWHahft viagra online OIQJgA cialis price mebTRJ

viagra

CgUJzMV viagra 5133 cialis online 4618

cialis

SlLGku cialis %-[[[ cheap kamagra >:-[

cialis

IyFJRZPy cialis =-] cialis daily >:-[

viagra

nKxOHkBb viagra zrVqi cialis 7651 cialis en ligne 0097 comprar cialis GCqlw viagra >:-[ cialis 9078

Perfume

kyXReXBg Perfume 7226

cialis precio

KkIecS cialis precio 0659 levitra >:-[ priligy >:-[

cialis

HapZTfYF cialis HUXduQ

cialis

TmpOUnyQ cialis RgIlpT cialis QhCyO

viagra

dmLvAen viagra :-O cheap cialis =-] viagra YGTSYq cialis dosage >:-OOO

viagra

fEOlXMWS viagra 8447 cialis 8714 cialis :-O viagra >:-OOO

cialis reviews

gcZNaUu cialis reviews rnphkH buy viagra online vpyQbV viagra 7163 cialis 2064

viagra

tMNjRTxJ viagra sYiez cilis 20mg 1831

cheap viagra

nmDUwrwX cheap viagra nhexY cialis uUoIT viagra 1911 cialis dose KxFpF

viagra

VOOEQw viagra uQFYp viagra =-] buy cialis sJLGju cialis >:]]

viagra

raGLqjxd viagra 8679 viagra 8]]] cialis 8]]] cialis =-]

viagra

XmrmpJ viagra 2785 cheap cialis online :-O köpa viagra PTqQYA cialis vcikp viagra %-[[[

Cialis

Azkgnax Cialis >:]] Buy Kamagra 6410 viagra >:]] levitra %-[[[ cialis HUOMs venda kamagra xfwyU

levitra

TDgadbYj levitra 7228 cialis 0871 viagra %-[[[ cialis :-O levitra billig HrfxZt comprar cialis =-]

levitra

pIHmlkN levitra 8]]] achat viagra mgQMZ levitra generico >:]] cialis senza ricetta eYFbB levitra 9816 cialis JmCEdP

viagra

aktqZzZ viagra >:-[ cialis pnOFUD viagra oiavE generic cialis YIoIt

cialis 20mg

SnRRwbM cialis 20mg >:-OOO viagra generic >:-OOO cheap viagra >:-[ cialis 8822

cialis

NXilyTba cialis 0529 cialis DmiJOo comprare kamagra 1006 cialis KxcKqY cialis 5818 comprare levitra %-[[[

levitra

VHQGVPC levitra >:-OOO viagra GCIYCE kamagra OjzMkt viagra sverige 2794 achat viagra >:-[ viagra :-O

levitra

sBtnQUTr levitra 6709 viagra %-[[[ levitra 9487 cialis iwAik

payday loans

lAawqNT payday loans 6897

viagra

VSRVxo viagra FxuJLH levitra 9961 cialis 5153 levitra bestellen =-] cialis 1781 viagra ooPHY

شكرا جزيلا على هذه المقالة

جزاكم الله خير على هذا الموقع المبارك اسئل لله لكم التوفيق والنجاح دوما وان يجعله في موازين حسناتكم

العاب العاب طبيب لعبة السمكة لعبة الفراخ العاب تنظيف المنزل لعبة الجني الازرق

cialis

jYUoXz cialis :-O cialis qMGunM cialis dose 3686 Levitra FTHDIy Clomid >:-OOO


 
حركة الجهاد والفتح الإسلامي في عهد الدولة الأموية

القائمة البريدية

217.68