خدمة rss
السيرة النبوية (5)



  
   

السيرة النبوية الدرس الخامس هجرت

السيرة النبوية
الدرس الخامس
هجرتي الحبشة - رحلة الطائف

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد


هجرتي الحبشة ورحلة الطائف:
اشتد البلاء على أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجعل الكفار يحبسونهم ويعذبونهم، بالضرب والجوع والعطش ورمضاء مكة والنار، ليفتنوهم عن دينهم، فمنهم من يفتتن من شدة البلاء وقلبه مطمئن بالإيمان، ومنهم من تصلّب في دينه وعصمه الله منهم، فلما رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية لحفظ الله له، ولمكانته من عمه أبي طالب ومحبته له، وأنه لا يقدر على أن يمنع أصحابه مما هم فيه من البلاء، قال لهم: ((لو خرجتم إلى أرض الحبشة؛ فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل لكم فرجًا مما أنتم فيه)).
فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى أرض الحبشة، مخافة الفتنة وفرارًا إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة كانت في الإسلام.
كانت الخطة الأمنية للرسول -صلى الله عليه وسلم- تستهدف الحفاظ على الصفوة المؤمنة، ولذلك رأى الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن الحبشة تعتبر مكانًا آمنًا للمسلمين ريثما يشتد عود الإسلام وتهدأ العاصفة، وقد وجد المهاجرون في أرض الحبشة ما أمنهم وطمأنهم، وفي ذلك.
تقول أم سلمة -رضي الله عنها-: "لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي، أَمِنَّا على ديننا وعبدنا الله تعالى لا نؤذى".
وتم اختيار الحبشة دون غيرها من الأماكن؛ لأن قبائل العرب في تلك الفترة تدين بالولاء والطاعة لقريش، وتسمع وتطيع لأمرها في الغالب؛ إذ لها نفوذ عليها، وكانت القبائل في حاجة لقريش في حجها وتجارتها ومواسمها، وفوق ذلك كانوا يشاركون قريشًا في حرب الدعوة وعدم الاستجابة للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فإذا كان هذا في داخل الجزيرة، فلم يكن في حينها في خارج الجزيرة بلد أكثر أمنًا من بلاد الحبشة، ومن المعلوم بُعد الحبشة عن سطوة قريش من جانب، وهي لا تدين لقريش بالاتباع كغيرها من القبائل.
غادر أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكة في رجب من السنة الخامسة للبعثة، وكانوا عشرة رجال وخمس نسوة.
أما الرجال فهم: عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، ومصعب بن عمير، وأبو سلمة، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة، وسهيل بن بيضاء، وأبو سبْرة بن أبي رُهم بن عبد العزى.
وأما النساء فهن: رقية بنت النبي -صلى الله عليه وسلم-، وسهلة بنت سهيل بن عمرو، وأم سلمة، وليلى بنت أبي حثمة، وأم كلثوم بنت سهيل بن عمرو.
حاولت قريش أن تدركهم لتردهم إلى مكة، وخرجوا في أثرهم حتى وصلوا البحر، ولكن المسلمين كانوا قد أبحروا متوجهين إلى الحبشة.
ولما وصل المسلمون إلى أرض الحبشة أكرم النجاشي مثواهم، وأحسن لقاءهم ووجدوا عنده من الطمأنينة بالأمن ما لم يجدوه في وطنهم وأهليهم.
إن المتأمل في أسماء الصحابة الذين هاجروا لا يجد فيهم أحدًا من الموالي الذين نالهم من أذى قريش وتعذيبها أشد من غيرهم، كبلال وخباب وعمار -رضي الله عنهم- بل نجد غالبيتهم من ذوي النسب والمكانة في قريش، ويمثلون عددًا من القبائل.
صحيح أن الأذى شمل ذوي النسب والمكانة كما طال غيرهم، ولكنه كان على الموالي أشد، في بيئة تقيم وزنًا للقبيلة وترعى النسب، وبالتالي فلو كان الفرار من الأذى وحده هو السبب في الهجرة، لكان هؤلاء الموالي المعذبون أحق بالهجرة من غيرهم.
إذن: هناك سبب آخر للهجرة غير النجاة من أذى قريش، وهو أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يبحث عن قاعدة أخرى غير مكة، قاعدة تحمي هذه العقيدة وتكفل لها الحرية، ويتاح فيها أن تتخلص من هذا التجميد الذي انتهت إليه في مكة، حيث تظفر بحرية الدعوة وحماية المعتنقين لها من الاضطهاد والفتنة.
عاش المسلمون ثلاثة أشهر من بدء الهجرة، وحدث تغير كبير على حياة المسلمين في مكة، وهناك ظروف نشأت لم تكن موجودة من قبل، بعثت في المسلمين الأمل في إمكان نشر الدعوة في مكة، حيث أسلم في تلك الفترة حمزة بن عبد المطلب عمُّ النبي -صلى الله عليه وسلم- عصبية لابن أخيه، ثم شرح الله صدره للإسلام، فثبت عليه.
وكان حمزة أعزّ فتيان قريش وأشدهم شكيمة، فلما دخل في الإسلام عرفت قريش أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد عزّ وامتنع وأن عمه سيمنعه ويحميه، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه.
وبعد إسلام حمزة –رضي الله عنه- أسلم عمر بن الخطاب –رضي الله عنه-، وكان عمر ذا شكيمة لا يرام، فلما أسلم امتنع به وبحمزة أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
كان إسلام الرجلين العظيمين بعد خروج المسلمين إلى الحبشة، فكان إسلامُهما عزةً للمسلمين وقهرًا للمشركين وتشجيعًا لأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على المجاهرة بعقيدتهم.
قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "إن إسلام عمر كان فتحًا، وإن هجرته كانت نصرًا، وإن إمارته كانت رحمة، ولقد كنا ما نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتل قريشًا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه".
لقد أصبح المسلمون إذًا في وضع غير الذي كانوا فيه قبل الهجرة إلى الحبشة، فقد امتنعوا بحمزة وعمر -رضي الله عنهما-، واستطاعوا أن يصلوا عند الكعبة بعد أن كانوا لا يقدرون على ذلك، وخرجوا من بيت الأرقم بن أبي الأرقم مجاهرين حتى دخلوا المسجد، وكفت قريش عن إيذائهم بالصورة الوحشية التي كانت تعذبهم بها قبل ذلك، فالوضع قد تغير بالنسبة للمسلمين، والظروف التي كانوا يعيشون فيها قبل الهجرة قد تحولت إلى أحسن.
ولا شك أن أولئك الغرباء في أرض الحبشة قد فرحوا بذلك كثيرًا، ولا يستغرب أحد بعد ذلك أن يكون الحنين إلى الوطن -وهو فطرة فطر الله عليها جميع المخلوقات- قد عاودهم ورغبت نفوسهم في العودة إلى حيث الوطن العزيز مكة أم القرى، وإلى حيث يوجد الأهل والعشيرة، فعادوا إلى مكة في ظل الظروف الجديدة والمشجعة، وتحت إلحاح النفس وحنينها إلى حرم الله وبيته العتيق رجع المهاجرون إلى مكة؛ بسبب ما علموا من إسلام حمزة وعمر، واعتقادهم أن إسلام هذين الصحابيين الجليلين سيعتز به المسلمون وتقوى شوكتهم.
ولكن قريشًا واجهت إسلام حمزة وعمر -رضي الله عنهما- بتدبيرات جديدة يتجلى فيها المكر والدهاء من ناحية، والقسوة والعنف من ناحية أخرى، فزادت في أسلحة الإرهاب التي تستعملها ضد النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه -رضي الله عنهم- سلاحًا قاطعًا، وهو سلاح المقاطعة الاقتصادية، وكان من جراء ذلك الموقف العنيف أن رجع المسلمون إلى الحبشة مرة ثانية، وانضم إليهم عدد كبير ممن لم يهاجروا قبل ذلك، وكانوا ثلاثة وثمانين رجلًا وثماني عشرة امرأة، ذلك عدا أبنائهم الذين خرجوا معهم صغارًا، ثم الذين ولدوا لهم فيها.
ولما رأت قريش أن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد أمنوا واطمأنوا بأرض الحبشة، وأنهم قد أصابوا بها دارًا واستقرارًا، وحسن جوار من النجاشي، وعبدوا الله لا يؤذيهم أحد، ائتمروا فيما بينهم أن يبعثوا وفدًا للنجاشي لإحضار من عنده من المسلمين إلى مكة بعد أن يوقعوا بينهم وبين ملك الحبشة، إلا أن هذا الوفد خدم الإسلام والمسلمين من حيث لا يدري، فقد أسفرت مكيدته عند النجاشي عن حوار هادف دار بين أحد المهاجرين وهو جعفر بن أبي طالب وبين ملك الحبشة، أسفر هذا الحوار عن إسلام النجاشي، وتأمين المهاجرين المسلمين عنده.
وبعد هذا العرض لا بد أن نقف بشأن هجرتي الحبشة الأولى والثانية عدد من الوقفات:
أولًا: مما يتبادر إلى الذهن من هذه الهجرة العظيمة، هو شفقة هذا الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- على أصحابه ورحمته بهم، وحرصه الشديد للبحث عما فيه أمنهم وراحتهم، ولذلك أشار عليهم بالذهاب إلى الملك العادل الذي لا يُظلم أحد عنده، فكان الأمر كما قال -صلوات الله وسلامه عليه- فأمنوا في دينهم ونزلوا عنده في خير منـزل، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- هو الذي وجَّه الأنظار إلى الحبشة، وهو الذي اختار المكان الآمن لجماعته ودعوته كي يحميها من الإبادة، وهذه تربية نبوية لقيادات المسلمين في كل عصر، أن تخطط بحكمة وبعد نظر لحماية الدعوة والدعاة، وتبحث عن الأرض الآمنة التي تكون عاصمة احتياطية للدعوة، ومركزًا من مراكز انطلاقها فيما لو تعرض المركز الرئيسي للخطر، أو وقع احتمال اجتياحه، فجنود الدعوة هم الثروة الحقيقية، وهم الذين تنصب الجهود كلها لحفظهم وحمايتهم، دون أن يتم أي تفريط بأرواحهم وأمنهم، ومسلم واحد يعادل ما على الأرض من بشر خارجين عن دين الله وتوحيده.
ثانيًا: إن وجود ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جعفر، وصهره عثمان، وابنته رقية -رضي الله عنهم- جميعًا في مقدمة المهاجرين، له دلالة عميقة تشير إلى أن الأخطار لا بد أن يتجشمها المقربون إلى القائد، أما أن يكون خواص القائد في منأى عن الخطر، ويدفع إليه الأبعدون غير ذوي المكانة، فهو منهج بعيد عن نهج النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ثالثًا: مشروعية الخروج عن الوطن وإن كان الوطن مكة على فضلها إذا كان الخروج فرارًا بالدين وإن لم يكن إلى إسلام، فإن أهل الحبشة كانوا نصارى يعبدون المسيح، وقد أثنى الله عليهم بهذه الهجرة، وهم قد خرجوا من بيت الله الحرام إلى دار الكفر، لما كان فعلهم ذلك احتياطًا على دينهم، ورجاء أن يُخلّى بينهم وبين عبادة ربهم، وهذا حكم مستمر متى غلب المنكر في بلد وأوذي على الحق مؤمن، ورأى الباطل قاهرًا للحق، ورجا أن يكون في بلد آخر يخلى بينه وبين دينه ويُظهر فيه عبادة ربه، فإن الخروج على هذا الوجه حق على المؤمن، هذه هي الهجرة التي لا تنقطع إلى يوم القيامة، {وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}
[(115) سورة البقرة].
رابعًا: يجوز للمسلمين أن يدخلوا في حماية غير المسلمين إذا دعت الحاجة إلى ذلك، سواء كان المجير من أهل الكتاب كالنجاشي -إذ كان نصرانيًّا عندئذ ولكنه أسلم بعد ذلك- أو كان مشركًا كأولئك الذين عاد المسلمون إلى مكة في حمايتهم عندما رجعوا من الحبشة، وكأبي طالب عم النبي -صلى الله عليه وسلم-، والمُطعم بن عدي الذي دخل الرسول -صلى الله عليه وسلم- مكة في حمايته عندما رجع من الطائف.
وهذا مشروط بألا تستلزم مثل هذه الحماية إضرارًا بالدعوة الإسلامية، أو تغييرًا لبعض أحكام الدين، أو سكوتًا على اقتراف بعض المحرمات، وإلا لم يجز للمسلم الدخول فيها.
خامسًا: إن اختيار الرسول -صلى الله عليه وسلم- الهجرة إلى الحبشة يشير إلى نقطة استراتيجية هامة تمثلت في معرفة الرسول -صلى الله عليه وسلم- بما حوله من الدول والممالك، فكان يعلم طيبها من خبيثها، وعادلها من ظالمها، الأمر الذي ساعد على اختيار دار آمنة لهجرة أصحابه، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه حال قائد الدعوة الذي لا بد أن يكون ملمًّا بما يجري حوله، مطلعًا على أحوال وأوضاع الأمم والحكومات.
سادسًا: يظهر الحس الأمني عند الرعيل الأول في هجرتهم الأولى وكيفية الخروج، فيتمثل في كونه تم تسللًا وخفية حتى لا تفطن له قريش فتحبطه، كما أنه تم على نطاق ضيق لم يزد على ستة عشر فردًا، فهذا العدد لا يلفت النظر في حالة تسللهم فردًا أو فردين، وفي ذات الوقت يساعد على السير بسرعة، وهذا ما يتطلبه الموقف، فالركب يتوقع المطاردة والملاحقة في أي لحظة، ولعل السرية المضروبة على هذه الهجرة، فوتت على قريش العلم بها في حينها، فلم تعلم بها إلا مؤخرًا، فقامت في إثرهم لتلحق بهم لكنها أخفقت في ذلك، فعندما وصلت البحر لم تجد أحدًا، وهذا مما يؤكد على أن الحذر هو مما يجب أن يلتزمه المؤمن في تحركاته الدعوية، فلا تكون التحركات كلها مكشوفة ومعلومة للعدو بحيث يترتب عليها الإضرار به وبالدعوة.
سابعًا: من دروس هجرة الحبشة أن الجهل ببعض أحكام الإسلام لمصلحة راجحة لا يضر، قال ابن تيمية -رحمه الله- وهو يقرر العذر بالجهل: "ولما زيد في صلاة الحضر حين هاجر -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة كان مَنْ بعيدًا عنه مثل من كان بمكة وبأرض الحبشة يصلون ركعتين، ولم يأمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بإعادة الصلاة".
وقال الذهبي -رحمه الله-: "فلا يأثم أحد إلا بعد العلم وبعد قيام الحجة، وقد كان سادة الصحابة بالحبشة ينـزل الواجب والتحريم على النبي -صلى الله عليه وسلم- فلا يبلغهم إلا بعد أشهر، فهم في تلك الأمور معذورون بالجهل حتى يبلغهم النص".
ثامنًا: من دروس هجرة الحبشة أيضًا، تفاضل الجهاد حسب الحاجة، فإذا كانت الهجرة للمدينة جهادًا ميز الله أصحابها وخصهم بالذكر والفضيلة، فقد نال هذا الفضل أصحاب هجرة الحبشة وإن تأخر لحوقهم بالنبي -صلى الله عليه وسلم- حتى فتح خيبر، وذلك للحاجة لبقائهم في الحبشة، وهذا ما أكده النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحاب السفينتين، فعن أبي موسى الأشعري –رضي الله عنه- قال: "دخلت أسماء بنت عميس، وهي ممن قدم معنا، على حفصة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- زائرة، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر، فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: "من هذه؟"، قالت: "أسماء بنت عميس"، قال عمر: "الحبشية هذه، البحرية هذه؟"، قالت أسماء: "نعم"، قال عمر: "سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله -صلى الله عليه وسلم- منكم"، فغضبت، وقالت: "كلا والله كنتم مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا في دار البُعداء البُغضاء بالحبشة، وذلك في الله وفي رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وأيم الله لا أطعم طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى أذكر ما قلت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ونحن كنا نُؤذى ونُخاف، وسأذكر ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- وأسأله، والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه"، فلما جاء النبي -صلى الله عليه وسلم- قالت: "يا نبي الله، إن عمر قال: كذا وكذا، قال: ((فما قلتِ له؟))، قالت: "قلت له: كذا وكذا"، قال: ((ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان))، قالت: "فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتون أرسالًا يسألوني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أفرحُ ولا أعظمُ في أنفسهم مما قال لهم النبي -صلى الله عليه وسلم-". [والحديث متفق عليه].
تاسعًا: يرتبط زواج الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأم حبيبة بهجرة الحبشة ارتباطًا وثيقًا، ويحمل هذا الزواج منه -صلى الله عليه وسلم- لأحد المهاجرات الثابتات معنىً كبيرًا، وكان عقد الزواج على أم حبيبة -رضي الله عنها- وهي في أرض الحبشة، وجاء تأكيده في كتب السنة، فقد روى أبو داود في سننه بسند صحيح عن أم حبيبة -رضي الله عنها- أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش، فمات بأرض الحبشة، فزوجها النجاشيُّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- وأمهرها عنه أربعة آلاف، وبعث بها إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع شرحبيل بن حسنة.
ويستنتج الباحث من دلالات هذا الحديث المهم متابعةَ الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأحوال المهاجرين، ومشاركتهم في مصابهم، وتطييب أنفس الصابرين، وتقديرَ ثبات الثابتين.
وبالتتبع لأحوال المهاجرات لا نجد أم حبيبة -رضي الله عنها- هي الوحيدة التي يعني الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- بأمرها، ويواسيها في مصابها، بل سبق ذلك صنيعه مع سودة -رضي الله عنها-، فلما رجعت مع زوجها إلى مكة من الحبشة توفي زوجها "السكران بن عمرو"، فلما حلت أرسل إليها -صلى الله عليه وسلم- وخطبها، فقالت: "أمري إليك يا رسول الله"، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((مري رجلًا من قومك يزوجك))، فأمرت حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود فزوجها، فكانت أول امرأة تزوجها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد خديجة.
عاشرًا: كان للهجرة إلى الحبشة أثر في الحط من مكانة القرشيين عند سائر العرب وإدانة موقفهم من الدعوة وحملتها؛ إذ كانت البيئة العربية تفتخر بإيواء الغريب وإكرام الجار وتتنافس في ذلك، وتحاذر السبة والعار في خلافه، فهاهم الأحباش يسبقون قريشًا ويؤوون مَنْ طردتهم وأساءت إليهم من أشراف الناس ومن ضعفائهم.
وفي آخر السنة العاشرة من البعثة توفي أبو طالب عمّ النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم توفيت خديجة أم المؤمنين -رضي الله عنها- في العام نفسه، وبموت أبي طالب الذي أعقبه موت خديجة -رضي الله عنها-، تضاعف الأسى والحزن على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بفقد هذين الحبيبين، اللذين كانا دعامتين من دعائم سير الدعوة في أزماتها، كان أبو طالب السند الخارجي الذي يدفع عنه القوم، وكانت خديجة السند الداخلي الذي يخفف عنه الأزمات والمحن، فتجرأ كفار قريش على الرسول -صلى الله عليه وسلم- ونالوا منه ما لم يكونوا يطمعون به في حياة أبي طالب، وابتدأت مرحلة عصيبة في حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- واجه فيها كثيرًا من المشكلات والمصاعب والمحن والفتن، حينما أصبح في الساحة وحيدًا لا ناصر له إلا الله -سبحانه وتعالى-، ومع هذا فقد مضى في تبليغ رسالة ربه إلى الناس كافة على ما يلقى من الخلاف والأذى الشديد الذي أفاضت كتب السير بأسانيدها الصحيحة الثابتة في الحديث عنه، وتحمل -صلى الله عليه وسلم- من ذلك ما تنوء الجبال بحمله، ولما تكالبت الفتن والمحن على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بلده الذي نبت فيه وبين قومه الذين يعرفون عنه كل صغيرة وكبيرة، عزم -صلى الله عليه وسلم- على أن ينتقل إلى بلد غير بلده، وقوم غير قومه، يعرض عليهم دعوته ويلتمس منهم نصرتهم؛ رجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله -عز وجل-، فخرج إلى الطائف، وهي من أقرب البلاد إلى مكة لإيجاد مركز جديد للدعوة.
كانت الطائف تمثل العمق الإستراتيجي لملأ قريش، بل كانت لقريش أطماع في الطائف، ولقد حاولت في الماضي أن تضم الطائف إليها، فإذا اتجه الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى الطائف فذلك توجه مدروس، وإذا استطاع أن يجد له فيها موضع قدم وعصبة تناصره، فإن ذلك سيفزع قريشًا ويهدد أمنها ومصالحها الاقتصادية تهديدًا مباشرًا، بل قد يؤدي لتطويقها وعزلها عن الخارج، وهذا التحرك الدعوي السياسي الاستراتيجي الذي يقوم به الرسول -صلى الله عليه وسلم- يدل على حرصه في الأخذ بالأسباب لإيجاد دولة مسلمة أو قوة جديدة تطرح نفسها داخل حلبة الصراع؛ لأن الدولة أو إيجاد القوة التي لها وجودها من الوسائل المهمة في تبليغ دعوة الله إلى الناس.
عندما وصل النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الطائف اتجه مباشرة إلى مركز السلطة وموضع القرار السياسي في الطائف، اتجه إلى بني عمرو بن عمير الذين يترأسون الأحلاف ويرتبطون بقريش، وكان خروجه من مكة إلى الطائف على الأقدام، ورافقه في هذه الرحلة زيد بن حارثة.
كان بنو عمرو قومًا لئامًا أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويرمون عراقيبه بالحجارة، حتى أدموا عقباه وتلطخت نعلاه، وسال دمه الزكيّ على أرض الطائف، وما زالوا به وبزيد بن حارثة حتى ألجؤوهما إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة، فلما أساء أهل الطائف للنبي -صلى الله عليه وسلم- رجع إلى مكة مرة ثانية، وكان قد عزم على دخولها، غير أن ظاهر الأحوال تدل على أن دخول مكة لم يكن أمرًا هينًا ولا آمنًا هذه المرة، وهنالك احتمال كبير للغدر به ولاغتياله من قبل قريش، التي لا يمكن أن تصبر أكثر، وهو قد أعلن الخروج عليها وذهب يستنصر بالقبائل الأخرى، ويوقع بينها وبين حلفائها، ثم إنه حتى لو لم تكن هناك خطورة على شخصه، فإن دخوله إلى مكة بصورة عادية وقد طردته الطائف، سيجعل أهل مكة يصورون الأمر كهزيمة كبيرة أصابت المسلمين ويجترئون عليهم ويزدادون سفهًا، فلم يدخل مكة مباشرة، بل توجه إلى حراء أولًا، ومن هناك بعث رجلًا إلى المُطعم بن عدي سيد قبيلة بني نوفل بن عبد مناف وطلب منه النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يدخل في جواره، فقبل المطعم ذلك ودعا بنيه وقومه فقال: "البسوا السلاح وكونوا عند أركان البيت، فإني قد أجرت محمدًا".
فدخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام، فقام المطعم بن عدي على راحلته فنادى: "يا معشر قريش، إني قد أجرت محمدًا فلا يهجه أحد منكم"، فانتهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الركن فاستلمه وصلى ركعتين وانصرف إلى بيته، والمطعم بن عدي وولده محدقون بالسلاح حتى دخل بيته.
لقد تغير الوضع كثيرًا، فبدلًا من أن يدخل مكة منهزمًا مختفيًا دخلها ويحرسه بالسلاح سيد من سادات قريش على مسمع منهم ومرأى، وقد حفظ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صنيع مطعم بن عدي، وعرف مدى الخطورة التي عرّض نفسه وولده وقومه لها من أجله، فقال عن أسارى بدر السبعين يوم أسرهم: ((لو كان المطعم بن عدي حيًّا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له))
[رواه البخاري].
فمع العداء العقدي فرسول الله -صلى الله عليه وسلم- يفرق بين من يعادي هذه العقيدة ويحاربها، وبين من يناصرها ويسالمها، إنهم وإن كانوا كفارًا فليس من سمة النبوة أن تتنكر للجميل.
لقد حققت رحلة النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الطائف انتصارات دعوية رفيعة المستوى مع أن أهلها أساؤوا استقباله ولم يقبلوا دعوته، فقد تأثر بالدعوة الغلام النصراني عدَّاس، الذي أسلم، كما وصلت الدعوة إلى الجن السبعة الذين أسلموا ثم انطلقوا إلى قومهم منذرين، وهذه تعتبر مكاسب دعوية.
أما قصة عدَّاس: لما تعرض النبي -صلى الله عليه وسلم- للأذى من أهل الطائف وخرج من عندهم وألجؤوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وهما فيه، فلما رآه عتبة وشيبة رقَّا له، ودعوا غلامًا لهما نصرانيًّا يقال له: عدَّاس، فقالا له: خذ قطفًا من هذا العنب فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه، ففعل عدَّاس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم قال له: "كُل"، فلما وضع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيه يده قال: ((بسم الله))، ثم أكل، فنظر عدَّاس في وجهه، ثم قال: "والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد"، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ومن أهل أي البلاد أنت يا عدَّاس، وما دينك؟))، قال: "نصراني وأنا رجل من أهل نينوى"، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من قرية الرجل الصالح يونس بن متى))، فقال له عدَّاس: "وما يدريك ما يونس بن متى؟"، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ذاك أخي، كان نبيًا وأنا نبي))، فأكبّ عدَّاس على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقبل رأسه ويديه وقدميه، قال: يقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: "أما غلامك فقد أفسده عليك"، فلما جاءهما عدَّاس قالا له: "ويلك يا عدَّاس! ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟"؟، قال:"يا سيدي ما في الأرض شيء خير من هذا، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي"، قالا له: "ويحك يا عدَّاس، لا يصرفنك عن دينك، فإن دينك خير من دينه".
وأما إسلام الجن: فلما انصرف النبي -صلى الله عليه وسلم- من الطائف راجعًا إلى مكة حين يئس من خبر ثقيف، حتى إذا كان بنخلة، قام من جوف الليل يصلي، فمر به النفر من الجن الذين ذكرهم الله تعالى، وكانوا سبعة نفر من جن أهل نصيبين، فاستمعوا لتلاوة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فلما فرغ من صلاته، ولَّوا إلى قومهم منذرين، قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا، فقص الله تعالى خبرهم على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ* قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ}
[(29-30) سورة الأحقاف].
هذه الدعوة التي رفضها المشركون بالطائف، تنتقل إلى عالم آخر هو عالم الجن، فتلقوا دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- ومضوا بها إلى قومهم: {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}
[(31) سورة الأحقاف].
وأصبح اسم محمد -صلى الله عليه وسلم- تهفو إليه قلوب الجن، وليس قلوب المؤمنين من الإنس فقط، وأصبح من الجن حواريون حملوا راية التوحيد، ووطنوا أنفسهم دعاة إلى الله، ونزل في حقهم قرآن يتلى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا* يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا* وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا* وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا* وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا* وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا* وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا* وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا* وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا* وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا* وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا* وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَبًا* وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا}
[(1-13) سورة الجن].
وبعد عدة أشهر من لقاء الوفد الأول من الجن برسول الله -صلى الله عليه وسلم- جاء الوفد الثاني متشوقًا لرؤية الحبيب المصطفى -صلى الله عليه وسلم- والاستماع إلى كلام رب العالمين، فعن علقمة قال: "سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليلة الجن؟"، قال: "لا، ولكننا كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشِّعاب، فقلنا: استُطِير أو اغتيل، قال: فبتنا بشرِّ ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء فقلنا: يا رسول الله، فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا شرَّ ليلة بات بها قوم"، فقال: ((أتاني داعي الجن فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن))، قال: "فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: ((لكم كل عظم ذُكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة علف لدوابكم))، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم))
[رواه مسلم].
كان هذا الفتح العظيم والنصر المبين في عالم الجن إرهاصًا وتمهيدًا لفتوحات وانتصارات عظيمة في عالم الإنس، فقد كان اللقاء مع وفد الأنصار بعد عدة أشهر.
والحمد لله أولًا وآخرًا...
 


  

التعليقات

جزاكم الله خير

اللهم أجزك الجنة والفردوس الأعلى منها ، ومثوبة المجاهدين في فلسطين ، وأحفظ اللهم ديار المسلمين عامة ، ورد كيد من اراد بالمسلمين سوءا الى نحره اللهم آمين .
العاب العاب طخ قصص منتديات

dcdtoS

DOKDvbC dcdtoS

viagra price

nTIaJQFn viagra price >:-OOO buy cialis >:-OOO

viagra

cSRiXLs viagra >:-[ cialis soft >:-OOO

viagra price

eSrzQDX viagra price euLeFg buy cialis sOkSua

viagra

xCMnyMDq viagra 6954 cialis 3663

viagra

aPVQNysl viagra AIZmO cialis 9275

cialis

VQQHjEmD cialis >:]] cilis 20mg Kgrhm

cialis kaufen

yUQnDa cialis kaufen lWZOa viagra 5283 viagra kaufen 9902 cialis barato >:]] cialis >:-[ cialis FLuIL

levitra

pSiPwxg levitra ZCFmkO priligy 7763 comprar cialis dzcUJJ

cheap viagra

ztPNJN cheap viagra >:]] viagra :-O

viagra dosage

QehCCJDG viagra dosage >:-OOO cheap cialis oRlxh cialis >:-OOO viagra %-[[[

cialis

aeOvOpR cialis ndCuYL cialis 8]]] viagra =-] viagra Btslok

viagra

uameSg viagra >:-[ cialis =-] cheap cialis 1782 viagra dhMOj

viagra

nSQVpJa viagra 4519 viagra dosage NrCAQ buy cialis Isbpa cialis =-]

buy viagra

lViQoP buy viagra nKZXxt viagra >:-OOO buy cialis abRLY cialis =-]

kamagra pil

eJYmfNe kamagra pil DvNBt cialis 6611 viagra >:-[ viagra WtBtL viagra voorschrift 0999 levitra iklGlP

cialis

aTERXFW cialis CvqShK kamagra 8]]] kamagra 4744 cialis 8]]] cialis prix 9715 viagra %-[[[

kamagra

RKjnzg kamagra =-] kamagra xWYZjc Kamagra :-O Buy Levitra >:-OOO levitra cNHOe viagra :-O

viagra

sWmjUKB viagra 8]]] cialis 9358 kamagra aHSejq levitra :-O cialis 9663 levitra uLILxm

cialis

ewlEFvNP cialis KFDJx köpa kamagra billigt 9069 levitra %-[[[ viagra VsDyd kamagra IxVkz viagra 3067

cheap viagra

HeKwgl cheap viagra :-O kamagra gBtzHs viagra 2110 buy cialis 5547

viagra

nzWKRHu viagra 8255 kamagra 4324 viagra 0977 Viagra generico >:]] cialis 7619 levitra =-]

شكرا جزيلا على هذه المقالة

جزاكم الله خير على هذا الموقع المبارك اسئل لله لكم التوفيق والنجاح دوما وان يجعله في موازين حسناتكم

العاب العاب طبيب لعبة السمكة لعبة الفراخ العاب تنظيف المنزل لعبة الجني الازرق

Cialis

Ezdovzr Cialis 5320 viagra dosage =-] Amoxil QqCCv cialis :-O Priligy >:]]

amoxil

uYgdrMC amoxil 4520 cialis >:-[ viagra 8975 amoxil KwXtH acheter clomid 1907


 
حركة الجهاد والفتح الإسلامي في عهد الدولة الأموية

القائمة البريدية

104.34