الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ناصر بن محمد الأحمد (http://www.alahmad.com)

السيرة النبوية (3)

تم الإنشاء 08/04/2008 - 08:22

السيرة النبوية
الدرس الثالث
من المولد إلى نزول الوحي - الدعوة السرية

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد

 

كان النبي -صلى الله عليه وسلم- من أشرف الناس نسبًا، وأكملهم خَلْقًا وخُلُقًا، وقد ورد في شرف نسبه أحاديث صحاح، منها ما رواه مسلم: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إن الله -عز وجل- اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم)).
وقد ذكر الإمام البخاري -رحمه الله- نسب النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "هو محمد بن عبد الله، بن عبد المطلب، بن هاشم، بن عبد مناف، بن قصي، بن كلاب، بن مرة، بن كعب، بن لؤي، بن غالب، بن فهر، بن مالك بن النضر، بن كنانة، بن خزيمة، بن مدركة، بن إلياس، بن مضر، بن نزار، بن معد، بن عدنان". وقال البغوي: "ولا يصح حفظ النسب فوق عدنان".
إن معدن النبي -صلى الله عليه وسلم- طيب ونفيس، فهو من نسل إسماعيل واستجابة لدعوة إبراهيم، وبشارة أخيه عيسى -عليهما السلام- كما حدّث هو عن نفسه فقال: ((أنا دعوة أبي إبراهيم وبشارة أخي عيسى، ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت منه قصور الشام)).
قال ابن كثير: وتخصيص الشام بظهور نوره إشارة إلى استقرار دينه وثبوته ببلاد الشام، ولهذا تكون الشام في آخر الزمان معقلًا للإسلام وأهله، وبها ينـزل عيسى بن مريم بدمشق بالمنارة الشرقية البيضاء منها، ولهذا جاء في الصحيحين: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك))، وفي صحيح البخاري: ((وهم بالشام)).
ولد الحبيب المصطفى -صلى الله عليه وسلم- يوم الاثنين بلا خلاف، والأكثرون على أنه لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، والمجمع عليه أنه -عليه الصلاة والسلام- ولد عام الفيل، وكانت ولادته في دار أبي طالب بشعب بني هاشم، وكانت حاضنته أم أيمن -بركة الحبشية- أَمَةَ أبيه، وأول من أرضعته ثويبة أَمةُ عمه أبي لهب، وحليمة السعدية هي مرضعته، ولها في ذلك خبر عجيب، ولنترك الحديث لمرضعته حليمة السعدية تحدثنا عن قصة رضاعها إياه.
قالت: "خرجت مع زوجي وابني في نسوة من بني سعد بن بكر، نلتمس الرضعاء قالت: وذلك في سنة شهباء لم تبق لنا شيئًا، فخرجت على أتان لي قمراء ضعيفة، معنا شارف لنا، والله ما تبض بقطرة، وما ننام ليلنا أجمع من بكاء صبينا من الجوع، وما في ثدييّ ما يغنيه، وما في ضرع شارفنا ما يغذّيه، ولكن كنا نرجو الغيث والفرج حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله فتأباه إذا قيل لها: إنه يتيم، وذلك أنا كنا نرجو المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول: يتيم وما عسى أن تصنع أمه وجده، فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعًا غيري، فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعًا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه، قال: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة، قالت: فذهبت إليه فأخذته، وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره، قالت: فلما أخذته رجعت به إلى رحلي، فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب هو وابني حتى رويا ثم ناما، وما كنا ننام معه قبل ذلك، وقام زوجي إلى شارفنا تلك، فإذا هي حافلٌ، فحلب منها وشربت معه حتى انتهينا ريًا وشبعًا، فبتنا بخير ليلة، قالت: ثم خرجنا وركبت أتاني، وحملته معي عليها، فوالله لقطعت بالركب ما لا يقدر عليه شيء من حمرهم، حتى إن صواحبي ليقولن لي: يا ابنة أبي ذؤيب: ويحك، اربعي علينا أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟، فأقول لهنّ: والله إنها لهي هي، فيقلن: والله إن لها شأنًا، قالت: ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد وما أعلم أرضًا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح علي حين قدمنا به معنا شباعًا، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن، ولا يجدها في ضرع، حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب، فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته، وكان يشب شبابًا لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتاه حتى كان غلامًا جفرًا: قالت: فقدمنا به على أمه ونحن أحرص على مكثه فينا، لما كنّا نرى من بركته فكلمنا أمه، وقلت لها: لو تركت ابني عندي - تعني محمدًا - حتى يغلظ فإني أخشى عليه وباء مكة، وبقي رسول الله في بني سعد، قالت: وكان يشب شبابًا ما يشبُّه أحد من الغلمان، يشب في اليوم شباب السنة، فلما استكمل سنتين بعد فطامه أقدمناه مكة، أنا وأبوه - تعني زوجها -، فقلنا: والله لا نفارقه أبدًا ونحن نستطيع، فلما أتينا أمه، قلنا: والله ما رأينا صبيًا قط أعظم بركة منه، وإنا نتخوف عليه وباء مكة وأسقامها، فدعيه نرجع به حتى تبرئي من دائك، فلم نزل بها حتى أذنت، فرجعنا به، فأقمنا أشهرًا ثلاثة أو أربعة، فبينما هو يلعب خلف البيوت هو وأخوه في بهم لنا إذ أتى أخوه يشتد، فقال لي ولأبيه: إن أخي القرشي أتاه رجلان عليهما ثياب بيض، فأخذاه وأضجعاه فشقا بطنه، فخرجت أنا وأبوه يشتد، فوجدناه قائما قد انتقع لونه، فلما رآنا أجهش إلينا وبكى، قالت: فالتزمته أنا وأبوه، فضممناه إلينا: ما لك بأبي وأمي؟ فقال: أتاني رجلان وأضجعاني فشقا بطني ووضعا به شيئًا ثم رداه كما هو، فقال أبوه: والله ما أرى ابني إلا وقد أصيب، الحقي بأهله فرديه إليهم قبل أن يظهر له ما نتخوف منه، قالت: فاحتملناه فقدمنا به على أمه، فلما رأتنا أنكرت شأننا، وقالت: ما أرجعكما به قبل أن أسألكماه، وقد كنتما حريصين على حبسه؟ فقلنا: لا شيء إلا أن قضى الله الرضاعة وسرّنا ما نرى، فقالت: إن لكما شأنا فأخبراني ما هو، فلم تدعنا حتى أخبرناها، فقالت: كلا والله، لا يصنع الله ذلك به، إن لابني شأنًا، أفلا أخبركما خبره، إني حملت به، فوالله ما حملت حملًا قط، كان أخف عليّ منه، ولا أيسر منه، ثم أريت حين حملته خرج مني نور أضاء منه قصور بصرى، ثم وضعته حين وضعته فوالله ما وقع كما يقع الصبيان، لقد وقع معتمدًا بيديه على الأرض رافعًا رأسه إلى السماء فدعاه عنكما فقبضته، وانطلقنا".
وفي خبر حليمة السعدية بعض الوقفات:
1- بركة النبي -صلى الله عليه وسلم- على حليمة السعدية: فقد ظهرت هذه البركة في كل شيء، ظهرت في إدرار ثدييها وغزارة حليبها، وقد كان لا يكفي ولدها، وظهرت بركته في سكون الطفل، وقد كان كثير البكاء مزعجًا لأمه يؤرقها ويمنعها من النوم، فإذا هو شبعان ساكن جعل أمه تنام وتستريح، وظهرت بركته في شياههم العجفاوات التي لا تدر شيئًا، وإذا بها تفيض من اللبن الكثير الذي لم يُعهد.
2- كانت هذه البركات من أبرز مظاهر إكرام الله له، وأكرم بسببه بيت حليمة السعدية التي تشرفت بإرضاعه، وليس من ذلك غرابة ولا عجب، فخلف ذلك حكمة أن يُحِبّ أهل هذا البيت هذا الطفل ويحنوا عليه ويحسنوا في معاملته ورعايته وحضانته، وهكذا كان فقد كانوا أحرص عليه وأرحم به من أولادهم.
3- خيار الله للعبد أبرك وأفضل: اختار الله لحليمة هذا الطفل اليتيم وأخذته على مضض؛ لأنها لم تجد غيره، فكان الخير كل الخير فيما اختاره الله، وبانت نتائج هذا الاختيار مع بداية أخذه، وهذا درس لكل مسلم بأن يطمئن قلبه إلى قدر الله واختياره والرضا به، ولا يندم على ما مضى وما لم يقدره الله تعالى.
وأما حادثة شق الصدر فتعد من إرهاصات النبوة ودلائل اختيار الله إياه لأمر جليل، وقد روى الإمام مسلم في صحيحه حادثة شق الصدر في صغره، فعن أنس بن مالك: "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأَمَه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه فقالوا: إن محمدًا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون"، قال أنس: "وقد كنت أرى أثر المخيط في صدره".

ولا شك أن التطهير من حظ الشيطان هو إرهاص مبكر للنبوة، وإعداد للعصمة من الشر وعبادة غير الله، فلا يحل في قلبه إلا التوحيد الخالص، وقد دلت أحداث صباه على تحقق ذلك، فلم يرتكب إثمًا، ولم يسجد لصنم رغم انتشار ذلك في قريش.
بعدها توفيت أم النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو ابن ست سنين بالأبواء بين مكة والمدينة، وكانت قد قدمت به على أخواله من بني عدي بن النجار تزيره إياهم، فماتت وهي راجعة به إلى مكة ودفنت بالأبواء، وبعد وفاة أمه كفله جده عبد المطلب، فعاش في كفالته، وكان يؤثره على أبنائه، أي أعمام النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقد كان جده مهيبًا لا يجلس على فراشه أحد من أبنائه مهابة له، وكان أعمامه يتهيبون الجلوس على فراش أبيهم، وكان -صلى الله عليه وسلم- يجلس على الفراش ويحاول أعمامه أن يبعدوه عن فراش أبيهم فيقف الجد بجانبه ويرضى أن يبقى جالسًا على فراشه متوسمًا فيه الخير، وأنه سيكون له شأن عظيم وكان جده يحبه حبًا عظيمًا.
ثم توفي عبد المطلب والنبي -صلى الله عليه وسلم- في الثامنة من عمره، فأوصى جدّه به عمه أبا طالب فكفله عمه وحنّ عليه ورعاه.
أرادت حكمة الله أن ينشأ رسوله يتيمًا، تتولاه عناية الله وحدها، بعيدًا عن الذراع التي تمعن في تدليله، والمال الذي يزيد في تنعيمه، حتى لا تميل به نفسه إلى مجد المال والجاه، وحتى لا يتأثر بما حوله من معنى الصدارة والزعامة، فيلتبس على الناس قداسة النبوة بجاه الدنيا، وحتى لا يحسبوه يصطنع الأول ابتغاء الوصول إلى الثاني، وكانت المصائب التي أصابت النبي -صلى الله عليه وسلم- منذ طفولته كموت أمه ثم جده بعد أن حُرم عطف الأب وذاق كأس الحزن مرة بعد مرة، كانت تلك المحن قد جعلته رقيق القلب مرهف الشعور، فالأحزان تصهر النفوس وتخلصها من أدران القسوة والكبر والغرور وتجعلها أكثر رقة وتواضعًا.
كان أبو طالب مُقلًا في الرزق، فعمل النبي -صلى الله عليه وسلم- برعي الغنم مساعدة منه لعمه، فلقد أخبر -صلى الله عليه وسلم- عن نفسه الكريمة وعن إخوانه من الأنبياء أنهم رعوا الغنم، أما هو فقد رعاها لأهل مكة وهو غلام وأخذ حقه عن رعيه، ففي الحديث الصحيح قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ما بعث الله نبيًّا إلا رعى الغنم))، فقال أصحابه: وأنت؟ قال: ((نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة)).
إن رعي الغنم كان يتيح للنبي -صلى الله عليه وسلم- الهدوء الذي تتطلبه نفسه الكريمة، ويتيح له المتعة بجمال الصحراء، ويتيح له التطلع إلى مظاهر جلال الله في عظمة الخلق، ويتيح له مناجاة الوجود في هدأة الليل وظلال القمر ونسمات الأشجار، يتيح له لونًا من التربية النفسية من الصبر والحلم والأناة والرأفة والرحمة والعناية بالضعيف حتى يقوى، وارتياد مشارع الخصب والري وتجنب الهلكة ومواقع الخوف من كل ما لا تتيحه حياة أخرى بعيدة عن جو الصحراء وهدوئها وسياسة هذا الحيوان الأليف الضعيف.
وتذكرنا رعايته للغنم بأحاديثه -صلى الله عليه وسلم- التي توجه المسلمين للإحسان للحيوانات، فكان رعي الغنم للنبي -صلى الله عليه وسلم- دربة ومرانًا له على سياسة الأمم. ورعي الغنم يتيح لصاحبه عدة خصال تربوية منها:
1- الصبر: على الرعي من طلوع الشمس إلى غروبها؛ نظرًا لبطء الغنم في الأكل، فيحتاج راعيها إلى الصبر والتحمل، وكذا تربية البشر.
إن الراعي لا يعيش في قصر منيف ولا في ترف وسرف، وإنما يعيش في جو حار شديد الحرارة، وبخاصة في الجزيرة العربية، ويحتاج إلى الماء الغزير ليذهب ظمأه، وهو لا يجد إلا الخشونة في الطعام وشظف العيش، فينبغي أن يحمل نفسه على تحمل هذه الظروف القاسية، ويألفها ويصبر عليها.
2- التواضع: إذ طبيعة عمل الراعي خدمة الغنم والإشراف على ولادتها، والقيام بحراستها والنوم بالقرب منها، وربما أصابه ما أصابه من رذاذ بولها أو شيء من روثها فلم يتضجر من هذا، ومع المداومة والاستمرار يبعد عن نفسه الكبر والكبرياء، ويرتكز في نفسه خلق التواضع.
3- الشجاعة: فطبيعة عمل الراعي الاصطدام بالوحوش المفترسة، فلا بد أن يكون على جانب كبير من الشجاعة تؤهله للقضاء على الوحوش ومنعها من افتراس أغنامه.
4- الرحمة والعطف: إن الراعي يقوم بمقتضى عمله في مساعدة الغنم إن هي مرضت أو كُسرت أو أصيبت، وتدعو حالة مرضها وألمها إلى العطف عليها وعلاجها والتخفيف من آلامها، فمن يرحم الحيوان يكن أشد رحمة بالإنسان، وبخاصة إذا كان رسولًا أرسله الله -تبارك وتعالى- لتعليم الإنسان وإرشاده وإنقاذه من النار وإسعاده في الدارين.
5- حب الكسب من عرق الجبين: إن الله قادر على أن يغني محمدا -صلى الله عليه وسلم- عن رعي الغنم، ولكن هذه تربية له ولأمته للأكل من كسب اليد وعرق الجبين، ورعي الغنم نوع من أنواع الكسب باليد.
روى البخاري عن المقدام –رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود -عليه السلام- كان يأكل من عمل يده)).
ولا شك أن الاعتماد على الكسب الحلال يكسب الإنسان الحرية التامة والقدرة على قول كلمة الحق والصدع بها، وكم من الناس يطأطئون رؤوسهم للطغاة، ويسكتون على باطلهم، ويجارونهم في أهوائهم خوفًا على وظائفهم عندهم.
وبعدها تزوج النبي -صلى الله عليه وسلم- من خديجة بنت خويلد، وكانت أول امرأة تزوجها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولم يتزوج غيرها حتى ماتت -رضي الله عنها-، وقد ولدت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- غلامين وأربع بنات، وابناه هما: القاسم، وبه كان -صلى الله عليه وسلم- يكنى، وعبد الله، ويلقب بالطاهر والطيب، وقد مات القاسم بعد أن بلغ سنًّا تمكنه من ركوب الدابة، ومات عبد الله وهو طفل، وذلك قبل البعثة.
أما بناته فهن: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة، وقد أسلمن وهاجرن إلى المدينة وتزوجن.
هذا وقد كان عمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- حين تزوج خديجة -رضي الله عنها- خمسًا وعشرين سنة، وكان عمرها أربعين سنة.
كان زواج الحبيب المصطفى من السيدة خديجة بتقدير الله تعالى، ولقد اختار الله -سبحانه وتعالى- لنبيه زوجة تناسبه وتؤازره، وتخفف عنه ما يصيبه، وتعينه على حمل تكاليف الرسالة، وتعيش همومه، وخديجة مثلٌ طيب للمرأة التي تكمّل حياة الرجل العظيم.
إن أصحاب الرسالات يحملون قلوبًا شديدة الحساسية ويلقون غَبنا بالغًا من الواقع الذي يريدون تغييره، ويقاسون جهادًا كبيرًا في سبيل الخير الذي يريدون فرضه، وهم أحوج ما يكونون إلى من يتعهد حياتهم الخاصة بالإيناس والترفيه، وكانت خديجة سباقة إلى هذه الخصال، وكان لها في حياة محمد -صلى الله عليه وسلم- أثر كريم.
ثم نرى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذاق مرارة فقْد الأبناء، كما ذاق من قبل مرارة فقد الأبوين، وقد شاء الله -وله الحكمة البالغة- ألا يعيش له -صلى الله عليه وسلم- أحد من الذكور حتى لا يكون مدعاة لافتتان بعض الناس بهم، وادعائهم لهم النبوة، فأعطاه الذكور؛ تكميلًا لفطرته البشرية، وقضاء لحاجات النفس الإنسانية، ولئلا ينتقِص النبيّ في كمال رجولته شانئ، أو يتقول عليه متقول، ثم أخذهم في الصغر، وأيضًا ليكون ذلك عزاءً وسلوى للذين لا يرزقون البنين، أو يرزقون ثم يموتون، كما أنه لون من ألوان الابتلاء، وأشد الناس بلاء الأنبياء، وكأن الله أراد للنبي -صلى الله عليه وسلم- أن يجعل الرقة الحزينة جزءًًا من كيانه، فإن الرجال الذين يسوسون الشعوب لا يجنحون إلى الجبروت إلا إذا كانت نفوسهم قد طبعت على القسوة والأثرة، وعاشت في أفراح لا يخامرها كدر، أما الرجل الذي خبر الآلام فهو أسرع الناس إلى مواساة المحزونين ومداواة المجروحين.
ولما بلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- الأربعين من عمره وكان يخلو في غار حراء بنفسه، ويتفكر في هذا الكون وخالقه، وكان تعبده في الغار يستغرق ليالي عديدة حتى إذا نفد الزاد عاد إلى بيته فتزود لليال أخرى.
وفي نهار يوم الاثنين من شهر رمضان جاءه جبريل بغتة لأول مرة داخل غار حراء، وقد نقل البخاري في صحيحه حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: "أول ما بدئ به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد، قبل أن ينـزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: ((فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني قال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَم* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ}
[(1-4) سورة العلق]))، فرجع بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرجُف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: ((زملوني، زملوني))، فزملوه حتى ذهب عنه الرَّوع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: ((لقد خشيت على نفسي))، فقالت خديجة: "كلا والله ما يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق"، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، ابن عم خديجة، وكان امرءًا تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت له خديجة: "يا ابن عم اسمع من ابن أخيك"، فقال له ورقة: "يا ابن أخي ماذا ترى؟"، فأخبره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خبر ما رأى: فقال له ورقة: "هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جَذَعًا، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك"، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أَوَمُخْرِجِيّ هم؟))، قال: "نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا"، ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي".
وفي هذا الحديث العظيم أمور منها:
- الرؤيا الصالحة: ولعل الحكمة من ابتداء الله تعالى رسوله -صلى الله عليه وسلم- بالوحي بالمنام، أنه لو لم يبتدئه بالرؤيا وأتاه الملك فجأة ولم يسبق له أن رأى ملكًا من قبل، فقد يصيبه شيء من الفزع فلا يستطيع أن يتلقى منه شيئا، لذلك اقتضت حكمة الله تعالى أن يأتيه الوحي أولا في المنام ليتدرب عليه ويعتاده.
- ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه: وكانت هذه الخلوة التي حببت إلى نفس النبي -صلى الله عليه وسلم- لونًا من الإعداد الخاص، وتصفية النفس من علائق المادية البشرية إلى جانب تعهده الخاص بالتربية الإلهية والتأديب الرباني في جميع أحواله، وكان تعبده -صلى الله عليه وسلم- قبل النبوة بالتفكر في بديع ملكوت السماوات، والنظر في آياته الكونية الدالة على بديع صنعه وعظيم قدرته، ومحكم تدبيره، وعظيم إبداعه.
ومن سنن النبي -صلى الله عليه وسلم- سنة الاعتكاف في رمضان، وهي مهمة لكل مسلم سواءً كان حاكمًا أو عالمًا أو قائدًا أو تاجرًا؛ لتنقية الشوائب التي تعلق بالنفوس والقلوب، ونصحح واقعنا على ضوء الكتاب والسنة، ونحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب.
ويمكن لأهل فقه الدعوة أن يعطوا لأنفسهم فترة من الوقت للمراجعة الشاملة والتوبة، والتأمل في واقع الدعوة وما هي عليه من قوة أو ضعف واكتشاف عوامل الخلل، ومعرفة الواقع بتفاصيله، خيره وشره.
إن حادثة نزول الوحي حادث ضخم، ضخم جدًا، ضخم إلى غير حد، ومهما حاولنا اليوم أن نحيط بضخامته، فإن جوانب كثيرة منه ستظل خارج تصورنا!.
إنه حادث ضخم بحقيقته، وضخم بدلالته، وضخم بآثاره في حياة البشرية جميعًا، وهذه اللحظة التي تم فيها هذا الحادث تعد بغير مبالغة هي أعظم لحظة مرت بهذه الأرض في تاريخها الطويل.
ما حقيقة هذا الحادث الذي تم في هذه اللحظة؟
حقيقته أن الله جل جلاله، العظيم الجبار القهار المتكبر، مالك الملك كله، قد تكرم في عليائه فأراد أن يرحم هذه الخليقة المسماة بالإنسان، القابعة في ركن من أركان الكون لا يكاد يُرى اسمه الأرض، وكرَّم هذه الخليقة باختيار واحد منها ليكون ملتقى نوره الإلهي، ومستودع حكمته، ومهبط كلماته، وممثل قدره الذي يريده سبحانه بهذه الخليقة. كانت بداية الوحي الإلهي فيها إشادة بالقلم وخطره، والعلم ومنـزلته في بناء الشعوب والأمم، وفيها إشارة واضحة بأن من أخص خصائص الإنسان العلم والمعرفة.
وفي هذا الحادث العظيم تظهر مكانة ومنـزلة العلم في الإسلام، فأول كلمة في النبوة تصل إلى رسول الله هي الأمر بالقراءة: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}
[(1) سورة العلق].
إن مصدر العلم النافع من الله -عز وجل-، فهو الذي علّم بالقلم، وعلّم الإنسان ما لم يعلم، ومتى حادت البشرية عن هذا المنهج، وانفصل علمها عن التقيد بمنهج الله تعالى رجع علمها وبالًا عليها وسببًا في إبادتها.
- الدعوة السرية:
جاء جبريل -عليه السلام- للمرة الثانية للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وأنزل الله على نبيه قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنذِرْ* وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ* وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ}
[(1-4) سورة المدثر]، وتُعد هذه الآيات أول أمر بتبليغ الدعوة والقيام بالتبعة، وقد أشارت هذه الآيات إلى أمور هي خلاصة الدعوة المحمدية والحقائق الإسلامية التي بني عليها الإسلام كله، وهي الوحدانية والإيمان باليوم الآخر وتطهير النفوس ودفع الفساد عن الجماعة وجلب النفع.
وبعد نزول آيات المدثر قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدعو إلى الله وإلى الإسلام سرًّا، وكان طبيعيًا أن يبدأ بأهل بيته وأصدقائه وأقرب الناس إليه.
كان أول من آمن بالنبي -صلى الله عليه وسلم- من النساء، بل أول من آمن به على الإطلاق السيدة خديجة -رضي الله عنها-، فكانت أول من استمع إلى الوحي الإلهي من فم الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم-، وكانت أول من تلا القرآن بعد أن سمعته من صوت الرسول العظيم -صلى الله عليه وسلم-، وكانت كذلك أول من تعلم الصلاة عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فبيتها هو أول مكان تُلي فيه أول وحي نزل به جبريل على قلب المصطفى الكريم -صلى الله عليه وسلم- بعد غار حراء. وبعد إيمان السيدة خديجة دخل علي بن أبي طالب في الإسلام، وكان أول من آمن من الصبيان، وكان عمره إذ ذاك عشر سنين، وقد أنعم الله عليه بأن جعله يتربى في حجر رسوله -صلى الله عليه وسلم- قبل الإسلام، حيث أخذه من عمه أبي طالب وضمه إليه.
وكان علي –رضي الله عنه- ثالث من أقام الصلاة بعد رسول الله وبعد خديجة -رضي الله عنها-، ثم أسلم زيد بن حارثة -رضي الله عنه- وهو أول من آمن بالدعوة من الموالي.
وكذلك سارع إلى الإسلام بنات النبي -صلى الله عليه وسلم-، كل من زينب وأم كلثوم وفاطمة ورقية، فقد تأثرن قبل البعثة بوالدهن في الاستقامة وحسن السيرة، والتنـزه عما كان يفعله أهل الجاهلية من عبادة الأصنام والوقوع في الآثام، وقد تأثرن بوالدتهن فأسرعن إلى الإيمان، وبذلك أصبح بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- أول أسرة مؤمنة بالله تعالى منقادة لشرعه في الإسلام، ولهذا البيت النبوي الأول مكانة عظمى في تاريخ الدعوة الإسلامية، لما حباه الله به من مزايا وخصه بشرف الأسبقية في الإيمان وتلاوة القرآن وإقام الصلاة.
فالزوجة فيه طاهرة مؤمنة مخلصة وزيرة الصدق والأمان، وابن العم المحضون والمكفول مستجيب ومعضد ورفيق، والمتبنَى مؤمن صادق مساعد ومعين، والبنات مصدقات مستجيبات مؤمنات ممتثلات.
وكان أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- أول من آمن بالنبي -صلى الله عليه وسلم- من الرجال الأحرار والأشراف، فهو من أخص أصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- قبل البعثة، وفيه قال -صلى الله عليه وسلم-: ((ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة وتردد ونظر، إلا أبا بكر، ما عكم حين دعوته ولا تردد فيه)).
فأبو بكر صاحب رسول الله، وهو حسنة من حسناته -عليه الصلاة والسلام-، لم يكن إسلامه إسلام رجل، بل كان إسلامه إسلام أمة، فهو في قريش كما ذكر ابن إسحاق في موقع العين.
لقد كان أبو بكر كنـزًا من الكنوز ادخره الله تعالى لنبيه، وكان من أحب قريش لقريش، فذلك الخلق السمح الذي وهبه الله تعالى إياه جعله من الموطئين أكنافًا، من الذين يألفون ويؤلفون، والخلق السمح وحده عنصر كافٍ لألفة القوم، وهو الذي قال فيه -عليه الصلاة والسلام-: ((أرحم أمتي بأمتي أبو بكر)).
تحرك الصديق بعد ذلك في دعوته للإسلام واستجاب له صفوة من خيرة الخلق وهم: عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله، وكان هؤلاء الأبطال الخمسة أول ثمرة من ثمار الصديق –رضي الله عنه-، دعاهم إلى الإسلام فاستجابوا، وجاء بهم إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فرادى فأسلموا بين يديه، فكانوا الدعامات الأولى التي قام عليها صرح الدعوة، وكانوا العدة الأولى في تقوية جانب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبهم أعزه الله وأيده، وتتابع الناس يدخلون في دين الله أفواجًا، رجالًا ونساءً، وكان كل من هؤلاء الطلائع داعية إلى الإسلام، وأقبل معهم رعيل السابقين، الواحد والاثنين والجماعة القليلة، فكانوا على قلة عددهم كتيبة الدعوة وحصن الرسالة، لم يسبقهم سابق ولا يلحق بهم لاحق في تاريخ الإسلام.
إن تحرك الصديق –رضي الله عنه- في الدعوة إلى الله تعالى يوضح صورة من صور الإيمان بهذا الدين والاستجابة لله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، صورة المؤمن الذي لا يقر له قرار ولا يهدأ له بال، حتى يحقق في دنيا الناس ما آمن به، دون أن تكون انطلاقته دفعة عاطفية مؤقتة سرعان ما تخمد وتذبل وتزول، وقد بقي نشاط أبي بكر وحماسته إلى أن توفاه الله -جل وعلا- لم يفتر أو يضعف أو يمل أو يعجز.
ومضت الدعوة سرية وفردية على الاصطفاء والاختيار للعناصر التي تصلح أن تتكون منها الجماعة المؤمنة التي ستسعى لإقامة دولة الإسلام ولدعوة الخلق إلى دين رب العباد والتي ستقيم حضارة ربانية ليس لها مثيل.
جاء بعد ذلك دور الدفعة الثانية بعد إسلام الدفعة الأولى، فأول من أسلم من هذه الدفعة: أبو عبيدة بن الجراح، وأبو سلمة، والأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، وعثمان بن مظعون الجمحي، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وسعيد بن زيد، وفاطمة بنت الخطاب، وأسماء بنت أبي بكر، وخباب بن الأرت -رضي الله عنهم-.
ثم أسلم عمير بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وعياش بن أبي ربيعة، وامرأته أسماء بنت سلامة، وعبد الله بن جحش، وجعفر بن أبي طالب، وامرأته أسماء بنت عميس، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، وعمار بن ياسر، وصهيب بن سنان.
ومن السابقين إلى الإسلام أيضًا: أبو ذر الغفاري، وبلال بن رباح.
قال ابن إسحاق: "ثم دخل الناس في الإسلام أرسالًا من الرجال والنساء حتى فشا ذكر الإسلام في مكة وتُحدِّث به".
استمر النبي -صلى الله عليه وسلم- في دعوته السرية يستقطب عددا من الأتباع والأنصار من أقاربه وأصدقائه، وخاصة الذين يتمكن من ضمهم في سرية تامة بعد إقناعهم بالإسلام، وهؤلاء كانوا نعم العون والسند للرسول -صلى الله عليه وسلم- لتوسيع دائرة الدعوة في نطاق السرية، وهذه المرحلة العصيبة من حياة الدعوة ظهرت فيها الصعوبة والمشقة في تحرك الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومن آمن معه بالدعوة، فهم لا يخاطبون إلا من يأمنوا من شره ويثقون به، وهذا يعني أن الدعوة خطواتها بطيئة وحذرة، كما تقتضي صعوبة المواظبة على تلقي مطالب الدعوة من مصدرها، وصعوبة تنفيذها، إذا كان الداخل في هذا الدين ملزمًا منذ البداية بالصلاة ودراسة ما تيسر من القرآن مثلًا، ولم يكن يستطيع أن يصلي بين ظهراني قومه، ولا أن يقرأ القرآن، فكان المسلمون يتخفون في الشعاب والأودية إذا أرادوا الصلاة.
إن من معالم هذه المرحلة، الكتمان والسرية حتى عن أقرب الناس، وكانت الأوامر النبوية على وجوب المحافظة على السرية واضحة وصارمة، وكان -صلى الله عليه وسلم- يكوّن من بعض المسلمين أُسرًا ومجموعات وكانت هذه الأسر تختفي اختفاء استعداد وتدريب، لا اختفاء جبن وهروب حسبما تقتضيه التدبيرات، فبدأ الرسول -عليه الصلاة والسلام- ينظم أصحابه من أسر ومجموعات صغيرة، فكان الرجل يجمع الرجل والرجلين إذا أسلما عند الرجل به قوة وسعة من المال، فيكونان معه ويصيبان منه فضل طعامه، ويجعل منهم حلقات، فمن حفظ شيئًا من القرآن علّم من لم يحفظ، فيكون من هذه الجماعات أسر أخوة، وحلقات تعليم.
إن السيرة النبوية غنية في أبعادها الأمنية منذ تربية الأفراد وحتى بعد قيام الدولة، وتظهر الحاجة للحركات الإسلامية والدول المسلمة لإيجاد أجهزة أمنية متطورة في زمننا المعاصر تحمي الإسلام والمسلمين من أعدائها اليهود والنصارى والملاحدة، وتعمل على حماية الصف المسلم في الداخل من اختراقات الأعداء فيه، وتجتهد لرصد أعمال المعارضين والمحاربين للإسلام، حتى تستفيد القيادة من المعلومات التي تقدمها لها أجهزتها المؤمنة الأمنية، ولا بد أن تؤسس هذه الأجهزة على قواعد منبعها القرآن الكريم والسنة النبوية، وتكون أخلاق رجالها قمة رفيعة تمثل صفات رجال الأمن المسلمين.
كانت الفترة الأولى من عمر الدعوة تعتمد على السرية والفردية، وكان التخطيط النبوي دقيقًا ومنظمًا، وكان تخطيطًا سياسيًا محكمًا، ومن السرية في تلك المرحلة أنه تم اختيار دار الأرقم بن أبي الأرقم مقرًا لقيادة الرسول -صلى الله عليه وسلم- والاجتماع مع تلك المجموعات القليلة.
لم يكن اختيار الرسول -صلى الله عليه وسلم- لدار الأرقم لمجرد اجتماع المسلمين فيها لسماع نصائح ومواعظ وإرشادات، وإنما كانت مركزًا للقيادة ومدرسة للتعليم والتربية والإعداد والتأهيل للدعوة والقيادة، بالتربية الفردية العميقة الهادئة، وتعهد بعض العناصر والتركيز عليها تركيزًا خاصًّا، لتأهيلها لأعباء الدعوة والقيادة، فكان الرسول المربي قد حدد لكل فرد من هؤلاء عمله بدقة وتنظيم حكيم، اشترك في ذلك الكل، الكل يعرف دوره المنوط به، والكل يدرك طبيعة الدعوة والمرحلة التي تمر بها، والكل ملتزم جانب الحيطة والحذر والسرية والانضباط التام.
أصبحت دار الأرقم السرية مركزًا جديدًا للدعوة يتجمع فيه المسلمون، ويتلقون عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كل جديد من الوحي، ويستمعون له -عليه الصلاة والسلام- وهو يذكرهم بالله، ويتلو عليهم القرآن، ويضعون بين يديه كل ما في نفوسهم وواقعهم فيربيهم -عليه الصلاة والسلام- على عينه. وأصبح هذا الجمع هو قرة عين النبي -صلى الله عليه وسلم-.
في دار الأرقم وفق الله تعالى رسوله إلى تكوين الجماعة الأولى من الصحابة حيث قاموا بأعظم دعوة عرفتها البشرية. لقد استطاع الرسول المربي الأعظم أن يربي في تلك المرحلة السرية وفي دار الأرقم أفذاذ الرجال الذين حملوا راية التوحيد والجهاد والدعوة، فدانت لهم الجزيرة وقاموا بالفتوحات العظيمة في نصف قرن.
كانت دار الأرقم مدرسة من أعظم مدارس الدنيا وجامعات العالم، التقى فيها الرسول المربي بالصفوة المختارة من الرعيل الأول فكان ذلك اللقاء الدائم تدريبًا عمليًا لجنود المدرسة على مفهوم الجندية والسمع والطاعة والقيادة وآدابها وأصولها، ويشحذ فيه القائد الأعلى جنده وأتباعه بالثقة بالله والعزيمة والإصرار، ويأخذهم بالتزكية والتهذيب والتربية والتعليم، كان هذا اللقاء المنظم يشحذ العزائم، ويقوي الهمم، ويدفع إلى البذل والتضحية والإيثار.
كانت نقطة البدء في حركة التربية الربانية الأولى لقاء المدعو بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، فيحدث للمدعو تحول غريب واهتداء مفاجئ بمجرد اتصاله بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، فيخرج المدعو من دائرة الظلام إلى دائرة النور، ويكتسب الإيمان ويطرح الكفر، ويقوى على تحمل الشدائد والمصائب في سبيل دينه الجديد.
كانت المادة الدراسية التي قام بتدريسها النبي -صلى الله عليه وسلم- في دار الأرقم هي القرآن الكريم، فهو مصدر التلقي الوحيد، فقد حرص المصطفى -عليه الصلاة والسلام- على توحيد مصدر التلقي وأن يكون القرآن الكريم وحده هو المنهج الذي يتربى عليها الفرد المسلم والأسرة المسلمة والجماعة المسلمة، وكان روح القدس ينـزل بالآيات غضة طرية على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيَسمعها الصحابة من فم الرسول -صلى الله عليه وسلم- مباشرة، فتسكب في قلوبهم وتتسرب في أرواحهم وتجري في عروقهم مجرى الدم، وكانت قلوبهم وأرواحهم تتفاعل مع القرآن وتنفعل به، فيتحول الواحد منهم إلى إنسان جديد، بقيمه ومشاعره وأهدافه وسلوكه وتطلعاته.
كان لاختيار دار الأرقم دون غيره من البيوتات عدة أسباب منها:
1- أن الأرقم بن أبي الأرقم –رضي الله عنه- لم يكن معروفًا بإسلامه، فما كان يخطر ببال أحد أن يتم لقاء محمد -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه بداره.
2- أن الأرقم من بني مخزوم، وقبيلة بني مخزوم هي التي تحمل لواء التنافس والحرب ضد بني هاشم، فلو كان الأرقم معروفًا بإسلامه فلا يخطر في البال أن يكون اللقاء في داره، لأن هذا يعني أنه يتم في قلب صفوف العدو.
3- أن الأرقم كان فتى عند إسلامه، فلقد كان في حدود السادسة عشرة من عمره، ويوم تُفكر قريش في البحث عن مركز التجمع الإسلامي فلن يخطر في بالها أن تبحث في بيوت الفتيان الصغار من أصحاب محمد، بل يتجه نظرها وبحثها إلى بيوت كبار أصحابه، أو بيته هو -عليه الصلاة والسلام-.
ومن أجل هذا نجد أن اختيار هذا البيت كان في غاية الحكمة من الناحية الأمنية، ولم نسمع أبدًا أن قريشًا داهمت ذات يوم هذا المركز وكشفت مكان اللقاء، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
والحمد لله أولًا وآخرًا...
 


Source URL:
http://www.alahmad.com/node/786