الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ناصر بن محمد الأحمد (http://www.alahmad.com)

أبو بكر الصديق (6)

تم الإنشاء 07/21/2008 - 07:18

أبو بكر الصديق
الدرس السادس
وفاته

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد
 

في شهر جمادى الآخرة من العام الثالث عشر للهجرة النبوية، مرض الخليفة أبو بكر –رضي الله عنه- واشتد به المرض، فلما ثقل واستبان له من نفسه، جمع الناس إليه فقال: "إنه قد نزل بي ما قد ترون، ولا أظنني إلا ميتًا لما بي، وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم فأمّروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمّرتم في حياة مني كان أجدر أن لا تختلفوا بعدي".
وتشاور الصحابة -رضي الله عنهم-، وكل يحاول أن يدفع الأمر عن نفسه ويطلبه لأخيه، إذ يرى فيه الصلاح والأهلية، لذا رجعوا إليه فقالوا: رأينا يا خليفة رسول الله رأيك، قال: "فأمهلوني حتى أنظر لله ولدينه ولعباده"، فدعا أبو بكر عبدَ الرحمن بن عوف فقال له: "أخبرني عن عمر بن الخطاب"، فقال له: "ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني"، فقال أبو بكر: "وإن"، فقال عبد الرحمن: "هو والله أفضل من رأيُك فيه"، ثم دعا عثمان بن عفان، وأسيد بن حضير وكذلك استشار سعيد بن زيد وعددًا من الأنصار والمهاجرين، وكلهم كانوا برأي واحد في عمر.
ثم كتب عهدًا مكتوبًا يُقرأ على الناس في المدينة وفي الأنصار عن طريق أمراء الأجناد: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجًا منها وعند أول عهده بالآخرة داخلاً فيها، حيث يؤمن الكافر ويوقن الفاجر ويصدّق الكاذب، إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا، وإني لم آلُ الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيرًا، فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بدّل فلكل امرئ ما اكتسب، والخير أردت ولا أعلم الغيب: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ}
[(227) سورة الشعراء]".
بل أنه أراد إبلاغ الناس بلسانه، واعيًا مدركًا حتى لا يحصل أي لبس، فأشرف أبو بكر على الناس وقال لهم: "أترضون بما أستخلف عليكم؟ فإني والله ما ألوت من جهد الرأي ولا وليت ذات قرابة، وإني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا"، فقالوا: سمعنا وأطعنا.
وكلف عثمان بن عفان أن يتولى قراءة العهد على الناس، وأخذ البيعة لعمر قبل موت أبي بكر، بعد أن ختمه بخاتمه لمزيد من التوثيق والحرص على إمضاء الأمر دون أي آثار سلبية، وقال عثمان للناس: "أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟"، فقالوا: نعم، فأقرّوا بذلك جميعًا ورضوا به.
وبعد أن قرئ العهد على الناس ورضوا به أقبلوا عليه وبايعوه، ولم تتم بيعة بعد الوفاة بل باشر عمر بن الخطاب أعماله بصفته خليفة للمسلمين فور وفاة أبي بكر –رضي الله عنه-.
إن الخطوات التي سار عليها أبو بكر الصديق في اختيار خليفته من بعده لا تتجاوز الشورى بأي حال من الأحوال، وإن كانت الإجراءات المتبعة فيها غير الإجراءات المتبعة في تولية أبي بكر نفسه، وهكذا تم عقد الخلافة لعمر –رضي الله عنه- بالشورى، ولم يورد التاريخ أي خلاف وقع حول خلافته بعد ذلك، ولا أن أحد نهض طوال عهده لينازعه الأمر، بل كان هناك إجماع على خلافته وعلى طاعته في أثناء حكمه، فكان الجميع وحدة واحدة.
قالت عائشة -رضي الله عنها-: "أول ما بدئ مرض أبي بكر أنه اغتسل وكان يومًا باردًا فحم خمسة عشر يومًا لا يخرج إلى صلاة، وكان يأمر عمر بالصلاة وكانوا يعودونه، وكان عثمان ألزمهم له في مرضه، ولما اشتد به المرض قيل له: ألا تدعو لك الطبيب؟ فقال: قد رآني فقال: إني فعّال لما أريد".
وقالت عائشة -رضي الله عنها-: "قال أبو بكر: انظروا ماذا زاد في مالي منذ دخلت في الإمارة فابعثوا به إلى الخليفة بعدي، فنظرنا فإذا عبد نوبي كان يحمل صبيانه، وإذا ناضح كان يسقي بستانًا له، فبعثنا بهما إلى عمر، فبكى عمر، وقال: رحمة الله على أبي بكر لقد أتعب من بعده تعبًا شديدًا".
وقالت عائشة -رضي الله عنها-: "لما مرض أبو بكر مرضه الذي مات فيه، دخلت عليه وهو يعالج ما يعالج الميت ونفسه في صدره، فتمثلتُ هذا البيت:

لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى *** إذا حشرجت يومًا وضاق بها الصدر

فنظر إليَّ كالغضبان ثم قال: ليس كذلك يا أم المؤمنين، ولكن قول الله أصدق: {وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [(19) سورة ق]، ثم قال: "يا عائشة، إنه ليس أحد من أهلي أحب إليَّ منك، وقد كنت نحلتك حائطًا، وإن في نفسي منه شيئًا فرديه إلى الميراث"، قالت: نعم، فرددته.
وقال –رضي الله عنه-: "أما إنا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأكل لهم دينارًا ولا درهمًا، ولكنا قد أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وليس عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشي وهذا البعير الناضح، وجَرْدُ هذه القطيفة، فإذا مت فابعثي بهنّ إلى عمر وابرئي منهنّ".
ففعلتْ، فلما جاء الرسول إلى عمر بكى حتى جعلت دموعه تسيل في الأرض، ويقول: "رحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده، رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده، رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده".
ويظهر من هذه المواقف ورع الصدّيق في المال العام، فقد ترك هذا الخليفة العظيم تجارته، وتخلى عن ذرائع كسبه اشتغالاً عنها بأمور المسلمين، وقيامًا بوظائف الخلافة، فيضطر إلى أخذ نفقته من بيت المال بما لا يزيد عن الحاجة إلى سد الجوع وستر العورة، ثم هو يؤدي للمسلمين خدمة هيهات أن تؤدي حقها الخزائن، ولما أشرف على وفاته وعنده فضلة من مال المسلمين، وهي ذلك المتاع الحقير يأمر بردها إلى المسلمين ليلقي ربه آمنا مطمئنًا، نزيه القلب طاهر النفس، خفيف الحمل إلا من التقوى، فارغ اليدين إلا من الإيمان، إن في هذا لبلاغًا، وإنها لموعظة لقوم يعقلون.
وقد استمر مرض أبي بكر مدة خمسة عشر يومًا، حتى كان يوم الاثنين ليلة الثلاثاء في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة للهجرة، قالت عائشة -رضي الله عنها-: "إن أبا بكر قال لها: "في أي يوم مات رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟"، قالت: "في يوم الاثنين"، قال: "إني لأرجو فيما بيني وبين الليل، ففيم كفنتموه؟"، قالت: "في ثلاثة أثواب بيض سحولية يمانية ليس فيها قميص ولا عمامة"، فقال أبو بكر: "انظري ثوبي هذا فيه ردع زعفران أو مشق فاغسليه واجعلي معه ثوبين آخرين"، فقيل له: قد رزق الله وأحسن، نكفنك في جديد، قال: "إن الحيّ هو أحوج إلى الجديد؛ ليصون به نفسه عن الميت، إنما يصير الميت إلى الصديد وإلى البلى".
وقد أوصى أن تغسله زوجه أسماء بنت عميس، وأن يدفن بجانب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان آخر ما تكلم به الصدّيق -رضي الله عنه- في هذه الدنيا قول الله تعالى: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}
[(101) سورة يوسف].
وارتجت المدينة لوفاة أبي بكر الصديق، ولم تر المدينة منذ وفاة الرسول يومًا أكثر باكيًا وباكية من ذلك المساء الحزين، وأقبل علي بن أبي طالب مسرعًا باكيًا مسترجعًا ووقف على البيت الذي فيه أبو بكر، فقال: "رحمك الله يا أبا بكر، كنتَ إلف رسول الله، وأنيسه ومستراحه وثقته وموضع سره ومشاورته، وكنتَ أول القوم إسلامًا وأخلصهم يقينًا، وأشدهم لله يقينًا، وأخوفهم له، فجزاك الله عن رسول الله وعن الإسلام أفضل الجزاء".
هذا وقد توفي الصديق -رضي الله عنه- وهو ابن ثلاث وستين سنة، مجمع على ذلك في الروايات كلها، استوفى سن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وغسلته زوجه أسماء بنت عميس، وكان قد أوصى بذلك، ودفن جانب رسول الله، وقد جعل رأسه عند كتفي رسول الله، وصلى عليه خليفته عمر بن الخطاب، ونزل قبره عمر وعثمان وطلحة وابنه عبد الرحمن، وألصق اللحد بقبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وهكذا خرج أبو بكر الصديق من الدنيا بعد جهاد عظيم، في سبيل نشر دين الله في الآفاق، وستظل الحضارة الإنسانية مدينة لهذا الشيخ الجليل الذي حمل لواء دعوة الرسول بعد وفاته، وحمى غرسه -عليه الصلاة والسلام-، وقام برعاية بذور العدل والحرية، وسقاها أزكى دماء الشهداء، فأتت من كل الثمرات عطاء جزيلاً.
حقق عبر التاريخ تقدمًا عظيمًا في العلوم والثقافة والفكر، وستظل الحضارة مدينة للصديق؛ لأنه بجهاده الرائع وبصبره العظيم حمى الله به دين الإسلام في ثباته في الردة، ونشر الله به الإسلام في الأمم والدول والشعوب بحركة الفتوحات العظيمة، التي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً.

قل إن خير الأنبياء محمد *** أجَلَّ من يمشي على الكُثبان
وأجَلُّ صَحْبِ الرسل صحب محمدٍ *** وكذاك أفضل صحبه العُمَران
رجلان قد خلقا لنصر محمد *** بدمي ونفسي ذانك الرجلان
فهما اللذان تظاهرا لنبينا *** في نصره وهما له صهران
بنتاهما أسنى نساء نبينا *** وهما له بالوحي صاحبتان
أبواهما أسنى صحابة أحمد *** يا حبذا الأبوان والبنتان
وهما وزيراه اللذان هما هما *** لفضائل الأعمال مستبقان
وهما لأحمد ناظراه وسمعه *** وبقربه في القبر مضطجعان
كانا على الإسلام أشفق أهله *** وهما لدين محمد جبلان
أصفاهما أقواهما أخشاهما *** أتقاهما في السر والإعلان
أسناهما أزكاها أعلاهما *** أوفاهما في الوزن والرجحان
صِدِّيق أحمد صاحب الغار الذي *** هو في المغارة والنبي اثنان
أعني أبا بكر الذي لم يختلف *** من شرعنا في فضله رجلان
هو شيخ أصحاب النبي وخيرهم *** وإمامهم حقًا بلا بطلان
وأبو المطهرة التي تنـزيهها *** قد جاءنا في النور والفرقان

والحمد لله...
 


Source URL:
http://www.alahmad.com/node/781