أبو بكر
الصديق
الدرس الخامس
فتح الشام
الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد
كان أبو بكر الصديق -رضي
الله عنه- يفكر في فتح الشام، ويجيل النظر ويقلب الرأي في ذلك، وبينما كان الصديق
مشغولًا بذلك الأمر جاء شرحبيل بن حسنة أحد قواد المسلمين في حروب الردة فقال: "يا
خليفة رسول الله، أتُحدِّث نفسك أنك تبعث إلى الشام جندًا؟"، فقال: "نعم، قد حدثت
نفسي بذلك وما أَطلعتُ عليه أحدًا وما سألتني عنه إلا لشيء"، قال: "أجل إني رأيت يا
خليفة رسول الله فيما يرى النائم كأنك تمشي في الناس فوق خَرْشفة من الجبل -يعني
مسلكًا وعرًا- حتى صعدتَّ قُنَّة من القنات العالية فأشرفتَ على الناس ومعك أصحابك،
ثم إنك هبطت من تلك القنّات إلى أرض سهلة دمثة -يعني لينة- فيها الزرع والقرى
والحصون، فقلت للمسلمين: شنوا الغارة على أعداء الله وأنا ضامن لكم بالفتح
والغنيمة، وأنا فيهم معي راية، فتوجهتُ بها إلى أهل قرية فسألوني الأمان فأمّنتهم،
ثم جئتُ فأجدُكَ قد انتهيت إلى حصن عظيم ففتح الله لك وألقوا إليك السلم، ووضع الله
لك مجلسًا فجلست عليه، ثم قيل لك: يفتح الله عليك وتُنصر فاشكر ربك واعمل بطاعته،
ثم قرأ: {إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ
فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ
كَانَ تَوَّابًا} [(1-3) سورة النصر]، ثم انتبهت"، فقال له أبو بكر: "نامت عينك،
خيرًا رأيت، وخيراً يكون إن شاء الله"، ثم قال: "بُشِّرتُ بالفتح ونُعِيَتْ إليَّ
نفسي"، ثم دمعت عينا أبي بكر، فدعا إلى عقد مجلس شورى بخصوص غزو الشام، فقد أخذ
الصدّيق بالعزيمة والعمل والتوكل على الله واستأنس بالرؤيا.
ولما أراد أبو بكر –رضي الله عنه- أن يجهّز الجنود إلى الشام دعا عمر وعثمان وعليًا
وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبا عبيدة بن الجراح ووجوه
المهاجرين والأنصار من أهل بدر وغيرهم، فدخلوا عليه، فاستشارهم في جهاد الروم بأرض
الشام، فأشار عمر بن الخطاب برأي، وأشار عبد الرحمن بن عوف برأي آخر، فكان رأي عمر
إرسال الجيوش تلو الجيوش حتى تتجمع في الشام فتكون قوة كبيرة تستطيع أن تصدر
للأعداء، وكان رأي عبد الرحمن بن عوف أن يبدأ الغزو بقوات صغيرة تغير على أطراف
الشام ثم تعود إلى المدينة، حتى إذا تم إرهاب العدو وإضعافه تبعث الجيوش الكبيرة،
وقد أخذ أبو بكر برأي عمر في هذا الأمر، واستفاد من رأي عبد الرحمن بن عوف فيما
يتعلق بطلب المدد بالجيوش من قبائل العرب، وخاصة أهل اليمن، فكتب الصدّيق إلى أهل
اليمن يدعوهم إلى الجهاد في سبيل الله، وبعث هذا الكتاب مع أنس بن مالك –رضي الله
عنه-، فخرج أهل اليمن ينساحون من جميع أرجاء اليمن بأعداد هائلة، خرجوا طواعية،
وأقبلت جموعهم بنسائهم وأولادهم وكانوا من أسرع المستجيبين للنداء حبًّا ورغبة في
الجهاد، بل إن ملوك اليمن قدموا على الصدّيق وقد تخلوا عن التيجان المثقلة
بالجواهر، وتركوا حلل المخمل الموَشّى بخيوط الذهب والياقوت والدر والمرجان،
واشتروا من سوق المدينة ثيابًا خشنة، ووضع الصدّيق في بيت المال ما تخلوا عنه
جميعًا من نفائس.
عزم الصدّيق على تسيير الجيوش لبلاد الشام فدعا الناس إلى الجهاد، وعقد الألوية
لأربعة جيوش أرسلها لفتح الشام، وهي:
أولاً: جيش يزيد بن أبي سفيان: وهو أول الجيوش التي تقدمت إلى بلاد الشام، وكانت
مهمته الوصول إلى دمشق وفتحها ومساعدة الجيوش الأخرى عند الضرورة، وكان جيش يزيد
أول الأمر ثلاثة آلاف، ثم عززه الخليفة بالإمدادات حتى صار معه بحدود السبعة آلاف
رجل.
ثانياً: جيش شرحبيل بن حسنة: حدّد أبو بكر الصدّيق لمسير شرحبيل ثلاثة أيام بعد
مسير يزيد بن أبي سفيان، فلما مضى اليوم الثالث ودَّع أبو بكر شرحبيل، وكان جيش
شرحبيل ما بين ثلاثة إلى أربعة آلاف، وأمره أن يسير إلى تبوك والبلقاء ثم بصرى، وهي
آخر مرحلة.
وتقدم شرحبيل نحو البلقاء حيث لم يلق مقاومة تذكر، فأوغل في البلقاء حتى بلغ بصرى
فأخذ يحاصرها، فلم يوفق في فتحها؛ لأنها كانت من المراكز الحصينة.
ثالثاً: جيش أبي عبيدة بن الجراح: وكان جيشه يتراوح ما بين ثلاثة إلى أربعة آلاف
مجاهد، وهدف ذلك الجيش حمص، وكان في صحبة أبي عبيدة بن الجراح، فارس من فرسان العرب
المشهورين، وهو: قيس بن هبيرة بن مسعود المرادي.
رابعاً: جيش عمرو بن العاص: وجه الصدّيق عمرو بن العاص بجيش إلى فلسطين، وكان
تعداده يتراوح من ستة إلى سبعة آلاف مجاهد.
وأمر الصديق –رضي الله عنه- كل أمير أن يسلك طريقاً غير طريق الآخر؛ لما لحظ في ذلك
من المصالح، وكانت الجيوش المكلفة بفتح بلاد الشام تلاقي صعوبة في تنفيذ المهمات
الموكلة إليها، فقد كانت تواجه جيوش الإمبراطورية الرومانية التي تمتاز بقوتها
وكثرة عددها، وقد بنت الحصون والقلاع للدفاع عن مراكز المدن، واستخدمت أسلوب
الكراديس في تنظيم جيوشها.
لقد كان للروم في الشام جيشان كبيران أحدهما في فلسطين والآخر في أنطاكية، وتمركز
هذان الجيشان في ستة مواضع: أنطاكية وقنِّسرين وحمص وعمَّان وأجنادين وقيسارية، أما
مقر القيادة العامة فهو أنطاكية أو حمص.
وعندما شهد قائد الروم هرقل الذي كان يشرف على الموقف بنفسه في "إيليا" توغلَ
الجيوش الإسلامية، أصدر أوامره إلى قواته بالتوجه لتدمير هذه الجيوش.
استطاع المسلمون الحصول على المعلومات الدقيقة عن تفاصيل الخطة الرومية التي كان قد
وضعها هرقل لتدمير الجيوش الإسلامية كل على انفراد، وراسل قادة المسلمين الخليفة
بالمدينة، فشرع الصدّيق في إمداد الجيوش الإسلامية ببلاد الشام بالرجال والسلاح
والخيول وما يحتاجونه، ودعا هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وأرسله مدداً إلى الشام وحث
الناس للخروج معه، ثم انصرف أبو بكر –رضي الله عنه- إلى منـزله ومال الناس على هاشم
حتى كثروا عليه، فلما أتموا ألفًا أمره أبو بكر أن يسير، فسار حتى لحق بجيش أبي
عبيدة.
وبعد ذهاب هاشم بن عتبة بمدة أمر أبو بكر بلالاً فنادى في الناس ألا انتدبوا أيها
المسلمون مع سعيد بن عامر إلى الشام، فانتدب معه سبعمائة رجل في أيام يسيرة، وكان
أبو بكر قد أمر سعيد بن عامر أن يسير حتى يلحق بيزيد بن أبي سفيان، وكانت وفود
الجهاد تتوافد على المدينة، ويقوم الصدّيق بتوجيهها.
كانت قيادة الجيوش الإسلامية بالشام تتابع تطور حركة الجيوش الرومانية، وشعر القادة
بخطورة الموقف فعقدوا مؤتمرًا بالجولان، وكتب أبو عبيدة إلى الخليفة يشرح له
الموقف، وفي الوقت نفسه قرروا الانسحاب من جميع الأراضي التي تم فتحها وتجمعوا في
مكان واحد ليتمكنوا من إحباط خطة الرومان وإجبارهم على خوض معركة فاصلة تخوضها كل
الجيوش الإسلامية.
وكان عمرو بن العاص أشار على القادة أن يكون التجمع باليرموك، وجاء رأي الصدّيق
مطابقًا لرأي عمرو بن العاص في اختيار مكان التجمع، واتفقوا أن يتم الانسحاب مع
تجنب الاشتباك مع العدو، فانسحب أبو عبيدة من حمص، وانسحب شرحبيل بن حسنة من
الأردن، وانسحب يزيد بن أبي سفيان من دمشق، وأخذ عمرو بن العاص في الانسحاب
تدريجيًا من فلسطين، ولكنه لم يستطع الانسحاب منها حتى نجده خالد بن الوليد قبل
اليرموك، فظل يناور في بئر السبع لمتابعة الروم له، وبذلك شنّ المسلمون هجومًا
مضادًا فكانت معركة أجنادين.
وقرر الصدّيق أن ينقل خالد بن الوليد بجيشه من العراق إلى الشام وأن يتولى قيادة
الجيوش بها، فالأمر بالشام يحتاج إلى قائد يجمع بين قدرة أبي عبيدة، ودهاء عمرو،
وحنكة عكرمة، وإقدام يزيد، وأن يكون صاحب قدرة عسكرية فائقة مع قدرة على حسم
الأمور، وصاحب دهاء وحيلة وإقدام، وصاحب حنكة ودراية مع دقة في تقدير المواقف،
وصاحب تجربة طويلة في المعارك، فوقع اختيار الصدّيق على خالد بن الوليد فكتب إليه
بالعراق، ونفّذ ابن الوليد تعاليم الخليفة، ووصل بجيشه إلى الشام بعد رحلة عبر
الصحراء لم يذكر التاريخ شبيهًا لها.
تهيأ خالد للسير إلى الشام، وانطلق ليعبر من العراق إلى الشام صحاري رهيبة غائبة
النواحي مترامية الآفاق كأنما هي التيه، وسأل الأدلاء: كيف لي بطريق أخرج فيه من
وراء جموع الروم؟ فإني إن استقبلتها حبستني عن غياث المسلمين! قالوا له: لا نعرف
إلا طريقًا لا يحمل الجيوش، فوالله إن الراكب المفرد ليخافه على نفسه! إنك لن تطيق
ذلك الطريق بالخيل والأثقال، إنها لخمس ليال لا يصاب فيها ماء.
قال خالد: "إنه لا بد من ذلك لأخرج من وراء جموع الروم"، وعزم خالد على سلوك هذا
الطريق مهما تكن مخاطره، فنصحه رافع بن عُمير أن يستكثر من الماء حتى يجتاز ذلك
الطريق، فأمر خالد جنوده أن يخزنوا الماء في بطون الإبل العطاش، ثم يشدوا مشافرها
لكيلا تجتر فتستنـزف الماء، وقال لرجاله: "إن المسلم لا ينبغي أن يكترث بشيء يقع
فيه مع معونة الله له".
وسار به الدليل رافع بن عمير في طريق تمتاز بوعورتها، وقلة مائها، وضياع معالمها،
وقلة سكانها، إلا أنها أقصر الطرق، فأوضح خالد لجنده الاعتبارات التي تجعله يفضل
سلوك هذا الطريق على غيره، وهي السرعة والسرية والمباغتة.
وكان رافع قد طلب من خالد أن يهيئ عشرين ناقة كبيرة، فأعطاه ما أراد، فمنع عنها
الماء أيامًا حتى عطشت، ثم أوردها إياه فملأت جوفها فقطع مشافرها وكممها فلا تجتر،
ثم قال لخالد: "سر الآن بالخيول والأثقال"، وكلما نزلت منـزلا نحرت من تلك الإبل
وشرب الناس مما تزودوا.
فسار الجيش من "قراقر"، وهي آخر قرى العراق على حدود الصحراء، إلى "سوى" وهي أوائل
قرى الشام، والمسافة بينهما خمس ليال يستريحون بالنهار ويسيرون بالليل، واعتمد خالد
على رافع بن عمير دليلاً بعد أن وثق به ومن صحة دلالته، واختار محرز المحاربي لحذقه
في الدلالة على النجوم، لذلك كان مسيرهم ليلاً وصباحًا مع تحاشي السير عند ارتفاع
النهار والظهيرة لقطع مرحلتين في اليوم الواحد، ولم يترك خالد أحدًا من جنده يسير
راجلاً وإنما أركب الجند الإبل للمحافظة على قابليتهم البدنية.
وسار خالد في الطريق، وكلما نزل منـزلاً نحر عددًا من النوق فأخذ ما في أكراشها
فسقاه الخيل، ثم شرب الناس مما حملوا من الماء، فلما كان اليوم الخامس نفد الماء،
فخاف خالد على أصحابه من العطش، وقال لرافع وهو أرمد: "ما عندك؟"، فطلب رافع من
الناس أن يبحثوا عن شجرة عوسج صغيرة في تلك المنطقة فلم يجدوا إلا جزءًا صغيرة من
ساقها، فأمر رافع أن يحفروا هناك، فحفروا فظهرت عين للماء، فشربوا حتى روى الناس،
فاتصلت بعد ذلك لخالد المنازل.
وقد قال بعض العرب لخالد في هذا المسير: "إن أنت أصبحت عند الشجرة الفلانية نجوت
أنت ومن معك، وإن لم تدركها هلكت أنت ومن معك، فسار خالد بمن معه فأصبحوا عندها،
فقال خالد: "عند الصباح يحمد القوم السُّرى"، فأرسلها مثلاً وهو أول من قالها –رضي
الله عنه-.
وصل خالد إلى "أدك" -وهي أول حدود الشام- فأغار على أهلها وحاصرهم فحررها صلحًا، ثم
نزل "تدمر" فامتنع أهلها وتحصنوا، ثم طلبوا الأمان فصالحهم وواصل سيره، فأتى
"القريتين" فقاتله أهلها فظفر بهم، ثم قصد "حوارين" وصار إلى موضع يعرف بالثّنية،
فنشر رايته، وهي كانت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- تسمى "العُقَاب"، فسمي ذلك
الموضع بثنية العُقاب، ولما مرَّ بعذراء أباحها وغنم لغسّان أموالاً عظيمة، وخرج من
شرقي دمشق، ثم سار حتى وصل إلى قناة بصرى، فوجد الصحابة تحاربها فصالحه صاحبها
وسلمها إليه، فكانت أول مدينة فتحت من الشام، وبعث خالد بأخماس ما غنم من غسان مع
بلال بن الحرث المزني إلى الصدّيق، ثم سار خالد وأبو عبيدة ومرثد وشرحبيل إلى عمرو
بن العاص، وقد قصده الروم، فكانت معركة أجنادين.
وصل خالد إلى الشام وفتح بصرى واجتمع بقيادة المسلمين أبي عبيدة وشرحبيل بن حسنة
ويزيد بن أبي سفيان، ودرس الموقف العسكري واطلع على أدق تفاصيله، كما اطلع على موقف
عمرو بن العاص الذي كان ينسحب محاذاة ضفة نهر الأردن لكي يلتقي بجيوش المسلمين
الأخرى، ومحاذرًا للاشتباك معه في معركة فاصلة، إلا أن عَمْرًا كان في تمام اليقظة
والحذر وعلى علم تام بأنه ليس من مصلحته الاشتباك في مثل هذه المعركة؛ لأن جيشه لم
يكن يتجاوز السبعة آلاف بينما كان جيش الروم يقارب السبعين ألفاً، وبعد أن درس خالد
الموقف العسكري رأى أن أمامه خيارين: فإما أن يسرع وينضم إلى جيش عمرو ويخوض وإياه
معركة فاصلة فيقضي على قوة الروم الكبيرة فيتعزز الموقف العسكري للجيش الإسلامي
ويصون خط رجعته ويحمي جناحه الأيسر ويثبت أقدام المسلمين في فلسطين، وإما أن يقف
مكانه ويوعز إلى عمرو بالانضمام إليه ثم ينتظر قوات الروم التي كانت تزحف نحوه من
دمشق ليخوض معها معركة فاصلة، وقد فضّل خالد أن يأخذ الخيار الأول؛ لأن التغلب على
جيش الروم في فلسطين وتشتيته يحفظ للمسلمين خط رجعتهم ويعزز مركزهم، ويجعلهم في
موقف يستطيعون معه تهديد الجيش الرومي، ويجعلونه يتوقع حصول حركة التفاف من خلفه،
فيضطر للأخذ بتدابير خاصة للحماية تشغل جانبًا من قواته، فيصبح بذلك مدافعًا بعد أن
كان مهاجمًا.
انحدر خالد من اليرموك إلى سهل فلسطين بعدما أصدر أمره إلى عمرو بأن ينسحب متدرجًا
جيش الروم حتى يصل جيش خالد فيطبقان عليه، فارتد عمرو إلى أجنادين، وعندما وصلت
قوات خالد أصبح جيش المسلمين بحدود ثلاثين ألف مقاتل، وكان وصول خالد في الوقت
المناسب، فما أن اصطدمت قوات عمرو بالروم حتى انقض خالد بقواته الرئيسة، وجرت معركة
عنيفة، وكان لمهارة القائدين خالد وعمرو العسكرية دور كبير في تحقيق النصر الحاسم،
حيث تم توجيه قوة اقتحامية اخترقت صفوف العدو حتى وصلت إلى قائد الروم فقتلوه،
وبمقتل القائد انهارت مقاومة الروم وهربوا في اتجاهات مختلفة.
وقد كانت أجنادين أولى المعارك الكبيرة في بلاد الشام بين المسلمين والروم، فلما
انتهى خبر الهزيمة إلى قيصر الروم هرقل وهو في حمص شعر بمدى الكارثة.
عادت بواكير النصر من وقعة أجنادين بعد الانتصار الكبير الذي حققه المسلمون في هذه
الموقعة وهزيمة الروم، واطمأن المسلمون إلى ما حققوه من نصر في أجنادين، واجتمعت
جيوش المسلمين في اليرموك تنفيذًا لأمر الخليفة الصدّيق -رضي الله عنه-، وتحركت
جيوش الروم بقيادة "تيدور"، ونزلت في منـزل واسع الطعن واسع المطرد ضيق المهرب،
فسارت حشود الروم حتى نزلوا الواقوصة قريبًا من اليرموك، وكان عدد المسلمين أربعون
ألفاً، وعدد الروم مائتين وأربعون ألفاً.
وصل المسلمون بقيادة خالد بن الوليد اليرموك فعسكروا بها حتى اجتمعت الروم مع
أمرائها على الضفة الجنوبية للنهر، وقال عمرو بن العاص: "أبشروا أيها الناس، فقد
حُصرت والله الروم وقلما جاء محصور بخير"، وخرج خالد بن الوليد بأسلوب جديد لم
يستخدمه العرب من قبل ذلك، وهو الكراديس، فقسم جيشه إلى أربعين كردوساً كما يلي:
فرقة القلب: مؤلفة من ثمانية عشر كردوسًا بقيادة أبي عبيدة بن الجراح ومعه عكرمة بن
أبي جهل والقعقاع بن عمرو.
وفرقة الميمنة: مؤلفة من عشرة كراديس بقيادة عمرو بن العاص، ومعه شرحبيل بن حسنة،.
وفرقة الميسرة: مؤلفة من عشرة كراديس بقيادة يزيد بن أبي سفيان.
وفرقة المقدمة من الخيالة والمخافر الأمامية: ومهمتها المراقبة والاستطلاع
والاحتفاظ على التماس مع العدو، ولذلك تكون فرقة صغيرة وخفيفة.
وفرقة المؤخرة: مؤلفة من خمسة آلاف مقاتل في خمسة كراديس بقيادة سعيد بن يزيد،
ومهمتها قيادة الأمور الإدارية، وجعل القاضي أبو الدرداء، وعلى الأقباض عبد الله بن
مسعود، ومهمته تأمين الأمور الإدارية والإعاشة وجمع الغنائم، والقارئ المقداد بن
الأسود، وكان يدور على الناس ويقرأ سورة الأنفال وآيات الجهاد لرفع المعنويات،
وخطيب الجيش أبو سفيان بن حرب، وهو يطوف على الصفوف يحث الجند على القتال، والقائد
العام خالد بن الوليد في الوسط وحوله كبار الصحابة، وأخذ كل قائد من القواد يمر على
جنده ويحثهم على الجهاد والصبر والمصابرة.
ورأى قادة المسلمين أن هذه المعركة هي معركة يتوقف عليها نتائج كبرى وأنها الحاسمة،
وكان خالد يعلم أن هذه المعركة معركة اليوم الواحد، وأنه إن رد الروم إلى خندقهم
فسيظل يردهم، وإن هزموه فلن يفلح بعدها، وأن هزيمة الروم في هذه المعركة تعني
هزيمتهم في أرض الشام كلها وتفتح أبواب الشام على مصراعيها للمسلمين دون حواجز ولا
عراقيل، والانطلاق منها إلى مصر فآسيا وأوربا.
ولما تراءى الجمعان وتبارز الفريقان، قال رجل من نصارى العرب لخالد بن الوليد: ما
أكثر الروم وأقل المسلمين!! فقال خالد: "ويلك، أتخوفني بالروم؟ إنما تكثر الجنود
بالنصر وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال، والله لوددت أن الأشقر برأ من توجِّيه وأنهم
أضعفوا في العدد"، وكان فرسه قد حفيَ واشتكى في مجيئه من العراق.
أقبلت الروم في خيلائها وفخرها وقد سدت أقطار تلك البقعة سهلها ووعرها، كأنهم غمامة
سوداء يصيحون بأصوات مرتفعة ورهبانهم يتلون الإنجيل ويحثونهم على القتال.
ونزلت الروم الواقوصة قريبًا من اليرموك، وصار الوادي خندقًا عليهم، وتعبأ الروم
باستخدام أسلوب الكراديس في خطين، كل خمسة في دائرة يفصل بينهما وبين الخمسة الأخرى
فاصل، ثم يأتي الخط الثاني وراء فرجات الخط الأول.
ولما تقارب الناس تقدم أبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان نحو جيش الروم، ومعهما ضرار بن
الأزور، والحارث بن هشام، ونادوا: إنما نريد أميركم لنجتمع به، فأُذن لهم في الدخول
على "تذارق"، وإذا هو جالس في خيمة من حرير، فقال الصحابة: لا نستحل دخولها، فأُمر
لهم بفراش بسط من حرير، فقالوا: ولا نجلس على هذه، فجلس معهم حيث أحبوا، وتفاوضوا
على الصلح ورجع عنهم الصحابة بعدما دعوهم إلى الله -عز وجل- فلم يتم ذلك.
بعدها طلب "ماهان" من خالد ليبرز إليه فيما بين الصفوف فيجتمعا في مصلحة لهم، فقال
ماهان: إنا قد علمنا أن ما أخرجكم من بلادكم إلا الْجَهْد والجوع، فهلمّوا إليَّ أن
أعطي كل رجل منكم عشرة دنانير وكسوة وطعامًا وترجعون إلى بلادكم، فإذا كان من العام
المقبل بعثنا لكم بمثلها، فقال خالد: "إنه لم يخرجنا من بلادنا ما ذكرت، غير أنا
قوم نشرب الدماء، وأنه بلغنا أنه لا دم أطيب من دم الروم، فجئنا لذلك".
فقال أصحاب ماهان: هذا والله ما كنا نُحدَّث به عن العرب.
ولما تكامل الاستعداد ولم تنجح المفاوضات تقدم خالد إلى عكرمة بن أبي جهل والقعقاع
ابن عمر، وهما على مجنبتي القلب وأمرهما أن ينشبا القتال، فبدرا يرتجزان ودعوا إلى
المبارزة، وتنازل الأبطال وتجاولوا وحميت الحرب وقامت على ساق، هذا وخالد مع كردوس
من الحماة الشجعان الأبطال بين يدي الصفوف، والأبطال يتصاولون بين يديه وهو ينظر
ويبعث إلى كل قوم من أصحابه بما يعتمدونه من الأفاعيل، ويدبر أمر الحرب أتم
التدبير.
تقدمت صفوف الروم وأقبلت كقطع الليل للقيام بهجوم عام على الجيش الإسلامي، وحملت
ميسرتهم على ميمنة المسلمين فانكشف قلب الجيش الإسلامي من ناحية الميمنة، واستطاع
الروم إحداث ثغرة في صفوف المسلمين والتسلل إلى مؤخرتهم، فصاح معاذ بن جبل: "يا
عباد الله المسلمين إن هؤلاء شَدّوا للشَّد عليكم، ولا والله لا يردهم إلا صدق
اللقاء والصبر في البلاء"، ثم نزل عن فرسه وقال: من أراد أن يأخذ فرسي ويقاتل عليه
فليأخذه، وآثر بذلك أن يقاتل راجلاً مع المشاة.
وثبتت قبائل الأزد ومذحج وحضرموت وخولان حتى صدوا أعداء الله، ثم ركبهم من الروم
أمثال الجبال فزال المسلمون من الميمنة إلى القلب، وانكشف طائفة من الناس إلى
العسكر، وثبت سور من المسلمين عظيم يقاتلون تحت راياتهم، ثم تنادوا فتراجعوا حتى
نهنهوا من أمامهم من الروم وأشغلوهم عن اتباع من انكشف من الناس، واستقبل النساء من
انهزم من سَرعان الناس يضربنهم بالخشب والحجارة، فتراجعوا إلى مواقفهم، فقال عكرمة
بن أبي جهل: "قاتلت رسول الله في مواطن وأفر منكم اليوم؟"، ثم نادى: "من يبايع على
الموت؟"، فبايعه عمُّه الحارث بن هشام وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه
المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا أمام خيمة خالد حتى أُثْبِتوا جميعًا جراحًا، وقتل منهم
خلق، منهم ضرار بن الأزور –رضي الله عنه-، وثبت كل قوم على رايتهم حتى صارت الروم
تدور كأنها الرحا، فلم تر يوم اليرموك إلا مُخًّا ساقطًا، ومعصمًا نادرًا، وكفًا
طائرةً من ذلك الموطن.
حملت ميمنة الروم بقيادة "قناطر" على ميسرة المسلمين حملة شديدة، وكانت في ميسرة
المسلمين قبائل كنانة وقيس وخثعم وجذام وقضاعة وعاملة وغسان، فأزيلت عن مواضعها،
فانكشف قلب المسلمين من ناحية الميسرة وركب الروم أكتاف من انهرم من المسلمين،
وتبعوهم حتى دخلوا معسكر المسلمين، فاستقبلتهم نساء المسلمين بالحجارة وأعمدة
الخيام يضربنهم على وجوههم ويقلن لهم: أين عز الإسلام والأمهات والأزواج؟، أين
تفرون وتدعوننا للعلوج؟ فإذا زجرنهم خجل أحدهم من نفسه ورجع إلى القتال، وقتلوا من
الروم خلقًا كثيرًا، واستشهد في هذه المرحلة سعيد بن زيد.
وحاولت ميسرة الروم مرة أخرى بشن الهجوم على ميمنة المسلمين، فشدوا على عمرو بن
العاص وجنده في محاولة اختراق الصفوف لكي يقوموا بعملية التطويق، وقاتل عمرو وجنده
عن مواضعهم إلا أن الروم تمكنوا من دخول معسكرهم، ونزلت المسلمات من التل وأخذن
يضربن وجوه الرجال المراجعين، وبذلك ارتدت إلى المسلمين عزائمهم، ودخلوا للقتال مرة
أخرى، وحمل المسلمون على الروم من جديد حتى أزاحوهم عن المواضع التي كسبوها.
حمل خالد بمن معه من الخيالة على الميسرة التي حَملت على ميمنة المسلمين فأزالوهم
إلى القلب، فقتل من الروم في حملته هذه ستة آلاف، ثم قال: والذي نفسي بيده لم يبق
عندهم من الصبر والجلد غير ما رأيتم، وإني لأرجو أن يمنحكم الله أكتافهم.
ثم اعترضهم فحمل بمائة فارس معه على نحو من مائة ألف، فما وصل إليهم حتى انقض
جميعُهم، وحَمل المسلمون عليهم حملة رجل واحد فانكشفوا، وتبعهم المسلمون لا يمتنعون
منهم. وقامت ميمنة المسلمين بإغلاق المنافذ والثغرات في وجوه الروم وحُصروا بين
وادي اليرموك ونهر الزرقاء، ودارت رحى المعركة وأبلى المسلمون بها بلاء حسناً،
واستطاع المسلمون أن يفصلوا فرسان الروم عن مشاتهم، فحَملوا على الروم وركبوا
أكتافهم حتى أرهقوهم، وبذلك أراد فرسان الروم مخرجًا لهم للفرار منه، فأمر خالد
بذكائه عمرو بن العاص بفسح المجال لهم في طريق الهرب، وفعل ذلك وهرب فرسان الروم،
وبذلك تحرك مشاة الروم دون غطاء من خيالتهم، فجاء المشاة إلى الخنادق وهم مقيدون
بالسلاسل حتى صاروا كأنهم حائط وقد هُدم، وجاءهم المسلمون إلى خندقهم في ظلال الليل
وأخذ معظمهم ينهار بالوادي، فإذا منهم شخص قُتل سقط معه الجميع الذين كانوا مقيدين
معه، وقَتل منهم المسلمون في هذه المرحلة خلقًا كثيرًا قدر عددهم بمائة ألف وعشرين
ألفًا، والناجون منهم قد انسحب قسم منهم إلى فحل، والقسم الآخر إلى دمشق داخل بلاد
الشام، وأخر الناس صلاتي العشاء حتى استقر الفتح، وأكمل خالد ليلته في خيمة "تذارق"
أخي هرقل وهو أمير الروم كلهم يومئذ، وهرب فيمن هرب، وباتت الخيول تجول حول خيمة
خالد يقتلون من مر بهم من الروم حتى أصبحوا، وقُتل تذارق وكان له ثلاثون سرادقًا
وثلاثون رواقًا من ديباج بما فيها من الفرش والحرير، فلما كان الصباح حازوا ما كان
هنالك من الغنائم، وكان عدد شهداء المسلمين ثلاثة آلاف بينهم من صحابة النبي -صلى
الله عليه وسلم- وشيوخ المسلمين وأقطابهم، وممن استشهد من هؤلاء: عكرمة بن أبي جهل
وابنه عمرو، وسلمة بن هشام، وعمرو بن سعيد، وأبان بن سعيد، وغيرهم، وكان عدد قتلى
الروم مائة وعشرين ألفًا، منهم ثمانون ألفا مقيدون بالسلاسل وأربعون ألفًا مطلقون
سقطوا جميعهم في الوادي.
لقد فرح المسلمون بهذا النصر العظيم، وعكّر ذلك الفرح وصول خبر وفاة الصدّيق -رضي
الله عنه-، حيث حزنوا عليه حزنًا شديدًا، وعوضهم الله تعالى بالفاروق -رضي الله
عنهم أجمعين-.
وقد كان البريد قد قدم بموت الصدّيق والمسلمون مصافو الروم، فكتم خالد ذلك عن
المسلمين؛ لئلا يقع في صفوفهم وهن أو ضعف، فلما تم النصر وأصبحوا أجلى لهم الأمر،
وكان الفاروق قد عيّن أبا عبيدة بن الجراح بدلاً من خالد بن الوليد على جيوش الشام،
وتقبل خالد أمر الفاروق برحابة صدر، وعزّى المسلمين في خليفة رسول الله، وتولى أبو
عبيدة القيادة العامة لجيوش الشام.
ومما قيل من الشعر في يوم اليرموك قول القعقاع بن عمرو:
ألم ترنا على اليرموك فزنا *** كما فزنا بأيام العراقِ
وعذراء المدائن قد فتحنا *** ومرج الصفر بالجراد العتاق
فتحنا قبلها بصرى وكانت *** محرمة الجناب لدى النعاق
قتلنا من أقام لنا وفينا *** نهابُهُمُ بأسياف رقاق
قتلنا الروم حتى ما تساوى *** على اليرموك معروق الوراق
فضضنا جمعهم لما استجالوا *** على الواقوص بالبتر الرقاق
غداة تهافتوا فيها فصاروا *** إلى أمر يعضِّل بالذواق
والحمد لله...