الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ناصر بن محمد الأحمد (http://www.alahmad.com)

أبو بكر الصديق (4)

تم الإنشاء 07/21/2008 - 07:13

أبو بكر الصديق
الدرس الرابع
فتح العراق

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد

 

ما إن انتهت حروب الردة واستقرت الأمور في الجزيرة العربية التي كانت ميدانًا لها، حتى شرع الصدّيق -رضي الله عنه- في تنفيذ خطة الفتوحات التي وضع معالمها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فجيَّش الصدّيق لفتح العراق جيشين:
الأول: بقيادة خالد بن الوليد، وكان يومئذ باليمامة، فكتب إليه يأمره بأن يغزو العراق من جنوبه الغربي، وقال له: "سر إلى العراق"، وأَمَره بأن يأتي العراق من أعاليها، وأن يتألف الناس ويدعوهم إلى الله -عز وجل-، فإن أجابوا وإلا أخذ منهم الجزية، فإن امتنعوا عن ذلك قاتلهم, وأَمَره أن لا يكره أحدًا على المسير معه، ولا يستعين بمن ارتد على الإسلام وإن كان عاد إليه، وأمره أن يستصحب كل امرئ مرّ به من المسلمين، وشرع أبو بكر في تجهيز السرايا والبعوث والجيوش إمدادًا لخالد -رضي الله عنه-.
الجيش الثاني: بقيادة عياض بن غنم، وكان قريباً من الحجاز، فكتب إليه بأن يغزو العراق من شماله الشرقي بادئاً بالمصيخ، وقال له: "سر حتى المصيخ وابدأ بها، ثم ادخل العراق من أعلاها حتى تلقى خالدًا"، ثم أردف أَمْره هذا بقوله: "وأذن لمن شاء بالرجوع، ولا تستفتحا بمتكاره"، أي: لا تجبرا أحدًا على السير معكما للقتال إكراهًا، فمن شاء فليُقدم ومن شاء فليحجم.
وكتب الصدّيق -رضي الله عنه- إلى خالد وعياض بأن أيهما سبق إلى الحيرة صار أميراً على صاحبه، وقال: "إذا اجتمعتما إلى الحيرة وقد فضضتما مسالح فارس وأمنتما أن يُؤتَى المسلمون من خلفهم، فليكن أحدكما ردءًا للمسلمين ولصاحبه بالحيرة، وليقتحم الآخر على عدو الله وعدوكم من أهل فارس دارهم ومستقر عزهم المدائن".
وكان المثنى بن حارثة قد قدم على أبي بكر وحثه على محاربة الفرس وقال له: "ابعثني على قومي، ففعل ذلك أبو بكر، فرجع المثنى وشرع في الجهاد بالعراق، ثم إنه بعث أخاه مسعود بن حارثة إلى أبي بكر يستمده، فكتب معه أبو بكر إلى المثنى، أما بعد: "فإني قد بعثت إليك خالد بن الوليد إلى أرض العراق فاستقبله بمن معك من قومك، ثم ساعده ووازره وكانفه ولا تعصينّ له أمرًا ولا تخالفنّ له رأيًا، فما أقام معك فهو الأمير، فإن شخص عنك فأنت على ما كنت عليه".
وكان من قوم المثنى رجل يدعى مذعور بن عدي، خرج عن المثنى بن حارثة وراسل الصدّيق وقال له: "أما بعد، فإني امرؤ من بني عجل -أحلاس الخيل أي: يلزمون ظهورها، وفرسان الصباح أي: يغيرون صباحًا- ومعي رجال من عشيرتي، الرجل خير من مئة رجل، ولي علم بالبلد وجراء على الحرب وبصر بالأرض، فولّني أمر السواد أكفِكَه إن شاء الله"، وكتب المثنى بن حارثة -رضي الله عنه- بشأن مذعور بن عدي إلى الصدّيق فقال له: "فإني أخبر خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن امرءاً من قومي يقال له مذعور بن عدي أحد بني عجل في عدد يسير، وإنه أقبل ينازعني ويخالفني، فأحببت إعلامك ذلك لترى رأيك فيما هنالك".
ورد الصدّيق على مذعور بن عدي فقال له: "أما بعد: فقد أتاني كتابك وفهمت ما ذكرت وأنت كما وصفت نفسك وعشيرتك، وقد رأيت لك أن تنضم إلى خالد بن الوليد فتكون معه وتقيم معه ما أقام بالعراق، وتشخص معه إذا شخص".
وكتب إلى المثنى بن حارثة: "فإن صاحبك العجلي كتب إليَّ يسألني أمورًا، فكتبت إليه آمره بلزوم خالد حتى أرى رأيي، وهذا كتابي إليك آمرك أن لا تبرح العراق حتى يخرج منه خالد بن الوليد، فإذا خرج منه خالد بن الوليد فالزم مكانك الذي كنت به، وأنت أهلٌ لكل زيادة وجدير بكل فضل".
وهذا الموقف يُذكر للمثنى بن حارثة الشيباني الذي كان يقاتل الأعداء في العراق بقومه، ولما علم بذلك أبو بكر سرّه ما كان منه فأمَّره على مَنْ بناحيته وذلك قبل مجيء خالد، فلما توجهت همّة الصدّيق لغزو فارس رأى أن خالدًا أجدر القواد بهذه المهمة فوجهه لها، وكتب كتابًا إلى المثنى يأمره بالانضمام إلى خالد وطاعته، فما كان منه إلا أن سارع في الاستجابة ولحق بخالد هو وجيشه، وإن هذا موقف يُذكر للمثنى حيث لم يَغُرُّه كثرة جيشه ولا كونه أقدم من خالد في إمرة جيوش العراق، فلم يحمله ذلك على أن يرى أنه أحق بالقيادة من خالد.
واستمد خالد أبا بكر أثناء سيره للعراق فأمده الصدّيق بالقعقاع بن عمرو التميمي فقيل له: أتمد رجلاً قد ارفضَّ عنه جنوده برجل؟ فقال: "لا يهزم جيش فيهم مثل هذا".
وهذه فراسة من أبي بكر بينتها أحداث العراق بعد ذلك، وقد كان أبو بكر أعلم الناس بالرجال وما يتصفون به من طاقات وكفاءات مختلفة.
لم يلبث خالد أن قدم العراق ومعه ألفا رجل ممن قاتل المرتدين وحشد ثمانية آلاف رجل من قبائل ربيعة، وكتب إلى ثلاثة من الأمراء في العراق قد اجتمعت لهم جيوش لغرض الجهاد وهم: مذعور بن عدي العجلي، وسُلمى بن القين التميمي، وحرملة بن مُريطَة التميمي، فاستجابوا وضموا جيوشهم التي بلغ تعدادها مع جيش المثنى ثمانية آلاف، فأصبح جيش المسلمين ثمانية عشر ألفًا.
وقد اتفقوا على أن يكون مكان تجمع الجيوش الأبلة، وقبل أن يسير خالد إلى العراق كتب إلى هرمز صاحب ثغر الأبلة كتاب إنذار يقول فيه: أما بعد: "فأسلم تسلم، أو اعتقد لنفسك وقومك الذمة وأقررْ بالجزية، وإلا فلا تلومنّ إلا نفسك، فقد جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة".
وقد لجأ إلى هذا الأسلوب وهو نوع من الحرب النفسية؛ ليدخل الخوف والرعب في قلب هرمز وجنوده، وليوهن من قوتهم ويضعف من عزيمتهم، وحين قارب خالد العدو جعل الجيش ثلاث فرق، وأمر أن تسلك كل فرقة طريقًا، ولم يحملهم على طريق واحد، فجعل المثنى على فرقة المقدمة، ثم تلتها فرقة عليها عدي بن حاتم الطائي، وخرج خالد بعدهما وواعدهما الحضير، ليجتمعوا به ويصمدوا لعدوهم.
سمع هرمز بمسير خالد وعلم أن المسلمين تواعدوا الحضير، فسبقهم إليه وجعل على مقدمته القائدين قباذ وأنوشجان، ولما بلغ خالد أنهم يمموا الحضير عدل عنها إلى كاظمة فسبقه هرمز إليها، ونزل على الماء واختار المكان الملائم لجيشه، وجاء خالد فنـزل على غير ماء، فقال لأصحابه: حطوا أثقالكم ثم جالدوهم على الماء، فلعمري ليصيرنّ الماء لأصبر الفريقين وأكرم الجندين.
وحط المسلمون أثقالهم والخيل وقوف، وتقدم الراجلون وزحفوا إلى الكفار، ومنَّ الله تعالى بكرمه وفضله على المسلمين بسحابة فأمطرت وراء صفوف المسلمين، ونهلوا من غدرانها فتقوى بذلك المسلمون، وهذا مثل من الأمثلة الكثيرة الشاهدة على معية الله جل جلاله لأوليائه المؤمنين بنصره وإمداده.
وواجه المسلمون هرمز وكان مشهورًا بالخبث والسوء حتى ضُرب المثل بخبثه، فعمل مكيدة لخالد، وذلك أنه اتفق مع حاميته على أن يبارز خالدًا ثم يغدروا به ويهجموا عليه، فبرز بين الصفّين ودعا خالدًا إلى المبارزة فبرز إليه، والتقيا فاختلفا ضربتين واحتضنه خالد، فحملت حامية هرمز على خالد وأحدقوا به، فما شغله ذلك عن قتل هرمز، وما أن لمح ذلك البطل المغوار القعقاع بن عمرو حتى حمل بجماعة من الفرسان على حامية هرمز وكان خالد يجالدهم فأناموهم، وحمل المسلمون من وراء القعقاع حتى هزموا الفرس، وهذا هو أول المشاهد التي ظهر فيها صدق فراسة أبي بكر حينما قال عن القعقاع: "لا يهزم جيش فيه مثل هذا".
وأما خالد فقد ضرب أروع الأمثال في البطولة ورباطة الجأش، فقد أجهز على قائد الفرس وحاميته من حوله، فلم يستطيعوا تخليصه منه، ثم ظل يجالدهم حتى وصل إليه القعقاع ومن معه فقضى عليهم، وقد كان الفرس ربطوا أنفسهم بالسلاسل حتى لا يفروا فلم تغن عنهم شيئًا أمام الليوث البواسل.
وسميت هذه المعركة بمعركة ذات السلاسل، وغنم المسلمون من الفرس حمل ألف بعير، وبعث خالد سرايا تفتح ما حول الحيرة من حصون فغنموا أموالاً كثيرة، ولم يعرض خالد لمن لم يقاتلوه من الفلاحين بل أحسن معاملتهم كما أوصاه الصدّيق، وأبقاهم في الأرض التي يفلحونها ومكّنهم من إنتاجها ومتّعهم بثمرات عملهم، فمن دخل في الإسلام حدد له نصيب الزكاة، ومن بقي على دينه فرض عليه الجزية، وهو أقل بكثير مما كان ينهبه المالكون الفرس.
ولم ينتزع الأرض من أيدي أصحابها الفرس، ولكنه أنصف العاملين فيها فأحسوا بأن عنصرًا جديدًا من العدل والإخاء الإنساني يشرف عليهم من خلال هذا الفتح المجيد، وأرسل خالد خمس الغنائم والأموال إلى الصدّيق ووزع الباقي على المجاهدين، وكان مما أرسله إلى الصدّيق قلنسوة هرمز، ولكن الصدّيق أهداها إلى خالد مكافأة له على حسن بلائه، وكانت قيمتها مائة ألف وكانت مفصصة بالجوهر، فقد كان أهل فارس يعملون قلانسهم على قدر أحسابهم في عشائرهم، فمن تم شرفه فقيمة قلنسوته مائة ألف، فكان هرمز ممن تم شرفه في الفرس.
كان هرمز قد كتب إلى كسرى بكتاب خالد فأمده كسرى بجيش بقيادة "قارن"، ولكن هرمز استخف بجيش المسلمين فسارع إليهم قبل وصول قارن فنُكب ونَكب جيشه، وهرب فلول المنهزمين فالتقوا بجيش "قارن" وتذامروا فيما بينهم وتشجعوا على قتال المسلمين، وعسكروا بمكان يسمى "المذار"، وكان خالد قد بعث المثنّى بن حارثة وأخاه المعنّى في آثار القوم ففتحا بعض الحصون، وعلما بمجيء جيش الفرس فأبلغا خالدًا الخبر، وكتب خالد إلى أبي بكر بمسيره إليه، وسار وهو مستعد للقتال حتى لا يفاجأ بهم، والتقى المسلمون معهم في "المذار"، فاقتتلوا، والفرس قد أغضبهم وأثار حفيظتهم ما وقع لهم قبل ذلك، وخرج قائدهم "قارن" ودعا إلى المبارزة، فبرز إليه خالد ولكن سبقه إليه معقل بن الأعمش بن النبّاش فقتله.
وكان "قارن" وضع على ميمنته "قباذ" وعلى ميسرته "أنوشجان"، وهما من القواد الذين حضروا اللقاء الأول وفروا من المعركة، فتصدى لهما بطلان من أبطال المسلمين، فأما "قباذ" فقتله عدي بن حاتم الطائي، وأما "أنوشجان"، فقتله عاصم بن عمرو التميمي، واشتد القتال بين الفريقين، ولكن الفرس انهزموا بعد مقتل قادتهم، وقتل منهم ثلاثون ألفاً، ولجأ بقيتهم إلى السفن فهربوا عليها، ومنع الماء المسلمين من ملاحقتهم، وأقام خالد بـ"المذار" وسلّم الأسلاب لمن سلبها بالغة ما بلغت، وقسم الفيء ونفّل من الأخماس أهل البلاء، وبعث ببقية الأخماس إلى المدينة.
وصل نبأ نكبة الفرس في "المذار" إلى كسرى، فبعث "الأندرزغر" على رأس جيش عظيم، وأردفه بجيش آخر عليه "بهمن جاذويه"، وتحرك "الأندرزغر" من المدائن حتى انتهى إلى "كسكر"، ومنها إلى "الولجة"، وخرج "بهمن جاذويه" سالكًا وسط السواد يريد أن يحشر جيش المسلمين بينه وبين "الأندرزغر"، واستطاع أن يحشر في طريقه عددًا من الأعوان والدهاقين، وتجمعت القوة الفارسية في "الولجة"، وعندما شعر "الأندرزغر" أن حشوده أصبحت كبيرة قرر الزحف على خالد، ولما بلغ خالد خبر تجمع الفرس ونزولهم "الولجة"، وكان بمكان قرب البصرة، رأى أن من الأفضل للمسلمين أن يهاجموا هذه الحشود الكبيرة من ثلاث جهات حتى يفرقوا جموعهم، وتكون المفاجأة للفرس مربكة، وأخذ يعد العدة لتنفيذ خطة الهجوم، ولكي يؤمّن خطوطه الخلفية أمر سويد بن مقرّن بلزوم "الحفير"، وتحرك بجيشه حتى وصل "الولجة" وبعد أن قام باستطلاع وافٍ للمنطقة وجد أن ميدان المعركة أرض مستوية وواسطة تصلح للقتال وتسمح بحرية الحركة، ولما كان خالد قد قرر أن يهاجم قوات الفرس من ثلاث جبهات فقد نفّذ خطته وبعث بفرقتين لمهاجمة حشود الفرس من الخلف والجانبين، وبدأت المعركة واشتد القتال بين الفريقين، وشدّد خالد بهجومه من المقدمة، وفي الوقت المناسب انقضّ الكمينان على مؤخرة جيش العدو فحلّت به الهزيمة المنكرة، وفر "الأندرزغر" مع عدد من رجاله ولكنهم ماتوا عطشًا، ثم خمّس الغنيمة وقسم أربعة أخماسها، وبعث الخمس إلى الصدّيق، وأسر من أسر من ذراري المقاتلة وأقرّ الفلاحون بالجزية.
بعدها انضم بعض نصارى العرب إلى الأعاجم، وصاروا عونًا للفرس على المسلمين، وكان عليهم عبد الأسود العجلي وعلى الفرس "جابان"، وكان قد أَمَره "بهمن جاذويه" ألا ينازل المسلمين إلا أن يعجلوه، وبعد أن بلغ خالد تجمع نصارى العرب وعرب الضاحية من أهل الحيرة سار إليهم، وكان همّه متجهًا لمواقعتهم، ولا علم له بانضمام الفرس لجموع العرب، فلما أقبلت جنود المسلمين طلب "جابان" من جنده مهاجمتهم، فأظهروا عدم الاكتراث بخالد والتهاون بأمره وتداعوا إلى الطعام، إلا أن خالدًا لم يدعهم يهنؤون بطعامهم، واقتتلوا أشد القتال، وقد زاد في كلب الأعداء وشدتهم ما يتوقعون من لحاق "بهمن جاذويه" بهم في مدد كبير، وصبر المسلمون على هذا القتال العنيف، وقال خالد: "اللهم إن لك عليَّ إن منحتنا أكتافهم ألا أستبقي منهم أحدًا قدرنا عليه حتى أجري نهرهم بدمائهم".
ثم إن الله كشفهم للمسلمين ومنحهم أكتافهم، فأمر خالد مناديه فنادى في الناس: الأسر الأسر، لا تقتلوا إلا من امتنع، فأقبلت الخيول بهم أفواجًا مستأسرين يساقون سوقاً، وقد وكّل بهم رجالاً يضربون أعناقهم في النهر، ففعل ذلك بهم يوماً وليلة، وطلبوهم الغد وبعد الغد حتى انتهوا.
ولما هُزموا وأُجلوا عن عسكرهم ورجع المسلمون من طلبهم ودخلوه، وقف خالد على الطعام فقال: "قد نفّلتُكموه فهو لكم"، وقال: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أتى على طعام مصنوع نفّله"، فقعد عليه المسلمون لعشائهم بالليل، وجعل من لم ير الأرياف ولا يعرف الرقاق يقول: ما هذه الرقاق البيض؟! وجعل من قد عرفها يجيبهم ويقول لهم مازحًا: هل سمعتم برقيق العيش؟ فيقولون: نعم، فيقول: هو هذا، فسمي الرقاق، وكانت العرب تسميه القِرَى.
وصلت أخبار النصر إلى الصدّيق –رضي الله عنه- وما صنعه خالد والمسلمون فقال: "أعجزت النساء أن ينسلن مثل خالد".
علم "مرزبان" الحيرة بما صنع خالد فأيقن أنه آتيه، فاستعد لذلك وأرسل جيشًا بقيادة ابنه ثم خرج في إثره، وأمر ابنه بسد الفرات ليعطل سفن المسلمين، وفوجئ المسلمون بذلك واغتموا له، فأرسلوا الفلاحين فأخبروهم بضرورة سد الأنهار حتى يسيل الماء، فماذا فعل خالد؟.
نهض خالد في خيل يقصد ابن المرزبان فلقي خيلاً من خيله ففاجأهم فأنامهم بالمقر، ثم نهض قبل أن تصل أخباره إلى "المرزبان" حتى لقي جندًا لابنه على فم الفرات فقاتلهم وهزمهم، وسد الأنهار وسلك الماء سبيله، ثم طلب خالد عسكره واتجه إلى الحيرة، وعلم "المرزبان" بموت ابنه وخبر موت "أزدشير"، فهاله الأمر فعبر الفرات هاربًا من غير قتال، فعسكر خالد مكانه وأهل الحيرة متحصنون، وأدخل خالد الخيل من عسكره، وتمت خطته حول قصور الحيرة بمحاصرتها، وعهد خالد إلى أمرائه أن يدعوا القوم إلى الإسلام، فإن أجابوا قبلوا منهم وإن أبوا أجَّلوهم يومًا وأمرهم أن لا يُمكنوا عدوًا منهم بل عليهم أن يناجزوهم، ولا يمنعوا المسلمين من قتال عدوهم ففعلوا، واختار القوم المنابذة وعمدوا لرمى المسلمين بالحذف، فرشقهم المسلمون بالنبل وشنوا غاراتهم وفتحوا الدور والديارات، فنادى القسيسون: يا أهل القصور ما يقتلنا غيركم، فنادى أهل القصور: يا معشر العرب قبلنا واحدة من ثلاث فكفوا عنا، وخرج رؤساء القصور فقابلهم خالد، كل أهل قصر على حدة، ولامهم على فعلهم، وتصالحوا مع خالد على الجزية، وصالحوه على مائة وتسعين ألفاً، وبعث خالد بالفتح والهدايا إلى أبي بكر، فقبل الهدايا وعدها لأهل الحيرة من الجزية تعففًا عما لم يأذن به الشرع، وقطعًا لدابر العادات الأعجمية التي كان يُحتال بها على سلب أموال الناس
وكتب خالد معاهدة الصلح مع أهل الحيرة على دفع مائة وتسعين ألف درهم تقبل في كل سنة، وكانت كتابة هذا العهد في شهر ربيع الأول سنة 12 هـ.
كان فتح الحيرة عملاً حربيًا عظيم القيمة, وسع أمل المسلمين في فتح بلاد فارس؛ لمكان هذا البلد الجغرافي والأدبي من العراق والمملكة الفارسية، فقد اتخذها القائد العام للجيوش الإسلامية مقرًا لقيادته ومركزًا رئيسيًا تتلقى منه جيوش الإسلام أوامر الهجوم والدفاع والإمداد والنظم، وكذلك جعلها قاعدة عامة للتدبير والسياسة التي يقوم عليها تنظيم من وقع في يد المسلمين، وبث خالد عمّاله على الولايات لجباية الخراج والجزاء، ووجه أمراءه إلى الثغور لحمايتها، وأقام هو ريثما يتم ما أراده من الاستقرار والنظام، وترامت أخباره إلى الدهاقين والرؤساء فأقبلوا إليه يصالحونه حتى لم يبقَ ما بين قرى سواد العراق إلى أطرافه من ليس مولى للمسلمين أو على عهد منهم.
بعد ذلك أجمع خالد أمره على منازلة الفرس في ساحات ملكهم بعد أن صفا له الجو في العراق وأمن ظهره بانحسار أمر فارس عن العرب, فيما بين الحيرة ودجلة، وكان أهل فارس في هذه الفترة على خلاف شديد فيمن يولّونه عليهم بعد موت كسراهم "أزدشير"، فانتهز خالد هذه الفرصة وكتب إلى خاصتهم يقول: "من خالد بن الوليد إلى ملوك فارس: أما بعد، فالحمد لله الذي حلّ نظامكم، ووهن كيدكم، وفرّق كلمتكم، وأوهن بأسكم، وسلب أموالكم، وأزال عزّكم، فإذا أتاكم كتابي فأسلموا تسلموا أو اعتقدوا منا الذمة، وأجيبوا إلى الجزية، وإلا والله الذي لا إله إلا هو، لأسيرنّ إليكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة، ويرغبون في الآخرة كما ترغبون في الدنيا".
استقام الأمر لخالد في تلك الجهات فاستخلف على الحيرة القعقاع بن عمرو التميمي، واتجه بتعبئة لإغاثة عياض بن غنم الذي أرسله الصدّيق لفتح العراق من الشمال ويلتقي بخالد، وصل خالد إلى الأنبار فوجد القوم قد تحصّنوا وخندقوا على أنفسهم وأشرفوا على أعلى الحصون، فضرب المسلمون عليهم الحصار، وأمر خالد جنوده أن يصوّبوا إلى عيون أهل الأنبار، فلما نشب القتال أصابوا في أول رمية ألف عين من عيونهم، ولذلك سميت هذه الوقعة "ذات العيون".
واخترق خالد الخندق الذي حول الأنبار بفطنة وذكاء، حيث عمد إلى الضعاف من الإبل بجيشه فنحرها وملأ الخندق في أضيق نقطة فيها بجثث الإبل، واقتحم المسلمون الخندق وجِسرُهم جثث الإبل، وصاروا مع عدوهم داخل الخندق، فالتجأ العدو إلى الحصن، واضطر "شيراز" قائد جند الفرس إلى قبول الصلح بشروط خالد على أن يخرج من الأنبار في عدد من الفرسان يحرسونه، فقبل خالد منه ذلك بشرط ألا يأخذ معه من المتاع أو من الأموال شيئًا.
استخلف خالد "الزبرقان بن بدر" على الأنبار وسار إلى عين التمر، فوجد "عقة بن أبي عقة" في جمع عظيم ومعهم من الفرس "مهران" بقواته، وطلب "عقة" من "مهران" أن يتركه لقتال خالد وقال له: إن العرب أعلم بقتال العرب، فدعنا وخالدًا، فقال له: دونكم وإياهم، وإن احتجتم إلينا أعنَّاكم، فلامت العجم أميرهم على هذا، فقال: دعوهم فإن غَلبوا خالدًا فهو لكم، وإن غُلبوا قاتلنا خالدًا وقد ضعفوا ونحن أقوياء، فاعترفوا له بفضل الرأي عليهم، وسار خالد وتلقاه "عقة"، فلما تواجهوا قال خالد لمجنبته: "احفظوا مكانكم فإني حامل، وأمر حماته أن يكونوا من ورائه".
وحمل على "عقة" وهو يسوي الصفوف فاحتضنه وأسره، وانهزم جيش "عقة" من غير قتال فأكثروا فيهم الأسر.
وقصد خالد حصن عين التمر، فلما بلغ "مهران" هزيمة "عقة" وجيشه نزل من الحصن وهرب وتركه، ورجعت فلول نصارى الأعراب إلى الحصن فوجدوه مفتوحًا فدخلوه واحتموا به، فجاء خالد وأحاط بهم وحاصرهم أشد الحصار، واضطر أهل الحصن أن ينـزلوا على حكم خالد، فأمر بضرب عنق "عقة" ومن كان أسر معه والذين نزلوا على حكمه أجمعين، وغنم جميع ما في ذلك الحصن، ووجد في الكنيسة التي به أربعين غلامًا يتعلمون الإنجيل وعليهم باب مغلق، فكسره خالد وفرقهم في الأمراء وأهل الغناء.
وكان "حمران" مولى عثمان بن عفان من ذلك الخمس، ومنهم "سيرين" والد محمد بن سيرين، أخذه مالك بن أنس، وأرسل خالد الخمس إلى الصدّيق.
بعدها أرسل أبو بكر الوليد بن عقبة إلى عياض مددًا له وهو محاصر دومة الجندل، فلما قدم عليه وجده في ناحية من العراق يحاصر قومًا، وهم قد أخذوا عليه الطرق فهو محصور أيضًا، فقال عياض للوليد: إن بعض الرأي خير من جيش كثيف، ماذا ترى فيما نحن فيه؟ فقال له الوليد: اكتب إلى خالد يمدك بجيش من عنده، فكتب إليه يستمده فقدم كتابه على خالد عقب وقعة عين التمر وهو يستغيث به، فكتب إليه: "من خالد إلى عياض: إياك أريد، لبِّث قليلاً تأتك الحلائب، يحملن آساداً عليها القشائب، كتائب تتبعها كتائب".
رحل خالد بجنده من عين التمر ووصلت أنباؤه إلى أهل دومة الجندل فاستنجدوا بحلفائهم، وكان أمر أهل دومة الجندل إلى زعيمين هما: أكيدر بن عبد الملك، والجودي بن ربيعة، فاختلفا، فقال أكيدر: أنا أعلم الناس بخالد، لا أحد أيمن طائرًا منه، ولا أحدَّ في حرب، ولا يرى وجه خالد قوم أبدًا قلُّوا أو كثروا إلا انهزموا عنه، فأطيعوني وصالحوا القوم، فأبوا عليه فقال: لن أمالئكم على حرب خالد فشأنكم.
نزل خالد على دومة الجندل وجعل أهلها بين فكي كماشة، ذراعها الأولى عسكره، والثانية عسكر عياض بن غنم، وتقدم الجودي بن ربيعة بجنوده نحو خالد، وتقدم "ابن الحدرجان" و"ابن الأيهم" بجنودهما ناحية عياض، ودارت المعركة وأنزل خالد الهزيمة بالجودي وأتباعه، وانتزع عياض النصر من ابن الحدرجان ومن معه بصعوبة، وحاولت فلول المنهزمين الاحتماء بالحصن ولكنه كان قد عجّ بمن فيه فأغلقوه عليهم وتركوا أصحابهم حوله في العراء، ولم يلبث خالد أن هاجم من بداخل الحصن بعد أن اقتلع بابه فقتل منهم جموعًا كثيرة.
وبفتح دومة الجندل أصبح للمسلمين موقع استراتيجي ذو أهمية فريدة، ولو أن دومة الجندل لم تذعن للمسلمين لبقي أمرهم في العراق تحفّه المخاطر.
بعد أن بسط خالد راية الإسلام على العراق، واستسلمت له قبائل العرب قصد منطقة "الفِِرَاض"، وهي تخوم الشام والعراق والجزيرة، حتى يحفظ ظهره ويأمن من أن تكون وراءه عورة عند اجتيازه أرض السواد إلى فارس، فلما اجتمع المسلمون بالفِراض، غضب الروم وهاجوا واستعانوا بمن يليهم من مسالح الفرس، فلبسوا سراعًا؛ لأنهم كانوا حانقين على المسلمين الذين أذلوهم وكسروا شوكتهم، كما استمدوا العرب من تغلب وإياد والنمر فأمدوهم؛ لأنهم لم ينسوا بعد مصرع رؤسائهم وأشرافهم، فاجتمعت جيوش الفرس والروم والعرب على المسلمين في تلك الموقعة، فلما بلغوا الفرات قالوا للمسلمين: إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر إليكم، فقال خالد: "بل اعبروا إلينا"، قالوا: فتنحوا حتى نعبر، فقال خالد: "لا نفعل ولكن اعبروا أسفل منا"، وذلك للنصف من ذي القعدة سنة اثنتي عشرة. فقالت الروم وفارس بعضهم لبعض: احتسبوا ملككم، هذا رجل يقاتل على دين وله عقل وعلم، والله ليُنْصرنّ ولنُخْذَلَنّ، ثم لم ينتفعوا بذلك، فعبروا أسفل من خالد، فلما تتاموا قالت الروم: امتازوا حتى نعرف اليوم ما كان من حَسنٍ أو قبيح من أينا يجيء! ففعلوا فاقتتلوا قتالًا شديدًا طويلاً، ثم إن الله -عز وجل- هزمهم، وقال خالد للمسلمين: ألحّوا عليهم ولا ترفهوا عنهم، فجعل صاحب الخيل يحشر منهم الزمرة برماح أصحابه فإذا جمعوهم قتلوهم، وقتل من الأعداء عشرات الألوف، وأقام خالد في الفراض عشرة أيام، ثم أمر جيشه بالرجوع للحيرة.
وهكذا واجه المسلمون لأول مرة جيشًا مكوناً من الفرس الذين يمثلون دولة المشرق العظمى، والروم الذين يمثلون دولة المغرب العظمى، والعرب الموالين لهؤلاء وهؤلاء، ومع ذلك انتصر المسلمون عليهم انتصارًا ساحقًا، ولا شك أن هذه المعركة تعتبر من المعارك التاريخية الفاصلة، وإن لم تنل من الشهرة ما نالته المعارك الكبرى؛ لأنها حطمت معنويات الكفار على مختلف انتماءاتهم حيث هزموا جميعًا.
وهذه المعركة تعتبر خاتمة المعارك التي خاضها سيف الله المسلول خالد بن الوليد ¬-رضي الله عنه- في العراق، وانكسرت شوكة الفرس بعد هذه المعركة، ولم تقم لهم قوة حربية يخشاها الإسلام بعد هذه الموقعة. ومما قاله القعقاع بعد عمرو في هذه المعركة:

لقينا بالفِراض جموع روم *** وفرس غَمَّها طول السلام
أَبَدْنَا جمعهم لما التقينا *** وبيَّتنا بجمع بني رزام
فما فتئت جنود السلم حتى *** رأينا القوم كالغنم السوام

أقام خالد بالفِراض عشرة أيام، ثم أذن بالقفول إلى الحيرة لخمس بقين من ذي القعدة، وأمر عاصم بن عمرو أن يسير في المقدمة، وأمر شجرة بن الأعز أن يسير في الساقة، وأظهر خالد أنه يسير في الساقة، ثم انطلق في كوكبة من أصحابه وقصد شطر المسجد الحرام وسار إلى مكة في طريق لم يُسلك قبله قط، وتأتّى له في ذلك أمر لم يقع لغيره، فجعل يسير معتسفًا على غير جادة حتى انتهى إلى مكة، فأدرك الحج هذه السنة، سنة 12هـ، ثم عاد فأدرك أمر الساقة قبل أن يصلوا الحيرة، ولم يعلم أبو بكر الصدّيق بذلك أيضًا إلا بعدما رجع أهل الحج من الموسم، فبعث يَعتَب عليه في مفارقته الجيش، وأَمَره بالذهاب لفتح الشام بعدما فتح العراق، وكان المرشح للبقاء على جيوش العراق بعد سفر خالد، المثنى بن حارثة الشيباني؛ لخبرته الواسعة بأرض العراق، ومهارته الفائقة في حرب الفرس.
كان تعيين الصدّيق للمثنى على العراق في محله ويدل على معرفته بأقدار الرجال ومعادنهم، وعندما حان وقت رحيل خالد بجيشه إلى الشام خرج معه المثنى لوداعه، ولما حانت لحظة الفراق قال له خالد: ارجع رحمك الله إلى سلطانك غير مقصر ولا وان.
وتسلم المثنى قيادة العراق بعد خالد، وما إن علم كسرى بذهاب خالد حتى حشد آلاف الجنود بقيادة "هرمز جاذويه"، وكتب للمثنى يهدد ويتوعد، فقال: إني قد بعثت إليكم جندًا من وحش أهل فارس، وإنما هم رعاة الدجاج والخنازير، ولست أقاتلك إلا بهم.
وأجابه المثنى بعقل وفطنة، ولم ينس شجاعته في الرد على هذا المجوسي، فكتب يقول في رسالة لكسرى: "إنما أنت أحد رجلين: إما باغ فذلك شر لك وخير لنا، وإما كاذب فأعظم الكذّابين عقوبة وفضيحة عند الله وعند الناس الملوك، وأما الذي يدلنا عليه الرأي فإنكم إنما اضطررتم إليهم، فالحمد لله الذي ردَّ كيدكم إلى رعاة الدجاج والخنازير"، فجزع أهل فارس من هذا الكتاب ولاموا ملكهم على كتابه، واستهجنوا رأيه.
وسار المثنى من الحيرة إلى بابل، ولما التقى المثنى وجيشهم بمكان عند عدوة الصَّراة الأولى اقتتلوا قتالاً شديدًا جدًا، وأرسل الفرس فيلاً بين صفوف الخيل؛ ليفرق خيول المسلمين، فحمل عليه أمير المسلمين المثنى بن حارثة فقتله، وأمر المسلمين فحملوا، فلم تكن إلا هزيمة الفرس فقتلوهم قتلاً ذريعًا، وغنموا منهم مالاً عظيمًا، وفرّت الفرس حتى انتهوا إلى المدائن في شر حالة ووجدوا الملك قد مات.
وعاد الاضطراب إلى بلاد فارس، وطارد المثنى أعداء الله حتى بلغ أبواب المدائن، ثم كتب إلى أبي بكر بانتصاره على الفرس، واستأذنه في الاستعانة بمن تابوا من أهل الردة، لكن انتظاره طال، وأبطأ عليه أبو بكر في الرد لتشاغله بأهل الشام وما فيه من حروب، فسار المثنى بنفسه إلى الصدّيق واستناب على العراق بشير بن الخصاصية، وعلى المسالح سعيد بن مرة العجلي، فلما وصل المدينة وجدوا أبا بكر –رضي الله عنه- على فراش المرض وقد شارف على الموت، واستقبله أبو بكر واستمع إليه واقتنع برأيه، ثم طلب عمر بن الخطاب فجاءه، فقال له: "اسمع يا عمر ما أقول لك ثم اعمل به، إني لأرجو أن أموت من يومي هذا، فإن أنا مت فلا تمسينّ حتى تندب الناس مع المثنى، ولا تشغلنّكم مصيبة وإن عظمت عن أمر دينكم ووصية ربكم، وقد رأيتني متوفَّى رسول الله وما صنعت ولم يصب الخلق بمثله، وإن فتح الله على أمراء الشام فاردد أصحاب خالد إلى العراق، فإنهم أهله وولاة أمره وحدّه، وهم أهل الضراوة بهم والجراءة عليهم.
ونكمل بإذن الله تعالى درساً آخر بفتح الشام.
الحمد لله...
 


Source URL:
http://www.alahmad.com/node/779