خدمة rss
أبو بكر الصديق (3)



  
   

أبو بكر الصديق
الدرس الثالث
حركة الردة

 

الشيخ/ ناصر ين محمد الأحمد


بدأت حركة الردة منذ العام التاسع للهجرة المسمى بعام الوفود، وهو العام الذي أسلمت فيه الجزيرة العربية قيادها للرسول -صلى الله عليه وسلم- ممثلة بزعمائها الذين قدموا عليه من أصقاعها المختلفة، وكانت حركة الردة في هذه الأثناء لماّ تستعلن بشكل واسع، حتى إذا كان أواخر العام العاشر الهجري وهو عام حجة الوداع التي حجها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ونزل به وجعه الذي مات فيه وتسامع بذلك الناس، بدأ الجمر يتململ من تحت الرماد، وأخذت الأفاعي تطل برؤوسها من جحورها، وتجرأ الذين في قلوبهم مرض على الخروج، فوثب الأسود العنسي باليمن، ومسيلمة الكذاب باليمامة، وطليحة الأسدي في بلاد قومه، ولما كان أخطر متمردين على الإسلام -وهما الأسود العنسي ومسيلمة- وأنهما مصممان كما يبدو على المضي في طريق ردتهما قدما دون أن يفكرا في الرجوع، وأنهما مشايعان بقوى غفيرة وإمكانيات وفيرة فقد أرى الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- من أمرهما ما تقر به عينه، ومن ثم ما تقر به عيون أمته من بعده، فقد قال يومًا وهو يخطب الناس على منبره: ((أيها الناس، إني قد أريت ليلة القدر ثم أنسيتها، ورأيت أن في ذراعي سوارين من ذهب فكرهتهما فنفختهما فطارا، فأولتهما هذين الكذابين: صاحب اليمن وصاحب اليمامة)).
وقد فسر أهل العلم بالتعبير هذه الرؤيا على هذه الصورة فقالوا: إن نفخه -صلى الله عليه وسلم- لهما يدل على أنهما يُقتلان بريحه؛ لأنه لا يغزوهما بنفسه، وإنّ وصفه لهما بأنهما من ذهب دلالة على كذبهما؛ لأن شأنهما زخرف وتمويه، كما دل لفظ: السوارين على أنهما ملكان؛ لأن الأساورة هم الملوك، ودلاّ بكونهما يحيطان باليدين أن أمرهما يشتد على المسلمين فترة لكون السوار مضيقًا على الذراع.
إن الردة التي قامت بها القبائل بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- لها أسباب، منها: الصدمة بموت النبي -صلى الله عليه وسلم-، ورقَّة الدين والسَّقَم في فهم نصوصه، والحنين إلى الجاهلية ومقارفة موبقاتها، والتفلّت من النظام والخروج على السلطة الشرعية، والعصبية القبلية والطمع في الملك، والتكسب بالدين والشح بالمال، والتحاسد، والمؤثرات الأجنبية كدور اليهود والنصارى والمجوس.
وأما أصنافهم: فمنهم من ترك الإسلام جملة وتفصيلاً، وعاد إلى الوثنية وعبادة الأصنام، ومنهم من ادعى النبوة، ومنهم من دعا إلى ترك الصلاة، ومنهم من بقي يعترف بالإسلام ويقيم الصلاة ولكنه امتنع عن أداء زكاته، ومنهم من شمت بموت الرسول -صلى الله عليه وسلم- وعاد أدراجه يمارس عاداته الجاهلية، ومنهم من تحيّر وتردد وانتظر على من تكون الدائرة.
وبهذا يكون المرتدون أربعة أصناف: صنف عادوا إلى عبادة الأوثان والأصنام، وصنف اتبعوا المتنبئين الكذبة، وصنف أنكروا وجوب الزكاة وجحدوها، وصنف لم ينكروا وجوبها ولكنهم أبوا أن يدفعوها إلى أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-.
فلما ظهرت حركة الردة قام أبو بكر -رضي الله عنه- في الناس خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "الحمد لله الذي هدى فكفى، وأعطى فأعفى، إن الله بعث محمدًا -صلى الله عليه وسلم- والعلم شريد، والإسلام غريب طريد، قد رثّ حبله وخَلَق ثوبه وضلَّ أهله منه، إن من حولكم من العرب قد منعوا شاتهم وبعيرهم، ولم يكونوا في دينهم، وإن رجعوا إليه أزهد منهم يومهم هذا، ولم تكونوا في دينكم أقوى منكم يومكم هذا على ما قد تقدم من بركة نبيكم، والله لا أدع أن أقاتل على أمر الله حتى ينجز الله وعده ويوفي لنا عهده، ويُقتل من قتل منا شهيدًا من أهل الجنة".
وقد أشار بعض الصحابة ومنهم عمر بن الخطاب على الصديق بأن يترك مانعي الزكاة ويتألفهم حتى يتمكن الإيمان من قلوبهم، ثم هم بعد ذلك يزكون، فامتنع الصديق عن ذلك وأباه.
فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: لما توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكان أبو بكر -رضي الله عنه-، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر -رضي الله عنه-: "كيف نقاتل الناس وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله))؟"، فقال: "والله لأقاتلنّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقاتلتهم على منعها"، قال عمر: "فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر فعرفت أنه الحق"، ثم قال عمر بعد ذلك: "والله لقد رجح إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمة جميعًا في قتال أهل الردة".
وفعلاً كان رأي أبي بكر في حرب المرتدين رأيًا ملهمًا، وهو الرأي الذي تمليه طبيعة الموقف لمصلحة الإسلام والمسلمين، وأي موقف غيره سيكون فيه الفشل والضياع والهزيمة والرجوع إلى الجاهلية، ولولا الله ثم هذا القرار الحاسم من أبي بكر لتغير وجه التاريخ وتحولت مسيرته ورجعت عقارب الساعة إلى الوراء، ولعادت الجاهلية تعيث في الأرض فسادًا.
لقد سمع أبو بكر وجهات نظر الصحابة في حرب المرتدين، وما عزم على خوض الحرب إلا بعد أن سمع وجهات النظر بوضوح، إلا أنه كان سريع القرار حاسم الرأي، فلم يتردد لحظة واحدة بعد ظهور الصواب له، وعدم التردد كان سمة بارزة من سمات أبي بكر في حياته كلها، ولقد اقتنع المسلمون بصحة رأيه ورجعوا إلى قوله واستصوبوه.
لقد كان أبو بكر -رضي الله عنه- أبعد الصحابة نظرًا، وأحقهم فهمًا، وأربطهم جنانًا، في هذه الطامة العظيمة، والمفاجأة المذهلة.
كان موقف أبي بكر -رضي الله عنه- الذي لا هوادة فيه ولا مساومة فيه ولا تنازل موقفًا ملهمًا من الله، يرجع الفضل الأكبر بعد الله تعالى في سلامة هذا الدين وبقائه على نقائه وصفائه وأصالته، وقد أقر الجميع وشهد التاريخ بأن أبا بكر قد وقف في مواجهة الردة الطاغية ومحاولة نقض عرى الإسلام عروة عروة، موقفَ الأنبياء والرسل في عصورهم، وهذه خلافة النبوة التي أدى أبو بكر حقها، واستحق بها ثناء المسلمين ودعاءهم إلى أن يرث الله الأرض وأهلها.
انصرفت وفود القبائل المانعة للزكاة من المدينة بعدما رأت عزم الصديق وحزمه، فقرأ الصديق في وجوه القوم ما فيها من الغدر، ورأى فيها الخسة وتفرس فيها اللؤم، فقال لأصحابه: "إن الأرض كافرة وقد رأى وفدهم منكم قلة، وإنكم لا تدرون أليلاً تُؤتَوْن أم نهارًا! وأدناهم منكم على بريد، وقد كان القوم يأملون أن نقبل منهم ونوادعهم، وقد أبينا عليهم ونبذنا إليهم عهدهم فاستعدّوا وأعدّوا".
ووضع الصديق خطته فألزم أهل المدينة بالمبيت في المسجد حتى يكونوا على أكمل استعداد للدفاع، ونظم الحرس الذين يقومون على أنقاب المدينة ويبيتون حولها، حتى يدفعوا أي غارة قادمة، وعيّن على الحرس أمراءهم: علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود -رضي الله عنهم-، وبعث أبو بكر -رضي الله عنه- إلى من كان حوله من القبائل التي ثبتت على الإسلام من أسلم وغفار ومزينة وأشجع وجهينة وكعب يأمرهم بجهاد أهل الردة فاستجابوا له حتى امتلأت المدينة بهم، وكانت معهم الخيل والجمال التي وضعوها تحت تصرف الصديق، ومما يدل على كثرة رجال هذه القبائل وكبر حجم دعمها للصديق أن جهينة وحدها قَدِمت إلى الصديق في أربعمائة من رجالها ومعهم الظهر والخيل، وساق عمرو بن مرة الجهني مائة بعير لإعانة المسلمين، فوزّعها أبو بكر في الناس.
ومن ابتعد عن المرتدين وأبطأ خطره حاربه بالكتب، يبعث بها إلى الولاة المسلمين في أقاليمهم، كما كان رسول الله يفعل، يحرضهم على النهوض لقتال المرتدين ويأمر الناس للقيام معهم في هذا الأمر.
ومن أمثلة ذلك رسالته لأهل اليمن حيث المرتدة من جنود الأسود العنسي التي قال فيها: "أما بعد، فأعينوا الأبناء على من ناوأهم وحوطوهم واسمعوا من فيروز، وجدوا معه، فإني قد وليته".
وقد أثمرت هذه الرسالة وقام المسلمون من أبناء الفرس بزعامة فيروز يعاونهم إخوانهم من العرب بشن غارة شعواء على العصاة المارقين حتى رد الله كيدهم إلى نحورهم، وعادت اليمن بالتدرج إلى جادة الحق.
وأما من قرب منهم من المدينة واشتد خطره كبني عبس وذبيان فإنه لم ير بدًّا من محاربتهم على الرغم من الظروف القاسية التي كانت تعيشها مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فكان أن آوي الذراري والعيال إلى الحصون والشعاب محافظة عليهم من غدر المرتدين، واستعد للنـزال بنفسه ورجاله.
وبعد ثلاثة أيام من رجوع وفود المرتدين طرقت بعض قبائل أسد وغطفان وعبس وذبيان وبكر المدينةَ ليلاً وخلفوا بعضهم بذي حُسَي ليكونوا لهم ردءًا، وانتبه حرس الأنقاب لذلك، وأرسلوا للصديق بالخبر، فأرسل إليهم أنِ الزموا أماكنكم ففعلوا، وخرج في أهل المسجد على النواضح إليهم، فهرب العدو فأتبعهم المسلمون على إبلهم، فظن القوم بالمسلمين الوهن، وبعثوا إلى أهل ذي القصة بالخبر، فقدموا عليهم اعتمادًا في الذين أخبرهم وهم لا يشعرون لأمر الله -عز وجل- الذي أراده وأحب أن يبلغه فيهم، فبات أبو بكر ليلته يتهيأ فعبَّى الناس، ثم خرج على تعبية من أعجاز ليلته يمشي، وعلى ميمنته النعمان بن مقرّن وعلى ميسرته عبد الله بن مقرّن، وعلى الساقة سويد بن مقرّن معه الركاب، فما طلع الفجر إلا وهم والعدو في صعيد واحد، فما سمعوا للمسلمين همسًا ولا حسًا حتى وضعوا فيهم السيوف فاقتتلوا أعجاز ليلتهم، فما ذر قرن الشمس حتى ولوهم الأدبار، وغلبوهم على عامة ظهرهم، وقُتل أخو طليحة الأسدي، وأتبعهم أبو بكر حتى نزل بذي القصة، وكان أول الفتح ووضع بها النعمان بن مُقَرن في عدد، ورجع إلى المدينة فذل بها المشركون، فوثب بنو ذبيان وعبس على من فيهم من المسلمين فقتلوهم كل قتلة، وفعل من وراءهم فعلهم، وعز المسلمون بوقعة أبي بكر، وحلف أبو بكر ليقتلن في المشركين كل قتلة، وليقتلن في كل قبيلة بمن قتلوا من المسلمين وزيادة، وصمم الصديق -رضي الله عنه- على أن ينتقم للمسلمين الشهداء، وأن يؤدب هؤلاء الحاقدين، ونفّذ قسمه وازداد المسلمون في بقية القبائل ثباتًا على دينهم، وازداد المشركون ذلاً وضعفًا وهوانًا، وبدأت صدقات القبائل تفد على المدينة، وفي ليلة واحدة أثرت المدينة بأموال زكاة ستة أحياء من العرب، وكان كلما طلع على المدينة أحد جباة الزكاة قال الناس: "نذير" فيقول أبو بكر: "بل بشير"، وإذا بالقادم يحمل معه صدقات قومه، وخلال هذه البشائر التي تحمل معها بعض العزاء وشيئًا من الثراء، عاد أسامة بن زيد بجيشه ظافرًا، وصنع كل ما كان الرسول قد أمره به وما أوصاه به أبو بكر الصديق، فاستخلفه أبو بكر على المدينة وقال له ولجنده: أريحوا وأريحوا ظهركم، ثم خرج في الذين خرجوا إلى ذي القصة والذين كانوا على الأنقاب على ذلك الظهر، فقال له المسلمون: ننشدك الله يا خليفة رسول الله أن تُعرّض نفسك! فإنك إن تصب لم يكن للناس نظام، ومقامك أشد على العدو، فابعث رجلاً فإن أصيب أمرت آخر فقال: لا والله لا أفعل، ولأواسينكم بنفسي.
لقد ظهر معدن الصديق النفيس في محنة الردة على أجلى صورة للقائد المؤمن الذي يفتدي قومه بنفسه، فالقائد في فهم المسلمين قدوة في أعماله، فكان من آثاره هذه السياسة الصديقية أن تَقَوّى المسلمون وتشجعوا لحرب عدوهم واستجابوا لتطبيق الأوامر الصادرة إليهم من القيادة، لقد خرج الصديق في تعبيته حتى نزل على أهل الرَّبذة بالأبرق فهزم الله الحارث وعوفًا وأخذ الحطيئة أسيرًا، فطارت عبس وبنو بكر، وأقام أبو بكر على الأبرق أياماً.
وهكذا يتعلم المسلمون من سيرة الصديق بأنه لم يكن يرغب بنفسه عن نفوس أتباعه بأي أمر من أمور الدنيا، إن خروج الصديق -رضي الله عنه- للجهاد ثلاث مرات متتالية يعتبر تضحية كبيرة وفدائية عالية.
إن خروجه للجهاد ثلاث مرات متتاليات وهو الشيخ الذي بلغ الستين من عمره، قد أعطى بقية الصحابة دفعات قوية من النشاط والحيوية.
إن من الحقائق الأساسية حول هذه الفتنة أنها لم تكن شاملة لكل الناس كشمولها الجغرافي، بل إن هناك قادة وقبائل وأفرادًا وجماعات، وأفرادًا تمسكوا بدينهم في كل منطقة من المناطق التي ظهرت فيها الردة، فقام الصديق -رضي الله عنه- بالاتصال بالثابتين على الإسلام وجعل منهم رصيدًا للجيوش المنظمة، فقد كان يعدّ الأمة لمواجهة منظمة مع المرتدين بعد عودة جيش أسامة، فقد راسل الصديق زعماء الردة والثابتين على الإسلام ليحقق بعض الأهداف، ككسب الوقت حتى يرجع جيش أسامة.
ولما وصل جيش أسامة بعد أربعين يومًا من مسيرهم واستراحوا، خرج أبو بكر الصديق بالصحابة -رضي الله عنهم- إلى ذي القصة، وهي على مرحلة من المدينة، وذلك لقتال المرتدين والمتمردين، فعرض عليه الصحابة أن يبعث غيره على القيادة، وأن يرجع إلى المدينة ليتولى إدارة أمور الأمة، وألحوا عليه بذلك، فجاء علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فأخذ بزمام راحلته، فقال: إلى أين يا خليفة رسول الله؟ أقول لك ما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم أحد: ((شِمْ سيفك ولا تفجعنا بنفسك، فو الله لئن أُصبنا بك لا يكون للإسلام بعدك نظام أبدًا))، فرجع.
وقد قسّم أبو بكر الجيش الإسلامي إلى أحد عشر لواء وجعل على كل لواء أميرًا، وأَمَرَ كل أمير جند باستنفار من مر به من المسلمين التابعين من أهل القرى التي يمر بها، وهكذا اتخذت قرية ذي القَصَّة مركز انطلاق أو قاعدة تحرك للجيوش المنظمة التي ستقوم بالتحرك إلى مواطن الردة للقضاء عليها.
وكان القائد العام لهذه الجيوش سيف الله المسلول خالد بن الوليد صاحب العبقرية الفذة في حروب الردة والفتوحات الإسلامية.
انطلقت الألوية التي عقدها الصديق ترفرف عليها أعلام التوحيد، مصحوبة بدعوات خالصة من قلوب تعظم المولى -عز وجل- وتشربت معاني الإيمان، ومن حناجر لم تلهج إلا بذكر الله تعالى، فاستجاب الله -جل وعلا- هذه الدعوات النقية، فأنزل عليهم نصره وأعلى بهم كلمته، وحمى بهم دينه، حتى دانت جزيرة العرب للإسلام في شهور معدودة.
ومن أخبار المرتدين: ما حصل من بعض النسوة في اليمن، فقد قامت بعض بنات اليمن من يهود أو من لف لفهن في حضرموت، فقد طرن فرحاً بموت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأقمن الليالي الحمراء مع المُجَّان والفُسَّاق يشجعن على الرذيلة ويزرين بالفضيلة، فقد رقص الشيطان فيها معهنّ وأتباعه طربًا لنكوص الناس على الإسلام والدعوة إلى التمرد عليه وحرب أهله.
لقد حنَّت تلك البغايا إلى الجاهلية وما فيها من المنكرات، وانجذبن إليها انجذاب الذباب إلى أكوام من الأقذار، فقد تعودن على الفاحشة في حياتهنّ الجاهلية، فلما جاء الإسلام حجزتهنّ نظافته عنها، فشعرن وكأنهنّ بسجن ضيق يكدن يختنقن فيه، ولذا ما إن سمعن بموته -صلى الله عليه وسلم- حتى أظهرن الشماتة فخضبن أيديهن بالحناء، وقمن يضربن بالدفوف ويغنين فرحتهنّ، فقد تحقق لهن ما كنّ يتمنينه على السلطة الجديدة، وكان معظمهنّ من علية القوم هناك وبعضهنّ يهوديات.
لقد عُرفت هذه الحركة في التاريخ بحركة البغايا وكنّ نيفاً وعشرين بغيًّا متفرقات في قرى حضرموت. وصل الخبر إلى الصديق، وأرسل رجل من أهل اليمن إليه هذه الأبيات:

أبلغ أبا بكر إذا ما جئته *** أن البغايا رُمْنَ أيَّ مرام
أظهرن من موت النبي شماتة *** وخضبن أيديهن بالعُلاَّم
فاقطع هديت أكفَّهنّ بصارم *** كالبرق أمضى من متون غمام

فكتب أبو بكر –رضي الله عنه- إلى عامله هناك المهاجر بن أبي أمية كتابًا في منتهى الحزم والصرامة جاء فيه: "فإذا جاءك كتابي هذا فَسِرْ إليهنّ بخيلك ورجلك حتى تقطع أيديهنّ، فإن دفعك عنهنّ دافع، فأعذر إليه باتخاذ الحجة عليه، وأعلمه عظيم ما دخل فيه من الإثم والعدوان، فإن رجع فاقبل منه وإن أبى فنابذه على سواء، إن الله لا يهدي كيد الخائنين".
فلما قرأ المهاجر الكتاب جمع خيله ورجله وسار إليهنّ، فحال بينه وبينهنّ رجال من كندة وحضرموت فأعذر إليهم، فأبوا إلا قتاله، ثم رجع عنه عامتهم، فقاتلهم فهزمهم وأخذ النسوة فقطع أيديهنّ فمات عامتهنّ وهاجر بعضهنّ إلى الكوفة.
لقد نلن جزاءهنّ في محكمة الإسلام العادلة، إذ أخذهنّ عامل أبي بكر على تلك البلاد وطبق عليهنّ حد الحرابة.
ومن المرتدين طليحة الأسدي: قدم مع وفد قومه أسد على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في عام الوفود سنة تسع للهجرة فسلموا عليه، وقالوا له: جئناك نشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، ولما عادوا ارتد طليحة وتنبأ، وعسكر في منطقة في بلادهم، واتبعه العوام واستُكشف أمره.
ومن خزعبلاته أنه رفع السجود من الصلاة، وكان يزعم أن الوحي يأتيه من السماء.
وتوفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم يحسم أمر طليحة، وتولى الخلافة الصديق –رضي الله عنه-، وعقد الألوية للجيوش والأمراء للقضاء على المرتدين، وكان من ضمنهم طليحة، ووجه إليه الصديق جيشًا بقيادة خالد بن الوليد.
سار خالد حتى نزل بأجأ وسلمى وعَبَّأ جيشه هنالك، والتقى مع طليحة الأسدي بمكان يقال له: "بزاخة"، ووقفت أحياء كثيرة من الأعراب ينظرون على من تكون الدائرة، وجاء طليحة فيمن معه من قومه ومن التف معهم وانضاف إليهم، وقد حضر معه عيينة بن حصن في سبعمائة من قومه بني فزارة، واصطف الناس وجلس طليحة ملتفًا في كساء له يتنبأ لهم ينظر ما يوحى إليه فيما يزعم، وجعل عيينة يقاتل حتى إذا ضجر من القتال جاء إلى طليحة وهو ملتف في كسائه وقال له: أجاءك جبريل؟ فيقول: لا، فيرجع فيقاتل، ثم يرجع فيقول له مثل ذلك ويرد عليه مثل ذلك، فلما كان في الثالثة قال له: هل جاءك جبريل؟ قال: نعم، قال: فما قال لك؟ قال: قال لي: إن لك رحاً كرحاه وحديثًا لا تنساه، قال: يقول عيينة: أظنّ أنه قد علم الله سيكون لك حديث لا تنساه، ثم قال: يا بني فزارة انصرفوا، وانهزمَ وانهزم الناس عن طليحة، فلما جاءه المسلمون ركب على فرس كان قد أعدها له وأركب امرأته النوّار على بعير له، ثم انهزم بها إلى الشام وتفرق جمعه، وقد قتل الله طائفة ممن كان معه.
وقد كتب أبو بكر الصديق إلى خالد بن الوليد حين جاءه أنه كسر طليحة ومن كان في صفه: "جِدّ في أمرك ولا تلن ولا تظفر بأحد من المشركين قتل من المسلمين إلا نكلت به".
فأقام خالد ببزاخة شهر يُصَعد عنها ويصوب ويرجع إليها في طلب الذي وصاه الصديق، فجعل يتردد في طلب هؤلاء شهرًا يأخذ بثأر من قتلوا من المسلمين الذين كانوا بين أظهرهم حين ارتدوا، فمنهم من حرقه بالنار، ومنهم من رضخه بالحجارة، ومنهم من رمى به من شواهق الجبال، كل هذا ليعتبر بهم من يسمع بخبرهم من مرتدة العرب.
وكان عيينة بن حصن من بين الأسرى فأمر خالد بشد وثاقه تنكيلا به، وبعثه إلى المدينة ويداه إلى عنقه، إزراءً عليه وإرهابًا لسواه، فلما دخل المدينة على هيئته تلقاه صبيان المدينة مستهزئين، وأخذوا يلكزونه بأيديهم الصغيرة قائلين: "أي عدو الله، ارتددت عن الإسلام!!" فيقول: والله ما كنت آمنت قط.
وجيء به إلى خليفة رسول الله ولقي من الخليفة سماحة لم يصدقها، وأمر بفك يديه ثم استتابه، فأعلن عيينة توبة نصوحًا واعتذر عما كان منه وأسلم وحسن إسلامه.
أما طليحة فمضى حتى نزل كلب على النقع فأسلم، ولم يزل مقيمًا في كلب حتى مات أبو بكر، وكان إسلامه هنالك حين بلغه أن أسدًا وغطفان وعامرًا قد أسلموا، ثم خرج نحو مكة معتمراً في إمارة أبي بكر، واستحيا أن يواجهه مدة حياته، ومر بجنبات المدينة، فقيل لأبي بكر: هذا طليحة، فقال: ما أصنع به، خلوا عنه فقد هداه الله للإسلام.
هذا وقد حسن إسلام طليحة وقد كان إسلامه صحيحًا وقال يعتذر ويذكر ما كان منه:

ندمت على ما كان من قتل ثابت *** وعكاشة الغنمي ثم ابن معبد
وأعظم من هاتين عندي مصيبة *** رجوعي عن الإسلام فعل التعمد
وتركي بلادي والحوادث جَمَّة *** طريدًا وقِدْمًا كنت غير مُطَرَّد
فهل يقبل الصديق أنى مراجع *** ومعطٍ بما أحدثت من حدثٍ يدي
وأني من بعد الضلالة شاهد *** شهادة حق لست فيها بملحد
بأن إله الناس ربي وأنني *** ذليل وأن الدين دين محمد

وقد منع الصديق المرتدين من المشاركة في فتوحاته بالعراق والشام، وهذا درس عظيم تتعلمه الأمة في عدم وضع الثقة بمن كانت لهم سوابق في الإلحاد ثم ظهر منهم العود إلى الالتزام بالدين، على أن أخذ الحذر من مثل هؤلاء لا يعني اتهامهم في دينهم ولا نزع الثقة منهم بالكلية.
وممن ارتد عن الإسلام أيضاً أهل عمان: كان أهل عمان قد استجابوا لدعوة الإسلام، وبعث إليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عمرو بن العاص، ثم بعد وفاته -صلى الله عليه وسلم- نبغ فيهم رجل يقال له: لقيط بن مالك الأزدي، فادعى النبوة وتابعه الجهلة من أهل عمان، فتغلب عليها، فبعث إليه الصديق بأميرين هما: حذيفة بن محصن وعرفجة بن مهرة، وأمرهما أن يجتمعا ويتفقا، وأرسل عكرمة بن أبي جهل مددًا لهم، وبلغ لقيط بن مالك مجيء الجيش، فخرج في جموعه فعسكر بمكان يقال له: "دَبَا" وجعل الذراري والأموال وراء ظهورهم؛ ليكون أقوى لحربهم، فتقابل الجيشان هناك وتقاتلوا قتالاً شديدًا، وابتلي المسلمون وكادوا أن يولوا، فمنَّ الله بكرمه ولطفه أن بعث إليهم مددًا في الساعة الراهنة من بني ناجية وعبد القيس في جماعة من الأمراء، فلما وصلوا إليهم كان الفتح والنصر، فولَّى المشركون مدبرين وركب المسلمون ظهورهم، فقتلوا منهم عشرة آلاف مقاتل، وسبوا الذراري وأخذوا الأموال والسوق بحذافيرها، وبعثوا بالخمس إلى الصديق في المدينة.
وأيضاً ارتد أهل البحرين: فقد أسلم أهل البحرين بعدما أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- العلاء بن الحضرمي إلى ملكها وحاكمها المنذر بن ساوي العبدي، وقد أسلم هو وقومه وأقام فيهم الإسلام والعدل، فلما توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتوفي المنذر بن ساوي بعده بمدة قصيرة، ارتد أهل البحرين وملكوا عليهم المنذر بن النعمان.
وأرض البحرين تمتد من القطيف إلى عمان، فهي تشمل اليوم إمارات الخليج العربي والجزء الشرقي من المملكة عدا الكويت.
بعث الصديق بجيش إلى البحرين بقيادة العلاء بن الحضرمي، فلما دنا من البحرين انضم إليه ثمامة بن أثال في محفل كبير من قومه، واستنهض المسلمين في تلك الأنحاء، فاجتمع إليه جيش كبير قاتل به المرتدين، فلما اقترب من الجيوش المرتدة وقد حشدوا وجمعوا خلقًا عظيمًا نزل ونزلوا وباتوا مجاورين في المنازل، فبينما المسلمون في الليل إذ سمع العلاء أصواتاً عالية في جيش المرتدين، فقال: من رجل يكشف لنا خبر هؤلاء؟ فقام عبد الله بن حذف فدخل فيهم فوجدهم سُكارى لا يعقلون من الشراب فرجع إليه فأخبره، فركب العلاء من فورهم والجيش معه فكبسوا أولئك فقتلوهم قتلاً عظيمًا وقلّ من هرب منهم، واستولى على جميع أموالهم وحواصلهم وأثقالهم، فكانت غنيمة عظيمة جسيمة، ثم ركب المسلمون في آثار المنهزمين يقتلونهم بكل مرصد وطريق، وذهب من فرّ منه أو أكثر إلى دارين، ركبوا إليها السفن، ثم شرع العلاء بن الحضرمي في قسمة الغنيمة ونفل الأنفال، ولما فرغ من ذلك قال للمسلمين: اذهبوا بنا إلى دارين لنغزو من بها من الأعداء، فأجابوا إلى ذلك سريعًا، فسار بهم حتى أتى ساحل البحر ليركبوا في السفن، فرأى أن الشقة بعيدة لا يصلون إليهم في السفن حتى يذهب أعداء الله، فاقتحم البحر بفرسه وهو يقول: يا أرحم الراحمين، يا حكيم يا كريم، يا أحد يا صمد، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا أنت يا ربنا. وأمر الجيوش أن يقولوا ذلك ويقتحموا، ففعلوا ذلك فأجاز بهم الخليج بإذن الله على مثل رملة دمثة فوقها ماء لا يغمر أخفاف الإبل، ولا يصل إلى رُكَبِ الخيل، ومسيرته بالسفن يوم وليلة فقطعه إلى الجانب الآخر فعاد إلى موضعه الأول وذلك كله في يوم، ولم يترك من العدو مخبرًا، وساق الذراري والأنعام والأموال، ولم يفقد المسلمون في البحر شيئًا إلاّ عليقة فرس لرجل من المسلمين، ومع هذا رجع العلاء بها، ثم قسّم غنائم المسلمين فيهم، فأصاب الفارس ستة آلاف، والراجل ألفين مع كثرة الجيشين، وكتب إلى الصديق فأعلمه بذلك، فبعث الصديق يشكره على ما صنع، وقد قال رجل من المسلمين في مرورهم في البحر وهو عفيف بن المنذر:

ألم تر أن الله ذلل بحره *** وأنزل بالكفار إحدى الجلائل
دعونا إلى شق البحار فجاءنا *** بأعجب من فلق البحار الأوائل

وبعد هزيمة المرتدين رجع العلاء بن الحضرمي إلى البحرين وضرب الإسلام بجرانه، وعز الإسلام وأهله وذل الشرك وأهله.
ومن المرتدين مسيلمة الكذاب: متنبئ من المعمّرين، وفي الأمثال: "أكذب من مسيلمة"، ولد ونشأ باليمامة وتلقب في الجاهلية بالرحمن، وعُرف برحمان اليمامة.
وكان مسيلمة يدعي النبوة والرسول -صلى الله عليه وسلم- بمكة، وكان يبعث بأناس إليها ليسمعوا القرآن ويقرؤوه على مسامعه، فينسج على منواله، وفي العام التاسع للهجرة الذي عمَّ فيه الإسلام ربوع الجزيرة العربية أقبل وفد بني حنيفة على مدينة الرسول -صلى الله عليه وسلم- يعلنون إسلامهم، وكان مسيلمة معهم، ولما رجع وفد بني حنيفة إلى اليمامة حيث ديارهم ادعى مسيلمة النبوة، وأعلن شراكته للرسول -صلى الله عليه وسلم- في النبوة، وفي العام العاشر للهجرة عندما أصيب النبي -صلى الله عليه وسلم- بمرض موته، تجرأ الخبيث فكتب رسالة إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- يزعم لنفسه فيها الشراكة معه في النبوة.
وقد ذكر علماء التاريخ أنه كان يحاول أن يتشبه بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، وبلغه أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- بصق في بئر فغزر ماؤه، فبصق مسيلمة في بئر فغاض ماؤه بالكلية، وفي أخرى فصار ماؤه أجاجًا، وتوضأ فسقي بوضوئه نخلاً فيبست وهلكت، وأتى بولدان يبرّك عليهم، فجعل يمسح رؤوسهم فمنهم من قرع رأسه ومنهم من لثغ لسانه، ويقال: إنه دعا لرجل أصابه وجع في عينيه فمسحهما فعمي.
كان أبو بكر –رضي الله عنه- قد أمر خالدًا إذا فرغ من أسد وغطفان ومالك بن نويرة أن يقصد اليمامة وأكد عليه في ذلك، سار خالد إلى قتال بني حنيفة باليمامة وعبأ معه المسلمين، وكان على الأنصار ثابت بن قيس بن شماس، فسار لا يمر بأحد من المرتدين إلا نكّل به، وسيّر الصديق جيشا كثيفًا مجهزًا بأحدث سلاح ليحمي ظهر خالد حتى لا يوقع به أحد من خلفه، وكان خالد في طريقه إلى اليمامة قد لقي أحياء من الأعراب قد ارتدت، فغزاها وردها إلى الإسلام، ولما سمع مسيلمة بقدوم خالد عسكر بمكان يقال له: "عقرباء" في طرف اليمامة، وندب الناس وحثهم على لقاء خالد، والتقى خالد بعكرمة وشرحبيل، فتقدم وقد جعل على مقدمة الجيش شرحبيل بن حسنة وعلى المجنبتين زيد بن الخطاب وأبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة، ووضع خالد بن الوليد خطته الحربية وكان –رضي الله عنه- لا يستخف بعدوه، وكان في ميدان المعركة على أهبة وحذر دائمين مخافة أن يفجأه عدوه بغارة غادرة والتفاف مكر، وقد وصف –رضي الله عنه- بأنه: كان لا ينام ولا يبيت إلا على تعبأة، ولا يخفى عليه من أمر عدوه شيء.
وقد قدم خالد في هذه المعركة شرحبيل بن حسنة، وقسّم الجيش أخماسًا، على المقدمة خالد المخزومي، وعلى الميمنة أبو حذيفة، وعلى الميسرة شجاع، وفي القلب زيد بن الخطاب، وجعل أسامة بن زيد على الخيّالة.
ولما تواجه الجيشان قال مسيلمة لأتباعه وقومه قبيل المعركة الفاصلة: اليوم يوم الغيرة، اليوم إن هزمتم تُستنكح النساء سبيات، وينكحن غير حطيات، فقاتلوا على أحسابكم وامنعوا نساءكم، وتقدم خالد –رضي الله عنه- بالمسلمين حتى نزل بهم على كثيب يشرف على اليمامة فضرب به عسكره، واصطدم المسلمون والكفار فكانت جولة وانهزمت الأعراب حتى دخلت بنو حنيفة خيمة خالد بن الوليد، وقتل زيد بن الخطاب، ثم تذامر الصحابة بينهم وقاتلت بنو حنيفة قتالاً لم يعهد مثله، وجعلت الصحابة يتواصون بينهم ويقولون: يا أصحاب سورة البقرة بطل السحر اليوم، وحفر ثابت بن قيس لقدميه في الأرض إلى أنصاف ساقيه وهو حامل لواء الأنصار بعدما تحنط وتكفن، فلم يزل ثابتًا حتى قتل هناك.
وقال المهاجرون لسالم مولى أبي حذيفة: أتخشى أن تؤتى من قبلك؟ فقال: "بئس حامل القرآن أنا إذًا".
وقال زيد بن الخطاب:"أيها الناس عضوا على أضراسكم واضربوا في عدوكم وامضوا قدمًا".
وقال: "والله لا أتكلم حتى يهزمهم الله أو ألقى الله فأكلمه بحجتي، فقتل شهيدًا –رضي الله عنه-.
وقال أبو حذيفة:" يا أهل القرآن زينوا القرآن بالفعال"، وحمل فيهم حتى أبعدهم، وأصيب –رضي الله عنه-، وحمل خالد بن الوليد حتى جاوزهم وسار لقتال مسيلمة وجعل يترقب أن يصل إليه فيقتله، ثم رجع ثم وقف بين الصفين ودعا إلى المبارزة، وقال: أنا ابن الوليد، ثم نادى بشعار المسلمين وكان شعارهم يومئذ: "يا محمداه"، وجعل لا يبرز له أحد إلا قتله، وقد ميز خالد المهاجرين من الأنصار من الأعراب، وكل بنى أب على رايتهم يقاتلون تحتها حتى يعرف الناس من أين يؤتون، وصبر الصحابة -رضي الله عنهم- في هذه المواطن صبرًا لم يعهد مثله، ولم يزالوا يتقدمون إلى نحور عدوهم حتى فتح الله عليهم وولى الكفار الأدبار واتبعوهم يقتلون في أقفائهم ويضعون السيوف في رقابهم حيث شاءوا، حتى ألجؤوهم إلى حديقة الموت، وقد أشار على المرتدين محكم اليمامة - وهو محكم بن الطفيل- بدخولها فدخلوها وفيها عدو الله مسيلمة، وأدرك عبد الرحمن بن أبي بكر محكم بن الطفيل فرماه بسهم في عنقه وهو يخطب فقتله، وأغلقت بنو حنيفة الحديقة عليهم وأحاط بهم الصحابة، وقدموا بطولات نادرة، منهم البراء بن مالك الذي قال: "يا معشر المسلمين، ألقوني عليهم في الحديقة"، فاحتملوه فوق الترس، ورفعوها بالرماح حتى ألقوه عليهم، فلم يزل يقاتلهم دون بابها حتى فتحه، ودخل المسلمون الحديقة من الباب الذي فتحه البراء، وفتح الذين دخلوا الأبواب الأخرى، وحوصر المرتدون وأدركوا أنها القاضية، وأن الحق جاء وزهق باطلهم، وخلص المسلمون إلى مسيلمة، وإذا هو واقف في ثلمة جدار كأنه جمل أورق، وهو يريد يتساند لا يعقل من الغيظ، وكان إذا اعتراه شيطانه أزبد حتى يخرج الزبد من شدقيه، فتقدم إليه وحشي بن حرب قاتل حمزة فرماه بحربته فأصابه، وخرجت من الجانب الآخر، وسارع إليه أبو دجانة سماك بن خرشة فضربه بالسيف فسقط، فكان جملة من قُتلوا في الحديقة وفي المعركة قريبًا من عشرة آلاف مقاتل، وقتل من المسلمين ستمائة، ثم بعث خالد الخيول حول اليمامة يلتقطون ما حول حصونها من مال وسبي، وقد استشهد في معركة اليمامة عدد من سادات الصحابة منهم: ثابت بن قيس بن شماس.
وقد ثبت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشره بالشهادة، وقتل يوم اليمامة شهيدًا، وكانت راية الأنصار يومئذ بيده.
واستشهد أيضاً زيد بن الخطاب –رضي الله عنه-: وهو أخو عمر بن الخطاب لأبيه وكان أكبر من عمر، أسلم قديمًا وشهد بدرًا وما بعدها، وقد آخى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بينه وبين معن بن عدي الأنصاري وقد قتلا جميعًا باليمامة، وقد كانت راية المهاجرين يومئذ بيده فلم يزل يتقدم بها حتى قتل فسقطت، فأخذها سالم مولى أبي حذيفة، وقد قال عمر لما بلغه مقتل زيد بن الخطاب: "رحم الله أخي زيد سبقني إلى الحسنيين، أسلم قبلي واستشهد قبلي".
وقتل أيضاً عبد الله بن سهيل بن عمرو: ولما حج أبو بكر عزى أباه فيه، فقال سهيل: "بلغني أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((يشفع الشهيد لسبعين من أهله)) فأرجو أن يبدأ بي".
واستشهد أبو دجانة سماك بن خرشة: وكان أبو دجانة يوم اليمامة من أبطال المسلمين، فقد رمى بنفسه إلى داخل الحديقة فانكسرت رجله فقاتل وهو مكسور الرجل حتى قتل.
واستشهد أيضاً عبَّاد بن بشر: وقد أبلى يوم اليمامة بلاء حسنًا، فقد وقف على نشز مرتفع من الأرض، ثم صاح بأعلى صوته: "أنا عباد بن بشر، يا للأنصار يا للأنصار، ألا إليَّ ألا إليَّ"، فأقبلوا إليه جميعًا وأجابوه: لبيك لبيك، ثم حطّم جفن سيفه فألقاه، وحطّمت الأنصار جفون سيوفهم، ثم قال جملة صادقة: "اتبعوني"، فخرج حتى ساقوا بني حنيفة منهزمين حتى انتهوا بهم إلى الحديقة فأغلق عليهم.
ولما تمكن المسلمون من اقتحام باب الحديقة، ألقى درعه على بابها، ثم دخل بالسيف صلتا يجالدهم حتى قتل شهيدًا باليمامة وهو ابن خمس وأربعين سنة، ولم يعرف إلا بعلامة في جسده لكثرة ما فيه من الجراح –رضي الله عنه-.
وقتل أيضاً الطفيل بن عمرو الدوسي: وقد رأى الرؤيا قبل استشهاده حيث قال: "خرجت ومعي ابني عمرو فرأيت كأن رأسي حُلق، وخرج من فمي طائر، وكأن امرأة أدخلتني فرجها، فأولتها: حلق رأسي قطعه، وأما الطائر فروحي، وأما المرأة فالأرض أدفن فيها"، فاستشهد يوم اليمامة.
وقد أبلى أبا سليمان خالد بن الوليد في معركة اليمامة بلاءً عجيباً وقدم بطولات نادرة، ففي معركة بزاخة: ضرَّس في القتال فجعل يقحم فرسه ويقولون له: الله الله! فإنك أمير القوم ولا ينبغي لك أن تتقدم، فيقول: "والله إني لأعرف ما تقولون، ولكن ما رأيتني أصبر وأخاف هزيمة المسلمين".
وفي معركة اليمامة لما اشتد القتال ولم يزد بني حنيفة ما قتل منهم إلا عنفًا وضراوة، برز حتى إذا كان أمام الصف دعا إلى المبارزة ونادى الناس بشعارهم يومئذ وكان: "يا محمداه"، فجعل لا يبرز له أحد إلا قتله ولا شيء إلا أكله، فقد كان يرغب في النصر ويتحرى الشهادة.
ولنترك لخالد يصف لنا جولة من المصارعة بينه وبين أحد جنود مسيلمة داخل حديقة الموت، قال: "ولقد رأيتني في الحديقة وعانقني رجل منهم وأنا فارس وهو فارس، فوقعنا عن فرسينا، ثم تعانقنا بالأرض، فأجؤه بخنجر في سيفي، وجعل يجؤني بمعول في سيفه، فجرحني سبع جراحات، وقد جرحته جرحًا أثبته به فاسترخى في يدي وما بي حركة من الجراح، وقد نزفت من الدم، إلا أنه سبقني بالأجل فالحمد لله على ذلك.
وقد شهد خالد لبني حنيفة على قوتهم وشدة بأسهم فقال: "شهدت عشرين زحفًا فلم أر قومًا أصبر لوقع السيوف ولا أضرب بها ولا أثبت أقدامًا من بني حنيفة يوم اليمامة، وما بي حركة من الجراح، ولقد أقحمت حتى أيست من الحياة وتيقنت الموت".
وكان من ضمن شهداء المسلمين في حرب اليمامة كثير من حفاظ القرآن، وقد نتج عن ذلك أن قام أبو بكر –رضي الله عنه- بمشورة عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- بجمع القرآن حيث جمع من الرقاع والعظام والسعف ومن صدور الرجال، وأسند الصدّيق هذا العمل العظيم إلى الصحابي الجليل زيد بن ثابت الأنصاري –رضي الله عنه-.
وقد استشهد كثير من المهاجرين والأنصار في هذه المعركة الفاصلة، وكانت المدينة على الرغم من فرحها بانتصار المسلمين على المرتدين ما زالت تبكي شهداءها، ففي حرب اليمامة وحدها قتل من المسلمين مائتان وألف، منهم عدد من كبار الصحابة، وفيهم أكثر حفاظ القرآن، نحو أربعين من القرّاء، وعصرت الأحزان قلب المدينة، وغمرت الدموع ابتسامات الفرح بالنصر، وضاقت الصدور، وثقلت المحنة على القلوب بقدر ما أضاء انتصار المسلمين غيابات النفوس، وقَوّى من إيمانهم، وغرس الثقة في أعماقهم.
لقد تركت حروب الردة آثارًا ونتائج لم تكن محدودة الزمان والمكان، وإنما شملت أجيالاً وآمادًا وتصورات، وأفكارًا وسلوكيات، وأحكامًا ما زالت تغذي الأجيال من بعدها وتمدها بالكثير.
ومن أهم تلك النتائج:
أولاً: تميز الإسلام عما عداه من تصورات وأفكار وسلوك: إن من نتائج أحداث الردة حفظ التصور الإسلامي من التحريف والتشويه، وأنْ تجردت الراية الإسلامية من العصبية الجاهلية والولاء المختلط، وصارت خالصة من أية شائبة.
ثانياً: أظهرت أحداث الردة معادن أصيلة في بنية قاعدة هذه الدولة، وكشفت عن عناصر صلبة، فلم يكونوا أفراداً متناثرين، ولكنهم كانوا يشكلون القاعدة لهذا المجتمع ولهذه الدولة، ولم تكن قاعدة رخوة أو هشة أو ساذجة، وإنما كانت قاعدة صلبة واعية، تدرك حقيقة نفسها وحقيقة عدوها وتعي أبعاد المخاطر من حولها، وتخطط بانتباه ويقظة كاملة في مواجهة كل الصعاب، وهي مع هذا وذاك موصولة بالقوي العزيز، ولهذا انتصرت على كل خصومها وأزالت كل العوائق من طريقها.
ثالثاً: أصبحت جزيرة العرب بسكانها قاعدة الفتوح الإسلامية بعد ذاك، وصارت هي النبع الذي يتدفق منه الإسلام ليصل إلى أصقاع الأرض فاتحًا ومعلمًا ومربيًا.
رابعاً: ومن خلال أحداث الردة التي ميزت الصفوف وامتحنت الطاقات والقدرات، وكشفت عن الطبقة التي كانت تغطي معادن الأمة، ظهرت المعادن الخسيسة على حقيقتها وأعطيت القيادة للمعادن النفيسة الصلبة المصقولة لتمسك بزمام الأمور في حركة الفتوح القادمة.
خامساً: إن أية محاولة للتمرد على دين الإسلام سواء أقام بها فرد أم جماعة أم دولة، إنما هي محاولة يائسة مآلها الإخفاق الذريع والخيبة الشنيعة؛ لأن التمرد إنما هو تمرد على أمر الله المتمثل بكتابه الذي تكفّل بحفظه وحفظ جماعة تلتف حوله وتقيمه في نفوسها.
إن مصير الكائدين لدين الله هو البوار في الدنيا والآخرة، وما أجمل ما قال الشاعر:

كناطح صخرة يومًا ليوهنها *** فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل.

والحمد لله...

 


  

التعليقات

mhsjyouwff

kMMDfr oawvjqbwhyud, [url=http://dqboubeqfsyf.com/]dqboubeqfsyf[/url], [link=http://yceshbcbgeho.com/]yceshbcbgeho[/link], http://xwooflawotaz.com/

TFRBat

hMFmgi TFRBat

viagra price

xmXrYY viagra price 7167 cialis 6035

viagra sample

YnXMZdIn viagra sample ipXOU cialis APNSl

buy viagra

NsKbnB buy viagra >:-[ cheap cialis pWpIG

viagra sample

wCwDlrZF viagra sample xLLhQ cilis 20mg fVrUiA

buy cialis

HOmiBF buy cialis >:-OOO viagra :-O

buy cialis

KLkNVsiB buy cialis >:-[ buy cialis mlExl

Perfumes Gucci

qkOzHsZt Perfumes Gucci >:-OOO

viagra

wyOintve viagra 7742

viagra

bKdfsjX viagra 7014 cialis 1332 viagra 8]]] cialis wOVrzt

cheap viagra

HTuFOrx cheap viagra %-[[[ cialis >:-OOO cialis 10mg >:-OOO viagra >:-[

viagra dosage

PgYOApv viagra dosage fjzadn cialis 8]]]

cialis

zumyNK cialis jTKDZ cialis price VjRVXC buy viagra 8957 viagra zZeTvb

viagra

kSpJtiPP viagra :-O viagra 2487 buy cialis >:-[ cialis >:-[

viagra

CEwejq viagra >:-OOO generic viagra 7061 cialis reviews :-O cialis 4747

cheap cialis

sKqDEpn cheap cialis nyumx cialis >:]] köpa viagra online 3012 viagra 0770 viagra 2223

Kamagra Oral Jelly

XCKpUip Kamagra Oral Jelly 8854 kamagra preço qCBhr levitra 5494 viagra LZtLxI Cialis >:-OOO viagra MkkVg

viagra

DaMIJVkN viagra rKZtlM Koop Viagra >:-[ levitra >:]] cialis bijwerkingen 1865 kamagra 5895 levitra 5740

viagra

VgebeK viagra 4570 levitra bLlND viagra ohne rezept HJOoRd levitra barato >:]] kamagra :-O viagra 1337

aquista viagra

MNENihLP aquista viagra 1418 viagra en ligne 2070 kamagra XhqpQJ kamagra IntIOa levitra nmFpKv cialis vente %-[[[

viagra

KLkOZQ viagra 2977 cialis >:-[ cialis 5845 viagra sample 9285

viagra

xcbSpvf viagra 3379 cheap viagra 0440 cialis 0602 cialis daily 8670

levitra

iXkfslyl levitra TtKQwH viagra HAKIH cialis OKWra kjøpe viagra 60 x 50mg 6839 cialis >:-[ viagra pil 5459

payday loans

NomzXpG payday loans 5440

cialis vente

cBSEdZL cialis vente >:-[ viagra billig 0492 viagra Genérico 5536 levitra 5109 levitra >:-OOO cialis %-[[[

viagra

FyqGTU viagra SnNIpX viagra voorschrift znLOgh kamagra ervaringen >:-OOO cialis %-[[[ Koop levitra 2542 levitra 8]]]

Levitra

zAVdXAs Levitra huGol köpa kamagra på nätet :-O viagra >:]] cialis voUZWO Cheap viagra >:-[ cialis =-]

priligy

IFxfFX priligy >:-OOO clomid 2335 levitra 7298 cialis >:-OOO Levitra WaiqPi


 
حركة الجهاد والفتح الإسلامي في عهد الدولة الأموية

القائمة البريدية

121.79