خدمة rss
أبو بكر الصديق (2)



  
   

أبو بكر الصديق
الدرس الثاني
خبر السقيفة - إنفاذ جيش أسامة

 

الشيخ/ ناصر ين محمد الأحمد

 

لما علم الصحابة -رضي الله عنهم- بوفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة في اليوم نفسه، وهو يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة، وتداولوا الأمر بينهم في اختيار من يلي الخلافة من بعده، والتفّ الأنصار حول زعيم الخزرج سعد بن عبادة –رضي الله عنه-، ولما بلغ خبر اجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة إلى المهاجرين، وهم مجتمعون مع أبي بكر الصدّيق –رضي الله عنه- لترشيح من يتولى الخلافة، قال المهاجرون لبعضهم: "انطلقوا بنا إلى إخواننا من الأنصار، فإن لهم في هذا الحق نصيبًا"، قال عمر –رضي الله عنه-: "فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلين صالحين، فذكر ما تمالأ عليه القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ قلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم، فقلت: والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مزمّل بين ظهرانيهم، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا سعد بن عبادة، فقلت: ما له؟ قالوا: يوعك، فلما جلسنا قليلاً تشهَّد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط، وقد دفت دافة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يحضنونا من الأمر".
فلما سكت أردت أن أتكلم وكنت قد زوَّرت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنت أداري منه بعض الحِدّ، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رَسْلِك، فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر، فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت، فقال: "ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارًا، وقد رضيت لكم هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم"، فأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها، والله أن أُقدّم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثم أحب إليَّ من أن أتأمّر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تُسوِّل إليَّ نفسي عند الموت شيئًا لا أجده الآن".
فقال قائل من الأنصار: منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى فَرقتُ من الاختلاف فقلت: ابسط يدك، فبايعته وبايعه المهاجرين، ثم بايعته الأنصار.
وفي رواية الإمام أحمد: فتكلم أبو بكر –رضي الله عنه- فلم يترك شيئًا أنزل في الأنصار ولا ذكره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من شأنهم إلا وذكره، وقال: "ولقد علمتم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لو سلك الناس واديًا وسلكت الأنصار واديًا سلكت وادي الأنصار))، ولقد علمتَ يا سعد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال وأنت قاعد: ((قريش ولاة هذا الأمر، فَبَرُّ الناس تبع لبرهم، وفاجر الناس تبع لفاجرهم))، فقال له سعد: "صدقت، نحن الوزراء وأنتم الأمراء".
من رواية الإمام أحمد يتضح لنا كيف استطاع الصدّيق أبو بكر –رضي الله عنه- أن يَدخُل إلى نفوس الأنصار فيُقنعهم بما رآه هو الحق، من غير أن يعرض المسلمين للفتنة، فأثنى على الأنصار ببيان ما جاء في فضلهم من الكتاب والسنة، والثناء على المخالف منهج إسلامي يُقصد منه إنصاف المخالف وامتصاص غضبه، وانتزاع بواعث الأثرة والأنانية في نفسه؛ ليكون مهيأً لقبول الحق إذا تبين له، وقد كان في هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- الكثير من الأمثلة التي تدل على ذلك، ثم توصل أبو بكر من ذلك إلى أن فضلهم وإن كان كبيرًا لا يعني أحقيتهم في الخلافة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد نص على أن المهاجرين من قريش هم المقدمون في هذا الأمر.
وبيَّن الصدّيق في خطابه أن من مؤهلات القوم الذين يرشحون للخلافة أن يكونوا ممن يدين لهم العرب بالسيادة وتستقر بهم الأمور؛ حتى لا تحدث الفتن فيما إذا تولى غيرهم، وأبان أن العرب لا يعترفون بالسيادة إلا للمسلمين من قريش، لكون النبي -صلى الله عليه وسلم- منهم، ولما استقر في أذهان العرب من تعظيمهم واحترامهم.
وبهذه الكلمات النيرة التي قالها الصدّيق اقتنع الأنصار بأن يكونوا وزراء مُعينين وجنودًا مخلصين، كما كانوا في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبذلك توحد صف المسلمين.
ولقد ظهر زهد أبي بكر -رضي الله عنه- في الإمارة في خطبته التي اعتذر فيها من قبول الخلافة حيث قال: "والله ما كنت حريصًا على الإمارة يومًا ولا ليلة قط، ولا كنت فيها راغبًا، ولا سألتها الله -عز وجل- في سر وعلانية، ولكني أشفقت من الفتنة، وما لي في الإمارة من راحة، ولكن قُلدت أمرًا عظيمًا ما لي به من طاقة ولا يد إلا بتقوية الله -عز وجل-، ولوددت أن أقوى الناس عليها مكاني".
وقد دلت نصوص عديدة على خلافة الصدّيق -رضي الله عنه-، فعن جبير بن مطعم قال: "أتت امرأة النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فأمرها أن ترجع إليه، قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك -كأنها تقول الموت- قال -صلى الله عليه وسلم-: ((إن لم تجديني فأتِ أبا بكر)).
وعن حذيفة قال: "كنا عند النبي -صلى الله عليه وسلم- جلوسًا فقال: ((إني لا أدري ما قدرُ بقائي فيكم، فاقتدوا بالذين من بعدي -وأشار إلى أبي بكر وعمر- وتمسكوا بعهد عمّار، وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه)).
وقالت عائشة -رضي الله عنها-: "قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مرضه: ((ادعِ لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتابًا، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)).
أجمع أهل السنة والجماعة سلفًا وخلفًا على أن أحق الناس بالخلافة بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- أبو بكر الصدّيق –رضي الله عنه-؛ لفضله وسابقته، ولتقديم النبي -صلى الله عليه وسلم- إياه في الصلوات على جميع الصحابة.
وقد فهم أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- مراد المصطفى -عليه الصلاة والسلام- من تقديمه في الصلاة، فأجمعوا على تقديمه في الخلافة ومتابعته ولم يتخلف منهم أحد، ولم يكن الرب -جل وعلا- ليجمعهم على ضلالة، فبايعوه طائعين وكانوا لأوامره ممتثلين ولم يعارض أحد في تقديمه.
وبعد أن تمت بيعة أبي بكر –رضي الله عنه- البيعة الخاصة في سقيفة بني ساعدة، كان لعمر –رضي الله عنه- في اليوم التالي موقف في تأييد أبي بكر، وذلك في اليوم التالي حينما اجتمع المسلمون للبيعة العامة.
قال أنس بن مالك: "لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد، جلس أبو بكر على المنبر، فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: "أيها الناس، إني كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت وما وجدتها في كتاب الله، ولا كانت عهدًا عهده إليَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولكني قد كنت أرى أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سيدبر أمرنا، يقول: يكون آخرنا، وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى الله رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم، صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه"، فبايع الناس أبا بكر بعد بيعة السقيفة.
ثم تكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله، ثم قال: "أما بعد: أيها الناس، فإني قد وُليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أُرجع عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا خذلهم الله بالذلّ، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله".
وقال عمر لأبي بكر يومئذ: "اصعد المنبر"، فلم يزل به حتى صعد المنبر فبايعه الناس عامة.
وتعتبر هذه الخطبة الرائعة من عيون الخطب الإسلامية على إيجازها، وقد قرر الصدّيق فيها قواعد العدل والرحمة في التعامل بين الحاكم والمحكوم، وركّز على أن طاعة ولي الأمر مترتبة على طاعة الله ورسوله، ونص على الجهاد في سبيل الله لأهميته في إعزاز الأمة، وعلى اجتناب الفاحشة لأهمية ذلك في حماية المجتمع من الانهيار والفساد.
إن البيعة بمعناها الخاص هي إعطاء الولاء والسمع والطاعة للخليفة مقابل الحكم بما أنزل الله تعالى، وأنها في جوهرها وأصلها عقد وميثاق بين طرفين: الإمام من جهة وهو الطرف الأول، والأمة من جهة ثانية وهي الطرف الثاني، فالإمام يُبايَع على الحكم بالكتاب والسنة والخضوع التام للشريعة الإسلامية عقيدة وشريعة ونظام حياة، والأمة تُبايِع على الخضوع والسمع والطاعة للإمام في حدود الشريعة.
فالبيعة خصيصة من خصائص نظام الحكم في الإسلام تفرّد به عن غيره من النظم الأخرى في القديم والحديث، ومفهومه أن الحاكم والأمة كليهما مقيد بما جاء به الإسلام من الأحكام الشرعية، ولا يحق لأحدهما سواء كان الحاكم أو الأمة ممثلة بأهل الحل والعقد الخروج على أحكام الشريعة، أو تشريع الأحكام التي تصادم الكتاب والسنة، أو القواعد العامة في الشريعة، ويعد مثل ذلك خروج على الإسلام، بل إعلان الحرب على النظام العام للدولة الإسلامية، بل أبعد من هذا نجد أن القرآن الكريم نفى عنهم صفة الإيمان، قال الله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا}
[(65) سورة النساء].
تسلّم الصدّيق -رضي الله عنه- الخلافة وضرب أمثلة في عدد من المجالات يعجز المرء عن تصوره لولا أنها نقلت إلينا عن طريق الثقات من المؤرخين.
روى ابن سعد وغيره أن أبا بكر –رضي الله عنه-، كان له بيت مال بالسُّنْح معروف، ليس يحرسه أحد، فقيل له: ألا تجعل على بيت المال من يحرسه؟ فقال: "لا يُخاف عليه"، قيل له: ولِمَ؟ قال: "عليه قفل!".
وكان يعطي ما فيه حتى لا يُبقى فيه شيئًا، فلما تحول إلى المدينة حوله معه فجعله في الدار التي كان فيها، فكان يضع ذلك في بيت المال، فيقسمه بين الناس سويًا، بين الحر والعبد، والذكر والأنثى، والصغير والكبير على السواء، قالت عائشة -رضي الله عنها-: "فأعطى أول عام الحرَّ عشرة، والمملوك عشرة، وأعطى المرأة عشرة، وأَمَتَها عشرة، ثم قسم في العام الثاني، فأعطاهم عشرين عشرين، فجاء ناس من المسلمين فقالوا: يا خليفة رسول الله: إنك قسمت هذا المال فسويت بين الناس، ومن الناس أناس لهم فضل وسوابق وقِدم، فلو فضلت أهل السوابق والقدم والفضل، فقال: "أمّا ما ذكرتم من السوابق والقدم والفضل فما أعرفني بذلك، وإن ذلك شيء ثوابه على الله جل ثناؤه، وهذا معاش، فالأسوة فيه خير من الأثرة".
فقد كان توزيع العطاء في خلافته على التسوية بين الناس، وقد ناظر الفاروق عمر أبا بكر في ذلك فقال: "أتسوي بين من هاجر الهجرتين وصلى إلى القبلتين، وبين من أسلم عام الفتح؟" فقال أبو بكر: "إنما عملوا لله، وإنما أجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ للراكب".
ورغم أن عمر -رضي الله عنه- غيّر في طريقة التوزيع فجعل التفضيل بالسابقة إلى الإسلام والجهاد إلا أنه في نهاية خلافته قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لرجعت إلى طريقة أبي بكر فسويت بين الناس".
ورأى الصحابة ضرورة تفريغ الصدّيق للخلافة، فقد كان أبو بكر -رضي الله عنه- رجلاً تاجرًا يغدو كل يوم إلى السوق، فيبيع ويبتاع، فلما استخلف أصبح غاديًا إلى السوق وعلى رقبته أثواب يتّجر بها، فلقيه عمر وأبو عبيدة فقالا: أين تريد يا خليفة رسول الله؟ قال: "السوق"، قالا: تصنع ماذا وقد وليت أمور المسلمين؟ قال: "فمن أين أُطعم عيالي؟"، فقالا: انطلق معنا حتى نفرض لك شيئًا، فانطلق معهما ففرضوا له كل يوم شطر شاة.
وجاء في "الرياض النضرة" أن رزقه الذي فرضوه له خمسون ومائتا دينار في السنة، وشاة يؤخذ من بطنها ورأسها وأكارعها، فلم يكن يكفيه ذلك ولا عياله، قالوا: وقد كان قد ألقي كل دينار ودرهم عنده في بيت مال المسلمين، فخرج إلى البقيع ليبيع، فجاء عمر -رضي الله عنه- فإذا هو بنسوة جلوس، فقال: "ما شأنكنّ؟" قلن: نريد خليفة رسول الله يقضي بيننا، فانطلق فوجده في السوق فأخذه بيده فقال: تعالَ ها هنا، فقال: "لا حاجة لي في إمارتكم، رزقتموني ما لا يكفيني ولا عيالي"، قال: فإنا نزيدك، قال أبو بكر: "ثلاثمائة دينار والشاة كلها"، قال عمر: "أما هذا فلا"، فجاء علي -رضي الله عنه- وهما على حالهما تلك، قال: أكمِلها له، قال: ترى ذلك؟ قال: نعم، قال: قد فعلنا.
وانطلق أبو بكر -رضي الله عنه- فصعد المنبر، واجتمع إليه الناس فقال: "أيها الناس، إن رزقي كان خمسين ومائتي دينار وشاة يؤخذ من بطنها ورأسها وأكارعها، وإن عمر وعليا كمّلا لي ثلاثمائة دينار والشاة، أفرضيتم؟"، قال المهاجرون: اللهم نعم، قد رضينا.
أين البشرية اليوم من أولئك الصحابة -رضوان الله عليهم-؟ فإن الخزينة قد أضحت بعدهم بيد أشخاص ينفقون كيف يشاؤون، ويتصرفون كما يريدون، كما أصبحت لهم نفقات مستورة لا حصر لها، وفوق هذا فقد تكدست لهم الأموال لكثرتها، وأكثرها يعود إلى الساسة وأمراء الشعوب المستضعفة، مع أنه قد ظهر أن هذه الأموال مهما بلغت، والعقارات مهما كثرت، فإنها لا تكفي شيئًا، ولا تغني صاحبها شيئًا، هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فالأمر أشدُّ، والحساب عظيم.
كان الصدّيق قبل الخلافة يحلب للحي، فلما بويع له بالخلافة قالت جارية من الحي: الآن لا يحلب لنا أغنام دارنا، فسمعها أبو بكر فقال: "لعمري لأحلبنّها لكم، وإني لأرجو ألا يغيرني ما دخلت فيه عن خُلُقٍ كنت عليه"، فكان يحلب لهنّ، وهذا تواضع كبير من رجل كبير، كبير في سنه، وكبير في منـزلته وجاهه، حيث كان خليفة المسلمين، وكان حريصًا على أن لا تغير الخلافة شيئًا من معاملته للناس، وإن كان ذلك سيأخذ منه وقتًا هو بحاجة إليه، ويقول: "أرجو أن لا يغيرني ما دخلت فيه"، وليس الذي دخل فيه بالأمر الهيّن، بل هو خلافة رسول الله، وسيادة العرب، وقيادة الجيوش التي ذهبت لتقلع من الأرض الجبروت الفارسي، والعظمة الرومانية، وتنشئ مكانهما صرح العدل والعلم والحضارة، ثم يرجو ألا يغيره هذا كله، ولا يمنعه من حلب أغنام الحي.
إن من ثمار الإيمان بالله تعالى أخلاقًا حميدة، منها خلق التواضع الذي تجسّد في شخصية الصدّيق في هذا الموقف وفي غيره من المواقف، وكان عندما يسقط خطام ناقته ينـزل ليأخذه، فيقال له: لو أمرتنا أن نناولك، فيقول: "أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ألا نسأل الناس شيئًا".
ولقد دفعه هذا الخلق إلى خدمة المسلمين وبخاصة أهل الحاجة منهم والضعفاء، فعن أبي صالح الغفاري أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان يتعهد عجوزًا كبيرة عمياء في بعض حواشي المدينة من الليل، فيسقي لها، ويقوم بأمرها، فكان إذا جاءها وجد غيره قد سبقه إليها فأصلح ما أرادت، فجاءها غير مرة كيلا يَسبق إليها فرصده عمر، فإذا هو أبو بكر الذي يأتيها، وهو يومئذ خليفة.
كانت الدولة الرومانية إحدى الدولتين المجاورتين للجزيرة العربية في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكانت تحتل أجزاء كبيرة من شمال الجزيرة، وكان أمراء تلك المناطق يُعيَنون من قبل الدولة الرومانية وينصاعون لأوامرها.
بعث النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- الدعاة والبعوث إلى تلك المناطق، وأرسل دحية الكلبي بكتاب إلى هرقل ملك الروم يدعوه فيه إلى الإسلام، ولكنه عاند وأخذته العزة بالإثم، وكانت خطة الرسول -صلى الله عليه وسلم- واضحة المعالم لهزّ هيبة الروم في نفوس العرب، ومن ثم تنطلق جيوش المسلمين لفتح تلك الأراضي، فأرسل -عليه الصلاة والسلام- في العام الثامن للهجرة جيشًا واشتبك مع نصارى العرب والروم في معركة مؤتة.
وفي العام التاسع للهجرة خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- بجيش عظيم إلى الشام ووصل إلى تبوك، ولم يشتبك جيش المسلمين بالروم ولا القبائل العربية وآثر حكّام المدن الصلح على الجزية وعاد الجيش إلى المدينة بعدما مكثوا عشرين ليلة بتبوك.
وفي العام الحادي عشر ندب النبي -صلى الله عليه وسلم- الناس لغزو الروم بالبلقاء وفلسطين وفيهم كبار المهاجرين والأنصار، وأمرَّ عليهم أسامة -رضي الله عنهم-، وكان تجهيز جيش أسامة -رضي الله عنه- يوم السبت قبل موت النبي -صلى الله عليه وسلم- بيومين.
مرض النبي -عليه الصلاة والسلام- بعد البدء بتجهيز هذا الجيش واشتد وجعه -عليه الصلاة والسلام- فلم يخرج هذا الجيش وظل معسكرًا بالجُرف، ورجع إلى المدينة بعد وفاة النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم-، وارتدت العرب قاطبة واشرأبّ النفاق.
ولما تولى الخلافة الصدّيق، أمَّر -رضي الله عنه- رجلاً في اليوم الثالث من مُتَوَفَّى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن ينادي في الناس: ليتم بعث أسامة -رضي الله عنه-، ألا لا يبقينّ بالمدينة أحد من جند أسامة -رضي الله عنه- إلا خرج إلى عسكره بالجرف.
اقترح بعض الصحابة على الصدّيق -رضي الله عنه- بأن يُبقي الجيش فقالوا: إن هؤلاء جلُّ المسلمين، والعرب على ما ترى قد انتقضت بك فليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين، وأَرسلَ أسامة من معسكره من الجرف عمر بن الخطاب -رضي الله عنهم- إلى أبي بكر يستأذنه أن يرجع بالناس وقال: "إن معي وجوه المسلمين وجلتهم ولا آمن على خليفة رسول الله وحرم رسول الله والمسلمين أن يتخطفهم المشركون"، ولكن أبا بكر خالف ذلك وأصر على أن تستمر الحملة العسكرية في تحركها إلى الشام مهما كانت الظروف والأحوال والنتائج، ولم يسترح أسامة وهيئة أركان حربه لإصرار الخليفة على رأيه.
وقد بذلوا لدى الخليفة عدة محاولات كي يقنعوه بصواب فكرتهم، وعندما كثر الإلحاح على أبي بكر دعا عامة المهاجرين والأنصار إلى اجتماع في المجلس لمناقشة هذا الأمر معهم، وفي هذا الاجتماع دار نقاش طويل متشعب، وكان أشد المعارضين لاستمرار حملة الشام عمر بن الخطاب، مبديًا تخوفه الشديد على الخليفة وحرم رسول الله وكل المدينة وأهلها من أن تقع في قبضة الأعراب المرتدين المشركين، وعندما أكثر وجوه الصحابة بهذا الصدد على الخليفة وخوفوه مما ستتعرض له المدينة من أخطار جسام إن هو أصر على تحريك جيش أسامة لغزو الروم، أمر بفض الاجتماع الأول بعد أن سمع الصدّيق لرأيهم واستوضح منهم إن كان لأحدهم ما يقول، وذلك حتى يعطي إخوانه وأهل الرأي كامل الفرصة لبيان رأيهم، ثم دعاهم إلى اجتماع عام آخر في المسجد، وفي هذا الاجتماع طلب من الصحابة أن ينسوا فكرة إلغاء مشروع وضعه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بنفسه، وأبلغهم أنه سينفذ هذا المشروع حتى لو تسبب تنفيذه في احتلال المدينة من قبل الأعراب المرتدين، فقد وقف خطيبًا وخاطب الصحابة قائلاً: "والذي نفس أبي بكر بيده، لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولو لم يبق في القرى غيري لأنفذته".
نعم لقد كان أبو بكر مصيبًا فيما عزم عليه من بعث أسامة مخالفًا بذلك رأي جميع المسلمين؛ لأن في ذلك أمرًا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد أثبتت الأيام والأحداث سلامة رأيه وصواب قراره الذي اعتزم تنفيذه.
طلبت الأنصار رجلاً أقدم سنًّا من أسامة يتولى أمر الجيش، وأرسلوا عمر بن الخطاب ليحدث الصدّيق في ذلك، فقال عمر -رضي الله عنه-: "فإن الأنصار تطلب رجلاً أقدم سنًا من أسامة -رضي الله عنه-، فوثب أبو بكر -رضي الله عنه- وكان جالسًا- فأخذ بلحية عمر وقال له: "ثكلتك أمك وعدمتك يا ابن الخطاب! استعمله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتأمرني أن أنزعه؟!"، فخرج عمر -رضي الله عنه- إلى الناس فقالوا: ما صنعت؟ فقال: امضوا ثكلتكم أمهاتكم! ما لقيت في سببكم من خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
ثم خرج أبو بكر الصدّيق -رضي الله عنه- حتى أتاهم فأشخصهم وشيعهم وهو ماش وأسامة راكب، وعبد الرحمن بن عوف يقود دابة أبي بكر -رضي الله عنهم-، فقال له أسامة -رضي الله عنه-: "يا خليفة رسول الله: والله لتركبنّ أو لأنزلنّ"، فقال: "والله لا تنـزل ووالله لا أركب، وما عليَّ أن أغبر قدمي في سبيل الله ساعة".
ثم قال الصدّيق لأسامة -رضي الله عنهما-: "إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل"، فأذن له، ثم توجه الصدّيق -رضي الله عنه- إلى الجيش فقال: "يا أيها الناس، قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني: لا تخونوا ولا تُغِلّوا ولا تغدروا ولا تمثِّلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيرًا، ولا شيخًا كبيرًا ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرًا إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرّغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرّغوا أنفسهم له، وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام فإذا أكلتم منه شيئًا بعد شيء فاذكروا اسم الله عليها، وتلقون أقوامًا قد فحصوا أوساط رؤوسهم وتركوا حولها مثل العصائب فأخفقوهم بالسيف خفقًا، اندفعوا باسم الله".
وأوصى الصدّيق أسامة -رضي الله عنهما- أن يفعل ما أمر به النبي -صلى الله عليه وسلم- قائلاً: "اصنع ما أمرك به نبي الله -صلى الله عليه وسلم-، ابدأ ببلاد قضاعة ثم ائت آبل، ولا تُقصرنّ في شيء من أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا تعجلنّ لما خلفت عن عهده.
ومضى أسامة -رضي الله عنه- بجيشه، وانتهى إلى ما أمر به النبي -صلى الله عليه وسلم- من بث الخيول في قبائل قضاعة والغارة على آبل فسلِم وغنم، وكان مسيره ذاهبًا وقافلاً أربعين يومًا.
وقدِمَ بنعي رسول الله على هرقل وإغارة أسامة في ناحية أرضه خبر واحد، فقالت الروم: ما بال هؤلاء يموت صاحبهم ثم أغاروا على أرضنا؟ وقال العرب: لو لم يكن لهم قوة لما أرسلوا هذا الجيش، فكَفّوا عن كثير مما كانوا يريدون أن يفعلوه.
سبحان الله.. ما أشد التحول وأخطره، وما أسرعه كذلك! سبحان الذي يقلب الأحول كيفما يشاء، تأتي وفود العرب مذعنة منقادة مطيعة وبهذه الكثرة، حتى سمي العام التاسع بعام الوفود، ثم تنقلب الأحوال فيُخشى من أن تأتي القبائل العربية للإغارة على المدينة عاصمة الإسلام، بل قد جاءت للإغارة للقضاء على حسب زعمها الباطل على الإسلام والمسلمين، ولا غرابة في هذا فإن من سنن الله الثابتة في الأمم أن أيامها لا تَبقى ثابتة على حال، بل تتغير وتتبدل، وقد أخبر بذلك الذي يقلب الأيام ويصرفها -عز وجل- بقوله: {وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}
[(140) سورة آل عمران].
من الدروس المستفادة من بعث جيش أسامة:
أن الشدائد والمصائب مهما عظمت وكبرت لا تشغل أهل الإيمان عن أمر الدين.
إن وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم تشغل الصدّيق عن أمر الدين، وأَمَرَ ببعث جيش أسامة في ظروف حالكة مظلمة بالنسبة للمسلمين، إن الاهتمام بأمر الدين مقدم على كل شيء.
وفي إنفاذ أبي بكر الصدّيق جيش أسامة -رضي الله عنهما- درس في أن مسيرة الدعوة لم ولن تتوقف على شخص بعينه، حتى لو كان هذا الشخص هو سيد الخلق وإمام الأنبياء وقائد المرسلين -صلى الله عليه وسلم-
ومما نستفيد من هذه القصة: أنه قد يحدث الخلاف بين المؤمنين الصادقين حول بعض الأمور، فقد اختلفت الآراء حول إنفاذ جيش أسامة –رضي الله عنه- في تلك الظروف الصعبة، وقد تعددت الأقوال حول إمارته، ولم يجرهم الخلاف في الرأي إلى التباغض والتشاجر والتدابر والتقاطع والتقاتل، ولم يصر أحد على رأي بعد وضوح فساده وبطلانه، وعندما رد الصدّيق الخلاف إلى ما ثبت من أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- ببعث جيش أسامة وبيَّن –رضي الله عنه- أنه ما كان ليفرّط فيما أمر به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مهما تغيرت الأحوال وتبدلت، استجاب بقية الصحابة لحكم النبي -صلى الله عليه وسلم- بعدما وضحه لهم الصدّيق -رضي الله عنه-.
كما أنه لا عبرة لرأي الأغلبية إذا كان مخالفًا للنص: فقد رأى عامة الصحابة حبس جيش أسامة وقالوا للصدّيق: إن العرب قد انتقضت عليك وإنك لا تصنع بتفريق الناس شيئًا، فأولئك الناس لم يكونوا كعامة الناس بل كانوا من الصحابة الذين هم خير البشر وجدوا على الأرض بعد الأنبياء والرسل عليهم السلام، لكن الصدّيق –رضي الله عنه- لم يستجب لهم مبينًا أن أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجل وأكرم وأوجب وألزم من رأيهم كلهم.
ولا يفوتنا منـزلة الشباب العظيمة في خدمة الإسلام: فقد عين النبي -صلى الله عليه وسلم- الشاب أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- أميراً على الجيش المعدّ لقتال الروم، تلك القوة العظيمة في زعم الناس في ذلك الوقت، وكان عمره آنذاك عشرين سنة، أو ثماني عشرة سنة، وأقره أبو بكر الصدّيق –رضي الله عنه- على منصبه رغم انتقاد الناس، وعاد الأمير الشاب بفضل الله تعالى من مهمته التي أسندت إليه غانمًا ظافرًا، وفي هذا توجيه للشباب في معرفة مكانتهم في خدمة الإسلام.
ولو نعيد النظر في تاريخ الدعوة الإسلامية في المرحلتين المكية والمدنية لوجدنا شواهد كثيرة تدل على ما قام به شباب الإسلام في خدمة القرآن والسنة، وإدارة أمور الدولة، والمشاركة في الجهاد في سبيل الله، والدعوة إلى الله تعالى.
عاد جيش أسامة ظافرًا غانمًا بعدما أرهب الروم حتى قال لهم هرقل وهو بحمص بعدما جمع بطارقته: هذا الذي حذرتكم فأبيتم أن تقبلوا مني!! قد صارت العرب تأتي مسيرة شهر فتغير عليكم، ثم تخرج من ساعتها ولم تَكْلَمْ.
وأصاب القبائل العربية في الشمال الرعب والفزع من سطوة الدولة الإسلامية، وعندما بلغ جيش أسامة الظافر إلى المدينة تلقاه أبو بكر وكان قد خرج في جماعة من كبار المهاجرين والأنصار للقائه، وكلهم خرج وتهلل، وتلقّاه أهل المدينة بالإعجاب والسرور والتقدير، ودخل أسامة المدينة وقصد مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصلى لله شكرًا على ما أنعم به عليه وعلى المسلمين، وكان لهذه الغزوة أثر في حياة المسلمين وفي حياة العرب الذين فكّروا في الثورة عليهم، وفي حياة الروم الذين تمتد بلادهم على حدودهم، فقد فعل هذا الجيش بسمعته ما لم يفعله بقوته وعدده، فأحجم من المرتدين من أقدم، وتفرق من اجتمع، وهادن المسلمين من أوشك أن ينقلب عليهم، وصنعت الهيبة صنيعها قبل أن يصنع الرجال، وقبل أن يصنع السلاح.
حقًا لقد كان إرسال هذا الجيش نعمةً على المسلمين، إذ أمست جبهة الردة في الشمال أضعف الجبهات، ولعل من آثار هذا أن هذه الجبهة في وقت الفتوحات كان كسرها أهون على المسلمين من كسر جبهة العدو في العراق، كل ذلك يؤكد أن أبا بكر –رضي الله عنه- كان في الأزمات من بين جميع الباحثين عن الحل أثقبهم نظرًا وأعمقهم فهمًا.
والحمد لله...
 


  

 
حركة الجهاد والفتح الإسلامي في عهد الدولة الأموية

القائمة البريدية

75.83