الرجل المعجزة "عمر بن عبد العزيز" أشجُّ بني أمية
الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد
إن الحديث عن السير والتراجم حديث ذو شجون، والأمة التي لا تقرأ ماضيها فلن تقرأ
مستقبلها، وحديثي اليوم عن علَم من أعلام هذه الأمة، من الذين سطروا في دفتر
تاريخها صفحات مشرقة تستحق الوقوف عندها بعناية، إنه الرجل المعجزة، أشج بني أمية
"عمر بن عبد العزيز".
إن الحديث عن عمر بن عبد العزيز هو الحديث عن خليفة خامس من الخلفاء الراشدين، وهو
الحديث عن أول مجدد في الإسلام.
قال الشافعي -رحمه الله-: "الخلفاء الراشدون خمسة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر
بن عبد العزيز". وقال الإمام أحمد -رحمه الله-: "يُروى في الحديث أن الله يبعث على
رأس كل مائة عام من يجدِّد لهذه الأمة دينها، فنظرنا في المائة الأولى فإذا هو عمر
بن عبد العزيز".
إن نبأ هذا الرجل نبأ عجيب، وأعماله وإنجازاته والله أعجب، ولحسن حظنا أن أخباره
التي نُقلت إلينا قد أجمع عليها المؤرخون الثقات، ووصلت إلينا في صدق تاريخي يرفض
أدنى شك وكل تساؤل.
لقد شَغل عمر مكاناً في الذُّرى الشاهقة بين عظماء الرجال في الصدر الأول، واحتشدت
في حياته الحقائق العظام التي تحكي لنا إعجاز مسلكه ووفور علمه، وروعة بساطته،
وتفوق ورعه، وسموّ عدله، ونبل روحه وكريم شمائله، وعظمة أخلاقه، وشموخ تواضعه،
وندرة أناته، وقوة حزمه وحسمه، وفصاحة منطقه، وسَبْق زهده وتبتله وتعبّده، حقاً
الرجل المعجزة كما قال عنه المؤرخون.
إنه الرجل الذي حاول أن ينقل عصر الوحي والنبوة بكل أخلاقه ومبادئه وفضائله
ومُثُلِهِ إلى الناس في عصره، ليستظلوا بظلالها، ويستدفئوا برحمتها، فنجح أيَّما
نجاح.
والذي جعل حياته كالأسطورة أنه لم يشغل الناسَ ويدهشهم بعبادته وتبتله، وعلمه
وورعه، وعدله ورحمته وشفقته وسماحة خلافته وحسب، بل إنه شغل التاريخ كذلك بذلك
الانقلاب الرهيب الذي حدث له ساعة تسلّم الخلافة.
كان قبل أن يُستخلف من أعطر الناس، وأحسنهم لباساً، وألينهم طعاماً وأكثرهم رفاهاً،
وأوثرهم مركباً، وأهنأهم عيشاً، فهو ربيب بيت الخلافة، وابن القصور التي كان يعبّ
فيها من النعيم عبّاً، ويدوس فوق المباهج والمناعم التي تأتي إليه طوعاً وكرهاً.
وما إن تسلّم مقاليد الحكم وأصبح أمير المؤمنين، حتى انقلب إلى زاهد، كأنما عاش على
كسرات خبز تسدّ جوعته، وأسمال ثياب تستر جسمه، تخلى عن كل تلك المطاعم والمناعم،
والمباهج والملذات، ورفض بساط الخلافة وسرادقات المُلك، وقعد للناس على الأرض!
فالرجل الذي كان يلبس أبهى الحلل ويضمِّخ نفسه بأغلى العطور، ويسكن أفخم القصور،
ويمتطي الصافنات الجياد، هو هـو ذلك الخليفة الذي ترك كل ذلك وركب بغلته، ولبس
المرقوع من الثياب، وأكل الخشن من الطعام، وكان مصروفه اليومي درهمين، وآلى على
نفسه أن يبقى كذلك حتى يَستغني كل فقير، ويَشبع كل جائع، ويُداوى كل مريض، ويُنصف
كل مظلوم، ويُجبر كل كسير، ويُقهر كل ظالم، فكان الذي أراد.
والعجيب في هذا الخليفة -وما أكثر العجائب في حياته- أنه لم يكن شيخاً طاعناً في
السنّ، قد تأخرت عنه المطامح، وولّت شهوات نفسه، بل كان في فورة الشباب -ابن سبع
وثلاثين- يملك نفساً تواقة موَّارة.
ففي اللحظة الأولى لخلافته أعلن أن الأمة هي صاحبة الحق في تعيين الخليفة، فخلع
ولاية العهد، وخيَّر الناس فاختاره أهل الحل والعقد وبايعوه، ثم بايعه الناس البيعة
العامة.
أقام العدل ونشر راياته فوق كل رابية، وحارب الظلم ولاَحَقَهُ في كل جُحْر توارى
فيه، ردّ المظالم، ونزع الأموال من بين يدي بني أمية مما ليس لهم بحق، وأمر ولاته
أن يفعلوا كذلك.
أقام الحدود وأعطاها قداستها، وأعلن أنها كإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، اختار
الولاة الأكفاء، وأمرهم بالعدل، وألغى الحجابة، وفتح الأبواب لكل أحد.
سلَّط الرعية على الأمراء، وقال لهم: "من ظُلم فليأتني، ولا إذن له عليَّ"، منع
الولاة من التجارة والأعمال الأخرى، حتى لا يستغلوا مناصبهم، فيعنّتوا الناس، اتبع
معهم سياسة اللامركزية، فأعطاهم حرية العمل في شؤون البلاد، إلاّ أن يكون قتل نفس
فلا بد من استشارته.
رفع مكانة العلم، واعتنى عناية خاصة بحفظ كتاب الله تعالى حيث أوصى ولاته أن يشجعوا
ويطلبوا من العلماء وطلبة العلم في ولاياتهم أن يعنوا بتحفيظ أبناء المسلمين كتاب
الله تعالى، ثم تبنت الدولة رسمياً تدوين السنة، فدَّون الحديث، وفرض الرواتب
للعلماء وطلبة العلم؛ ليتفرغوا لذلك.
ردَّ للمال حرمته، ولبيت المال قداسته، فالمال لا يجبى إلاّ من وجه حق، ولا يصرف
إلاّ في وجه مشروع. أعلن أن المال ليس للتخزين، بل لصلاح البلاد والعباد، ولما خشي
أحد الولاة نفاد المال من بيت المال، قال له عمر: "املأه زبلاً".
ألغى أعمال الحجّاج والعمل بأحكامه الظالمة، وضع الجزية عمن أسلم، وساوى في العطاء
بين العرب والموالي، فرض الأعطيات للناس، وكان مناديه في كل يوم ينادي أين
الغارمون؟ أين الناكحون؟ أين المساكين؟ أين اليتامى؟ حتى أغنى كل هؤلاء، فلم يَبْقَ
محتاج، ولا مَنْ يقبل الصدقة.
عيَّن خدماً للعميان والمُقْعَدين واليتامى، أصلح التجارة والزراعة، ووحَّد
المكيال، وجعل الدولة تتحكم في سياسة النقود
نشر الإسلام في أصقاع الأرض حتى دخله البربر، وملوك الهند والسند ومن تابعهم، ناقش
أرباب المذاهب كالقدرية والخوارج، حتى ردّ معظمهم إلى الصواب، وطواهم تحت جناحه،
وتوقفت ثوراتهم في عهده، فوحَّد الأمة وعاش الجميع في سلام ووئام، أصلح الله به بين
الوحش والأنعام، فكانت ترعى جميعاً في مكان واحد! وأخطر قرار اتخذه أنه أوقف
الفتوحات، وهي نفس سياسة جده -رضي الله عنه- حيث التركيز في الفتوحات على الكيف لا
الكم، فأمر عمر بن عبد العزيز بعد توليه الخلافة جميع ولاته في أطراف الدولة بإيقاف
عمليات الفتح التي كانت في ذروتها آنذاك، ولم يكتف بذلك، بل طلب منهم أن يرفعوا له
تقارير مفصلة ودقيقة عن إمكانية حكم ولاياتهم وإعطائها حقها وإلا فلتسلم لأصحابها؛
حتى لا يتحمل تبعات ما لا يستطيع حكمه.
والذي يدهش حقاً أن كل تلك الأعمال العظام، والانجازات الضخام، والإصلاحات الباهرة،
لم تستغرق زمناً طويلاً، لا عشرين عاماً ولا عشرة ولا خمسة، بل استغرقت سنتين وخمسة
أشهر وأياماً فقط!.
إن الدول في زماننا هذا تضع الخطط الخمسية والعشرية لإصلاحات جزئية في دولة صغيرة
محدودة، فيُنْجَز بعضها، أو لا يتحقق معظمها، لماذا؟!
إن أمير المؤمنين أبا حفص قد أصلح في أقل من ثلاثين شهراً دولة مترامية الأطراف،
تمتد من الأندلس غرباً إلى الصين شرقاً، فكيف حصل ذلك؟! الجواب في كلمة واحدة:
بالإسلام وحده.
حقيقة أن عمر قد أحدث واحدة من معجزات التاريخ الباهرة النادرة، لكن أصل ذلك كله
يرجع إلى الدين الذي استقى منه.
إنه الإسلام العظيم الذي إذا وجد الحاكم الصالح الصادق الكفء العليم، المخلص لربه
ودينه ونبيّه وأمته، فسيحقق مثل الذي جاء به عمر، فعمر بن عبد العزيز لم يكن معه
ملائكة يؤيدون مسلكه ويحرسون خطاه، بل حمل هذه المعجزة الخالدة -القرآن- حمله
بيمينه واندفع كالريح الرُّخاء يعمل ويعمل، وينجز وينجز، حتى أسلم الراية وقد أدّى
الأمانة، ونصح للأمة فرضي الله عنه وأرضاه، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
ويوم تثوب الأمة إلى رشدها، وتصحو من كبوتها، وتدرس لتعلم سِيَر رجالاتها، ويصدق
ذوو المسؤولية ربَّهم، ويقومون بالأمانة المناطة بهم على وجهها، فعهد عمر بن عبد
العزيز سيتكرر لا محالة.
وهذه سيرته ومسيرة حياته، وخططه ومنهجه بين أيدينا، ليقتدي به مَنْ أقامهم الله على
رقاب الناس، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ
لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}
[(37) سورة ق].
وإذا أردنا تفاصيل هذه السيرة العطرة، وكيف حقق عمر كل هذا الإنجاز في هذه المدة
القصيرة، فإن سر نجاح مقومات عمر بن عبد العزيز يتلخص في أربعة عناصر رئيسة: القوة
الإيمانية، والقوة الشخصية، والقوة العلمية، والقوة الإدارية، وإليك تفصيل ذلك:
أولاً: القوة الإيمانية: وهذه جاءته من توبته الصادقة، ويحدثنا عن بدء إنابته
وأوائل الومضات المشرقة في حياته، فيما يرويه عبد الله بن كثير قال "قيل لعمر بن
عبد العزيز: ما كان بدو إنابتك؟ قال: أردت ضرب غلام لي، فقال لي: يا عمر اذكر ليلة
صبيحتها يوم القيامة".
إنه ابن القصور، وسليل الأمراء، رضع الرفاه والمناعم مع كل ذرة هواء داعبت أحشاءه،
فالصعب له مذلَّل، والبعيد منه قريب، والمستحيل سهل المنال عنده، لا يتمنى شيئاً
إلاّ ناله، ولا يخطر بباله شيء إلاّ احتازه ولا تتوق نفسه لأمر أو شهوة من طعام أو
شراب وكساء وغيره إلاّ أتته طائعة أو راغمة، فكان في طفولته وشبابه يخوض في النعيم
خوضاً، ويعبّ من مناعم الحياة عباً، ويقطف من أطايبها ويأخذ من مباهجها بغير حساب،
ولقد ساعده على ذلك إضافة إلى أنه من أسرة الأمراء ما ورثه فيما بعد عن أبيه من
تركة عظيمة، حتى قال ابن كثير: "وقد ورث عمر من أبيه من الأموال والمتاع والدواب هو
وإخوته ما لم يرثه غيره فيما نعلم".
ولما كان والياً على المدينة أمر من يشتري له ثياباً، فاشتُرِيَ له ثوب بأربعمائة
درهم فلمسه بيده وقال: "ما أخشنه وأغلظه" فلما استُخلف أمر بشراء ثوب، فاشتروا له
ثوباً بأربعة عشر درهماً، فلمسه وقال: "سبحان الله ما ألينه وأرقّه".
لقد كان من تمام نعمة الله على عمر بن عبد العزيز، وجميل توفيقه له، أنه لما مات
أبوه عبد العزيز، بعث إليه عمه عبد الملك بن مروان، وخلطه بأولاده، وقدَّمه على
كثير منهم، وأكرم مثواه، واعتنى به.
وكانت لعبد الملك ابنة كريمة، بارعة الجمال، ذات عقل وكمال وعفَّة وصون وحياء، فلم
يجد لها أكفأ من ابن
عمها، في طهره ونقائه وعلمه وتقاه، وحسبه ونسبه، فالتفت إلى عمر فقال: "قد زوَّجك
أمير المؤمنين فاطمة بنت عبد الملك"، فقال عمر: "وصلك الله يا أمير المؤمنين، قد
أجزلت العطية وكفيت المسألة".
ولقد بارك الله في هذا الزواج ففاطمة امرأة حصيفة عاقلة، قد اختارها الله لتكون
زوجاً للشّاب التقي النقي؛ لتكون عوناً له في حمل أعبائه الجسام في أيامه القادمة،
ولسوف تشهد لها السنوات التالية أنبل التصرفات، وأروع المواقف، فكانت بحق خير زوجة
لعمر، وأحسن أم لأبنائه.
نظر وهو الخليفة إلى حليها الذي جاءت به من بيت أبيها عبد الملك، فأراد تجريدها
منه، فقال لها: "اختاري: إمّا أن تردي حليك إلى بيت المال، وإما أن تأذني لي في
فراقك، فإني أكره أن أكون أنا وأنت وهو في بيت واحد. قالت: لا بل أختارك يا أمير
المؤمنين عليه وعلى أضعافه لو كان لي، قال: فأمر به فحُمل حتى وضع في بيت مال
المسلمين، فلما مات عمر واستُخلف أخوها يزيد، قال لفاطمة: إن شئت يردّونه عليك
قالت: فإني لا أشاؤه، طبت عنه نفساً في حياة عمر وأرجع فيه بعد موته لا والله
أبداً".
وبلغه أن ابناً له اتخذ خاتماً، واشترى له فصّاً بألف درهم، فكتب عمر إليه قائلاً:
"أما بعد، فقد بلغني أنك اشتريت فصاً بألف درهم، فَبِعْه، وأشْبعْ ألف جائع، واتخذ
خاتماً من حديد، واكتب عليه: رحم الله امرأً عرف قدر نفسه".
ودخل الشاعر سابق البربري على عمر، فقال له: عظني يا سابق وأوجز قال: نعم يا أمير
المؤمنين، قال: هات، فأنشده:
إذا أنتَ لم ترحلْ بزادٍ
من التُّقَى *** ووافيتَ بعد الموتِ مَنْ قد تَزوَّدا
ندمتَ على أنْ لا تكونَ شَرِكْتَهُ *** وأرصدتَ قبلَ الموتِ ما كانَ أرصَدَا
فبكى عمر حتى سقط مغشياً
عليه.
إنها توبة صادقة، ترك على إثرها بهرج هذه الدنيا مع القدرة عليها، فلمّا علم الله
صدق توبته وفقه لما بعد ذلك من أعمال وإنجازات.
ثانياً: القوة الشخصية: وهذه جاءته من كونه حفيد فاروق الأمة ورجلها الثاني بعد
الصديق -عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما-.
إن للنسب الطاهر والسلالة الطيبة الأصيلة تأثيراً كبيراً في صناعة الرجال، وتكوين
شخصياتهم، وعراقة النسب وأصالته تؤتي أكلها الطيب إذا توجهت بأوامر الإسلام،
واستقامت على نهجه القويم، و"الناس معادن كمعادن الفضة والذهب،
((خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام، إذا فَقُهُوا)).
وقد اجتمع لعمر بن عبد العزيز من ذلك ما لم يجتمع إلاّ للقليل من الأفذاذ، فجدّ أمه
"ليلى" هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، الفاروق العادل الذي ضرب الله الحق على
قلبه ولسانه، وخاله عبد الله بن عمر بن الخطاب، الصحابي الجليل والعالم الكبير
والعابد التقي، وأبوه عبد العزيز بن مروان، التقي الجواد العالم النحوي أمير مصر
الشهير، وجده مروان بن الحكم، شيخ بني أمية التابعي الجليل وكاتب عثمان بن عفان
وأمين سرّه، وهو من أقران عبد الله بن الزبير كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، وعمه
الخليفة العظيم عبد الملك بن مروان، أحد كبار فقهاء المدينة، ومن أبناء عمومته
معاوية بن أبي سفيان، كاتب الوحي وخال المؤمنين، وجدته لأمه هي فتاة بني هلال التي
أبت أن تغش اللبن بالماء، التقية النقية.
وهكذا فعمر سليل الأتقياء الصالحين والعلماء الفقهاء والخلفاء والأمراء والأماجد
الكرام، فاختلط الدم الطاهر والجوهر النقي بالأصل العريق، فتلك ذرية بعضها من بعض،
ولد عمر بن عبد العزيز بالمدينة سنة ستين للهجرة.
أبوه: هو عبد العزيز بن مروان بن الحكم، وكان من خيار الأمراء، شجاعاً كريماً
جواداً، بقي أميراً لمصر عشرين سنة وزيادة.
أمه: أم عاصم "ليلى" بنت عاصم بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وقد تأثرت أم عاصم
بأصولها، ورضعت من آل عمر بن الخطاب الخلال الحميدة والخصال المجيدة، فشبَّت على
الصلاح والتقوى، وتاقت نفسها للزهادة والإنابة، وولعت بالعبادة، فكانت لؤلؤة مشرقة
في العقد العمري المضيء، وهكذا اجتمع لعمر بن عبد العزيز طيب الأصل، وعراقة
الأرومة، وطهر الأجداد، ونقاؤهم وتدينهم، من جهة أمه وأبيه اللذين تفرعا من سلالة
ابن الخطاب ومروان بن الحكم.
ثالثاً: القوة العلمية: وهذه جاءته من موطن نشأته في مدينة النبي -صلى الله عليه
وسلم- دار العلم ومئزره في ذلك الوقت.
إن البيئة الاجتماعية المحيطة لها دور فعال ومهم في صناعة الرجال وبناء شخصيتهم،
فعمر بن عبد العزيز عاش في زمن ساد فيه مجتمع التقوى والصلاح، والإقبال على طلب
العلم، والعمل بالكتاب والسنة، فقد كان عدد من الصحابة لا يزالون بالمدينة، فكان
للإقامة بالمدينة آثار نفسية ومعان إيمانية، وتعلق روحي، وكان لذلك المجتمع قوة
التأثير في صياغة شخصية عمر بن عبد العزيز العلمية والتربوية.
لقد تفتحت عينا عمر الطفل في المدينة النبوية، وأخذ عن كبير أشياخه عبد الله بن
عمر، فكان يتردد عليه، ويأخذ عنه الحديث النبوي.
ثم قدم عمر على أبيه بمصر، فأقام عنده ما شاء الله، وتاقت نفس الفتى إلى المدينة
النبوية؛ فهي إحدى أكبر منارات العلم والتقوى في العالم الإسلامي آنذاك، كانت تضج
بالعلماء على مختلف تخصصاتهم، فهمس في أذن أبيه يلفت نظره إلى ما هو خير وأنفع لهما
في الدنيا والآخرة: "ترحِّلُني إلى المدينة، فأقعد إلى فقهاء أهلها وأتأدب
بآدابهم"، فبعث به أبوه إلى المدينة يتأدب بها، وكتب إلى "صالح بن كَيْسان" يتعاهده،
فتولى صالح تأديبه، وكان يلزمه الصلوات في المسجد، وحدث أن عمر "تأخر عن الصلاة مع
الجماعة يوماً، فقال له صالح بن كيسان: ما شغلك؟ فقال: كانت مرجِّلَتي تُسَكِّنُ
شعري، فقال له: قَدَّمْتَ ذلك على الصلاة؟! وكتب إلى أبيه وهو على مصر يعلمه بذلك،
فبعث أبوه رسولاً إليه، فلم يكلِّمه حتى حلق رأسه!
وبلغ من حصافة عمر أنه: "قعد مع مشايخ قريش وتجنب شبابهم، وما زال ذلك دأبه حتى
اشتهر بالعلم والعقل، مع حداثة سنّه".
وكان من عِلْية أشياخه: أحد فقهاء المدينة السبعة، وهو عبيد الله بن عبد الله بن
عتبة بن مسعود، وأخذ عن سيد التابعين سعيد بن المسَيّب، وقد أثرت هذه البدايات
المباركة في تكوين شخصيته، وأرست اللبنات الأولى القوية في بنائه العلمي، وتربيته
الروحية، ووجهته إلى الجدية في الأمور، والحزم في المواقف.
وقد آتت تلك السنوات الطويلة في المدينة النبوية، بين يدي أجلّة العلماء وكبار
المحدثين والفقهاء أكلها، فأثمرت أطيب الثمار، وأنتجت عالماً فذاً يضارع مشاهير
الأئمة في زمانه.
ومن الدلائل الواضحة على سعة علمه: أنه ما من كتاب من كتب السنة أو الفقه
الاستدلالي، إلاّ وفيه ذكر لعمر بن عبد العزيز، من حديث أو رأي أو أمر أو قضاء ونحو
ذلك، بل إن كبار العلماء الأقدمين قد أوردوا رأي عمر على سبيل الاحتجاج لرأيهم
بقوله وفعله، حتى إن الحنفية جعلوا له وصفاً متميزاً به، وهو "عمر الصغير" تمييزاً
له عن جده الفاروق -رضي الله عنهما- والإمام مالك ذكره في الموطأ في زيادة على
عشرين موضعاً، وكذلك فعل الشافعية، وأما الحنابلة فيكفي ما قاله إمام المذهب الإمام
أحمد -رحمه الله- تعالى: "لا أدري قول أحد من التابعين حجة إلاّ قول عمر بن عبد
العزيز"، وقال مجاهد: "أتينا عمر بن عبد العزيز ونحن نرى أنه سيحتاج إلينا، فما
خرجنا من عنده حتى احتجنا إليه"، ووصفه الحافظ ابن عبد البر بأنه: "كان أحد
الراسخين في العلم".
رابعاً: القوة الإدارية: وهذه جاءته من كونه أموياً: فبني أمية أسرة عريقة في
الإدارة بشهادة التاريخ لمعظم بني أمية، وأيضاً كان شورياً من الطراز الأول، وقد
نجح عندما كان والياً على المدينة باتخاذه بطانة منهم الفقهاء السبعة الذين كانوا
في المدينة، هؤلاء كانوا هم الذين يحكمون، فبعد أن أثبت من خلال هذا المجلس الشوري
نجاحاً منقطع النظير كوالٍ على المدينة، جعله الوليد بن عبد الملك والياً على
الحجاز كلها فاكتسب خبرة إدارية كبيرة، أهلته ليكون خليفة المسلمين فيما بعد.
كان عمر ينظر في أحوال الرعية وسياسة الحكم قبل أن يتولى أمراً، ويتلقى بقلبه
الرحيم وحسه المرهف أنين المعذبين، وصرخات المسجونين والمظلومين، فيبث شكواه إلى
عمه عبد الملك دونما وجل، وهو الذي لا يجترئ أحد أن يعترض عليه، فكان يتلقاها منه
برحابة صدر، فقد كان بعمر معجباً ولحديثه محباً، قال عمر لعمه مرة: "إن الإمامة
قامت على الشورى والعدل والإحسان والرحمة".
وأكثر من كان عمر ينتقده ويغري عمه بعزله وكف جماح سيفه، هو الحجّاج بن يوسف
الثقفي، الذي أزهق أرواحاً وسفك دماء، وبطش بالعلماء وعباد الله، وأسرف في إغداق
الأموال على أتباعه ومعاونيه، قيل إنه قتل ما يزيد على المائة والعشرين ألفاً، ولما
توفي كان في سجون العراق من المظلومين ما يزيد على الأربعين ألفاً.
سبّ رجل سليمان بن عبد الملك، فسأل سليمان جلساءه، فأشاروا عليه بضرب عنقه، والتزم
عمر الصمت، فقال سليمان: مالك لا تتكلم يا عمر؟ فقال: "أما إذ سألتني، فلا أعلم
سَبَّةً أحلّت دم مسلم إلاّ سبة نبيّ" فشكره سليمان؛ لأنه أنجاه من قتل نفس بغير
حق.
كان هشام بن إسماعيل المخزومي والياً على المدينة، وبقي عليها نحواً من أربع سنين،
ولم يكن حسن السيرة في أهلها، فشكوه إلى الوليد بن عبد الملك، فعزم الوليد على
عزله، ففعل وأحسن في ذلك -رحمه الله-، وولى عليها ابن عمه وزوج أخته عمر بن عبد
العزيز، الذي كان آنذاك في الخامسة والعشرين من عمره، وتهللت المدينة لمقدم عمر،
فقد كانت سيرته تسبقه كالعبير الفوّاح، وأقبل أهل المدينة من كل حدب، تغمرهم
الفرحة، وتملأ جوانحهم الغبطة؛ أن مَنَّ الله عليهم بعمر، ودخلوا عليه في دار جده
مروان، التي اتخذها مقراً لإمارته.
لم يكد عمر يفرغ من تهنئة الناس له وترحيبهم به وسلامهم عليه، حتى قام باختيار عشرة
من أعيان المدينة، وكانوا أهل فقه وعلم وورع وتقوى ومكانة وفضل، ومعرفة بأحوال
الناس، واطلاع على مشاكلهم ومآسيهم فجعلهم مجلس شوراه، منهم: عروة بن الزبير،
وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وخارجة
بن زيد بن ثابت.
وراح ينشر عدله على الناس، واتسعت رقعة سلطانه، حيث ضم الخليفة إليه مكة والطائف،
فأصبح والياً على الحجاز كله، فانتشر العدل في الحجاز، وعمت الرحمة جنباته، وتفيأ
الناس ظلال الأمن والسكينة حتى أضحوا يغبطهم إخوانهم الآخرون في أطراف الدولة
الإسلامية، بل إن عدداً من العلماء وبعض من وقع عليهم عَسْف الحجّاج وظلمه قد
فرُّوا هاربين من العراق، وتركوا أموالهم وديارهم، وآووا إلى المدينة؛ لينعموا بعدل
أميرها عمر، فأكرمهم وأحسن منقلبهم إليه، وبذل لهم من ماله، وأجرى عليهم أرزاقاً من
بيت مال الحجاز وزاد الأمرَ روعةً حيث كتب إلى الوليد يخبره بظلم الحجّاج لأهل
العراق وقهره لهم.
وفي سنة 88هـ حج عمر بالناس، وجرت له هذه الحادثة التي رواها الإمام الطبري عن صالح
بن كيسان قال: "خرج عمر بن عبد العزيز تلك السنة بعدة من قريش، أرسل إليهم بِصِلاتٍ
وظَهْرٍ للحمولة، وأحرموا معه من ذي الحليفة، وساق معه بُدْناً، فلما كان بالتنعيم
لقيهم نفر من قريش، منهم ابن أبي مُلَيْكة وغيره، فأخبروه أن مكة قليلة الماء،
وأنهم يخافون على الحجاج العطش، وذلك أن المطر قلّ، فقال عمر: "فالمطلب ها هنا
بيِّن، تعالوا ندع الله"، قال: فرأيتهم دعوا ودعا معهم، فألحّوا في الدعاء، قال
صالح: فلا والله إنْ وصلنا إلى البيت ذلك اليوم إلاّ مع المطر، حتى كان مع الليل،
وسكبت السماء وجاء سيل الوادي، فجاء أمر خافه أهل مكة، ومُطرت عَرَفَةُ ومنىً
وجَمْعُ، قال: ونبتت مكة تلك السنة للخصب".
إن مظاهر العدل في الأرض استمطرت خيرات السماء، وإن يدي الحاكم العادل لم ترجع
خواء، ودعواته لم ترد إلاّ بجواب من رب الأرض والسماء, ولما كُفْكِفَت دموع
المظلومين، وأمِنَ الخائفون، واكتفى المحتاجون، أسرعت السماء بالخيرات فأمطرت،
والأرض فأنبتت، ليتكامل عرس الدنيا في يوم بهيج، إذ العدل يبتسم له الكون، وتعبّر
أفواه السماء عن فرحها ببريقها الذي يكاد يخطف الأبصار، وفي كل يوم يقوم فيه إمام
عادل، فيرفع لواء الحق وراية العدل، ترى الكون كله في سرور وحبور، وإلاّ فغضب الله
واقع، والقحط نازل، يأكل الأخضر ويحطم اليابس!.
والموقف الجليل الهائل من عمر هو ما اتخذه حيال الحجّاج، الذي قصد الحج في إحدى
السنوات التي كان عمر فيهاً أميراً على المدينة، وعمر يمقت الحجّاج لظلمه وطغيانه،
فلما علم بمجيئه حاجّاً، أرسل عمر إلى أمير المؤمنين الوليد يسأله أن يأمر الحجّاج
ألاّ يذهب إلى المدينة وألاّ يمرّ بها رغم ما يعلمه عمر من مكانة الحجّاج في نفوس
خلفاء بني أمية، بل ورغم إدراكه لما سيسببه موقفه هذا من تأجيج غيظ الحجّاج عليه،
وهو الأمير الذي يملك مقدرة الانتقام لنفسه، بَيْد أن كل تلك العقبات والعواقب لم
ترهب عمر، واستجاب الوليد لطلبه، فكتب إلى الحجّاج قائلاً: "إن عمر بن عبد العزيز
كتب إليّ يستعفيني من ممرك عليه بالمدينة، فلا عليك ألاّ تمر بمن يكرهك، فَنَحِّ
نفسك عن المدينة".
إن هذا الموقف العمري ليدل دلالة واضحة على نفسيته التواقة للحق والعدل، ويكشف عن
نقاء أصله، وأصالة تقواه، كما يدل على قوة روحه وشجاعته وهو ينصب نفسه في موقف
المواجهة والتحدي للحجّاج الذي دوّخ الدنيا في جبهة العراق ولم يقف له أحد، لكن
واحداً مثل عمر حريّ بهذا الموقف المرهوب.
وعمر لم يدرك الحجّاج وهو خليفة، فقد توفي الحجّاج قبل توليه الخلافة، ولكن أدركه
عندما كان والياً على المدينة، وكان له مواقف شديدة مع الحجّاج كما تقدم، وكان
يقول: "أبرأ إلى الله من رجل ضرب البيت الحرام بالمنجنيق".
وعندما سمع بموت الحجّاج خر على الأرض ساجداً لله وكان يقول: "لو أن الأمم تخابثت
يوم القيامة، وأخرجت كل أمة خبثها ثم أخرجنا الحجّاج لغلبناهم".
وكان يقول: "إذا كان يوم القيامة ووافت الروم بقياصرها والفرس بأكاسرتها وجئنا
بالحجّاج لكان عدلاً لهم". ومن شدة كرهه للحجّاج أنه بعد توليه للخلافة عزل كل من
ولاه الحجّاج أو عمل معه ولو لمدة بسيطة، حتى جاءه رجل ذات يوم وقال له: ما عملت
معه إلا أياماً فقال له عمر: وصلك الخبث.
تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة بعد سليمان بن عبد الملك بكتاب كتبه سليمان بذلك
وجعله عند وزيره رجاء بن حيوة الذي أشار عليه بأن يوصي بالخلافة من بعده لابن عمه
عمر بن عبد العزيز؛ لما عرف عنه من العلم والتقوى وحسن الإدارة والصدع بالحق لا
يخاف في الله لومة لائم.
أخذ سليمان بن عبد الملك العهد من بني أمية العهد بأن يبايعوا من في الكتاب بشهادة
رئيس الشرطة.
توفي سليمان يوم الجمعة لعشر ليال بقين من صفر سنة 99هـ ودفن "بدابق" وصلى عليه عمر
بن عبد العزيز، واستخلف في ذلك اليوم، ولقد أحسن سليمان بعمله هذا للمسلمين جميعاً،
وقد أثنى عليه لذلك الخيّرون والصالحون.
وقالت زوجته فاطمة بنت عبد الملك: "دخلت يوماً عليه، فإذا هو في مصلاّه يده على
خده، تسيل دموعه على لحيته. فقلت: يا أمير المؤمنين ألشيء حَدَثَ؟ قال: يا فاطمة،
إني تقلّدت من أمر أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- أسودها وأحمرها، فتفكرتُ في
الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، والمظلوم المقهور، والغريب
الأسير، والشيخ الكبير، وذي العيال الكثير والمال القليل، وأشباههم في أقطار الأرض
وأطراف البلاد، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم، وأن خصمي دونهم محمد -صلى الله عليه
وسلم-، فخشيتُ أن لا تثبت لي حُجَّة عند خصومته، فرحمت نفسي فبكيت".
ومنذ ولي الخلافة آلى على نفسه أن يعيش كأدنى فرد من أفراد رعيته، فهجر المناعم
والمباهج، والأطعمة اللذيذة، والعبير الفوّاح، وقَلَبَتْه المسؤولية إنساناً آخر قد
لاذ بشظف العيش، وخشن الثياب، تماماً كجده العظيم عمر بن الخطاب، ولو لقيه من لا
يعرفه لسأله: أين أجد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز؟!.
لقد اعتبر الهدية للحاكم رشوة، وتوعّد من يهدي له أو لأحد من ولاته، وكتب كتاباً
عاماً جاء فيه: "لا تخصّوني بشيء من الدعاء، ادعوا للمؤمنين والمؤمنات عامة، فإن
أكن منهم أدخل فيهم".
وكتب إلى عماله: "إن إقامة الحدود عندي كإقامة الصلاة والزكاة".
وقد حمل نفسه وجميع رعيته على التزام ما جاء به الكتاب والسنة، وكان يتابع ذلك
بنفسه، ويوجه كتبه ويصدر أوامره، ويسهر على تنفيذها، وبقي كذلك حتى وافاه الأجل،
فحارب الخمور، وأمر بإهراقها، ومنع الذميين من إدخالها إلى بلاد المسلمين، ووجه
أوامره إلى الأئمة في المساجد أن يؤدوا الصلاة كما كان رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- يؤديها، وحسر ذلك المدّ الطاغي لدولة الشعر والشعراء، ولم يَعُدْ أحد منهم
يظفر بدرهم واحد من أموال الأمة مكافأة على مدح أو اتقاءً لهجاء
وهكذا جمع عزمه وطرد الشعراء عن بابه، وتوجّه لتخيّر بطانته ومستشاريه، فعندئذٍ
انقشع عنه الشعراء والخطباء وثبتَ الفقهاء والزهاد، ومن أعيان مستشاريه: ميمون بن
مهران، ورجاء بن حيوة وهما من علماء التابعين.
خرج في جنازة فأُتي بِبُرْدٍ كان يلقى للخلفاء، يقعدون عليه إذا خرجوا إلى جنازة،
فضربه برجله، ثم قعد على الأرض.
قال المنذر بن عبيد: "ولي عمر بن عبد العزيز بعد صلاة الجمعة فأنكرتُ حالَه في
العصر".
فما إن فرغ عمر من دفن سليمان بن عبد الملك، وانصرف عن قبره، حتى أُتي بمراكب
الخلافة -البراذين والخيل والبغال ولكل دابة سائس- فقال: ما هذا؟ قالوا: مراكب
الخلافة. فأعرض عنها وقال: دابتي أوفق لي، وأشار إلى بُغيلة شهباء، فأُتي بها
فركبها، ثم انصرف، فقيل له: تنـزل دار الخلافة؟! وإذا فرش سليمان في منـزله وفيه
عياله، فأبى النـزول فيه إبقاء على عيال الخليفة الراحل؛ حتى يجدوا مسكناً لهم
وتحوَّل إلى منـزله، فأقام فيه حتى فرَّغوا دار الخلافة، فأمر بضم ما فيها إلى بيت
مال المسلمين، ثم دخلها.
وكان حرس الخليفة مؤلف من ستمائة: ثلاثمائة حَرَسِيّ، وثلاثمائة شُرَطِيّ، فأمر
بحلّ فرقة الحرس كلها، وقال لهم: "إن لي عنكم بالقَدَر حاجزاً، وبالأجل حارساً، من
أقام منكم فله عشرةُ دنانير، ومن شاء فَلْيَلْحَقْ بأهله".
وعن عطاء أن عمر أخّر الجمعة يوماً عن وقته الذي كان يصلي فيه فقلنا له: "أخَّرْتَ
الجمعة عن وقتك؟ قال: إن الغلام ذهب بالثياب يغسلها فحُبس بها"، يقول عطاء: فعرفنا
أنه ليس له غيرها.
قال الإمام رجاء بن حيوة: "قوّمت ثياب عمر بن عبد العزيز وهو خليفة باثني عشر
درهماً. فذكر قميصه ورداءه وقَبَاءه وسراويله وعمامته وقلنسوته وخفّيه"، هذه حلّة
وزينة أمير المؤمنين الذي تحت يده خزائن أكبر دولة على وجه الأرض آنذاك من الصين
شرقاً وحتى باريس غرباً، ولم يأت بعدها أو قبلها دولة في سعتها إلا دولة ذي
القرنين، فترفَّع عنها بنفسه التوَّاقة المتطلعة إلى ما عند الله وهو خير وأبقى.
إنه لم يفعل ذلك عن حرمان، ولا قصور ذات يدٍ، كما أنه لا يريد من رعيته أن يفعلوا
كذلك، إنما يريد أن يعلّم كل مسؤول يسترعيه الله على شأن من شؤون الناس صغيراً كان
هذا الشأن أم كبيراً، أن يكون أول من يشقى بشظف الحياة، وآخر من يتمتع بملذاتها،
فلا يلبس المناعم حتى ينعم كل أفراد الأمة، فحينئذٍ يحل له أن يلبس الفاخر
والليِّن.
ومن قبل قال جده الفاروق -رضي الله عنه- في عام الرمادة لما قرقر بطنه يوماً من
الجوع: "قرقر أو لا تقرقر، والله لا تشبع حتى يشبع فقراء المسلمين".
لما ولي عمر الخلافة نظر في أملاكه فإذا هي عطايا نالها أيام أسلافه من الخلفاء،
فردَّها كلها في بيت مال المسلمين، ولذا فقد كانت غلّته قبل الخلافة عظيمة وافرة،
فلما استُخلف وَرَدَّ أملاكه إلى أموال المسلمين العامة، أمست غلته لا تكفي أكثر من
سدّ رَمَقِه وَرَمَق من يعول، فكانت نفقة عمر بن عبد العزيز كل يوم درهمين.
دخل على امرأته يوماً فقال لها: "يا فاطمة عندك درهم أشتري به عنباً؟ قالت: لا.
قال: فعندك نُمِّيَّة -وهي أقل من الدرهم- أشتري بها عنباً؟ قالت: لا. فأقبلت عليه
فقالت: أنت أمير المؤمنين لا تقدر على درهم ولا نُمِّيَّة تشتري بها عنباً؟! قال:
هذا أهون علينا من معالجة الأغلال غداً في نار جهنم".
ولقد عاش آل عمر معه هذه العيشة الكريمة الصعبة، فصبروا راضين، وما تذمروا ساخطين،
فإن عمر غمرهم بفيوضات روحه الطاهرة، فتفيَّؤوا ظلالها الوارفة، ونهلوا من معين
تقواه الثرّ.
اشتهى يوماً عسلاً، ولم يكن في بيته، فوجه أهله رجلاً على دابة من البريد إلى
بَعْلَبَك، فأتى بعسل. فقالوا له يوماً: إنك ذكرت عسلاً، وعندنا عسل، فهل لك فيه؟
قال: نعم، فأتوا به، فشرب ثم قال: من أين لكم هذا العسل؟ قالوا: وجهنا رجلاً على
دابة من دواب البريد بدينارين إلى بعلبك، فاشترى لنا بهما عسلاً، فأرسل إلى الرجل
فجاءه، فقال: انطلق بهذا العسل إلى السوق فبعه، واردد إلينا رأس مالنا، وانظر إلى
الفضل واجعله في بيت مال المسلمين، علف دواب البريد، ولو ينفع المسلمين قَيْئي
لتقيأت.
كان الخلفاء من قبل عمر يعطون الأعطيات الجزيلة لأقاربهم وذويهم وغيرهم من الناس
ممن يرون في إعطائه مصلحة للدولة وحمايتها، فابتدأ بنفسه وثنى بأهله وعشيرته.
لقد تخلّى عن جميع ممتلكاته وأمواله، وتوجه إلى عشيرته من بني أمية لينـزع من
أيديهم ما أُعطوه زيادة على غيرهم من الرعية، فلا صكوك عنده ولا مواثيق إلاّ صكوك
الحق والعدل والمساواة، ولا رحم ولا قرابة إلاّ الإسلام وحده، ومضى في ذلك لا يلوي
على شيء، ولا يحول بينه وبين إقامة الحق شفاعة ولا رغبة ولا رهبة، بصلابة دونها
صلابة الحديد، ولقد أعلن ذلك على رؤوس الأشهاد، وقام على المنبر في المسجد الجامع،
فجعل يأخذ تلك الصكوك والمواثيق التي كتبها بعض الخلفاء كوثائق تمليك للأقارب وبعض
الناس دون وجه حق، فكان مزاحم يقرأ الكتاب وعمر يقصّه بالمقصّ.
ولم يُعجب عمل عمر هذا بعض بني أمية، ممن تعودّ الاسترسال في التنعم والتمتع بأموال
الأمة على حساب الأرامل والمساكين والجياع والمحاويج، فاستغاث بنو مروان بكل واحد
من أعيان الناس، فلم يفدهم ذلك شيئاً، لم تنفع مع عمر شفاعة الشافعين، فلقد احترقت
في وَقْدةِ إخلاصه كلُّ الأطماع، ولم يكتف عمر بردّ المظالم ونزعها من أيدي عشيرته،
بل إنه ضيَّق عليهم في النفقة، حتى ساواهم بكل أفراد الأمة، وألجأهم للعمل كغيرهم
من الناس، بَيْدَ أن عشيرته قد ضاقت به ذرعاً، وأرسلت إليه من يكلّمه بأن يلين في
معاملتهم، ويعطيهم شيئاً مما كان لهم من المميزات التي كانوا يأخذونها عند أسلافه
من الخلفاء، فلما لم يستجب لهم، وفشلت ضراعاتهم، راحوا يناورون، ثم لما أخفقوا
لوّحوا له بعصا الترهيب والتأليب والمضادَّة له، وإثارة الفتنة أو القتل، فماذا كان
منه؟
دخلت عليه عمته فقالت: "إن قرابتك يشكونك ويزعمون أنك أخذت منهم خير غيرك! فقال
لها: ما منعتهم حقاً أو شيئاً كان لهم، فقالت: إني رأيتهم يتكلمون، وإني أخاف أن
يهيجوا عليك يوماً عصيباً، فقال: كل يوم أخافه دون يوم القيامة فلا وقاني الله
شرَّه".
جاءه رجل يشكو عاملاً انتزع منه أرضاً، فأمر عمر بالتحقيق في الأمر فتبيَّن له أن
الوالي ظلم هذا الرجل، فعزل واليه، وردّ الأرض إلى صاحبها، ثم قال للرجل: "كم
أنفقتَ في مجيئك إليَّ"؟ قال: "يا أمير المؤمنين تسألني عن نفقتي وأنت قد رددتَ
عليَّ أرضي وهي خير من مائة ألف"؟! فأجابه عمر: "إنما رددتُ عليك حقك، فأخبرني كم
أنفقت"؟ قال: "لا أدري يا أمير المؤمنين"، قال: "احزِرْهُ". فقال الرجل: "ستون
درهماً". فأمر له من بيت المال، فأخذها الرجل وانصرف شاكراً فناداه عمر، فرجع، فقال
له: "خُذْ هذه خمسة دراهم من مالي فَكُلْ بها لحماً حتى ترجع إلى أهلك"!.
وأما عن سياسته المالية فعجب وأي عجب، لقد كان عمر يرى أن المال وديعة الله عند
الناس دولاً وأمماً وشعوباً وأفراداً، ولهذه الودائع حرمتها وقداستها، التي تنأى
بها عن الحرام والاحتكار والإسراف والتلف. وكان يقول: "أنا حجيج المسلمين في
أموالهم". وكان له سراجان: سراج من ماله يكتب عليه حوائجه، وسراج لبيت المال يكتب
عليه في مصالح المسلمين، ولا يكتب على ضوئه لنفسه حرفاً واحداً.
وأمر يوماً مولاه مزاحماً أن يشترى له "رَحْلاً" لمصحفه، فأتاه برَحْلٍ، فأعجبه،
فقال لمولاه: "من أين أصبت هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين دخلتُ بعض الخزائن، فوجدتُ
هذه الخشبة فاتخذتُ منها رحلاً، قال: انطلق فقوِّمه في السوق، فانطلق فقوَّمه نصف
دينار، فرجع إلى عمر فأخبره. قال: تُرانا إن وضعنا في بيت المال ديناراً أنسلم منه؟
قال: إنما قوَّموه نصف دينار، قال: ضَعْ في بيت المال دينارين!".
لقد كفل عمر اليتامى الذين لا عائل لهم في جمع أمصار الدولة الإسلامية، وجعل لكل
مريض خادماً، ولكل أعمى قائداً يقوده ويقوم بشؤونه، وأمر بإحصاء الغارمين
والمدينين، فقضى عنهم ديونهم، وافتدى أسرى المسلمين بالمال الجزيل، وفرض العطاء
للمولود والفطيم، بل حتى للسجناء والغائبين، ورفع مستوى الأجور الضعيفة، وكفل حاجات
العلماء والفقهاء وطلاب العلم؛ ليتفرغوا لذلك.
ومن أراد الزواج ليتعفف ولم يجد مالاً أعطاه أمير المؤمنين من بيت المال. بل إنه
بلغ في العطاء والنفقات وإغناء الناس حداً لم تصل إليه دولة في الأرض من قبله ولا
من بعده حتى عصرنا، وبذلك عمّ الرخاء كل المسلمين في أطراف دولته العظيمة الكبيرة،
عن يحيى بن سعيد قال: "بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات أفريقية فاقتضيتها، وطلبت
فقراء نعطيها لهم فلم نجد فقيراً، ولم نجد من يأخذها مني، قد أغنى عمر بن عبد
العزيز الناس، فاشتريتُ بها رقاباً فأعتقتهم، وولاؤهم للمسلمين".
إننا لنكاد نذهل أمام ذلك الإجماع التاريخي الذي يحدّثنا عن اختفاء الفقر والفقراء
في عهده الميمون، حتى إن الأغنياء كانوا يخرجون بصدقاتهم وزكواتهم، فلا يجدون
فقيراً يبسط يده ليأخذها.
لقد اغتنى الناس في الشام ومصر والعراق وخراسان وإفريقية والأندلس وبلاد ما وراء
النهر وسائر أمصار الدولة الإسلامية من المحيط الأطلسي في أقصى الغرب إلى الصين في
أقصى الشرق.
إن هذه المعجزة التي تحققت في تلك البرهة الخاطفة من الزمن في عهد عمر، ما تحققت
إلاّ بإقامة الحق والعدل والإنصاف ورفع الجَوْر وردّ المظالم، وفي كل زمن يوجد فيه
رجل ينهج نفس طريق عمر، ويتبع السياسة التي اتبعها، ويحمل الروح التي يحملها، فستقع
تلك المعجزة مرة أخرى ولا ريب.
نتمنى من وزراء المالية في جميع الدول الإسلامية أن يدرسوا سياسة عمر المالية، وكيف
استطاع أن يغني الدولة والناس وجميع الشعب، ويفيض المال إلى حد أنه صار يعطي
الذميين الذين يعيشون بين المسلمين بعد قضاء جميع حوائج المسلمين، بل ويسلف
مزارعيهم ليصلحوا أراضيهم.
بل لقد اتسع قلبه الكبير لكل ذي روح في دولته الواسعة، وعَمَّ برفقه وشفقته البهائم
والسوائم، انظروا إليه وهو يوجه كتابه إلى واليه على مصر، يقول فيه: "أما بعد: فقد
بلغني أن الحمّالين في مصر يحملون على ظهور الإبل فوق ما تطيق، فإذا جاءك كتابي هذا
فامنع أن يحمل على البعير أكثر من ستمائة رطل".
وكان لعمر غلام يعمل على بغلة له، يأتيه بدرهم كل يوم، فجاءه يوماً بدرهم ونصف،
فقال أمير المؤمنين:"ما بدا لك؟ فقال: نفقت. قال: لا، ولكنك أتعبتَ البغل، أَرِحْهُ
ثلاثة أيام.
بل إنه فرض العطاء لمن يريد الحج من المسلمين وليس له ما يكفيه ولا يقدر على نفقات
السفر، وأمر بإنشاء مراكز على كل طرقات الحجيج، يتواجد فيها أناس أمناء أقوياء؛
يعينون الضعيف، ويغنون الفقير.
وسهّلَ على المسافرين أسفارهم، فأمر عماله وولاته في الأمصار ببناء الخانات لينـزل
بها المسافرون، فيستجمُّون من عناء السفر، وخصّص لهم طعاماً وشراباً، وعناية
بدوابهم، ومالاً لمن قصّر به الحال، وتلك درجة لم ولن تصل إليها أغنى وأرقى أمم
الأرض قديماً وحديثاً.
لقد عاش في الخلافة تسعة وعشرين شهراً حقق خلالها ما يعجز عن تحقيق مثله جماعة من
الخلفاء في أعصر متوالية، وغيَّر وجه الدولة والحياة في زمن يسير تغييراً هائلاً
يتطلب عند غيره جيلاً أو جيلين، فأبى هو إتمامه إلاّ في نيِّف وعامين، فكان بكل
جزيئات جسمه يعمل ويحترق ليعطي في اليوم جهداً عاماً.
وما جاءه أجله إلاّ والتبعات الجسام والأعمال العظام والتغييرات الهائلة قد أحدثت
في جسمه شروخاً تصدِّع الجبال الرواسي، لكنها لم تكسر عزيمة الرجل العظيم.
والمحزن حقاً أن تكون نهايته بسمٍّ يُدَسُّ له في الطعام، فيمرض بعد ذلك أياماً ثم
يلحق بالرفيق الأعلى، كان ذلك من شرذمة ضاقت بالحق والعدل والرحمة؛ لأن مكاسبها
الموقوتة وامتيازاتها الظالمة قد داسها هذا الرجل العظيم، ليس برجله بل بحوافر
العدل والحق الأبلج الذي لم يتلجلج في صدره -رحمه الله- ورضي عنه.
وتآمر عليه نفر من بني أمية كانوا قد تبرَّموا به؛ لكونه شدّد عليهم وانتزع كثيراً
مما في أيديهم مما قد غصبوه، وكان هو قد أهمل التحرُّزَ فأغروا به غلاماً له فدسّ
السمّ في طعامه، وعندما جاءه الطبيب قال له: "هل أحسست بذلك يا أمير المؤمنين؟ قال:
نعم قد عرفتُ حين وقع في بطني قال: فتعالجْ يا أمير المؤمنين فإني أخاف أن تذهب
نفسك! فقال: ربي خير مذهوب إليه، والله لو علمتُ أن شفائي عند شحمة أذني ما رفعت
يدي إلى أذني فتناولته، فلم يلبث أياماً حتى مات، ثم دعا الغلام فقال له: "ويحك ما
حملك على أن سقيتني السم قال: ألف دينار أُعطيتُها وعلى أن أُعتق، قال: هاتِها،
فجاء بها فألقاها في بيت المال وقال: اذهب حيث لا يراك أحد.
واشتكى عمر من المرض الذي نزل به، ومكث فيه عشرين يوماً، والسم يسري في أوصاله،
ويقتله قتلاً بطيئاً، وتأججت أشواقه إلى لقاء الله، وأرسل إلى ذِميِّ فساومه موضع
قبره، فقال الذميِّ: يا أمير المؤمنين والله إنها لخيرة أن يكون قبرك في أرضي، قد
حلّلتُكَ، فأبى عمر حتى ابتاعه بدينارين ثم دعا بالدينارين فدفعهما إليه،. وقد
أشاروا عليه بأن يقترب من المدينة، فإن مات دُفن بالقرب من رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- فأبى ذلك، وأوصى أن يُكَفَّن في خمسة أثواب منها قميص وعمامة، وقال:
"هكذا كان ابن عمر يكفِّن من مات من أهله.
وأوصى إذا احتُضر أن يوجَّه إلى القبلة على شقه الأيمن، وودع أبناءه بنظرة حانية
وابتسم لهم ولأمّهم العظيمة وزوجته الوفية الشامخة، وأذن لهم بالانصراف فخرجوا وخرج
مسلمة بن عبد الملك، وجلسوا على الباب.، وصوَّب عمر عينيه تجاه الباب، كأنه يلمح
ضيوفاً أعزاء قد قدموا عليه وما كانوا إلاّ بعثة شرف من الملأ الأعلى!
لقد جاءت الملائكة الكرام ليأخذوا الخليفة الراشد والرجل المعجزة؛ ليشهدوا معه هناك
حفل تتويجه في سجل الخلود وفي الفردوس الأعلى.
توفي -رضي الله عنه- في شهر رجب سنة إحدى ومائة وله تسع وثلاثون سنة ونصف، وصلّى
عليه مَسْلَمة بن عبد الملك، وخلّف أحدَ عشر ابناً وبلغتْ تركته سبعةَ عشر ديناراً،
كُفِّن منها بخمسة دنانير، واشتُري له موضع قبره بدينارين، وقُسم الباقي على بنيه،
فأصاب كلُّ واحد من ولده تسعة عشر درهماً، بينما أصاب الذكر من أولاد هشام بن عبد
الملك ألف ألف -أي مليوناً-، وما هي إلا سنوات قليلة حتى كان أحد أبناء عمر بن عبد
العزيز يحمل على مائة فرس في سبيل الله في يوم واحد، وقد رأى بعض الناس رجلاً من
أولاد هشام يُتصدق عليه. فسبحان الله رب العالمين، والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً
وباطناً وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً
كثيراً...
أن ابنة لعمر بن عبد العزيز يقال لها: (أمينة) مرت به يوماً، فدعاها عمر: يا أمينة،
فلم تجبه فأمر بها، فقال: ما منعك أن تجيبي؟ فقالت إني عارية -أي ملابسها ليست
حسنة- فقال: يا مزاحم: انظر إلى تلك الفرش التي فتقناها، فاقطع لها منها قميصاً(1)،
هذا عن كساء بنات عمر، أما عن طعامهن، فيروى ابن عبد الحكم أن عمر: كان يصلي
العتمة(2)، ثم يدخل على بناته فيسلم عليهن، فدخل عليهن
ذات ليلة فلما أحسنَّه وضعن أيديهن على أفواههن ثم تبادرن الباب، فقال للحاضنة: ما
شأنهن؟ فقالت: إنه لم يكن عندهن شيء يتعشينه إلا عدس وبصل فكرهن أن تشم ذلك من
أفواههن، فبكى عمر، ثم قال لهن: يا بناتي ما ينفعكن أن تعشين الألون، ويمر بأبيكن
على النار، فبكين حتى علت اصواتهن ثم انصرفن(3).
قدمت امرأة من العراق على عمر بن عبد العزيز فلما صارت إلى باباه قالت: هل على أمير
المؤمنين حاجب؟ فقالوا: لا فلجي إن أحببت، فدخلت المرأة على فاطمة وهي جالسة في
بيتها، وفي يدها قطن تعالجه، فسلمت فردت عليها السلام وقالت لها: أدخلي، فلما جلست
المرأة رفعت بصرها ولم تر شيئاً له بال، فقالت: إنما جئت لأعمر بيتي من هذا البيت
الخرب فقالت لها فاطمة: إنما خرب هذا البيت عمارة بيوت أمثالك، قال: فأقبل عمر حتى
دخل الدار، فمال إلى بئر في ناحية الدار فانتزع منها دلاء فصبها على طين كان بحضرة
البيت -وهو يكثر النظر إلى فاطمة- فقالت لها المرأة: استتري من هذا الطيّان فإني
أراه يديم النظر إليك، فقالت: ليس هو بطيان، هو أمير المؤمنين، قال: ثم اقبل عمر،
فسلم ودخل بيته، فمال إلى مصلى كان له في البيت يصلي فيه، فسأل فاطمة عن المرأة،
فقالت: هي هذه، فأخذ مكتلاً له فيه شيء من عنب فجعل يتخير لها خيره يناولها إياه،
ثم اقبل عليها وقال: ما حاجتك؟ فقالت: امرأة من أهل العراق لي خمس بنات كُسْلٌ
كٌسْد، فجئتك أبتغي حسن نظرك لهنَّ، فجعل يقول: كسل كسد، ويبكي، فأخذ الدواة
والقرطاس فكتب إلى والي العراق، فقال: سمي كبراهنّ، فسمتها ففرض لها، فقالت المرأة:
الحمد لله، ثم سأل عن الثانية والثالثة والرابعة، والمرأة تحمد الله ففرض لها، فلما
فرض للأربعة استفزها الفرح فدعت له فجزته خيراً، فرفع يده وقال: كنا نفرض لهنّ حيث
كنت تولين الحمد أهله، فمري هؤلاء الأربع يفضنّ على هذه الخامسة، فخرجت بالكتاب حتى
أتت به العراق، فدفعته إلى والي العراق، فلما ذهبت إليه بالكتاب بكى واشتد بكاؤه،
وقال: رحم الله صاحب هذا الكتاب، فقالت: أمات؟ قال: نعم، فصاحت وولولت، فقال: لا
بأس عليك، ما كنت لأرد كتابه في شيء، فقضى حاجتها وفرض لبناتها(4).
وقد حدث في عهد عمر بن عبد العزيز تجديداً كبيراً في توجه الأمة والمجتمع الإسلامي
والتطور في الأذواق والأخلاق والميول والرغبات في هذه المدة القصيرة، فقد حدث
الطبري في تاريخه: كان الوليد صاحب بناء واتخاذ المصانع والضياع، وكان الناس يلتقون
في زمانه فإنما يسأل بعضهم بعضاً عن البناء والمصانع، فولى سليمان فكان صاحب نكاح
وطعام، فكان الناس يسأل بعضهم بعضاً عن التزويج والجواري، فلما ولي عمر بن عبد
العزيز كانوا يلتقون فيقول الرجل للرجل ما وراءك الليلة؟ وكم تحفظ من القرآن؟ ومتى
تختم؟ ومتى ختمت؟ وما تصوم من الشهر؟(5).
____________________________________
1-
الأولياء (5/261) النموذج الإداري صـ108 .
2- العتمة : هي الثلث الأول من الليل ، والعتمة : وقت
صلاة العشاء.
3- سيرة عمر لابن عبد الحكم صـ48 ، 49 .
4- سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم صـ169 .
5- تاريخ الطبري نقلاً عن رجال الفكرة والدعوة (1/59) .
التعليقات
LdoLFtOE
lWPfZNVZ LdoLFtOE
viagra price
SxUpJuDX viagra price qcfkZ cialis 10mg >:-[
viagra soft
xCHLEyPf viagra soft 6958 cialis =-]
West Cigarettes
BoCKpS West Cigarettes OQfgR Lambert & Butler Cigarettes 2084 Monte Carlo Cigarettes eeTsXp Captain Black Cigarettes ZIsPVW Gauloises Cigarettes ueZke John Player Special Cigarettes VekIEk
viagra dosage
gabiWi viagra dosage nhtHQq cialis daily >:-OOO
viagra dosage
ljnjSu viagra dosage 9429 cialis 9461
viagra dosage
OtScta viagra dosage qrSdH cialis 10mg 2370
cheap viagra
PhUeaaRt cheap viagra :-O cialis coupon :-O
cheap viagra
gYafOr cheap viagra 7381 propecia 0196 cheap intagra ZnsNv cheap levitra sGpmf viagra generic sHDbfw cialis professional ILkit
cialis
PUycuOb cialis wyURsP kamagra Ucbek
viagra online
vHRbsrqj viagra online skNCq buy viagra 8]]]
cialis daily
GlEZgkN cialis daily 1141 cialis 10mg 7085
comprar cialis
pygoOpcM comprar cialis 8042 cialis %-[[[ viagra xDKlB viagra on line SDqFP cialis kaufen TEMwSL comprar viagra tduxfT
Deep Cleansing Milk
aFFMwH Deep Cleansing Milk uRRsFz
comprar cialis
YIrRGBT comprar cialis Tmxxy levitra precio EdIxuW priligy online 7671
buy intagra
dNoVGg buy intagra YtOtY
viagra coupon
tOPVif viagra coupon 5926 viagra price %-[[[
cialis dosage
XMwxloBc cialis dosage oNavH cilis 20mg :-O
qmgfhhrruj
wL2HlN hbzpijrtxsmd, [url=http://ielgrlzhygej.com/]ielgrlzhygej[/url], [link=http://wrugffbqwupo.com/]wrugffbqwupo[/link], http://xanripqbvfij.com/
cymbalta
comment2, cymbalta remeron, cialis, zithromax recall, buy buspar, cialis professional 20mg, Viagra, acomplia, viagra 60 pills, less propecia, lexapro, Clomid,
levitra.com
comment2, cheap cymbalta online, cialis, buspar, Amoxil, russian cigarettes online, cheap celebrex, Levitra, most popular cigarettes, xenical and meridia, xenical, lexapro have side effects, add comment female viagra, Viagra, metformin, cheap levitra, Retin-A, cheap viagra,
viagra
comment1, Cymbalta, doxycycline, apo-amoxi, cigarettes, online drugstores and viagra, levitra and zoloft, no prescription viagra, zoloft generic, Antabuse, Acomplia, cheap viagra, dog effects in prednisone side, nexium online, seroquel lithium, clomid late ovulation, lipitor side affects, effexor,
propranolol medication
comment1, purchase cialis, Amoxil, Levitra, Viagra, cheap cialis, Levitra, accutane pill, Viagra, Xenical, order propecia, best price for plavix, buy cialis, Seroquel, viagra, order propranolol, levitra, metformin.com, cialis levitra viagra, bactrim,
Levitra
comment3, description of levitra, Cialis, Levitra, Levitra, prednisone, cheap viagra tablets, buy cialis viagra, plavix price, female viagra, Nexium, Viagra, propranolol side effects, lipitor online, levitra professional 20 mg, effexor generic,
retin a cream
comment1, viagra cialis levitra, Cialis, viagra soft tabs 30 pills, online viagra consultation, order levitra, plavix 73 mg, alcoholism antabuse treatment, zoloft, georgia accutane side effects, viagra, cigarettes on line, Seroquel, clomid level progesterone, Propranolol, Bactrim,
nexium.com
comment2, Doxycycline, problems with viagra, Celebrex, generic viagra levitra and tadalafil, viagra buy doctors, bontril xenical, latest nexium research, cialis, cialis viagra levitra,
doxycycline and multiple sclerosis
comment4, Cymbalta, levitra online order, lasix.com, acomplia sanofi, viagra fact sheet, Cialis, Female Viagra, lipitor antifungal, buy levitra online,
Amoxil
comment6, Cialis, cheap cigarettes, order levitra, effects levitra side, plavix, levitra, Cialis, xenical, Nolvadex, plavix generic, female viagra, cheap levitra, propranolol hydrochloride, 2737 amerimedrx retin viagra, bactrim side effects,
protonix vs nexium
comment2, Levitra, cialis, viagra plus 120 pills, levitra webster university film series, cialis, generic cigarettes, Acomplia, oratane, Lexapro, female ingestion of viagra, order clomid, propranolol anxiety,
protonix vs nexium
comment2, Levitra, cialis, viagra plus 120 pills, levitra webster university film series, cialis, generic cigarettes, Acomplia, oratane, Lexapro, female ingestion of viagra, order clomid, propranolol anxiety,
Plavix
comment5, cialis viagra vs, zithromax, levitra, buspar, celebrex ibuprofen, Levitra, antabuse liver, tamone, propecia and cheap, plavix sexual side effects, cheap female viagra, Seroquel, propranolol.com, levitra.com, Metformin, effexor, cheap bactrim,
Cymbalta
comment4, cialis, Amoxil, cigarettes, order lasix, antabuse medication, no prescription xenical, acomplia cheap order, propecia, lexapro, Plavix, newport cigarettes online cheap, Clomid, metformin, lipitor, effexor, viagra.com,
Buspar
comment4, cialis, cheap viagra, levitra, antabuse, propecia merck, Lexapro, Viagra, valtrex info, vicodin viagra cialis,
Prednisone
comment4, cortisone acetate and doxycycline, Cialis, levitra, buy xenical, viagra, d nolvadex, viagra.com, Cialis, buy cheap cialis, cheap levitra, Cialis, nexium, online cialis fedex,
cialis
comment2, doxycycline effects liver, buspar, amoxil, Levaquin, sex viagra, cialis cause insomnia, discount cigarette, zoloft chat, antabuse liver, nolvadex tablet, newport cigarettes, retin-a,
viagra
luPjPZ viagra 6704 cialis >:-OOO viagra coupon >:-OOO cialis 3032
lipitor drug interaction
comment3, Zithromax, Levitra, effectiveness buspar, amoxil, celebrex ibuprofen, plavix.com, Cialis, free xenical, cheap accutane, Acomplia, prednisone, plavix, Cialis, newport cigarettes website, content of cigarettes, seroquel, Levitra, bactrim ds keyword,
canadian cigarettes
comment5, order cymbalta, zithromax effects, actress in levitra commercial, cheap cialis, celebrex manufacturer, viagra, Discount Cigarettes, zoloft.com, 250 antabuse buy mg, xenical alcohol side effects, dreampharmaceuticals online order propecia, cialis, newport cigarettes online, cialis levitra viagra, Nexium, viagra, Clomid, 2 diabetes metformin type, Effexor,
Cialis
comment3, levitra vs viagra, levaquin side effect, buy viagra, Levitra, discount viagra, acomplia shipped overnite, Accutane, Viagra, Propecia, viagra.com, cocaine and lexapro, cialis, chocolate cigarettes, Female Viagra, retin a purpose,
viagra
sAWLCQV viagra 1828 viagra znmQR cialis >:-OOO cialis uGJzl
effexor ssri
comment5, Cymbalta, buy zithromax, cialis comparison levitra viagra, buy online viagra, cigarettes, buy viagra woman, Cialis, xenical.com, order prednisone, pharmacy viagra, buy plavix online, cialis levitra vs, Discount Cigarettes, cialis, effexor xr.com, viagra super active 120 pills, order bactrim,
viagra sample
tUbAYOM viagra sample 4738 cialis AYHlgx cialisonline 5744 viagra dose sSPuMJ
allopurinol
comment1, cymbalta versus effexor, allegra taylor, cheap antabuse, lasix generic, viagra prices, erythromycin and zinc, clomifene, cipro, baclofen medication, cheap acomplia, cheap retin ultram, prednisone dosage chart, lioresal, propranolol intensol, glucophage 90 pills, levaquin online order, use tretinoin, propecia.com, tetracyclines, neurontin autism, prednisolone acetate ophthalmic suspension, diflucan and ring worm, order glucophage, how valtrex works, gout not sensitive to allopurinol, natalie allegra, levitra vardenafil, inderal for migraines, monaslim, stopping lexapro, plavix, co-trimoxazole,
inderalici
comment2, zimulti 90 pills, effexor, female viagra, cheap cafergot, baclofen 10 mg, avelox, cafergot drug, retin-a online, rx drug inderal, prednisone, allopurinol and what to check, acyclovir.com,
metformin
comment5, indocin, inderal birth defects, buy cytotec, ampicillin, zithromax statistics, cheap acyclovir 400 mg tabs, acomplia.com, diflucan and birth control, 500 antabuse buy mg, order nolvadex, 500 levaquin mg, tamiflu online, effexor er, order tretinoin cream, kemstro, a href online furosemide, buy chemical citrate nolvadex research tamoxifen, zoloft, doxycycline.com, cheap glucophage, levaquin, strattera.com,, order propecia, neurontin prescribing, order diamox, mobic pill side effects, buy diflucan onlne, apo fluoxetine, buy metformin without prescription, retin a microgel, allopurinol zyloprim online, book buy fluoxetine guest site uk, augmentin bid, generic for valtrex, mobic, celebrex, celexa discount purchase, indocin equivalent in tylenol, tetracycline, acyclovir for cheap, augmentin, bactrim,
rimonabant 270 pills
comment2, buy strattera, ampicillin online, buy now diflucan, furosemide drug, levaquin, cialis 5mg, buy clomid online, furosemide on line, fluocinolone hydroquinone and tretinoin topical, doxycycline acne, doxycycline, elimite, cheap propecia, viagra.com, valtrex, cheap retin tramadol, rimonabant buy online, effects propranolol side, generic accutane, allopurinol no prescription, cheap lasix, generic plavix, augmentin hives, nexium,
allopurinol and lisinopril
comment3, rimonabant, inderal, ampicillin side effects, strattera, Selexid, generic for zoloft, zithromax info, buy cialis, remonabent, celexa weight gain, levaquin.com, cialis 4 pills, tamiflu side effects, avodart generic, order tamiflu, retin-a.com, cheap cymbalta, vermox liquid, glucophage, vermox, neurontin shingles, neurontin 682, benicar 20 mg, accutane free prescription, online buspar resourse very cheap, generic diflucan, metformin.com, viagra, cheap valtrex, ampicillin side effects, allegra d 24, avodart and side effects, Predcor, valtrex, 250 antabuse mg, plavix.com, levitra, buy xenical, cytotec mexico, prevacid and nexium, apo-cloxi,
cialis 20 mg
comment1, Valtrex, coffee and clomid, viagra internet orders, accutane 30 mg, viagra use, nexium paralysis, cigarettes, lipitor online, Cialis, levitra.com, Viagra, apcalis levitra viagra,
antabuse
comment5, amoxil, vesanoid, zoloft online, Propranolol, cheap levitra, buspar uses and side effects,
Viagra
comment2, Valtrex, Cialis, accutane, discount cigarettes online, septra suspension, doxycycline instructions, propranolol, buy cialis generic online, buy cheap levitra, levitra professional 30 pills, Zithromax, buy xenical, levitra, cialis,