خدمة rss
الألم

   

الألم

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد


إن الحمد لله...
لقد أنعم الله على الإنسان بنعمه الوفيرة فقال تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا}
[(18) سورة النحل]. وقد يكفر الإنسان ببعض هذه النعم جاهلاً أو غافلاً، إذ قد يبدو الشيء في ظاهره نقمة لكنه في حقيقته نعمة، ومن ذلك نعمة الألم الذي قد لا نرى منه إلا وجهاً واحداً فقط، وهو جانب الشقاء والعذاب مع أن الألم من نعم الله تعالى.
إن الألم يختلف من شخص لآخر، فقد يكون نفس الألم حاداً لأحد الأشخاص، وقد تسبب ألماً أخف لشخص آخر. وأحياناً يكون الألم عند بعض الناس متضخماً، بينما يكون عادياً عند آخر.
وتتنوع أسباب الألم، فبعضها بدني مادي، والآخر نفسي، أما الأسباب الجسمية المادية فنحو: الجوع والعطش والجروح والحروق وغيرها.
والأسباب النفسية مثل: القلق والهم والمخاوف وغيرها، والناس عادة ما يقرنون الألم بالإصابات البدنية أو المرض متناسين أن الأحاسيس أو العواطف يمكن أن تسبب ألماً أيضاً.
ولا شك أن تحديد سبب الألم ومعرفة مصدره بدقة من الأمور الضرورية لعلاج الألم أو الوقاية منه مستقبلاً، وإن كان يصعب أحياناً تحديد مصدر الألم، وأحياناً يلتبس، وهذه الآلام المجهولة السبب أو المصدر من أخطر أنواع الآلام، فقد تتحول إلى آلام مزمنة تهدد راحة الإنسان زمناً طويلاً.
إن الألم ليس شَرًّا خالصاً، ويخطئ كثير من الناس عندما يقرنون الألم بالشر والإحساس بالبغض أو الكُره.
وبالنظرة المتأنية والتفكير العميق الذي يقلب الأمور على جميع أوجهها، ويبحث عن الحقيقة من جميع وجوهها، يثبت عكس ذلك، فالله سبحانه هو خالق كل شيء، والألم شيء من الأشياء، ومن صفاته سبحانه أنه حكيم خبير، ومقتضى حكمة الله ألا يخلق الشيء عبثاً دون نفع أو جدوى، فمن المؤكد إذن أن ثمة منفعة من ورائه للبشر عَلِمَها مَنْ عَلِمَها وجَهِلَها مَنْ جَهِلها، وما علينا إلا أن نتريث ونتأمل هذه الآلام، وندرسها بشيء من المثابرة والتعمق لنعرف ثمارها وفؤائدها أو الحكمة منها.
للألم فوائد متنوعة، بعضها مادي وبعضها نفسي معنوي، وبعضها يتحقق للفرد وبعضها يتحقق للجماعة أو الأمة.
فمن فوائد الألم:
أولاً: أنه منبه يجعلك تحس بناقوس الخطر من المؤثر الخارجي أو الداخلي، فبذا يكون الألم وقاية للإنسان من آلام أكبر، هذا بالنسبة للألم المادي، وكذلك الحال بالنسبة للألم النفسي؛ فإن الألم النفسي الناشئ عن خوف العبد من عذاب الله يقيه من وقوع العذاب الأليم به في الدنيا أو الآخرة، ومن ثم فإننا نرى أن العذاب وُصِف في كتاب الله في اثنين وسبعين موضعاً بكلمة (أليم).
ثانياً: الألم ذو فائدة دينية عظيمة: فهو ابتلاء، والابتلاء مع الصبر نعمة تستوجب الشكر، فيطهِّر الله به الإنسان من الآثام والذنوب، بل إن الله إذا أحب عبداً واصطفاه ابتلاه، وأشد الناس بلاءً هم الأنبياء، فعن مصعب بن سعد عن أبيه قال قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: ((الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل)) ف((يُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤُه، وإن كان في دِينه رِقَّةٌ ابتلي على حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركهُ يمشي على الأرض ما عليه خطيئة)). فالألم يصهر مَعْدِن الإنسان المسلم، فتصفو رُوحه، ويزكو خُلقه، وتَطْهُر نفسه، فألم الابتلاء سبيل إلى لذة التقوى ونعيم القرب من الله، وهل يبرق الذهبُ إلا إذا ذاق آلام النار؟!.
ثالثاً: الآلام قد تصحح مسار المسلم وتفيقه من غفوته، فيرجع عن سالف عهده من الذنوب والمخالفات، فمن رحمة الله أنه جعل الآلام نذيراً لخطر داهم، وعقوبة شديدة، فإذا أفاق العبد وتضرع إلى الله رفع عنه الضر، قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ}
[(94) سورة الأعراف] فإذا لم يفقه المسلم حكمة الله في هذا الابتلاء، وتمادى في غيه حقت عليه كلمة العذاب، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [(42-45) سورة الأنعام].
رابعاً: الألم قرين الإحساس، والإحساس آية الحياة، ولا يمكن أن تُتصور حياة خالية من الإحساس، فمن أراد أن يعيش بلا ألم ومعاناة فقد اختار لنفسه الموت لا الحياة، وقد خلق الإنسان في كبد ونصب كما قال تعالى مقسماً: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ}
[(1-4) سورة البلد] حقيقة قرآنيّة وواقع بشري، إنه الإنسان يعايش الكبد في أطوار حياته كلها، منذ بدأ، يخلّق في بطن أمه حتى ينتهي إلى سكرات الموت ومفارقة الحياة، هكذا قدّر الخالق وأخبر {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ}، ويستمرّ الجهد والكفاح والنصب والكبد في مسيرة الإنسان، فهو يكابد حين يتعلم، ويكابد حين يفكّر، وفي كل تجربة جديدة له فيها كبد ونصب، ثم يكبر ويشتدّ عوده وتبدأ رحلة أخرى من المشاق والكبد، ولئن اختلفت الطرق وتنوّعت المشاق فالكلّ في كبد، هذا يكدح بعضلاته، وهذا يكدح بفكره، والفرق: هذا يكدح ويبيع نفسه ليعتقها وآخر ليوبقها، هذا يكدح في سبيل الله، وذاك يكدح في سبيل شهوة ونزوة، وصدق الله {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} [(4) سورة الليل].
لا يفارق الكبدُ الإنسانَ في أطوار حياته كلها، كبدٌ وكدحٌ في مرحلة الشباب، وكبدٌ من نوع آخر في مرحلة الشيخوخة والهرم، إنه الكدح للغنيّ والفقير والذكر والأنثى والسيّد والمسود، وكلّ يعايش نوعاً من الكبد، فالفقير الذي يكلف في سبيل الحصول على لقمة العيش أو شدة العوز أو همّ الدين وغلبته وقهر الرجال ومطاردتهم قد لا يظنّ أن غيره في كبد، بينما ترى الغنيّ يكابد في تجارته ويفكّر في مكاسبه وخسائره، إنه الكبد لا يسلم منه الزعماء والعظماء وإن كانوا في أبراج عاجية وقصور وخدم وحشم؛ فللمسؤوليّة كبدها وللزعامة والرئاسة ضريبتها وللأمانات والمسؤوليّة حمالتها.
والكبد لا يعفى منه العلماء وإن وصلوا إلى مراتب عليّة في العلم والمعرفة، وهل حصّلوا تلك العلوم وحازوا تلك المعارف إلّا على جسور من التعب والكبد والسهر؟. إن نصب العالم كامن في مسؤولياته، فحمل العلم وأداؤه وإبلاغه كلّ ذلك فيه كبد ونصب، والميثاق المأخوذ على أهل الكتاب وزكاة العلم وخشية العلماء لربّهم كل ذلك لا يتأتّى دون نصب وكبد وجدّ ومجاهدة.
أين من يسلم من الكبد وإن تفاوتت أنواع الكبد؟ إن الله قدّر أن يعمّر الكون بالكبد، وشاء أن يقوم سوق الحياة على النصب والألم {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ}
[(6) سورة الانشقاق].
خامساً: الآلام تربي فينا نعمة الإحساس بالآخرين، فنقدم لهم يد العون والمساعدة، فيتحقق بذلك التكافل الاجتماعي، فالغني يتألم للفقير فتكون الصدقة والزكاة، والمقتدر يتألم للمعوزين فتكون المشروعات الخيرية، والقوي يتألم للضعيف فيكون العون والمساعدة، والعالم يتألم لمأساة مجتمعه ومعاناة أمته فيحمله ذلك للمزيد من البذل والتوضيح والبيان والإرشاد، وأن تكون له مواقف تتناسب مع حجم معاناة وآلام الأمة.
سادساً: الآلام تقوي العزيمة والإرادة، وتثبت دعائم الرجولة الحقة، فيكتسب المسلم حصانة من آلام الحياة، ويستمد من مقاومتها قوة وصلابة يستطيع بها مواجهة صعوبات الحياة وظروفها القاسية، فألم الإخفاق يُبَصِّر صاحبه بطريق النجاح، وألمُ القهر والتسلط يدفع صاحبه إلى البحث عن طريق الحرية، وألم الندم على المعصية يقود إلى لذة الطاعة، وألم الفقر يخطو بصاحبه صوب الغنى والثراء.
ولا غرو إذا علمنا أن الأعمال الشاقة تزيد المرء قوة وقدرة على تحمل الأعباء، ولنا في أنبياء الله أسوة، فإدريس -عليه السلام- كان خياطاً، ونوح -عليه السلام- كان نجاراً، وداود -عليه السلام- كان حداداً، وموسى -عليه السلام- كان راعياً للغنم، وكان محمد -صلى الله عليه وسلم- راعياً للغنم كذلك، مع ما في الرعي من تعلم الصبر وتعوُّد حسن سياسة الرعية، قال -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي رواه أبو هريرة -رضي الله عنه-: ((ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم))، فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: ((نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة)).
سابعاً: تسهم الآلام في صنع مستقبل الشعوب وقيام حضاراتها، فكثير من الأمم عانت آلام التخلف والفوضى ردحاً من الزمان، فما كان منها إلا أن تحسست خُطاها نحو العلم والحضارة، فأوروبا كانت تعيش في ظلام دامس في العصور الوسطى، ثم ما لبثت أن قامت الثورة الصناعية، ثم الحضارة الغربية التي يزهو العالم بها اليوم، -وإن كانت حضارتها اليوم سببت لها ألواناً وأنواعاً من الآلام بسبب انحرافها عن منهج الله -جل وتعالى-، وربما تكون هذه الحضارة المنحرفة سبباً في تعاستها وشقائها-.
إن الألم يمكن أن يكون نعمة لصاحبه، كما يمكن أن يكون نقمة عليه، شأنه في هذا شأن كثير من الأحاسيس والمشاعر، يمكن للألم أن يكون نعمة إذا توافرت فيمن ابتلي به بعض الشروط الضرورية وهي:
أولاً: الإيمان بالقضاء والقدر، وبأن هذه الآلام من قضاء الله وقدره قال الله تعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}
[(11) سورة التغابن] وقال سبحانه: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [(78) سورة النساء].
ثانياً: التحلي بالصبر، فإن ذلك من عزم الأمور، قال تعالى على لسان لقمان واعظاً ولده: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}
[(17) سورة لقمان]، والصبر على آلام البلاء عاقبته خير، فها هو موسى يوصي قومه بالصبر على أذى فرعون وآله؛ ليورثهم الله الأرض من بعدهم قال الله تعالى: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [(128) سورة الأعراف]، وأيوب -عليه السلام- لما صبر على الآلام والمرض والابتلاء جعل الله عاقبته خيراً، قال تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ} [(41-43) سورة ص]. وقد مدحه سبحانه بقوله: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [(44) سورة ص] . ومن الشروط أيضاً:
ثالثاً: قوة الإرادة، حتى يمكن تحمل الآلام، فلو استسلم لآلامه لدب اليأسُ في قلبه، وتحول الألم إلى نقمة عليه، فنراه يقنط من رحمة الله، وتُثبَّط همته، ولذا على المسلم دائماً العناية بتربية إرادته وتقويتها، وتدريب نفسه على تحمل آلام الحياة وصعابها، ثم عليه أن يتخطى هذه الآلام ويتناساها ليتجه إلى العمل النافع والإنتاج المثمر.
رابعاً: الأخذ بالأسباب في معالجة الألم والتخلص من أسبابه إذا استطاع وذلك للحيلولة دون استفحال الألم، فإهمال الألم سيؤدي حتماً إلى اشتداده واستفحاله، وحينئذ قد لا يجدي معه علاج، ولا تنفع معه أية مقاومة، فتخور قوى المسلم، ويتحول إلى طاقة معطلة فيعجز عن مواصلة الكفاح وأداء رسالته في الأرض.
خامساً: حسن التقدير وُبعد النظر، فينبغي على المسلم أن يحسن تقدير آلامه وتشخيصها، وكذا تقدير الوسيلة والوقت اللازمين لعلاج الألم ومقاومته، والإنسان من طبعه التعجل قال الله تعالى: {خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ}
[(37) سورة الأنبياء]، ثم عليه أن يتحلى ببعد النظر، فالشفاء من الآلام بقدر معلوم، وقد جعل الله لكل شيء قدراً، فعلى المرء أن يسعى وليس عليه إدراك النجاح.
فإذا ما توافرت هذه الشروط فعندئذ يكون الألم نعمة، ويثاب عليه المسلم، ويصبح الألم باعثاً للهمم، ومحركاً للطاقات البناءة، ومثيراً للعقول المفكرة المبدعة، ويصير أداة بناء في المجتمع الإسلامي لا معول هدم، وسيوصف حينئذ بأنه نعمة الحياة وسر من أسرار النجاح فيها.
لا يكفي أن نعلم كبد الحياة وشموله لبني الإنسان، ولكن المهمّ كيف نتعامل مع هذا الكبد؟ وكيف نستفيد من هذا الكبد؟ وما نهاية الكبد وثمرته؟ وكيف نخفّف من مكابد الحياة ومشاقها؟.
إن المسلم يختلف عن غيره في نوع الكبد وغايته فهو مأجور على نصبه وهمّه وغمّه وألمه ما دام يعبد الله ويخشاه، فما يصيبه ((من نصب ولا وصب ولا همّ ولا غمّ ولا حزن، حتّى الشوكة يشاكها إلّا كفر الله بها من خطاياه)). والمؤمن ينصب ويكدح في هذه الحياة ليستريح بعد الممات، إنه يكدح وهو مستيقن بلقاء ربّه، مطمئنّ أنه سيجازى على جهده وعمله، ومن هنا فهو يستحسن من المكابد ما يرفع درجاته، ويتجنب كل كبد ينتهي به إلى الشقاء بعد الشقاء، أما غير المسلم فهو ينصب كغيره في هذه الحياة، ولكن نصبه يستمرّ بعد الممات، فالنهاية مؤلمة، والشقاء مستمرّ {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى}
[(127) سورة طـه].
المسلم يستعين على النصب بالصبر والصلاة، وحسبك بهما معيناً والله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}
[(153) سورة البقرة] والمساكين هم الذين يجزعون ولا يصبرون {إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ} [(19-22) سورة المعارج]، وغير المسلم يتضجر ويقلق، ثم يعود للقلق والنصب إن لم تقتله نفسه أو يقتله النصب والقلق {وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ} [(18) سورة الحـج].
ولئن تفاوت المسلمون عن غيرهم في الكبد، فالمسلمون أنفسهم متفاوتون في كبدهم، سعيهم شتى وأجورهم وأوزارهم مختلفة، وفرق بين من ينصب ليرتفع في درجات، وبين من لا يزيده الكبد والنصب إلا خسرانا مبيناً.
والاستغفار يخفّف الكبد ويعين على مشاقّ الحياة ويفتح باباً للرزق، وفي الحديث ((من لزم الاستغفار جعل الله له من كل همّ فرجا ومن كلّ ضيق مخرجا ورزق من حيث لا يحتسب)) {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا}
[(10-12) سورة نوح].
ومما يخفف الكبد والقلق أن يتصوّر المسلم مهما بلغ به من كبد الحياة ومشاقها أن فيها من هو أشدّ منه قلقاً وضيقاً، ومهما بلغ في حصول المعالي والمجاهدة في سبيل الدرجات العلى فهناك من سبقه وفُضِّل عليه، فهذا يخفّف من آلامه الدنيويّة وهذا يزيد في سعيه للآخرة.
إنه لا بد لك من الألم في هذه الحياة، ولا يمكن أن تستمر الحياة بدون ألم، والله بحكمته وعدله ركب الألم في الإنسان، وهو العليم الخبير؛ ليسعى العباد في تحصيل منافعهم الدنيوية والأخروية، فالألم ليس مذموماً دائماً فقد يكون هذا الألم خيراً للعبد من عدمه، فالدعاء الحار المستجاب -بإذن الله- يأتي مع الألم، والتسبيح الصادق يصاحب الألم، وحمل النفس على طاعة الله والصبر على أدوائها يكون معه ألم، والصبر عن ارتكاب المعاصي واجتنابها، والصبر على الأقدار أن لا يتسخطها، كل ذلك يكون مع الألم، وتأمل الطالب حال التحصيل، فحمله لأعباء الطلب يثمر عالماً فذاً؛ لأنه احترق في البداية فأشرق في النهاية، أما الطالب الذي عاش حياة الراحة والدعة ولم تنضجه الأزمات، ولم تكوه الملمات فهذا الطالب يبقى كسولاً مترهلاً فاتراً، فكمال النهايات يكون بألم ومشقة في البدايات.
وأسمى من ذلك وأرفع، حياة المؤمنين الأولين الذين عاشوا فجر الرسالة ومولد الملة، فإنهم أعظم إيماناً، وأبر قلوباً، وأصدق لهجة، وأعمق علماً؛ لأنهم عاشوا الألم والمعاناة، ألم الجوع والفقر والتشريد، وألم الأذى والطرد والإبعاد، وألم فراق المألوفات وهجر المرغوبات، وألم الجراح والقتل والتعذيب، كل ذلك في سبيل الله، فكانوا بحقٍ الصفوةَ الصافية والفرقة الناجية، آيات في الطهر، وأعلاماً في النبل، ورموزاً في التضحية قال الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}
[(120) سورة التوبة]، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ)) [رواه الترمذي]، فأخبر النبي –صلى الله عليه وسلم- أن الخائف المسرع في مرضاة الله هو المحصّل لجنة الله الغالية، خلافاً لغيره، وجاء رجل إلى الإمام أحمد -رحمه الله- فقال له: متى الراحة؟ قال: عند أول قدم نضعها في الجنة.
كيف هُدمت قلاع الشرك والنفاق؟ وكيف قُوضت دولة الكفر في فجر الدعوة؟ كيف انتشر الإسلام وعمت ربوعه نواحٍ كثيرة من الأرض في فترة وجيزة من عمر التاريخ؟.
كل ذلك وغيره لم يحصل إلا بشيء من التضحية والمعاناة والألم، لذلك كان الألم نعمة من نعم الله على العباد، وحافزاً لهم لابتغاء مرضاته، والعبد إن يعش مشبوب الفؤاد، ملذوع النفس، أرق له وأصفى من أن يعيش بارد المشاعر، فاتر الهمة، خامل النفس، كما قال الله تعالى عن المنافقين: {وَلَكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ}
[(46) سورة التوبة].
إنك يا عبد الله، مخير بين أن تسلك أسباب التوفيق، أو أن تسلك أسباب الخذلان، وكلاهما من خلق الله، فأسباب التوفيق منه ومن فضله، وهو الخالق لهذه وهذه، كما خلق أجزاء الأرض، هذه قابلة للنبات، وهذه غير قابلة له، وخلق -جل وتعالى- الشجر، هذه تقبل الثمرة، وهذه لا تقبلها، وخلق النحلة قابلة لأن يَخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه وخلق الزنبور غير قابل لذلك، ‏وخلق الأرواح الطيبة قابلة لذكره وشكره وإجلاله وتعظيمه وتوحيده ونصيحة عباده، وخلق الأرواح الخبيثة غير قابلة لذلك بل لضده، وهو الحكيم العليم، فاختر يا عبد الله، لنفسك ما تشاء.
اعلم أخي الحبيب، أنك ستواجه مصاعب جمة ومتاعب كثيرة وابتلاءات عديدة وأنت تسير في طريق العمل للإسلام، فإذا ما صبرت وتحملت فإن الألم سيزول، والتعب سيذهب، ويبقى لك الأجر والثواب إن شاء الله.
ألا ترى أن الصائم الذي يصوم في حر الصيف يذهب ألم جوعه وعطشه مع أول رشفة ماء، وهو يردد قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر -إن شاء الله-))، فمع دخول أول قدم في الجنة سيزول عنك كل تعب لاقيته، وكل نصب أصابك، ويقال لك: ((هل رأيت بؤساً قط؟)) فتقول بعد أن تغمس في الجنة غمسة: لا والله يارب! ما رأيت بؤساً قط.
لقد تبدد تعبك، بل تحول إلى فرحة وسعادة، فقد ثبت لك الأجر والثواب، وزادك الله من فضله فحينئذٍ تتمنى أن لو كنت بذلت أكثر، وتعبت أكثر وأكثر في سبيل دينك، وسهرت أكثر وأكثر من أجل ربك، وسافرت وتركت من الدنيا أكثر، وضحيت في سبيل الله أكثر وأكثر، بل تتمنى كما يتمنى الشهيد أن لو عدت إلى الدنيا لتقتل في سبيل الله، ثم تحيا، ثم تقتل، ثم تحيا، ثم تقتل؛ لما رأيت من فضل الله وإكرام الله للشهداء.
اعلم أن من تعاطى أسباب الصبر رزقه الله الصبر، ومن تعاطى أسباب الوهن والجزع والخذلان أصيب بما تعاطى أسبابه {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}
[(33) سورة النحل].
فعليك أخي المؤمن بالمصابرة، صابر نفسك فترة من الزمان ستجد أنها أصبحت بعد ذلك من النفوس الصابرة، بل الراضية -إن شاء الله-، ولقد قال أحد السلف: "سُقت نفسي إلى الله وهي تبكي، فما زلت أسوقها حتى انساقت إليَّ وهي تضحك"، فإذا اشتدت عليك المتاعب وكثرت عليك الأعباء وحدثتك نفسك الأمارة بالسوء أن تركن إلى الدنيا -ولو لفترة- أو وجدت نفسك الأمارة بالسوء تمردت عليك، فعليك أن تسوس هذه النفس حتى تُسَلم قِيادها لك، ويسلس أمرها معك، وتستجيب لأمر الله وهي راضية بعد أن كانت كارهة.
سافر أحد طلاب بشر الحافي معه في أحد أسفاره فعطش الرجل في الطريق فقال له: نشرب من هذه البئر، فقال بشر: اصبر إلى البئر الأخرى، فلما وصلا إليها قال: البئر الأخرى، فما زال يعلله كلما جاء إلى بئر قال له البئر الأخرى، ثم التفت إليه فقال له: هكذا تنقطع الدنيا.
عليك أخي الكريم، أن تتأمل حياة الأنبياء والرسل عليهم السلام وهم صفوة الخلق وأكرمهم عند خالقهم وأحبهم إليه سبحانه، فقد ألقي في النار إبراهيم -عليه السلام-، ونشر بالمنشار زكريا، وذبح السيد الحصور يحيى، ومكث أيوب في البلاء سنوات فقد فيها ماله وولده، وسجن في بطن الحوت يونس، وبيع يوسف {بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ}
[(20) سورة يوسف]، ولبث بعد ذلك في السجن بضع سنين، هل تظن أنهم لم يتألموا من كل ذلك؟ كل ذلك وهم راضون بقدر الله وراضون عن ربهم ومولاهم الحق.
فكن يا أخي من الذين لا يزاحم تدبيرهم تدبير مولاهم، ولا يناهض اختيارهم اختياره –سبحانه-، فاختيار الله لعبده المؤمن هو أعظم اختيار، وهو أفضل اختيار مهما كان ظاهره صعباً أو شاقاً، أو فيه هلكة للمال، أو ضياع للمنصب والجاه، أو فقدٌ للأهل والولد، أو حتى ذهاب للدنيا بأسرها.
إن الدين لا يقوم إلا على أكتاف أولي العزمات من الرجال، ولا يقوم أبداً على أكتاف المترخصين والمترفين، وحاشاه أن يقوم على أكتافهم، فالدين العظيم لا يقوم إلا على أكتاف العظماء من الرجال، المسئولية الجسيمة التي ناءت بحملها السماوات والأرض، لا يمكن أن يقوم بها إلا أهلها ورجالها، إن العزمة التي نريدها منك أخي الداعية عزمة شاملة، عزمة في العلم والعمل، عزمة في الدعوة والجهاد، عزمة في الإيمان واليقين والصبر والرضى، عزمة في الحسبة والصدع بالحق، عزمة في إصلاح النفس وهداية الخلق.
إننا لا نريدها عزمة ناقصة تقتصر على مجال واحد، بل نريد ذلك الذي سمت همته في شتى مجالات العمل الإسلامي وليس في مجال دون مجال، أو في ناحية على حساب أخرى، نريد عزمة كاملة شاملة تامة، وليس هناك أبلغ مما قاله الإمام العلامة شمس الدين ابن القيم -رحمه الله- في كتابه الفذّ "طريق الهجرتين" عندما قال: "ومنهم السالك إلى الله في كل وادٍ، الواصل إليه من كل طريق، فهو جعل وظائف عبوديته قِبلةَ قلبه، ونصب عينه يؤمها أين كانت، ويسير معها حيث سارت، قد ضرب مع كل فريق بسهم، فأين كانت العبودية وجدته هناك، إن كان علمٌ وجدته مع أهله، أو جهاد وجدته في صف المجاهدين، أو صلاة وجدته في القانتين، أو ذكر وجدته في الذاكرين، أو إحسان ونفع وجدته في زمرة المحسنين، أو محبة ومراقبة وإنابة إلى الله وجدته في زمرة المحبين المنيبين، يدين بدين العبودية أنى استقلت ركائبها، ويتوجه إليها حيث استقرت مضاربها، لو قيل له: ما تريد من الأعمال؟ لقال: أريد أن أنفذ أوامر ربي، حيث كانت وأين كانت، جالبةً ما جلبت، مقتضيةً ما اقتضت، جمعتني أو فرقتني، ليس لي مراد إلا تنفيذها والقيام بأدائها، مراقباً له فيها، عاكفاً عليه بالروح والقلب والبدن، قد سلّمت إليه المبيع منتظراً منه تسليم الثمن {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ}
[(111) سورة التوبة]". انتهى كلامه -رحمه الله-.
إن النفس الإنسانية لابد لها أن تتحرك، فإذا هي كفّت عن الشر ولم تتحرك للخير، بقى فيها فراغ وخواء، قد يردها إلى الفساد -والعياذ بالله- إن كل واحد منا سائر لا واقف إما يميناً أو شمالاً، أو أماماً أو خلفاً، ليس هناك وقوف البتة، إنما هي مراحل تطوى إلى الجنة، مسرع ومبطئ متقدم ومتأخر {لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ}
[(37) سورة المدثر].
إن العمل للإسلام ليس نشاطاً من الأنشطة تمارسه في أوقات فراغك وتتركه ساعة شغلك، كلا!! إنه أعظم وأجل من ذلك بكثير، وقضية انتمائك لهذا الدين أكبر من ذلك بكثير، فالإسلام ليس نشاطاً من الأنشطة، كالنشاط الثقافي أو الرياضي تمارسه وأنت طالب وتتركه حين تتخرج، أو تمارسه وأنت أعزب وتتركه بعد الزواج، أو تعطيه وقتك قبل الوظيفة فإذا ما صرت موظفاً تركته وأهملته، حاشا وكلا أن يكون العمل للإسلام كذلك.
اعلم أنك وقف لله تعالى، إن قضية العمل للإسلام والانتماء له هي قضية عبوديتك الحقة لله -عز وجل-، فلن ينخلع المسلم عن العمل للدين بمقتضى عبوديته لله إلا مع آخر نفسٍ يخرج منه في هذه الحياة قال الله تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}
[(99) سورة الحجر]. ولقد فهم سلفنا الصالح -رضوان الله عليهم- هذه الحقيقة البسيطة والهامة في دين الله -عز وجل-، فوجدنا أن عمّار بن ياسر كان يقاتل في سبيل الله وهو في التسعين من عمره! وأقول: كان يقاتل ولم أقل: كان يدعو أو يعلم الناس أو يقوم بالحسبة فقط، ولكن كان -مع ذلك كله- يقاتل في سبيل الله، وهو في ذلك العمر الذي يرق فيه العظم ويوهن فيه الجسم ويشيب فيه الشعر وتضعف فيه القوى.
وكان أبو سفيان بن حرب يحرّض المقاتلين على القتال وقد جاوز السبعين من عمره، وكذلك اليمان وثابت بن وقش قاتلا في غزوة أحد بالرغم من سنهما الكبير وقد جعلهما النبي -صلى الله عليه وسلم- في مؤخرة الجيش مع النساء، ولماذا نذهب بعيداً؟ فهذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سبع وعشرين غزوة، وتلك الغزوات كلها غزاها بعد أن جاوز الرابعة والخمسين من عمره الشريف، بل إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شهد غزوة تبوك وقاد المسلمين فيها وكانت من أصعب الغزوات وأشدها عليهم وقد بلغ الستين من عمره -صلى الله عليه وسلم-. فما بالنا اليوم نرى الكثير يتركون العمل للإسلام بعد التخرج أو الزواج أو الوظيفة أو غيرها!! فليعلم هؤلاء أن أمر الدين ليس عبثاً أو لهواً {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ}
[(15) سورة النــور]. إن عاقبة النكوص وخيمة لاسيما لمن عرف الحق ثم انصرف عنه، ولمن ذاق حلاوة الحق ثم انغمس في الباطل {فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} [(10) سورة الفتح].
إن قضية العمل للإسلام قضية خطيرة، وللأسف قد ينظر إليها البعض ممن يشاركون وكأنها شركة تجارية، فما أن تنفض الشركة وتنتهي الأعوام الدراسية في الجامعة مثلاً، أو تنتهي فترة الزمالة والصداقة مع فلان أو فلان حتى تنتهي القضية برمتها!!.
إنك تُسرّ كثيراً عندما ترى مئات الشباب وربما آلافاً أحياناً في بعض المحاضرات أو المناسبات، لكنك إذا ما ذهبت تعد العاملين منهم الذين يعملون للإسلام بجد واجتهاد وعزيمة، ممن يصدق عليهم فعلاً مسمى العاملين للإسلام فإنهم لن يجاوزوا العشرات، فأين هذه الآلاف والمئات من العمل والبذل والعطاء؟ أين هم من ميادين الدعوة والحسبة وغيرها؟ إنهم يلعبون دور المتفرج فحسب ويكتفون بذلك؛ لأنهم اكتفوا بدرجة انتقالهم من الجاهلية إلى الالتزام بالإسلام ثم بعد ذلك توقفوا عند هذه الدرجة فلا يرون مفارقتها إلى درجات أخرى، أو حتى بدرجة إعداد أنفسهم للبذل والعطاء في مجالات العمل الإسلامي المختلفة، وإذا سألت أحدهم عن عطائه للإسلام وعمله في سبيل الدين فإنك تجده مستمعاً فقط، فهو يحضر وكفى، سلبيٌّ لا عطاء له، مقصّر حتى في مجال إعداد نفسه، يمر عليه العام وأكثر ولم يقرأ سوى كتاب أو كتابين من الكتب النافعة التي يجب على مثله أن يقرأ مثلها في أسبوع!.
إن هذه المشكلة تضيّع على الإسلام آلاف الطاقات التي كان يجب أن تتفجر في ميادين العمل الإسلامي المختلفة، إن هؤلاء الذين لا يعطون للإسلام إلا الفضلة من أوقاتهم، والقليل من أموالهم، والضعيف من جهودهم، هؤلاء لابد أن يعلموا جيداً أن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وكما أن الله لا يقبل الرديء من الطعام إذا تصدقت به، فكذلك لا يقبل منك الرديء من العمل إذا اخترت أن تعطيه للإسلام قال الله تعالى: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ}
[(267) سورة البقرة]. إن الإسلام -أخي الحبيب-، يريد منك جلَّ وقتك، وأكثر مالك وزهرة شبابك، إنه يريدك كلك، يريدك في وقت نشاطك لا في وقت خمولك، يريدك في وقت شبابك وقوتك وصحتك قبل هرمك، إنه يريد من كل شيء منك أطيبه وأحسنه وأجلّه وأعظمه، إن الإسلام يريد ذلك الرجل الذي يعطي كل شيء لدينه، يعطي حياته ووقته وماله وبيته وسيارته وكل ما يملك، إننا نريد الرجل الذي يبيع نفسه لله بما تحمل هذه الكلمة من معانٍ، نريد الرجل الذي يكون له في كل يوم عطاء جديد للإسلام.
إن الإسلام يريد اليوم من كل داعية وكل طالب علم أن يقول لنفسه: هل من الإنصاف أن أستريح وإخواني يتعبون؟ أو أترك العمل للإسلام وأنا أرى ما يعيشه المسلمون من محنٍ قاسية وحربٍ ضروس مع أعدائهم؟ أن يقول لنفسه كما قال الصحابي الجليل أبو خيثمة يوم تأخّر عن اللحاق برسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك فقال: "رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الضّحّ والريح والحرّ، وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء، في ماله مقيم! ما هذا بالنّصَف". إن هذه الكلمات العظيمة يجب أن يقولها كل مؤمن لنفسه وأن يحدث بها نفسه دائماً.
إن عجلة عملك للإسلام إذا دارت فإياك ثم إياك أن توقفها لحظة بحجة أو بأخرى، فإنك إن فعلت أوشَكَت أن لا تدور أبداً، وإن دارت بعد ذلك دارت بمشقة، فالحسنة تدل على أختها، والطاعة تدعو إلى شقيقتها والبر يدعو إلى صنوه، والكسل والبطالة كذلك.
تذكّر دوماً أنك على ثغر من ثغور الإسلام فالله الله أن يؤتى الإسلام من قبلك، فمن ترك ريّ زرعه مرة أو مرات قليلة فسدت وما صلح لها ثمر، صِل يا أخي الكريم، ليلك بنهارك وصباحَك بمسائِك وصيفك بشتائك، فأين المقتدون برسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ وأين وارثو النبوة؟ وأين السالكون لطريقه المقتفون لأثره؟ فحقاً ((الناس كإبل مائة، لا تكاد تجد فيها راحلة)) كما قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وإننا مع كل هذا نبحث عن تلك الراحلة التي تتحمّل عناء الطريق، وقسوة الطقس، وقلة العلف، وثقل الحِمل.
إن الواقع الآن محتاج إلى كل جهد مهما ضؤل حجمه، وصغرت مساحته، وقل عدده، فعند الله لا يضيع مثقال ذرة {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ}
[(7) سورة الزلزلة].
الأمة بحاجة إلى مضاعفة الجهد، وتكثيف العطاء وترجمة الكلام إلى عمل، آفة الأمة، كثرة الشاكين المتوجعين، وقلة المداوين، كثرة من يسبون الظلام وقلة من يوقدون ولو شمعة، نعم، لم يعد أحد هناك إلا ويشكو فمن المشكو منه إذن: إن علينا أن ننتقل من دائرة الشكوى إلى دائرة العمل المتواصل الدؤوب، لا ترضَ أخي المسلم أن تكون من المتفرجين، تنتظر العمل من الآخرين، تنتظر حتى يأتي شخص من الخارج فيصلح لك أوضاع بيتك، بل يعمل الجميع وكل على قدر جهده وطاقته، من استطاع منكم أن يميط شوكة من طريق فليمطها، ومن استطاع منكم أن يبذر حبة فليبذرها، من كان عنده علم دعا به، ومن كان عنده مال دعا به، فالمسئولية على الجميع، كل بحسبه، والأمة كلها مسؤولة عن فرائض الله وعن حدود الله وعن شرائع الله وعن تحكيم كتاب الله، إن المستمع عليه من المسئولية كما على المتكلم، مسؤولية تحويل الكلام إلى عمل، والأفكار إلى وقائع، وإن اختلفت درجة المسؤولية، المسلم مطالب بالعمل إلى آخر رمق، ((لو قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فاستطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها فله بذلك أجر)).
والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً وأصلي وأسلم...


  

التعليقات

ofkpkupi

ZDANMz tayxiulxvsid, [url=http://pauacidlnzrj.com/]pauacidlnzrj[/url], [link=http://bwpeamdgogwc.com/]bwpeamdgogwc[/link], http://nrbiteifkcyf.com/

hobkowckccx

pRyuyS bcxaeqtnmkhe, [url=http://gnjuphltvosu.com/]gnjuphltvosu[/url], [link=http://nurrmubnpoha.com/]nurrmubnpoha[/link], http://xcqpnjgnskym.com/

rrwtbgwepvt

TqsUa9 xbuzhzhdjmzx, [url=http://mucwcadxhxwl.com/]mucwcadxhxwl[/url], [link=http://tcqtrpvumvmq.com/]tcqtrpvumvmq[/link], http://kwoeewgfxcgs.com/


 
حركة الجهاد والفتح الإسلامي في عهد الدولة الأموية

القائمة البريدية

57.58