خدمة rss
قصة الإفك

   

قصة الإفك


الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد


إن الحمد لله...
قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ * لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ * لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّه رَؤُوفٌ رَحِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ}
[(11-25) سورة النور].
هذه آيات ساقها الله -جل وتعالى- لنا في سورة النور، تتحدث عن قصة أليمة هزت المجتمع المدني بأسره شهراً كاملاً، عُرفت في السيرة النبوية بحادثة الإفك تتعلق بأم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- كانت بعد غزوة بني المصطلق، ساقها الله -جل وتعالى- لنا لكي يستفيد منها كل مسلم دروساً عظيمة ويعلم أن البلايا والمحن وأنواع الاختبارات نزلت بأشرف وأطهر منه، فلا عليه إن نزل به شيء من ذلك إلا المواجهة بالصبر والاحتساب لينال الأجر في الدنيا والآخرة.
إن المصائب والفتن اختبارات تبين مدى ما يمتلك العبد من الإيمان، وهي ضرورة للمؤمن، تشحذ همته وتقوي إيمانه، ولعل من حكمة الابتلاء أنه فرصة لمراجعة حسابات مضت ووقفة أمـام تطلعات لمستقبل آت، فالابتلاء يزيد الرجال نضوجاً وصلابة، والدعاة الصادقين ثباتاً وعمقاً، ولن يكون الابتلاء شراً للمؤمنين أبداً، فهو خير يسوقه الله لعباده ليعودوا وقد علتهم عزة الإيمان التي يمتلكونها وما هي إلا لحظات حتى نرى أنها زالت على شموخها وقد سقط كل ما حولها وتحول إلى رماد، لا شك أن قدوتنا هو محمد بن عبد الله فانظروا ماذا حصل له من الابتلاء، لقد ولد يتيماً لم ير أباه، وفقد أمه وهو صغير، ونشأ فقيراً يرعى الغنم، وتزوج خديجة -رضي الله عنها-، وبعد ذلك بخمسة عشر عاماً أرسله الله، فوقف الطواغيت في وجهه يصدون عن دين الله، وكان عمه أبو طالب يقف بجانبه يحميه ويدافع عنه، وكانت زوجه خديجة تسرّي عنه وتخفف آلامه وتواسيه بمالها، وفى عام واحد توفيت خديجة -رضي الله عنها- وتوفي أبو طالب، فحزن رسول الله على ذلك حزناً شديداً، لقد مات نصيره وأنيسه، فطمعت قريش في أذى الرسول وقد مات أولاده الذكور في حياته جميعاً، فصبر واحتسب ولم يقف الابتلاء عند هذا الحد فقد وقعت له مصيبة عظيمة، ودرس من أقسى دروس الابتلاء، ألا وهو حادثة الإفك، تلك الحادثة التي كشفت عن شناعة جرم المجرمين وبشاعته وهو يتناول بيت النبوة الطاهر الكريم، ويتناول عرض رسول الله أكرم الخلق على الله وعرض صديقه الصدّيق أبي بكر -رضي الله عنه- أكرم صحابته عليه، وعرض رجل من الصحابة وهو صفوان بن المعطل -رضي الله عنه-، ويشغل ذلك الحدث المسلمين بالمدينة شهراً من الزمان، هذا الحادث الذي جلب الهموم والآلام لقلب رسول الله وقلب عائشة -رضي الله عنها- وقلب أبي بكر الصديق وقلب صفوان شهراً كاملا.
وملخص هذه الحادثة كما رواها الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أراد سفراً أقرع بين أزواجه، فأيّهن خرج سهمها خرج بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معه، قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي فخرجت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد ما أنزل الحجاب، فكنت أُحمل في هودجي وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من غزوته تلك وقفل، ودنونا من المدينة قافلين، آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رَحلي، فلمست صدري فإذا عقد لي قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، قالت: وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه، وهم يحسبون أني فيه وكان النساء إذ ذاك خفافاً لم يَهْبلن، ولم يغشهنّ اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه، وكنت جارية حديثة السنّ، فبعثوا الجمل فساروا، ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها منهم داع ولا مجيب، فتيممت منـزلي الذي كنت فيه، وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسة في منـزلي غلبتني عيني فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأدلج فأصبح عند منـزلي، فرأى سواد إنسان نائم فعرفني حين قد رآني، وكان قد رآني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي، ووالله ما كلمني كلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه وَهَوَى حتى أناخ راحلته، فوطيء على يديها، فقمت إليها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرة وهم نزول، قالت: فهلك من هلك، وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبيّ بن سلول، قال عروة: أُخْبِرْتُ أنه كان يشاع ويتحدث به عنده فيقره ويستمعه ويستوشيه. فقال عروة أيضاً: لم يُسَمّ من أهل الإفك إلاّ حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش، في ناس آخرين لا علم لي بهم، غير أنهم عصبة، كما قال الله تعالى، وإن كِبْرَ ذلك يقال له عبد الله بن أبيّ بن سلول. قال عروة: كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان وتقول: إنه الذي قال:
 

فإن أبي ووالده وعرضي *** لعرض محمد منكم وقاء
 

قالت عائشة -رضي الله عنها-: فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمت شهراً، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك، لا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيسلم، ثم يقول: ((كيف تيكم؟)). ثم ينصرف فذاك الذي يريبني ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعدما نقَهت، فخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهو متبرزنا، -وكنا لا نخرج إلاّ ليلاً وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريباً من بيوتنا، فكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا-، فانطلقت أنا وأم مسطح -وهي ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف، وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب- فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح فقلت لها: بئس ما قلت! أتسبين رجلاً شهد بدراً؟ فقالت: أي هنتاه ولم تسمعي ما قال؟ قلت: وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، قالت: فازددت مرضاً على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي ودخل عليّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فسلم، ثم قال: "كيف تيكم؟". فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبويِّ؟ قالت: وأنا حينئذٍ أريد أن أستيقن الخبر من قِبلهما، قالت: فأذن لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فجئت أبويّ فقلت لأمي: يا أمتاه، ماذا يتحدث الناس؟ قالت: يا بنية هوني عليك فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا كثرّن عليها، قالت: فقلت: سبحان الله، أو لقد تحدث الناس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم حتى أصبحت أبكي، فدعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي، يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله قالت: فأما أسامة فأشار على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه من الودّ، فقال: يا رسول الله أهلك ولا نعلم إلا خيراً. وأما علي فقال: يا رسول الله لم يضيّق الله عليك والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك، قالت: فدعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بريرة: فقال: ((أي بريرة، هل رأيت من شيء يريبك))، قالت له بريرة: لا والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها أمراً قط غير أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله. قالت: فقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبيّ وهو على المنبر، فقال: ((يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلا معي)). قالت: فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل فقال: أنا يا رسول الله أعذرك منه، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج، أمرتنا ففعلنا أمرك. قالت: فقام رجل من الخزرج، وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه، وهو سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، قالت: وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً، ولكن احتملَته الحمية، فقال لسعد: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل، فقام أسيد بن حضير، وهو ابن عم سعد فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين. قالت: فتثاور الحيان الأوس والخزرج حتى همّوا أن يقتتلوا، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائم على المنبر، وقالت: فلم يزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخفِّضهم حتى سكتوا. قالت: فبكيت يومي ذلك كله لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم. قالت: وأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويوماً لا أكتحل بنوم ولا يرقأ لي دمع حتى إني لأظن أن البكاء فالق كبدي، فبينا أبواي جالسان عندي وأنا أبكي، فاستأذنت عليّ امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي. قالت: فبينا نحن على ذلك دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- علينا فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شأني بشيء. قالت: فتشهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين جلس، ثم قال: ((أما بعد: يا عائشة، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه)). قالت: فلما قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عني فيما قال. فقال أبي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلت لأمي: أجيبي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما قال: قالت أمي والله ما أدري ما أقول لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقلت وأنا جارية حديثة السنّ لا أقرأ من القرآن كثيراً: إني والله لقد علمت: لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة، لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لَتُصَدِّقُنِّي فوالله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا أبا يوسف حين قال: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [(18) سورة يوسف] ثم تحولتُ فاضطجعتُ على فراشي، والله يعلم إني حينئذٍ بريئة وأن الله مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منـزل في شأني وحياً يتلى، لشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في النوم رؤيا يبرئني الله بها، فوالله ما رام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه من العرق مثل الجمان، وهو في يوم شاتٍ، من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت: فسرِّي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يضحك فكانت أول كلمة تكلم بها أن قال: ((يا عائشة أما الله فقد برأك)) قالت: فقالت لي أمي: قومي إليه فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله -عز وجل-. قالت: وأنزل الله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ جَاءوا بِٱلإفْكِ عُصْبَةٌ مّنْكُم} العشر الآيات كلها، فلما أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة ما قال. فأنزل الله: {وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [(22) سورة النــور] قال: أبو بكر الصديق: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فأرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبداً.
هذه هي القصة بتمامها والمعاناة بكاملها روتها أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- ولنا وقفات مع هذا الحادث نستجلي منه بعض الحقائق.
إنها قصة عجيبة وحادثة أليمة تحمل في طياتها من الدروس والعبر والعظات الشيء الكثير والتي نزل وقعها الأليم على أشرف خلق الله محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعلى زوجته الطاهرة أم المؤمنين عائشة وعلى أبويها أبي بكر الصديق وزوجته -رضي الله عنهم أجمعين- والتي واجهوها بالصبر القوي الذي ألهمهم الله إياه وثبتهم عليه عندما نزل بهم جميعاً هذا الابتلاء والامتحان والاختبار الذي يعتبر نبراساً للأمة المسلمة لكي يستفيدوا منه دروساً عملية في حياتهم ومستقبل أيامهم ليستلهموا منه العبر والعظات والتوجيهات.
أولاً: إن من التعليمات التي وجهها الله -تبارك وتعالى- إلى المسلمين أن لا يقبلوا من كل أحد قوله بدون روية إذا كان يرمي غيره بما لا يرونه فيه ولا يشيعوه في المجتمع، بل من واجبهم إذا وجدوا أن قد فشت في المجتمع مثل هذه الافتراءات والاتهامات الكاذبة أن يعملوا على كبتها ويحولوا دون شيوعها ويجتنبوا تناقلها بينهم، وإن الذين يلفقون الأخبار الفاحشة ويذيعونها أو يحاولون أن تشيع الفاحشة في المجتمع المسلم ويحاولون إلصاق التهم بالمؤمنين والمؤمنات ويرمونهم بما ليس فيهم، إنهم لا يستحقون الحماية والتشجيع، بل يستحقون العقاب وإقامة الحد على كل فرد منهم حتى يرتدع ويطهّر لسانه وسمعه وبصره عن قالة السوء وقذف الغافلين من المؤمنين والمؤمنات وليرتدع غيره من المخدوعين بهذه المقالات السيئة إن كان مؤمناً ويكون تطهيراً له، وإن كان منافقاً كذلك يقام عليه الحد من أجل أن يكبت ويخرس لسانه ولئلا تسول له نفسه إشاعة الفاحشة واتهام الأبرياء مرة أخرى وليعلم أن هذا عقابه في الدنيا مادام على هذه الحال، وفي الآخرة عذاب عظيم.
ثانياً: أما المؤمنون فيجب أن يظنوا بأنفسهم خيراً ولا يعتمدوا على سوء الظنّ وقالة السوء التي تنتشر في المجتمع بسبب منافق أو منافقة إذا هم سمعوا عن ذلك يجب عليهم أن يطهروا أسماعهم وأبصارهم وألسنتهم من هذا البهتان على المؤمنين والمؤمنات، وإن كانت التهمة تلحق بأحد منهم فليصبروا وليحتسبوا جزاء صبرهم عند الله، ثم إن كانت لديهم البينة على من أشاع ذلك فليطلبوا إقامة الحد الشرعي على ظهور أولئك المنافقين أو المخدوعين من المسلمين.
ثالثاً: إن الله -سبحانه وتعالى- قد أورد في القرآن الكريم نموذجاً من قذف المحصنات الغافلات المؤمنات البريئات، اللواتي قُذفن بتهمة الزنا دون جريرة ودون أن يقترفن ما اتهمن به، وكان القصد من هذا الاتهام هو إيجاد البلبلة والإرباك بين المسلمين، وقد بلغت الجريمة من الشناعة أنها تناولت أشرف بيت عرفته البشرية، إنه بيت النبوة على صاحبه أفضل الصلوات والتسليم، وتناولت عرض رسول الله الذي هو أكرم الخلق عند الله، وتناولت عرض زوجه الصدّيقة بنت الصدّيق عائشة -رضي الله عنها- أم المؤمنين، والتي حلّت من قلب النبي محلاً كبيراً من الحب والتقدير، وتناولت كذلك عرض صاحبه -عليه الصلاة والسلام- وهو أبو بكر الصديق الرجل الوفي الذي كان أول السابقين إلى الإسلام، والذي أحبه النبي حباً ما أحبه رجلاً قط، ولو كان من قرابته ، ولذلك عانى أبو بكر من الألم والقلق والارتباك والشك هو وزوجه ما لم يعانيه من قبل، ولذلك قال: هذا أمر لم نُتهم به في الجاهلية، أفنُرمى به في الإسلام؟ مما يدل على الألم الذي كان يعتصر قلبه ، وهو يرى ابنته الشريفة قد تناولها الأفّاكون بهذه الجريمة البشعة، وتتجلى بشاعتها عندما يُقذف رجل من المسلمين ما علم عنه النبي إلا خيراً ذلكم هو الصحابي الفاضل صفوان بن المعطل الذي ظل كذلك يعتصر الألم قلبه، كيف يرمى بخيانة بيت النبوة، ومن يخون رسول الله الذي يحبه حباً عظيماً بعد الله -عز وجل- متقرباً إلى الله -عز وجل- بحب نبيه، وكذلك أبطأ الوحي شهراً، وعاش المسلمون لحظات رهيبة عصيبة الكل يخوض، وانقسم المجتمع إلى قسمين قسم خاض مع الخائضين، وقسم توقف، وقسم كان عنده الورع وإذا به يقول كما قال الله -سبحانه وتعالى-: {سُبْحَـٰنَكَ هَـٰذَا بُهْتَـٰنٌ عَظِيم}. إنها حادثة تكشف لنا كثيراً من الصور التي نجليها في مجتمعاتنا ونحن نعيش بين الناس نستكشف حقائق كثيرة.
رابعاً: أن الذين تولوا كبر هذا الإثم قد حاكوا المؤامرة بخبث ولؤم وكان من الدهاء حيث الذي تولى كبره ما كان يتكلم به عند الناس، إنما كان يتكلم به عند خاصته الذين يسترون أمره ألا وهو عبد الله بن أبيّ بن سلول رأس المنافقين، ورسول الله أبطأ عنه الوحي ولا يستطيع أن يبرئ أهله، وهو يعلم فيهم الخير، مما اتهموا به ولا يعلم من هذا الرجل أي صفوان إلا خيراً، لكن البرءاة كيف يكشفها وقد أبطأ الوحي وحساسية الموقف تجعل الإنسان في غاية الارتباك والقلق والشك والأرق لم يكن النبي -عليه الصلاة والسلام- يعتصر الألم في صدره إنما كان أبو بكر في موقفه إن لم يكن أشد منه، الذي اتهم هو بيت أبي بكر، التي اتهمت هي الصدّيقة بنت الصدّيق -رضي الله عنها- الذي اتهم هو رسول الله ونال المنافقون وعصبة اليهود من عرض النبي ، لأنهم لما عجزوا في حرب الإسلام علانية لجأوا إلى هذه الأساليب الخسيسة، والتي بلغت من الجرم والشناعة ما الله به عليم، والمهم أن الاستشارة لأسامة بن زيد وعلي بن أبي طالب ليس في ذلك غرابة، فإنه قد عانى ما لم يعانه أحد من قبل، كما أن ذلك الاتهام كان اتهاماً للإسلام، ولذلك ما عانى الرسول في كل المواقف التي عاناها منذ أن بعثه الله إلى أن توفاه مثل تلك المعاناة.
خامساً: إن الله -سبحانه وتعالى- حين أنزل براءة أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قال في أول آية من الآيات العشر من سورة النور وهي نور من أولها إلى آخرها تُجلي لنا حقائق كثيرة قال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ جَاءوا بِٱلإفْكِ عُصْبَةٌ مّنْكُم} يعني أنه لم يكن فرداً ولم يكونوا أفراداً إنما كانوا جماعة ذات هدف معين يتزعمهم رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول، ومن ورائه عصبة من اليهود الذين غاظهم أن بعث الله نبيه، وهم يتآمرون على الإسلام علانية فلما باءت كل محاولاتهم بالفشل لجأوا إلى هذا الأسلوب الخسيس وإلى هذا الجرم والشناعة أن يشككوا في أطهر بيت وأشرفه عرفته البشرية منذ أن خلق الله آدم وإلى يومنا هذا، بل وإلى قيام الساعة ما الذي يفيدنا هذا؟ يفيدنا أن العصبة التي شككت في بيت رسول الله موجودة اليوم كما وجدت في ذلك الزمان، فها نحن اليوم نسمع من يرمي أم المؤمنين عائشة بالفحش، من قبل كثير ممن أعمى الله -سبحانه وتعالى- بصائرهم عن نور الحق، وكانوا مثلهم في الجرم وكانوا مثلهم في البشاعة والذي يرمي أم المؤمنين عائشة بالفحش لا حظ له من الإسلام فهو أول المخالفين للإسلام، فهو أول مكذّب بالقرآن، حيث برّأ الله عائشة من فوق سبع سموات، لا حظ له من الإسلام لأنه قد تناول أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، وتناوُله إنما الهدف منه اتهام النبي ، والنيل من رسول الله هو النيل من الإسلام، لأننا إذا اتهمنا عرض أشرف رجل عند الله -عز وجل- وأكرمه، فماذا بقي بعد ذلك للإسلام من قداسة؟.
سادساً: إن هذا الحادث كما تعلمون أنه قد خاض فيه بعض من الصحابة من أجلاء الصحابة كمسطح بن أثاثة الذي شهد بدراً والنبي يقول: ((فلعل الله قد اطلع على أهل بدر فغفر لهم فقال لهم: اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم)). وحسان بن ثابت شاعر النبي والذي كان يذب عن الإسلام ويدافع عن الدين ويدافع عن رسول الله بشعره لتكون شرارة يقذف الله -سبحانه وتعالى- بها على رؤوس الكافرين فتهلكهم وتبددهم، وهو الذي دعا له النبي -صلى الله عليه وسلم- ونصب له منبراً في المسجد وكان يقول له: ((اهجهم وروح القدس معك)). وحمنة بنت جحش أخت أم المؤمنين زينب بنت جحش -رضي الله عنها- صحابية جليلة خاضت مع الخائضين، فهلكت مع من هلك من أهل الإفك. فما الذي يدل عليه هذا الأمر؟ إنه يدل على أن النفوس ضعيفة وأن الابتلاء هو الذي يمحص النفوس، ونحن أيضاً مبتلون بهذا، إذا كان أصحاب رسول الله تربوا على يديه خاضوا مع الخائضين، وهلكوا مع الهالكين في حديث الإفك، لينالوا من عرض رسول الله وعرض زوجه، فإن كثيراً من المسلمين اليوم يجلسون المجالس ويتحدثون في أعراض الناس الأبرياء، ويقذفون المحصنات المؤمنات البريئات بالتهم التي لا خطام لها ولا فطام، وإذا بهم بعد ذلك يشككون في النوايا، ويقولون: فلان كذا وفلان قال كذا ونوى كذا، دخلوا في نوايا الأبرياء والدعاة والعلماء، فالحذر الحذر من اللسان، فإنه يورد الإنسان الموارد والمهالك، والنبي قال لمعاذ بن جبل: ((كف عليك هذا وأشار إلى لسانه)) فقال: يا رسول الله وإنا لمآخذون بما نتكلم به؟ قال: ((ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم)). اللسان جرمه صغير وشره مستطير، إنه ثعبان لو لدغك فإنه يودي بدينك وبحياتك، ولربما يتكلم الإنسان بكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار سبعين خريفاً، وإنك لترى الرجل يعجبك سمته وخلقه وهديه متورع عن الشبهات فضلاً عن تورعه عن أكل الحرام، ولكنه إذا جلس مجلساً فإنه يفري في أعراض الناس، ويطلق للسانه العنان، فإنا لله وإنا إليه راجعون من هؤلاء الذين ابتلوا في أعراض الأبرياء.
سابعاً: إن هذا الحادث يبين لنا أن حملة الدين مستهدفون، فكم قرأنا وكم سمعنا وكم رأينا وما زلنا نقرأ ونسمع ونرى دعاة صادقين وعلماء أجلاء اتهمهم أعداء الإسلام من اليهود والنصارى وأذنابهم في أعراضهم حتى إنهم أوذوا بين قومهم، فمنهم من أقيم عليه الحد، ومنهم من نبذهم الناس، ولكن إرادة الله -سبحانه وتعالى- قاضية أن يمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين، فما تدور عجلة الزمان إلا ويبرئ الله -سبحانه وتعالى- ساحة الأبرياء من أوليائه، ويأخذ الذين تولوا كبر الإثم والجريمة البشعة أخذ عزيز مقتدر. {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ}
[(38) سورة الحـج].
ثامناً: الشائعات من أخطر الحروب المعنوية والأوبئة النفسية، بل من أشد الأسلحة تدميراً وأعظمها وقعاً وتأثيراً، وليس من المبالغة في شيء إذا عُدَّت ظاهرةً اجتماعية عالمية لها خطورتها البالغة على المجتمعات البشرية. تعتبر الشائعات من أخطر الأسلحة الفتاكة والمدمرة للمجتمعات والأشخاص، فكم أقلقت الإشاعة من أبرياء، وكم حطمت الإشاعة من عظماء، وكم هدمت الإشاعة من وشائج، وكم تسببت الشائعات في جرائم، وكم فككت الإشاعة من علاقات وصداقات، وكم هزمت الإشاعة من جيوش، وكم أخرت الإشاعة في سير أقوام.
والمستقرئ للتاريخ الإنساني يجد أن الشائعات وُجدت حيث وُجد الإنسان، بل إنها عاشت وتكاثرت في أحضان كل الحضارات، ومنذ فجر التاريخ والشائعة تمثّل مصدر قلقٍ في البناء الاجتماعي، والانتماء الحضاري لكل الشعوب والبيئات، ولما جاء الإسلام اتخذ الموقف الحازم من الشائعات وأصحابها لما لنشرها وبثها بين أفراد المجتمع من آثار سلبية، على تماسك المجتمع المسلم، وتلاحم أبنائه، وسلامة لُحْمته، والحفاظ على بيضته، بل لقد عدّ الإسلام ذلك سلوكا مرذولاً منافياً للأخلاق النبيلة، والسجايا الكريمة، والمثل العليا، التي جاءت بها وحثت عليها شريعتنا الغراء من الاجتماع والمحبة والمودّة والإخاء والتعاون والتراحم والتعاطف والصفاء، وهل الشائعة إلا نسف لتلك القيم؟! ومعول هدم لهذه المثُل؟!.
إذا كان في دنيا النبات طفيليات تلتفُّ حول النبتة الصالحة، لتفسد نموّها فإن الشائعات ومروّجيها أشدُّ وأنكى، لما يقومون به من خلخلة البُنى التحتية للمجتمع، وتقويض أركانه، وتصديع بنيانه، فكم تجنّوا على أبرياء؟ وأشعلوا نار الفتنة بين الأصفياء؟ وكم نالوا من علماء وعظماء؟ وكم هدّمت الشائعة من وشائج؟ وتسبّبت في جرائم؟ وفككت من أواصر وعلاقات؟ وحطّمت من أمجاد وحضارات؟ وكم دمّرت من أسر وبيوتات؟ وأهلكت من حواضر ومجتمعات؟ بل لرب شائعة أثارت فتنا وبلايا، وحروباً ورزايا، وأذكت نار حروب عالمية، وأججت أوار معارك دولية، وإن الحرب أوّلها كلام، ورب كلمة سوء ماتت في مهدمها، ورب مقالة شرّ أشعلت فتناً لأن حاقداً ضخّمها ونفخ فيها.
ولا شك في الإشاعة لعبت دوراً كبيراً في حادثة الإفك. ولهذا فالشريعة الإسلامية حددت وسائل لمواجهة خطر الشائعات، وإن من أولى الخطوات في مواجهة حرب الشائعات تربية النفوس على الخوف من الله، والتثبت في الأمور، فالمسلم لا ينبغي أن يكون أذنا لكل ناعق، بل عليه التحقق والتبيّن، وطلب البراهين الواقعية، والأدلّة الموضوعية، والشواهد العملية، وبذلك يُسدّ الطريق أمام الأدعياء، الذين يعملون خلف الستور ويلوكون بألسنتهم كل قول وزور، ضد كل مصلح ومحتسب وغيور.
ونستطيع أن نحدد طريقة التعامل مع الشائعات في أربعة نقاط مستنبطة من قصة الأفك، التي رسمت منهجاً للأمة في طريقة تعاملها مع أية شائعة إلى قيام الساعة.
الأولى: أن يقدم المسلم حسن الظن بأخيه المسلم، قال الله تعالى: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا}
[(12) سورة النــور].
الثانية: أن يطلب المسلم الدليل البرهاني على أية إشاعة يسمعها، كما قال تعالى: {لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء}
[(13) سورة النــور].
الثالثة: أن لا يتحدث بما سمعه ولا ينشره، فإن المسلمين لو لم يتكلموا بأية إشاعة، لماتت في مهدها قال الله تعالى: {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا}
[(16) سورة النــور].
الرابعة: أن يرد الأمر إلى أولي الأمر ولا يشيعه بين الناس أبداً وهذه قاعدة عامة في كل الأخبار المهمة، والتي لها أثرها الواقعي، قال الله تعالى: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً}
[(83) سورة النساء] فإذا حوصرت الشائعات بهذه الأمور الأربعة، فإنه يمكن أن تنتهي آثارها السيئة المترتبة عليها بإذن الله -عز وجل-.
تاسعاً: لا يمكن للمواقف الشديدة أن تنسي الإنسان الالتزام بالأحكام الشرعية خاصة إذا استقر الإيمان في النفس وخالط بشاشة القلب بلا انفكاك، فعائشة -رضي الله عنها- كانت صغيرة السن، في موقف يذهل القلوب ويحير الألباب، وحديثة عهد بحجاب، ومع ذلك فقد التزمت بشرع الله حين عرض لها امتحان مفاجئ. قالت: "فاستيقظت ‏باسترجاعه‏ ‏حين عرفني‏ ‏فخمرت‏ ‏وجهي بجلبابي".
هذه هي بعض الحقائق والدروس والعبر التي يمكن أن نجليها لنستكشف واقعنا، فإن الهول الذي ينتظر الدعاة الصادقين هول عظيم، وهو ابتلاء قدّره الله -سبحانه وتعالى- كوناً وقدراً وشرعاً أن يكون لأوليائه، ليعلم الله -سبحانه وتعالى- الصادق في دينه والكاذب.
أسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يثبت قلوبنا على الإيمان والتقوى، وأن يعصم ألسنتنا من الإفك والافتراء والكذب والقذف، وأن يعصمنا من الزلل والمعاصي ما ظهر منها وما بطن، فاللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار...
والحمد لله أولاً...



 
حركة الجهاد والفتح الإسلامي في عهد الدولة الأموية

القائمة البريدية

53.91