سعد بن معاذ رضي الله عنه
28/10/1428هـ
الشيخ / ناصر بن محمد الأحمد
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله: أما بعد أيها المسلمون: عندما اختار الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم واصطفاه لحمل رسالته، أتم نعمته عليه وعلينا، فاصطفى أناساً من صفوة الخلق، ليحملوا معه مشعل الهداية، ويقودوا الناس إلى الحق، ويجنبوهم طريق الغواية. فكانوا بحق أُسد الوغى، وشعار التقوى، ونبراس الورى، رضي الله عنهم وأرضاهم. كانوا جيلاً فريداً بين الأجيال، تحمّلوا في سبيل الله ما تعجز عن تحمله رواسي الجبال، فحملوا الراية، وذادوا عنها بقوة الأشاوس، وبسالة الأبطال. وإليكم قصة أحدهم، ولم يكن أفضلُهم، أسوق سيرته كالأنموذج والمثال. لقد كان سيداً كبيراً، أبلى في الإسلام بلاء حسناً، حتى مات شهيداً، له المناقب الكثيرة والفضائل الغزيرة، إنه سعد بن معاذ، الأنصاري الأوسي البدري الأشهلي رضي الله عنه. عاش سبعاً وثلاثين سنةً فقط، كانت حياته في الإسلام قصيرةً بحيث لم تزد على سبع سنوات، لذا فإن ذكره كان قليلاً بالنسبة إلى الصحابة الذين عمّروا في الإسلام، فخاضوا المعارك، وقادوا الفتوح، ولو عاش طويلاً فلربما كان له أثر أكبر، ومع ذلك كان يُعدُّ بين الأنصار كأبي بكر بين المهاجرين.
أسلم سعد بن معاذ على يد مصعب بن عمير رضي الله عنهما، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث مصعباً إلى المدينة بعد بيعة العقبة الأولى، وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين، فنـزل مصعب على أسعد بن زُرارة، وكان يسمى بالمدينة المقرىء، وكان يصلي بهم، فخرج أسعد بن زرارة بمصعب بن عمير يريد دار بني عبد الأشهل، ودار بني ظفر، فدخل به حائطاً من حوائط بني ظَفَر، فجلسا في الحائط واجتمع إليهما رجالٌ ممن أسلم، وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير، يومئذٍ سيدا قومهما من بني الأشهل، وكلاهما على دين قومه فلمّا سمعا به قال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير: لا أبا لك، انطلق بنا إلى هاذين الرجلين الذين قد أتيا دارينا ليسفّها ضُعفاءنا، فازجرهما وانههما عن أن يأتيا دارينا، فإنه لولا أسعد بن زرارة مني حيث علمت كفيتُك ذلك، هو ابن خالتي، ولا أجد عليه مَقدَماً. فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل إليهما، فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب: إن جَلس فَكلّمه، فوقف عليهما متشتّما، فقال: ما جاء بكما إلينا، تسفهان ضُعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة. فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمراً قبلته، وإن كرهته كُفّ عنك ما تكره. قال: أنصفت. ثم ركز حربته وجلس إليهما، فكلّمه مصعب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن، فقالا في نفسيهما: والله لقد عرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم، في إشراقه وتَسَهُّلِه، ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله، كيف تصنعون إذا كي تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له: تغتسل فتتطهر، وتشهد شهادة الحق، ثم قام فركع ركعتين، ثم قال لهما: إن ورائي رجلاً إن اتبَعَكُما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما الآن، وهو سعدَ بنَ معاذ، ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومِه وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلاً، قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بن حضير بغير الوجه الذي ذهب به من عندِكم. فلما وقف على النادي قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلمت الرجلين فوالله ما رأيت بهما بأسا، وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت. وقد حُدِّثتُ أن بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد بنِ زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليَخفِروك. قال: فقام سعد بن معاذ مُغضبا مبادراً تخوفاً للذي ذكر له من بني حارثة، فأخذ الحربة في يده ثم قال: والله ما أراكَ أغنيت شيئا. ثم خرج إليهما، فلما رآهما سعد مطمئنين، عرف سعدٌ أن أسيداً إنما أراد منه أن يَسمع منهما، فوقف عليهما متشتما، ثم قال لأسعد بن زرارة: يا أبا أمامة، أما والله لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رُمتَ هذا مني، أتغشانا في دارنا بما نكره؟ وقد قال أسعد بن زرارة لمصعب بن عمير: أي مصعب! جاءك والله سيدٌ، من ورائه قومُه، وإن يتبعْكَ لا يتخلفْ عنك منهم اثنان. فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع، فإن رضيت أمراً ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره. قال سعد: أنصفت. ثم ركز حربته وجلس، فعرض عليه الإسلام وقرأ عليه القرآن، قالا: فعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم لإشراقه وتسهله، ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟ قالا: تغتسل فتتطهر وتطهر ثوبك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم قام فركع ركعتين، ثم أخذ حربته، فأقبل عامداً إلى نادي قومه ومعه أسيد بن الحضير، فلما رآه قومه مقبلا قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندِكم. فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري منكم؟ قالوا سيدُنا وأوصَلُنا، أفضلُنا رأيا، وأيمنُنا نَقِيبةً. قال: فإن كلامكم عليّ حرامٌ حتى تؤمنوا بالله ورسوله. فما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجلٌ ولا امرأةٌ إلا مسلمٌ أو مسلمة. وكان إسلامه حين أسلم قبل الهجرة بعامين.
وبعد أن أسلم سعد بن معاذ رضي الله عنه انتقل مصعب بن عمير إلى بيته الذي أصبح المركز الإسلامي في المدينة. أسلم سعد وعمره ثلاثون عاماً، وترك دفعة واحدة ماضيه الجاهلي وانتقل إلى الإسلام دفعة واحدة بكل جوارحه وكأنه ولد يومذاك، وما عرف عنه في حياته الباقية أن مرت عليه لحظة فيها جاهلية أو رواسب منها. وهكذا يستطيع إنسان إن صَدَقَ مع الله وأخلص، أن يفعل ما لا يفعله عدد كبير من الرجال، فقد استطاع مصعب بن عمير أن يؤثر في أهل يثرب جميعاً، واستطاع سعد أن ينقل قبيلة كاملة من ظلام الجهل إلى نور الإسلام.
أيها المسلمون: شهد سعد بن معاذ المشاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم، وله مواقف مشرّفة في هذه المشاهد، من ذلك موقفه رضي الله عنه في غزوة بدر، بعد أن قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أشيروا عليّ أيها الناس))، فتكلم أبو بكر وعمر والمقداد بن عمرو رضي الله عنهم، ولكنه عليه الصلاة والسلام كرر مقولته: ((أشيروا عليّ أيها الناس)) وإنما يريد الأنصار. فأدرك سعد بن معاذ رضي الله عنه مراد الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال سعد: "والله لكأنك تريدنا يا رسول الله"؟ قال: ((أجل)). فقال سعد: " يا رسول الله قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلّف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصُبرٌ في الحرب، صُدقٌ عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تَقرّ به عينك، فسِر على بركة الله" فسُرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد رضي الله عنه، ونشّطه ذلك ثم قال: ((سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم)).
وسعد هو الذي أشار على النبي صلى الله عليه وسلم ببناء العريش له في غزوة بدر، وبناء على اقترحه بُني العريش، وتم إنشاء حرس للرسول صلى الله عليه وسلم، وهي فرقة تم اختيارها من فتيان الأنصار، وتولى سعد بن معاذ رضي الله عنه قيادتها بنفسه ليطمئن على سلامة وحماية النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي نهاية الغزوة رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجه سعد الكراهية لما يصنع الصحابة من أسر الرجال، فقال: والله لكأنك يا سعد تكره ما يصنع الناس، قال: أجل والله يا رسول الله، كانت أول وقعةٍ أوقعها الله بأهل الشرك، فكان الإثخان في القتل بأهل الشرك أحبَّ إليّ من استبقاء الرجال.
وبعدها شهد سعد بن معاذ رضي الله عنه غزوة أحد مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأبلى بلاء حسناً عندما انكشف المسلمون، وأصاب فيهم العدو، وشجّ وجه النبي صلى الله عليه وسلم، وجرحت شفته، وكسرت رباعيته، ووقع في الحفرة، فكان سعد بن معاذ ممن ثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف العصيب.
وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وقبل أن يدخلها جاءت أم سعد بن معاذ تعدو نحو النبي صلى الله عليه وسلم، وهو على فرسه وسعد آخذ بلجامها، فقال سعد: يا رسول الله أمّي، فقال: مرحباً بها، فوقف لها، فلما دنت منه عزّاها بابنها عمرو بن معاذ أخو سعد، فقد استشهد في غزو أحد، فقالت: أما إذ رأيتك سالماً فقد هانت عندي المصيبة. فقال صلى الله عليه وسلم: يا أم سعد أبشري وبشري أهلهم أن قتلاهم ترافقوا في الجنة جميعاً، وقد شفعوا في أهلهم جميعاً.
ثم شهد رضي الله عنه غزوة الخندق والتي نقض يهود بني قريظة فيها عهدهم مع النبي صلى الله عليه وسلم. وفي هذه الغزوة كانت أم سعد بن معاذ مع عائشة رضي الله عنهما في حصن بني حارثة، وكان من أحرز حصون المدينة، فمر سعد وعليه درع قصيرة قد خرجت منه ذراعه كلها، قالت عائشة: يا أم سعد، والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي. وقلت عائشة في نفسها: وخفت عليه حيث أصاب السهم منه. وما أن سار سعد قليلاً حتى رماه حِبّان بن قيس بن العَرِقَة بسهم فأصابه وقطع منه أكحله، فلمّا أصابه قال: خذها وأنا ابن العَرِقة. فقال له سعد: عرّق الله وجهك في النار، وشعر أن في هذا حتفه فقال: "اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئاً فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إليّ من أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه، اللهم وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم، فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تُقِرّ عيني من بني قريظة". فاستمسك العرق فما قطرت منه قطرة. وضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد ليعوده من قريب.
بعدها تفرقت الأحزاب، وجاء الأمر الرباني بالتوجه إلى بني قريظة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم مؤذناً في الناس: من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلينَّ العصر إلا في بني قريظة. وسارع الصحابة إليهم وتحصن اليهود داخل حصونهم، وطال الأمر عليهم ولم يجدوا بدّاً من النـزول على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد حصار دام خمساً وعشرين ليلة. فكلّم النبي صلى الله عليه وسلم أطراف عدة يشفعون فيهم، فقال: ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا بلى، قال: فذاك إلى سعد بن معاذ. فأرسل إلى سعد فجيء به محمولاً على حمار وهو متعب من جرحه، فأقبلوا عليه وهم يقولون: يا أبا عمرو، أحسن في مواليك، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما ولاّك ذلك لتحسن فيهم، فلما أكثروا عليه قال: لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: اُحكم يا سعد. فقال سعد: فإني أحكم فيهم أن تُقتل الرجال، وتُقسّم الأموال، وتُسبى الذراري والنساء. فقال رسول صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة. ثم استُنـزلوا وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سوق المدينة، فخندق بها خنادق، ثم بعث إليهم فضَرب أعناقهم، وكانوا قرابة السبعمائة.
لقد كان
سعد
أعرف
الناس باليهود، وإن قومًا نكثوا عهدهم في أحلك الظروف ومع خير البرية، لا ينفع فيهم
إلا قطع الرؤوس، فما أحوج الأمة اليوم إلى رجل بل رجال أمثال سعد يتعاملون مع
اليهود بما يستحقون، فسعد
لم
يكن مجاملاً لليهود على حساب دينه، وكذلك لم يكن مجاملاً لأصدقائه من زعماء قريش،
بل حتى لم يكن مجاملاً لقومه وأهله، فصدع بالحق ولم يخش في الله لومة لائم.
أعيد سعد إلى قبته التي ضُربت له، فزاره النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ رأسه ووضعه في حِجره، ثم قال: ((اللهم إن سعداً قد جاهد في سبيلك وصدق رسولك وقضى الله عليه، فتقبل روحه بخير ما تقبلت به روحا((ً. فعلموا أن أجله قد حان. وما أن قُضي من شأن بني قريظة حتى انفجر جرحه رضي الله عنه، فاحتمله قومه إلى ديار بني عبد الأشهل، وجاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من جوف الليل معتمراً بعمامة من استبرق، فقال: "يا محمد، من هذا الميت الذي فتحت له أبواب السماء، واهتز له العرش"، فقال لأصحابه: انطلقوا، فخرج وخرج معه الصحابة، وأسرع حتى تقطعت شسوع نعالهم، وسقطت أرديتهم، فقال: إني أخاف أن تسبقنا الملائكة فتغسله كما غسّلت حنظلة، فانتهى إلى البيت وهو يُغسّل، فجعل يقول: هنيئاً لك يا أبا عمرو، هنيئاً لك يا أبا عمرو. ثم خرج به وقال له القوم: ما حملنا يا رسول الله ميتًا أخفّ علينا منه، مع أنه كان رضي الله عنه رجلاً جسيماً، فقال عليه الصلاة والسلام: "وما يمنعه أن يخف؟ وقد هبط من الملائكة كذا وكذا لم يهبطوا قط قبل يومهم قد حملوه معكم". وجاء عند النسائي عن ابن عمر رضي الله عنهما عدد الملائكة الذين شاركوا في تشييع جنازة سعد، فقد قال صلى الله عليه وسلم: ((هذا العبد الصالح الذي تحرّك له العرش، وفُتحت أبواب السماء، وشهده سبعون ألفًا من الملائكة، لم ينـزلوا إلى الأرض قبل ذلك، لقد ضُمّ ضمّة ثم أفرج عنه)). قال الذهبي رحمه الله: والعرش خلق الله مسخر، إذا شاء أن يهتز اهتز بمشيئة الله، وجُعل فيه شعوراً لحب سعد، كما جَعل تعالى شعوراً في جبل أحد بحبه النبيَ صلى الله عليه وسلم.
فلما انتهوا إلى قبر سعد نزل فيه أربعة من الصحابة: الحارث بن أوس، وأسيد بن الحضير، وأبو نائلة، وسلمة بن سلامة بن وقش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف على القبر، فلما وُضع في قبره، تغيّر وجه النبي صلى الله عليه وسلم وسبّح ثلاثًا، فسبّح المسلمون حتى ارتجّ البقيع، ثم كبَّر ثلاثًا، وكبَّر المسلمون، فسُئل عن ذلك فقال: ((تضايق على صاحبكم القبر، وضم ضمة لو نجا منها أحد لنجا هو، ثم فرّج الله عنه)). قال الذهبي رحمه الله: هذه الضمة ليست من عذاب القبر في شيء، بل هو أمر يجده المؤمن كما يجد ألَمَ فقدِ ولده وحميمه في الدنيا، وكما يجد من ألَمَ مرضه، وألم خروج نفسه، وألم سؤاله في قبره وامتحانه، وألم تأثره ببكاء أهله عليه، وألم قيامه من قبره، وألم الموقف وهوله، وألم الورود على النار ونحو ذلك، فهذه الأراجيف كلها قد تنال العبد وما هي من عذاب القبر، ولا من عذاب جهنم قط، ولكن العبد التقي يَرفُق الله به في بعض ذلك أو كله، ولا راحة للمؤمن دون لقاء ربه. ا هـ.
وذكر من حضر قبره أن رائحة المسك كانت تفوح من ذلك التراب، ودفن بالبقيع، وكان عمره يومئذٍ سبعاً وثلاثين سنة، وما كان أحد أشدّ فقداً على المسلمين بعد رسول الله وأبوبكر وعمر من سعد بن معاذ.
أيها المسلمون: ظهرت لسعد بن معاذ في هذه الغزوة فضائل كثيرة تدل على فضله ومنـزلته عند الله وعند رسوله صلى الله عليه وسلم منها: استجابة الله تعالى لدعائه، ذلك الدعاء العجيب، دعاء العظماء الذين يعرفون أن رسالتهم في الحياة ليست الاستشهاد فقط، بل متابعة الجهاد إلى اللحظة الأخيرة، فهو المسؤول عن نصرة الإسلام في قومه وأمته. إنه لم يحرص كثيرًا على الحياة بعد انتهاء جهاد بني قريظة، وانتهاء المسئولية، وتأدية الأمانة المناطة به في قيادة قومه لحربهم، فإذا شفي غيظ قلبه في الحكم في بني قريظة، وبدا قطف الثمار للإسلام، فلا ثمرة أشهى من الشهادة، وقد تحققت آماله، فقد أصدر حكمه في بني قريظة وشهد مصرع حلفاء الأمس أعداء اليوم.
أيها المسلمون: إن هذا الصحابي الجليل قد استُشهد وهو في ريعان شبابه، فقد كان في السابعة والثلاثين من عمره يوم وافته منيته، وهذا يعني أنه قاد قومه إلى الإسلام وهو في الثلاثين من عمره، وإنما تنفجر الطاقات الكامنة والمواهب بعد سن الأربعين التي هي غاية الرشد، فأي طراز هذا الذي حفل تاريخه بهذه المآثر، واستبشر أهل السماوات بقدومه، واهتز عرش الرحمن فرحًا لوفاته، من دون خلق الله أجمعين.
وفي حديث البراء رضي الله عنه قال: أُهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم حلة حرير، فجعل أصحابه يلمسونها ويعجبون من لينها، فقال: أتعجبون من لين هذه؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها وألين. رواه مسلم.
نسأل الله تعالى أن يحشرنا في زمرة سعد، وأصحاب سعد، وأن يقر أعيننا بأعداء ديننا كما أقر عين سعد في بني قريظة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وأستغفر الله لي ولكم...
الخطبة
الثانية :
الحمد لله على إحسانه ...
أما بعد: أيها المسلمون: لقد سبق القول أن سعد بن معاذ رضي الله عنه أسلم وهو ابن ثلاثين سنة، ومات وهو ابن سبع وثلاثين سنة رضي الله عنه وأرضاه، وهنا وقفة جديرة بالتأمل، فليسأل كلّ منّا نفسه، كم كانت قيمة الزمن عند سعد وأصحابه؟ ألا ترون سعد بن معاذ عاش في الإسلام سبع سنين فقط، فاهتز لموته عرش الرحمن، في سبع سنين فقط، بلغ تلك المنـزلة، وارتفع إلى تلك الدرجة. وبعد لحظات من إسلامه لم يبق في قومه أحد إلاّ وأسلم!.
السؤال: كم يحتاج أحدنا ليتوب، فقط ليتوب، فضلاً أن يعتلي إلى الدرجات العلى، أو أن يتأثر بموته أحد. اسأل نفسك: كم أسلم على يديك؟ كم اهتدى على يديك؟ ماذا قدمت لهذه الدين وقد أبقاك الله عشرات السنين؟. حياة سعد بن معاذ رضي الله عنه كانت سبعة أعوام فقط، لكنها بقيت سطور أيامها محفورة في جبين الدهر، يرمقها من أراد أن يهتدي، ومن كانت له همة عالية، ونفس أبيّة، لا ترضى أن تكون على الهامش، أو نقطة في آخر السطر، ولكن تشمّر عن ساعديها لتَبني وتُعلي وتؤثر وتقود.
أيها المسلمون: إن الشهيد لا يُعذب في قبره، وسعد بن معاذ مات شهيداً، ومع ذلك فقد ضُم عليه في قبره ثم فُرّج عنه، وهو من هو في الإسلام، فكيف بحالنا نحن في قبورنا؟ لقد جاء في الحديث المتفق على صحته أن المنافق يضيق عليه في قبره حتى تختلف أضلاعه والعياذ بالله، فما حال آكلي أموال الناس بالباطل؟ والمتعاملين بالرشاوى والربا؟ وما حال المغنيين والممثلين، والكتّاب الذين يدعون للانحلال والبعد عن الدين، ويشجعون النساء على التبرج والاختلاط؟.
إن سعد بن معاذ رضي الله عنه، عاش في الإسلام سبعة أعوام، ومع ذلك اهتز عرش الرحمن لموته، وما ذلك إلا لمكانته عند الله تعالى، تلك المكانة التي اكتسبها بإيمانه وإخلاصه وعمله الصالح في سبعة أعوام فقط. وإن منا معاشر المسلمين من عاش أضعاف أضعاف هذه المدة، إلا أن الأرض التي يمشي عليها لتلعنه، وتفرح الأحياء بل والجمادات بموته، راحة منه ومن عصيانه وشروره، وعار والله أن يعيش المسلم منّا وما قدم للإسلام شيئاً، وما هدى للإسلام أحداً، وكل همه تحصيل شهواته والعيشَ بسلام، بل إن من المسلمين من أعان ويعين على هدم الدين، ويمضي عمره في نشر باطله من شهوات وشبهات والدعوةُ إليها، فهذا الذي ترتاح الدنيا بموته، ويشدد عليه في قبره حتى تختلف عليه أضلاعه.
فما أعظم الهول يا عبد الله، وإذا لم يسلم سعد من أهوال القيامة وهو بعد في أول منازلها، فكيف الحال بعرصات القيامة؟! وكيف الحال بمن هم دون سعد بمراحل من أمثالنا؟! رحماك ربي ما أشد الهول!.
أيها المسلمون: إن من الواجب علينا أن نسلك منهج سعد، وفعل سعد، ونستطيع أن نكون كما قال الله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس}. لقد كان سعد بن معاذ وبقية الصحب الكرام، كانوا لبنات البناء، من الشهداء والأتقياء والأصفياء، كان لهم شرف السبق في بناء الأمة وتاريخها، وما ننعم فيه اليوم من نعمة الإسلام، فلهم فيه فضل. صحابة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أسوة لنا، فحركتنا يجب أن توازي حركتَهُم، وتسيرَ معها، حتى نستطيعَ أن نصل إلى ما وصلوا إليه من مجد ورفعة في هذه الدنيا، وفوز في الآخرة، وجنة عرضها السموات والأرض.
نسأل الله أن لا يحرمنا لُقياهم، وأن يجمعنا بهم في دار كرامته ومستقر رحمته بفضله ومنّته.
وصلوا على من رباهم، وكان أرحمهم وأتقاهم، إن الله وملائكته ....
التعليقات
ام جود
موضوع رائع ومؤثر
لكن
لماذا نجعل الناس ييئسون من رحمة الله
والشاهد
فما أعظم الهول يا عبد الله، وإذا لم يسلم سعد من أهوال القيامة وهو بعد في أول منازلها، فكيف الحال بعرصات القيامة؟! وكيف الحال بمن هم دون سعد بمراحل من أمثالنا؟! رحماك ربي ما أشد الهول!.
VzHdSVA
ZYWFlet VzHdSVA
viagra
ROBNFpIF viagra >:-OOO cheap cialis %-[[[
viagra
DNcKqEZm viagra 8949 cialis dosage AMrvP
Karelia Cigarettes
dmqmLua Karelia Cigarettes dxIZY Gauloises Cigarettes 2067 Mayfair Cigarettes 4382 Pall Mall cigarettes inTrRH Bn Cigarettes kgYLla Classic Cigarettes XBfdN
viagra
InkZqiaH viagra 2264 cialis dose 0019
viagra
QyDXdW viagra 7609 cialis 10mg 9981
viagra sample
chKDjw viagra sample jVdpb cialis %-[[[
viagra 100 mg
ZlrGGhee viagra 100 mg QlpLP cialis dose PJOLZ
propecia
NtfyHuJ propecia qytHGx kamagra 3632 cialis professional LTngWf cheap silagra 9433 amoxil 5191 tadalis KekRrL
buy viagra
KGyUyEDF buy viagra 4529 kamagra :-O
viagra dosage
ktMJTB viagra dosage zOpBzm viagra oTkCZj
cialis
nRaXdbl cialis MlQqG cialis price 7240
cialis bestellen
AkKHfA cialis bestellen 3312 viagra %-[[[ viagra 9203 viagra YyNUD venda viagra 4766 aquista cialis qxNBk
E-Liquid Winston
qLlOnHz E-Liquid Winston 8]]]
cialis precio
tmNZIGC cialis precio 1337 levitra precio 4790 priligy online eFQXN
viagra
kpLSgyy viagra 7419
viagra coupon
UfrEIgCL viagra coupon 5375 viagra 6759
cialis dose
NxpEmEM cialis dose 1687 cialis dosage 9755
viagra
cqOCHnz viagra jIntEs cialis FsFRZi viagra %-[[[ cialis 8]]]
cialis
tWTVGAPT cialis shiMMc viagra 2105 viagra >:-OOO cialis :-O
viagra
EyYEkVn viagra >:-OOO cialis :-O buy viagra online txDUTp cialis 4588
Bond Fine Selection Super Lights
JIraxZms Bond Fine Selection Super Lights =-] Camel cigarettes iMqxBh Kent Silver Neo 5691 Vogue cigarettes cpLmf Benson & Hedges cigarettes 0335 cheap Fortuna cigarettes 8154 Marlboro Lights 3195 Zippo Lighters >:-[
viagra
TGvUfAAY viagra :-O cialis 2986
cheap viagra online
aBZpTAT cheap viagra online GVkLxY cialis dose skyNe cialis daily 3529 viagra online XmvALm
suhagra
OeHsiG suhagra >:-OOO tadalis btYeD cheap kamagra iVnfE intagra 8]]] cialis professional 8]]] viagra mIhdoV
buy cialis
WNTpWgei buy cialis 1317 viagra GzEql buy viagra 0602 cialis jyvDf
viagra
zmtxTS viagra 6465 cheap cialis 0646 viagra dose lAPlG cialis dJEDsl
cialis
JUygFGqy cialis wyEckc cialis umdYP viagra for sale UtdtFC köpa viagra sverige >:-[ viagra xgvML
cialis
fZcJRAY cialis dCWDI viagra 1916 Levitra 9351 kamagra 5421 Cialis =-] cialis >:]]
levitra
eiMEqS levitra 2030 viagra lAxdUC kamagra bijwerkingen ksfcC levitra >:]] kamagra oGgpg viagra :-O
viagra bestellen
jKgFPkxU viagra bestellen 8]]] cialis on line :-O cialis HTZpP kamagra barato 9361 kamagra 5441 viagra barato >:-OOO
cialis prix
YwYfKnvv cialis prix 6598 cialis costo >:-[ comprare kamagra >:-OOO kamagra :-O viagra en ligne >:-OOO cialis 2297
cheap viagra
bqOBJR cheap viagra >:]] viagra 7231 cialis 8095 cialis 20mg =-]
Cigarettes
oTDqgLC Cigarettes pFrLX Davidoff Cigars 2495 E-Cigarettes >:]] Van Nelle Tobacco >:-OOO Atomizer 4569
levitra
aUDwNDs levitra %-[[[ viagra 8]]] cialis Genérico OeBcJ venta levitra qXjgBn comprar kamagra lMboZ Levitra 8]]]
viagra
vyWMqvgU viagra 4985 cialis 10mg yFNTLa viagra dosage 3258 cialis 3097
kamagra
hGzNnxyV kamagra >:-OOO cialis 8]]] levitra bYDtsM viagra on line 8]]] cialis dagelijks RXhsLt aquista kamagra :-O
viagra
whmhduO viagra >:]] viagra :-O köpa viagra på internet 5110 kamagra %-[[[ viagra %-[[[ levitra IsLUAc
buy viagra
RuCJbPog buy viagra swTvbL cialis >:]] viagra LbvVQO levitra 1245
no fax payday loans
bfESZA no fax payday loans >:]]
viagra
wEZXho viagra OBvDyn levitra 6908 viagra 0554 viagra pfbiJ kamagra prix :-O cialis rezeptfrei :-O
cialis
ACCRia cialis >:]] viagra rwjFqi levitra 4767 comprare kamagra 9069 cialis 3497 levitra 7713
Cialis
wKZHlvsA Cialis 9232 cialis säljes qlDRil Kamagra %-[[[ viagra 4667 Levitra 6359 cialis bijwerkingen QHJOh
no credit check payday loans
poApvS no credit check payday loans %-[[[ auto loans 8]]]
mortgage loan forensic audit software
PwUlOs mortgage loan forensic audit software 5946 cancer insurance >:-OOO
wfiocz
ktp8BJ zjwoaizloici, [url=http://lefxoaehnyfn.com/]lefxoaehnyfn[/url], [link=http://bwbhmytvzchp.com/]bwbhmytvzchp[/link], http://kmbhykhricmi.com/
Priligy
JGsLrAxX Priligy 1924 cialis 9523 buy Diflucan UsHgl cialis daily >:-OOO cialis 3281
bad credit auto loans
fhBceG bad credit auto loans =-] payday loans guaranteed no fax =-] auto insurance 6406
Viagra
eLGqrr Viagra >:]] viagra 0490 Cialis Générique Bjjvvq amoxil 3365 Cialis >:-[