الجهاد الجهاد ووفاة الخطاب
20/2/1423هـ
الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله..
أما بعد: إن الله -سبحانه وتعالى- قد فرض الجهاد على المسلمين، وجعله ذروة سنام هذا
الدين، ناشر لوائه، وحامي حماه، بل لا قيام لهذا الدين في الأرض إلا به، فإن هذا
الدين لا يقوم إلا كما قام أول مرة، تحت ظلال السيوف، به نال المسلمون العز
والتمكين في الأرض، وبسبب تعطيله، حصل للمسلمين الذل والهوان والصغار، واستولى
علينا الكفار، بل تداعت علينا أرذل أمم الأرض كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها،
وأصبحنا مع كثرتنا غثاءً كغثاء السيل، نزع الله المهابة من قلوب أعدائنا ووضعها في
قلوبنا. وما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا ذلوا. ولذلك أمر الله -سبحانه وتعالى-
بمقاتلة المشركين كافة فقال في محكم كتابه: {وَقَاتِلُواْ
الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً}
[(36) سورة التوبة].
وحث المؤمنين على القتال، وحذرهم من التقاعس عن الجهاد والركون إلى الدنيا الفانية
فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ
إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ
أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ * إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ
عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا
وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
[(38-39) سورة التوبة].
وقد أمر الله -سبحانه وتعالى- المسلمين بمقاتلة أهل الكتاب والمشركين والمنافقين
وكل من عادى الله ورسوله والمؤمنين فقال تعالى:
{قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ
عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ
وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}
[(14-15) سورة التوبة].
ولفضل الجهاد في سبيل الله ومنـزلته العظيمة عند الله، اشترى المولى -سبحانه
وتعالى- من المؤمنين أنفسهم وأموالهم في أعظم صفقة بيع وشراء مقابل أن يكون
للمجاهدين الجنة دار النعيم قال الله تعالى: {إِنَّ
اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ
الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا
عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى
بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ
وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}
[(111) سورة التوبة].
وقد حث الإسلام على الغزو في سبيل الله حتى جعل أجر من جهز غازياً أو خلفه في أهله
كأجر الغازي في سبيل الله، فعن زيد بن خالد –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى
الله عليه وسلم-: ((من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا، ومن
خلف غازياً في أهله بخير فقد غزا))
[متفق عليه].
والجهاد ماض في هذه الأمة إلى يوم القيامة، لا أحد يستطيع إيقافه فعن ابن عمر -رضي
الله عنهما- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-:
((الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة))
[متفق عليه].
أيها المسلمون: لم يرد في ثواب عمل من الأعمال ما ورد في فضل الجهاد في سبيل الله
من ذلك:
- أن رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله.
- ((إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيل
الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض...))
[رواه البخاري].
- ((ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار))
[رواه البخاري].
- ((رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من
المنازل)) [رواه الترمذي
وقال: حديث حسن صحيح].
- ((رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وإن مات فيه أجرى
عليه عمله الذي كان يعمل، وأجري عليه رزقه وأمن الفتّان))
[رواه مسلم].
- وعند البخاري أن رجلاً قال: يا رسول الله: ((دلني على عمل
يعدل الجهاد؟ قال:لا أجده، ثم قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم
ولا تفتر وتصوم ولا تفطر؟ فقال: ومن يستطيع ذلك؟)).
- ((لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها))
[متفق عليه].
والجهاد -معاشر الأحبة- باتفاق العلماء أفضل من الحج والعمرة، ومن صلاة التطوع وصوم
التطوع. ونفع الجهاد لفاعله ولغيره في الدين والدنيا، وهو مشتمل على جميع العبادات
الظاهرة والباطنة: من محبة الله، والإخلاص له، والتوكل عليه، وتسليم النفس والمال
له، والصبر والزهد، وذكر الله) [مجموع الفتاوى 28/ 353].
أيها المسلمون: لقد وصل المسلمون في الأزمنة الحاضرة إلى مرحلة فاصلة، وعُطلت كثير
من أحكام الإسلام ومفاهيمه، وأجبر الناس جبراً، وعلى غير رضا منهم، على العيش في ظل
مفاهيم غريبة عن عقيدتهم ودينهم، وأصبح الجهاد بمعناه الشرعي بعيداً عن أفكارهم
وتوجهاتهم، وكل ذلك يهون ويمكن معالجته عند إدراكهم لحقيقة دينهم وحقيقة واقعهم لكن
المصيبة هو الرضا عن هذا الواقع المؤلم والاحتجاج له بالحجج الواهية المقدمة في
ثياب شرعية زائفة ولا يقل خطراً وأثراً تخريبياً عن المذاهب الهدامة، والبدع
المدمرة التي يستعين مروجوها بالإضافة إلى الحديد والنار وحيل الاستعمار بشراء
الفتاوى الباطلة لتتقبلها الجماهير بأقل ما يمكن من التكاليف والجهود.
إن الجهاد هو الجهاد: بذل لكل ما يمكن من الجهود في سبيل الله، ومدافعة أعداء الله
وأعداء رسوله بكل ما يستطاع من القوة، قوة البدن، وقوة السلاح وقوة المال، وقوة
العلم والمعرفة، على هذا استقر الإسلام يوم استقر، وبعيداً عن هذا الفهم الجامع
لمعنى الجهاد نزلت بنا الكوارث، وفُعلت بنا الأفاعيل.
أيها المسلمون: ليس شيئاً من شعائر الإسلام يثير رعب أعداء الملة وخصوم الشريعة مثل
الجهاد وليس أمراً حرص المستعمرون وأذنابهم على تشويهه وتفريغ قلوب وعقول المسلمين
منه كهذه الفريضة. وما من مناسبة استعمل فيها المسلمون كلمة الجهاد إلا وكانت ناقوس
خطر يثير فيهم خليطاً من مشاعر الرهبة والغضب، يوازيه عمل دائب بشتى السبل للحد من
أثر هذه الكلمة النفسي والعملي. وفي فترة سبات طويل اجتمعت فيها أسباب كثيرة جعلت
المسلمين ينظرون إلى كثير من مفردات دينهم نظرة خاطئة ويجردونها من معانيها
الأصلية، ويلبسونها معاني ليست لها، وهي في الحقيقة معانٍ تعكس ضعفهم ورضاهم
بالواقع، ويتمثل فيها خداعهم لأنفسهم وتسويل الشياطين لهم. لكن ينبغي لهم أن يعلموا
بأن ترك الجهاد علامة على النفاق، كما جاء عن المصطفى -صلى الله عليه وسلم- أنه
قال: ((من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من
نفاق)).
إن ترك الجهاد سبب للهلاك في الدنيا والآخرة كما قال تعالى:
{وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى
التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}
[(195) سورة البقرة].
قال الصحابي أبو أيوب الأنصاري -رضي الله عنه-: "نحن أعلم بهذه الآية إنما نزلت
فينا صحبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وشهدنا معه المشاهد ونصرناه، فلما فشا
الإسلام وظهر اجتمعنا معشر الأنصار نجِيّا فقلنا: قد أكرمنا الله بصحبة نبيه -صلى
الله عليه وسلم- ونصره حتى فشا الإسلام وكثر أهله وكنا قد آثرناه على الأهلين
والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيهم
فنـزل فينا: {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ
تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة} فكانت التهلكة الإقامة في
الأهل والمال وترك الجهاد".
إن ترك الجهاد سبب للذل والهوان، وإن تركه ترك للدين كما قال سيد المجاهدين -صلى
الله عليه وسلم-: ((إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر
ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينـزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)).
إن ترك الجهاد سبب للبلاء والضنك وسبب عذاب من الله قال تعالى:
{إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ قَدِيرٌ} [(39)
سورة التوبة].
إن ترك الجهاد هو الفشل الذي يعرض الأمة للبوار {يَا
قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء
وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ *
يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ
تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ}
[(20-21) سورة المائدة].
إن ترك الجهاد سبب للفساد في الأرض وإفساد أهلها بالقضاء على دينهم
{وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ
لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ}
[(251) سورة البقرة]
فلولا أن الله يدفع الكافرين بجهاد المؤمنين ويكبت الكفار ويذلهم لأفسدوا على الناس
دينهم، ولولا أن الله يدفع شبه المبطلين والمخالفين من أهل البدع وأهل الشهوات
بجهاد العلماء والدعاة الذين يردون عليهم بالحجة والبيان لتشوه وجه الإسلام وتهلهل
وأصبح كالثوب المرقع ففسدت حياة الناس في دينهم ودنياهم.
إن ترك الجهاد يفوت مصالح عظيمة للمسلمين منها الأجر والثواب والشهادة في سبيل
الله، والمغنم، والتربية الإيمانية التي لا تحصل بدون الجهاد، ودفع شر الكفار
وإذلالهم، ورفع شأن المسلمين وإعزازهم، وإدخال أناس في الإسلام.
أيها المسلمون: إذا كان تارك الجهاد يصاب بهذه الأمور في الدنيا والآخرة فكيف بمن
يقف ضد الجهاد ويحاربه ويؤذي المجاهدين بالحبس أو التضييق في الرزق أو القتل أو غير
ذلك من أصناف التعذيب.
أيها المسلمون: إن مواجهة الكفار وقتالهم حتم لا بد منه، ما دام أن هناك إسلام وكفر
في هذه الأرض، فإن حتمية المواجهة لا بد منها. ولهذا ينبغي أن نعلم بأن قتال الكفار
أصل في دين الإسلام، لا يمكن أن يتغير بتغير الزمان، وعليه فإن مصطلح "التعايش
السلمي" أو مصطلح "السلام العادل والشامل" مصطلح كاذب، تخالف شريعة رب العالمين.
الكفار في الإسلام لهم معنا ثلاث حالات معروفة في ديننا لا تتغير. إما أن يسلموا
فلهم ما لنا وعليهم ما علينا، أو يبقوا على دينهم ويعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
وهذا قال بعض أهل العلم بأنه خاص بأهل الكتاب، أما الكفار فإما الإسلام أو الثالثة
وهو السيف.
فواعجباً كيف أن ذروة السنام قد درست آثاره فلا ترى، وطمست أنواره بين الورى، وأعتم
ليله بعد أن كان مُقمَرا، وأظلم نهاره بعد أن كان نيّرا، وذوى غصنه بعد أن كان
مورقاً، وانطفأ حسنه بعد أن كان مشرقاً، وقفلت أبوابه فلا تطرق، وأهملت أسبابه فلا
ترمق، وصفنت خيوله فلا تركض، ورُبطت أسوده فلا تنهض، وامتدت أيدي الكفرة الأذلاء
إلى المسلمين فلا تُقبض، وأغمدت السيوف من أعداء المسلمون إخلاداً إلى حياة الدعة
والأمان، وخرس لسان النفير إليهم فصاح نفيرهم في أهل الإيمان، ونامت عروس الشهادة
إذ عدمت الخاطبين، وأهمل الناس الجهاد كأنهم ليسوا به مخاطبين، فلا نجد إلا من طوى
بساط نشاطه عنه، أو تركه جزعاً من الموت وهلعاً، أو جهل ما فيه من الثواب الجزيل،
ورضي بالحياة الدنيا من الآخرة، وما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل.
فنسأل الله -جل وتعالى- أن يقيم علم الجهاد..
بارك الله لي ولكم..
أقول ما قلت، فإن كان صواباً فمن الله وحده وإن كان غير ذلك فمن نفسي والشيطان،
والله ورسوله منه بريئان، وأستغفر الله إنه كان غفاراً..
الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه..
أما بعد: إن من سنن الله الماضية أن الأمة تفقد في كل فترة من فتراتها أحد عظمائها
وبعض رموزها وقاداتها، إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي الرب،
فكم فقدت الأمة من عالم، وكم فقدت الأمة من داعية، وكم فقدت الأمة من خطيب، وكم
فقدت الأمة من مجاهد، وكم فقدت الأمة من مفكر، وكم فقدت الأمة من قائد عسكري، لكن
هل يعني هذا أن المسيرة المباركة تقف؟ الجواب: لا. إن هذه الأمة أمة ولود، أمة
كالغيث، الخير في أولها وفي آخرها، إذا مات عالم عوض الله الأمة بعالم، وإذا مات
مجاهد عوض الله الأمة بمجاهد، وإذا مات قائد عسكري عوض الله الأمة بقائد وهي عجلة
لا تتوقف.
أيها المسلمون: لا يدخل لقلوبكم اليأس إذا سمعتم بوفاة رمز من رموز هذه الأمة، لقد
توفي شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، فهل توقف العلم وانتهت الدروس والحلق، لا
وإنما جاء من بعده من حمل الراية وأكمل المسيرة المباركة واستمر الخير في الأمة.
لقد توفي سيف الله المسلول خالد بن الوليد -رضي الله عنه-، فهل توقف الجهاد وانتهى
زمن التضحيات والمواقف والرجال في ساحات المعارك؟ لا لقد عوض الله -جل وتعالى- هذه
الأمة بعد سيف الله المسلول على مدار تاريخها بسيوف أقضت مضاجع الكفار، وزلزلت عروش
الطغاة والجبابرة فقدموا وبذلوا المهج في سبيل الله، وحقق الله على أيديهم انتصارات
على دول كبرى وجيوش عظمى لم يخطر في بال أحد في يوم من الأيام أنها تسقط، فأسقطها
الله على أيدي مجاهدين لم تتجاوز خبرتهم العسكرية بضع سنوات وقد أكرم الله -جل
وتعالى- بعضهم بالشهادة ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً.
أيها المسلمون: لقد أريقت دماء طاهرة على ربى حطين، وعلى جبال قندهار وفي أودية
البوسنة، وعلى مرتفعات طاجاكستان، وفي أراضي الشيشان، ولا يزال قوافل من جنود الله
-عز وجل- ينتظر الحصول على هذا الوسام النفيس وسام الشهادة في سبيل الله،
{قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى
الْحُسْنَيَيْنِ}.
هؤلاء الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله قد أمنوا من عظيم الأهوال والكربات، وسكنوا
في أجل المحالّ في أعلى الغرفات، وكرعوا من النعيم أكواباً، وادّرعوا من التنعيم
أثواباً، ومُتعوا بجنان الفردوس مستقراً ومآباً، وتمتعوا بحورٍ عينٍ كواعب أتراباً،
أرواحهم في جوف طير خضر تجول في الجنان تأكل وتشرب، وتأوي إلى قناديل معلقة في عرش
الرحمن، يتمنون الرجوع إلى هذه الدار ليقتلوا في سبيل الله مرات ومرات، لما بهرهم
من ثواب الله الجزيل، فما أقبح العجز عن انتهاز مثل هذه الفرص، وما أنجح الاحتراز
بالجهاد عن مقاساة تلك الغصص، وليت شعري بأي وجه يلقى الله غداً من فر اليوم من
أعدائه، وماطله بتسليم نفسه بعد عقد شرائه، ودعاه إلى جنته ففرّ وزهد في لقائه،
وبأي عذر يعتذر بين يديه من هو عن سبيله ناكب، وعمّا رغّبه فيه من الفوز العظيم
راغب، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((إن للشهيد عند ربه
سبع خصال، أن يغفر له في أول دفعة في دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلّى حلية
الإيمان، ويجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار،
الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين من الحور العين، ويشفّع
في سبعين من أقاربه)).
فرحم الله من مات من مجاهدي هذه الأمة..
أبكي وهل يَشفي البكاء جراحيا *** أم هل يُنَكِّل بالعدو
بكائيا
جَلَّ المُصَابُ أحبَّتي فترقرقت *** منِّي الدُّموعُ
فرُحتُ أشكوَ حاليا
ما كنتُ أرجو أن يُصابَ بشوكةٍ *** من عاش في أرض الجهادِ
مُحامِيا
هل ماتَ من بَذلَ الرَّخيصَ لربِّه *** مُتجرِّدًا ومع
الرَّخيص الغاليا
يا من شرَى تِلكَ الجِنانَ بروحه *** هلا أجبت تساؤلي
ونِدائيا
هلا أجبت الشيخَ في شرق البلاد *** وغربها هلا أجبت
نسائيا
هلا أجبت الطفلَ يطلبُ ناصِراً *** ما عُدتُ ألقى لُقمتي
وكِسائيا
قتلوكَ غدراً يا لقُبحَ صَنيعهم *** قتلوك ظنوا أن تزولَ
أمانيا
لا بل يعيش الحُرُّ لو في قبره *** بل تلك بُغيَتُه وذاك
رَجائيا
والنصرُ في وعد الحبيبِ محمَّدٍ *** مِن أرض شيشان ٍ
وحتى روميا
أرى النفس يا من قد ترجّل بعدما *** أذاق علوج
الروس أحمر قانيا
ففي مثله حق البكا ولمثله *** ومن مثله تبكي الأسود
الضواريا
وودعت دنياً لا يدوم سرورها *** لتختال بين الحور فرحان
زاهيا
إلى رحمة الله العظيم مشيعاً *** ونبكيك للأمجاد والحق
داعيا
تظللك الأملاك في كل لحظة *** ويرحمك الرحمن ما كنت
ناسيا
وما كنت خواراً إذا الحرب أشعلت *** ولا كنت فرارا وما
كنت شاكيا
وما كنت منحازاً إلى كل خائن *** وما كنت خواناًَ وما
كنت عاصيا
وما كنت إلا سيفُ حق على الهوى *** ومزقت سيف الشرك
فاغتاظ خاسيا
ومزقت ملك الروس حتى تشرذموا *** وخلفت للشيشان أبيض
باقيا
ومت قرير العين يا نور أعين *** فدتك ولكن لم تكن
بمؤاتيا
ولو أن نفساً تفتدى لافتديتكم *** بنفسي وإخواني وأهلي
وماليا
ولكن قضاء الله والحكم حكمه *** فيا نفس بعض الصبر لو
كان شافيا
أقسمتُ بالله الذي رفع السَّما *** لن يرتع الباغي على
أوطانيا
أيها المسلمون: وأخيراً: إن كل أمة لها رجالها وقادتها في العلم والسياسة والجهاد
وغيرها من المجالات المختلفة، وإنه لمن المسلمات عند التربويين أن تنشئة الجيل على
احترام هؤلاء الكبار وتقديرهم، أنها ضرورة تربوية لا بد منها فبمن تقتدي الأجيال؟
وأي شخصية يمكن أن نقدمها لشباب الأمة ونربيهم على تقفي آثارها؟ إن تجاهل أجهزة
الإعلام في الأمة لعلمائها ومجاهديها ورجال الفكر والدعوة أمر خطير ينبغي أن يكون
منا نحن الآباء على بال، من جهة تعويض هذا النقص؛ لأن هذا الإغفال يعني من جهة أخرى
فسح المجال للثناء على رموز الحداثة، وأساطين التسول الفكري من العلمنة والعولمة
وغيرهم أو على أقل تقدير إبراز رموز الرياضة والفن والرقصات الشعبية وجعلهم هم
القدوات للجيل الناشئ؛ لأن فطرة الإنسان تستوجب أن يتمثل أمام ناظريه شخصاً تعتبره
هو موضع الأسوة والقدوة، ولهذا لما أنزل الله -جل وتعالى- هذا القرآن أنزله على قلب
رجل من البشر تمثل هذا القرآن ليكون قدوة للناس في تطبيق تعاليمه وهو محمد -صلى
الله عليه وسلم-، ولو كانت التوجيهات تكفي لوحدها لكفى أن ينـزل القرآن لوحده ليعمل
الناس به، لكن لعلم الله أن هذا يخالف فطرة الإنسان كان لا بد أن يتمثل القرآن
نبياً من عند الله تعالى، وهذا هو السر الذي لا يفهمه كثير من الناس وهو لماذا بعض
القرارات الإدارية والتعليمات لا تلقى قبولاً ولا تنفذ؟ السبب هو أن مُصدر هذا
القرار أو هذه التعليمات لا يطبقها هو فكيف يريد من غيره أن يعمل بموجبها. أعود
فأقول بأن الجيل إذا فقد القدوات الذين يستحق أن يقتدى بهم فإنه يلتمس القدوة في
الرياضي أو المغني الذي قد يكون منحرفاً في فكره أو خلقه أو دينه، ولكن أجهزة
الإعلام نجحت في إبرازه كرمز، والجيل المستغفل انطلت عليه اللعبة، والأب ضعيف
الإدراك لم ينتبه، ومن انتبه لم يبالي في تعويض النقص الضروري..
ما بالكم -أيها الأحبة- إذا نشأ جيل وهو يرى ويسمع ليل نهار أن الأمة تتنكر
لعظمائها ممن يستحقون أن يكونوا هم القدوات، وتتجاهل تاريخهم، هذا الرجل إما أن
ينساق وراء هذا التصرف الخاطئ للأمة فلا يحترم من يستحق الاحترام، أو أنه على أقل
تقدير ينظر للوسط والمجتمع الذي يعيش فيه أنه مجتمع فاسد منهار. لهذا أيها الأحبة
فليس في مصلحة الأمة أن تهمل أو تهمش أمثال هذه الشخصيات فيها؛ لأن ذلك يعود عليها
بالضرر لا محالة.
اللهم أقم علم الجهاد..