ولكنكم تستعجلون
الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد
إن الحمد لله... أما بعد:
أخرج البخاري في صحيحه أن خباباً -رضي الله عنه- قال: "أتيت النبي -صلى الله عليه
وسلم- وهو متوسد بُردةً وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شِدّةً فقلت: يا
رسول الله، ألا تدعو الله لنا؟ فقعد وهو محمرٌ وجهه فقال:
((لقد كان الرجل فيمن كان قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار
فيوضع على رأسه، فيُشق اثنتين وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد، ما دون
لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، ولَيُتِمَّنَّ الله هذا الأمر حتى يسير
الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)).
ولكنكم تستعجلون.. ما أحسن الكلمة وما أجمل العبارة وما أروع هذا البيان، لقد كان
لها وقع كبير في قلوب المستضعفين في كل زمان ومكان ولكنكم تستعجلون.. استدراك عجيب
منه -صلى الله عليه وسلم- ليخبر الصالحين والمصلحين أن الصبر هو الوسيلة العظمى
والزاد النافع لهم في طريقهم الطويل الصعب الشاق الوعر، ذاك الطريق هو الاستقامة
على شرع الله والدعوة إليها المليء بالأشواك والعقبات.
أخبرهم -عليه الصلاة والسلام- أن النصر والفتح وهداية الناس بيده وحده، وانتظارهما
من قبل جهود البشر وحدهم ليس بصحيح، وليس من الطموح والهمم العالية، بل هو من
الاستعجال الذي هو أكبر خطأ يقع فيه المستقيمون والمصلحون، أياً كانوا وحيثما
وُجدوا.
وذكرهم -عليه الصلاة والسلام- بمن سبقهم من المستضعفين ليكون لهم زاداً في طريقهم
المتُعب، ويسليهم حتى يعلموا أن هناك من صبر أكثر منهم، وبشّرهم ووعدهم حتى لا
ييأسوا من العاقبة، والعاقبة للمتقين.
والله -عز وجل- لم يعد المسلمين في العهد المكي بالنصر وحسن العاقبة، حتى يتربّوا
تربية إسلامية فذّة تلك التربية التي مضمونها التضحية والتفاني في سبيل الله وحده
والتجرد من أهداف الدنيا، والتطلع إلى ما هو أعلى من ذلك، إلى ما عند الله، ومَا
عِندَ اللَّهِ خير وأبقى.
إن من واجب الدعاة أن يمضوا ولا يتطلعون إلى شيء إلا رضى الله ورحمته، هذا هو الهدف
الحقيقي، وهذه هي الغاية، وهذه هي الثمرة الحلوة التي تهفو إليها قلوبهم، وأما ما
يكتبه الله لهم بعد ذلك من النصر والتمكين فليس لهم، إنما هو دعوة الله التي
يحملونها.
ولنا في أنبياء الله -عليهم الصلاة والسلام- أسوة حسنة ونماذج خيرة، فهذا نبي الله
نوح -عليه السلام- لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، طوال هذه السنين وهو يدعو
قومه ليقولوا: لا إله إلا الله، وفي النهاية كما أخبر -عز وجل- عمن آمن معه:
{وَمَا
آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ}
[(40) سورة هود] قيل اثنا عشر رجلاً وامرأتان فقط!
فعلى الصالحين والدعاة والمصلحين أن يصبروا ويواصلوا مسيرتهم الربانية دون فتور
وكسل ودون خمول واتكالية، وأن يستمدوا غذاء دعوتهم من كتاب الله وسنة رسوله -صلى
الله عليه وسلم {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم
مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ
عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}
[(155-157) سورة البقرة].
ولكنكم تستعجلون.. العجلة طبع في الإنسان بشهادة خالق هذا الإنسان، قال الله تعالى:
{خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ}
[(37) سورة الأنبياء].
العجلة خلاف البطء، وهي مأخوذة من مادة "ع ج ل" التي تدل على الإسراع، والعجلة طلب
الشيء أو فعله قبل أوانه ووقته اللائق به، وهي من مقتضيات الشهوة، بل هي من طبع
الإنسان، {وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ
عَجُولاً} [(11) سورة الإسراء]، وقد قيل قديماً: العجلة من الشيطان، وقيل أيضاً: في
التأني السلامة وفي العجلة الندامة.
وقد ذُمت العجلة في القرآن الكريم، قال الله تعالى: {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ
لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} [(11) سورة يونس]، وقال تعالى:
{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ
بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ * أَثُمَّ إِذَا
مَا وَقَعَ آمَنْتُم بِهِ آلآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ} [(50-51) سورة
يونس]، وغيرهما من الآيات التي تبين قبح العجلة.
بل إن الله تعالى نهى نبيه -صلى الله عليه وسلم- عن العجلة بالقرآن فقال تعالى:
{وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} [(114)
سورة طـه]، وقوله تعالى أيضاً:
{لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} [(16) سورة القيامة].
والمرء إذا كان مستجيباً لطبعه منساقاً وراء شهوات نفسه فكان عجولاً، فإنه لا يكاد
يظفر بخير، بل ربما أدت عجلته إلى هلكته وسوء خاتمته، كحالة ذلك الرجل الذي قال عنه
سهل بن سعد -رضي الله عنه-: "إن رجلاً من أعظم المسلمين غناءً عن المسلمين في غزوة
غزاها مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فنظر النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال:
((من
أحبَّ أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا))، فاتّبعه رجلٌ من القوم وهو
على تلك الحال من أشد الناس على المشركين، حتى جُرح فاستعجل الموت فجعل ذُبابة سيفه
بين ثدييه حتى خرج من بين كتفيه، فأقبل الرجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-
مُسرعاً فقال: أشهد أنك رسول الله، فقال: "وما ذاك؟" قال: قُلتَ لفلانٍ من أحبَّ أن
ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إليه، وكان من أعظمِنَا غنَاءً عن المسلمين،
فعرفتُ أنه لا يموت على ذلك، فلما جُرح استعجل الموت فقتل نفسه، فقال النبي -صلى
الله عليه وسلم- عند ذلك: ((إن العبد ليعمل عمل أهل النار وإنه من أهل الجنة، ويعمل
عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار، وإنما الأعمال بالخواتيم)) [رواه البخاري ومسلم].
وعن أنس -رضي الله عنه- أنه قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عاد رجلاً من
المسلمين قد خَفَتَ فَصَارَ مِثل الفرخِ، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
((هل كنتَ تدعوه بشيءٍ أو تسألُهُ إيَّاه؟))، قال: نعم، كنت أقول اللهم ما كنت
معاقبي به في الآخرة فعجّلُه لي في الدنيا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
((سبحان الله لا تُطيقُهُ أو لا تستطيعه، أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي
الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)) وقال: فدعَا الله له فشفاه" [رواه مسلم].
وعن فضالة بن عبيد -رضي الله عنه- أنه قال: سَمِعَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
رجلاً يدعو في صلاته لَمْ يُمجِّدِ الله ولم يُصَلِّ على النبي -صلى الله عليه
وسلم- فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((عَجِلْتَ أيُّها المُصلي)).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
((يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوتُ فلم يُستجب لي)) [رواه البخاري ومسلم].
وهذا نبي الله آدم -عليه السلام-، استعجل الخلود في الجنة فأكل من الشجرة المحرمة،
فكان أن أُهبط هو وذريته إلى الأرض، قال تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ
مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [(115) سورة طـه]. ولقد قرر علماء
المسلمين قاعدة عظيمة فقالوا: من تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه، ولذلك عندما
تعجل نبي الله موسى -عليه السلام- في سؤال الخضر مستنكراً عليه لأنه لم يجد القدرة
في نفسه السكوت على ما يرى، انتهت الرحلة العجيبة بفراق موسى الخضر -عليهما السلام-
ولقد قال نبينا -صلى الله عليه وسلم-: ((رحمة الله علينا وعلى موسى، لو صبر لرأى من
صاحبه العجب)).
ومن مضار العجلة أنها قد تؤدي بصاحبها إلى ترك واجب أو فعل محرم، كما حصل من بعض
الصحابة -رضي الله عنهم- قال أحدهم: رَجَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ -صلى الله عليه
وسلم- مِنْ مَكّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، حَتّى إِذَا كُنّا بِمَاءٍ بِالطّرِيقِ،
تَعَجّلَ قَوْمٌ عِنْدَ الْعَصْرِ، فَتَوَضّأُوا وَهُمْ عِجَالٌ، فَانْتَهَيْنَا
إِلَيْهِمْ وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ لَمْ يَمَسّهَا الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ
اللّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ((وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النّارِ، أَسْبِغُوا
الْوُضُوءَ)).
وصف الله الإنسانَ بأنه عجول، أي: بأن فيه عجلةً في أموره، وتسرُّعاً في أحواله
كلِّها، لقصور علمه وقلة إدراكه كانت تلك العجلة فيه، وهذا لَفْت نظرٍ له ليتحلى
بالصبر والأناءة، ويكبح جماحَ النفس المائلة إلى العجلة في الأحوال كلِّها، ولذا
قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((من حُرم الرفقَ حُرم الخيرَ كله))، فالرفق في
الأمور كلِّها مصلحة للعبد في دينه ودنياه، فيدرك برفقه وحكمته وأناءته ما لا يدركه
في طيشه وعجلته وتسرُّعه.
فكم يفوت عليه بالعجلة أمور يندم على فواتها، وكم تعود العجلة عليه بأمور يندم على
فعلها، ولذا شرع النبي -صلى الله عليه وسلم- للمسلم صلاةَ الاستخارة قبل أن يُقدم
على أمرٍ ما من الأمور؛ ليسأل الله إنْ يكن هذا الأمر خيراً له في الدين والدنيا
وعاقب الأمور أن ييسره الله له ويعينه عليه، وإن يكن شراً له في دينه ودنياه وعاقبة
أمره أن يصرفه الله عنه، وما ندم من استخار.
والاستعجال ليس مذموماً دائماً، بل إن الاستعجال في الخير والمبادرة إليه هو
المطلوب أحياناً، ولعل هذا هو المعْنيِّ في قول الله تعالى حكاية عن موسى -عليه
السلام-: {وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هُمْ أُولَاء عَلَى
أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [(83-84) سورة طـه].
وقد أمرنا نبينا -صلى الله عليه وسلم- بالاستعجال في أمور، فقال -صلى الله عليه
وسلم-: ((ما تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار))، وقال -عليه الصلاة السلام-:
((السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نهمته من
وجهه فليعجل إلى أهله))، فأمور الدنيا والمباحات ينبغي على المسلم أن يتريث فيها
وأن لا يستعجل، بينما أمور الآخرة والعبادات والطاعات، فلا يُسن تأخيرها، قال -عليه
الصلاة والسلام-: ((التؤدة في كل شيء خير، إلا في عمل الآخرة)).
فتعجلوا بالتوبة ولا تؤخروها طرفة عين، وتعجلوا بالحج يا من لم تحجوا الفريضة،
وتعجلوا بالتبكير إلى المسجد في الجمعة والجماعات؛ لإدراك الصف الأول، وأنفقوا مما
رزقكم الله ولا تُأخّروا صدقة أو طاعة لله، وبادروا بالأعمال قبل نزول الموت، فإن
الواحد منا لا يدري متى يكون أجله.
وأما حديث خباب المتقدم فإنه صورة من صور الاستعجال المذموم مع أن الصحابي -رضي
الله عنه- كان طلبه من الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يدعو الله لهم، عسى الله أن
يفرج عنهم شيئاً من الضيق والشدة التي كانوا يواجهونها في مكة، فأحمّر وجه المصطفى
-صلى الله عليه وسلم- من هذا الطلب، مع أنه طلب دعاء وعدّ الرسول -صلى الله عليه
وسلم- هذا من الاستعجال الذي لا ينبغي في مثل هذه الظروف، وإنما المطلوب هو الصبر
والتحمل واحتساب كل ذلك في سبيل الدين.. ولكنكم تستعجلون.
للاستعجال المذموم صور كثيرة فمنها:
أولاً: الاستعجال في تغيير واقع الأمة: إن كثيراً من الغيورين على هذه الأمة، وممن
لا يرضون بالانحراف والجور والبعد عن منهج الله -عز وجل-، لهم جهودٌ طيبة ومشكورة
في التغيير، كل بحسب اختصاصه وبحسب الثغرة التي هو يملؤها.
إن الغيرة على واقع الأمة شيء مطلوب، وما وصلت إليه الأمة من الذلة والمهانة
والخضوع لأعدائها، أمر يدمي قلب كل مسلم عاقل غيور، بل إن الضريبة التي تدفعها
الأمة لخصمها الكافر، تجعل الساكن يتحرك، والهادئ ينفعل، وهو يرى خيرات هذه الأمة
وثرواتها تُستنـزف في غير مسارها الصحيح، وفي المقابل هناك من أبناء هذه الأمة في
بقاع كثيرة من الأرض، لا يجدون لقمة العيش، بل أن أعداداً ليست بالقليلة تموت جوعاً
وظمأً ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم إن هذا الظلم العلنيّ التي توجه سهامه لهذه
الأمة، المتمثل في إزهاق أرواح الأبرياء نساءً ورجالاً، صغاراً وكباراً دون أي سبب
سوى أنهم مسلمون تجعل المرء يضطر أحياناً للاستعجال في بعض أموره، ويكفي مثالاً ما
يجري الآن على أرض فلسطين أو العراق، وما يرتكب هناك من مجازر وحشية، هذا الوضع
وهذه الصور جعلت طائفة من الناس لا يتحملون ويريدون التغيير بأية صورة.
الواقع الذي تعيشه الأمة المسلمة، هو واقع المرارة والألم والأسى، قتل وتشريد وبطش
بالمسلمين في كثير من البلاد، وسلب للحريات وإهانة واستخفاف بأهل العلم والمكرمات،
وتشجيع للرذيلة والدناءة وتوقير للفاجرات، وتحقير ولمز بالعفيفات الطاهرات، وتجريح
وطعن بالآمرين بالمعروف والناهين عن المنكرات. ذوو المروءة والشهامة والشرف يطاردون
ويمنعون من دخول بلادهم؛ لأنهم أناس يتطهرون، واليهود والمفسدون العابثون بكل
فضيلة، أراذل الخلق للمجالس يتصدرون، والأغرار والصغار والمشاغبون يتطاولون على
خيرة رجال الأمة الذين أفنوا أعمارهم في الدفاع عن عقيدة أهل السنة والجماعة، وهم
على ذلك راسخون رسوخ الشم الرواسي، الصغار والمشاغبون والعابثون بكل فضيلة يَنتقصون
ويَطعنون ويُنظّرون ويعدّلون ويجرّحون! وكذلك يفعلون؟!
ولا نريد في هذه العجالة أن نتتبع كل ما يُفعل بالأمة وكل ما يدبر لها وكل جوانب
النقص والخلل فيها، فليس هذا مجاله، لكن هذه المقتطفات ذكرتها؛ لأبين السبب الذي
حرك فئةً من الغيورين للمساهمة في التغيير، فالذي نحذّر منه هو: الاستعجال في
التغيير.
إن الواقع الذي وصلت إليه الأمة لم يحصل فجأة، ولم تكن الأمة في المساء مستقيمة
وأحوالها طيبة ثم أصبحت وإذا بالأمور منقلبة رأساً على عقب، أبداً لم يكن التدني
والدنو بهذا الشكل، وإنما الذي حصل هو أن ما وصلت إليه الأمة اليوم نتيجة تخطيط
وتدبير استمر سنوات.
منذ أمد بعيد وأعداء الأمة يخططون، وتخطيطهم كان يسير بخطوات هادئة، فجهة كانت تخطط
لتقويض أركان الأمة اقتصادياً، وجهة كانت تعد البرامج لهدم الأمة أخلاقياً، وثالثة
كانت تنظّر لغزو الأمة فكرياً، وهكذا مؤسسات ضخمة وميزانيات ودعم قوي ومستمر، ودول
تدعم هذه الجهات؛ لكي تعمل عملها في الإفساد
فالسؤال الآن: هذا التدبير الماكر الذي بدأ بإسقاط الخلافة العثمانية، وتبع ذلك
تقسيم العالم الإسلامي إلى دويلات، ثم تبعه ما تبعه من الإفساد، هذا المشوار الطويل
الذي استمر كما قلنا سنوات طويلة، هل يمكن من إعادة الأمور إلى نصابها بفترة قصيرة،
شهر أو سنة، أو حتى عشر سنوات؟ هل يمكن تغيير واقع الأمة ورفع كل جوانب النقص
والخلل في سنوات قليلة؟
من كان يظن ذلك فهو مخطئ، إذا كان النـزول لم يحصل بسرعة، وإنما استمر عمراً ليس
بالقصير من عمر الزمن، فكيف بالصعود مرة أخرى، والكل يعلم –بداهةً- بأن الصعود أصعب
وأشق من النـزول.
لا بد أن تكون تقديراتنا معقولة، ولا بد أن تكون تصوراتنا فيها شيء من الصحة.
إن تغيير واقع الأمة الآن، وانتشالها من الوحل الذي هي غارقةٌ فيه، لا يمكن أن يحصل
بسنة ولا سنتين ولا حتى عشر سنوات، بل سيستغرق ذلك وقتاً طويلاً وطويلاً جداً، ربما
يستغرق عمر جيل كامل أو جيلين إن لم يكن أكثر؛ لأنه ما من جانب إلا ونخر فيه
الفساد، فإننا لا نحتاج إلى إزالة هذا الفساد فقط، بل نحتاج بعد إزالته إلى ملئه
بالنافع والصالح أيضاً، فكم نحتاج من الوقت للإزالة، ثم كم نحتاج بعد ذلك للملئ ...
ولكنكم تستعجلون.
أين العقول المتوفرة في الأمة لكي تسد كل فراغ؟ وأين الطاقات التي سوف تساهم في كل
ميدان؟ النقص كبير، والمسافة بعيدة، ولا أريد بهذا الكلام، إحباط ذوي الهمم أبداً،
لكن الفكرة التي أريد أن أوصلها لكم باختصار، هو أن تغيير واقع الأمة الحالي لا يتم
بسهولة، ولن يتم بسرعة، بل يستحيل أن يحصل بسرعة، فالاستعجال في هذه القضية قد يسبب
عواقب سلبية، والأمر يحتاج إلى دراسة متأنية، فكما أن الشر استمر سنوات وهو يخطط
وينظّر حتى نشر شره، فكذلك الخير يحتاج إلى سنوات وسنوات يخطط وينظّر حتى يزيل الشر
الموجود، ثم يوجد مكانه الخير.
الصحوة موجودة والحمد لله، والحركة العلمية بدأت والحمد لله، لكن كل هذا بحاجة إلى
تربية طويلة، وإن كنّا على يقين تام واعتقاد جازم بأن العاقبة للتقوى، وتسلم زمام
الأمور سوف يكون لأهل الخير والاستقامة بوعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فما من
شدة إلا ويعقبها الرخاء، ولا تأبه بأفعال المشاغبين والغوغاء، فقد ابتلي من قبل
رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام، ومن قبلهم أنبياء الله -عز وجل-
غير أن الذي يلزمنا ويلزم الدعاة إلى الله هو الصبر والثبات حتى تهدأ هذه الثائرة
وتسكن هذه العجاجة، وما يفعله المشاغبون ليس بجديد، فقد ضرب العرب الأمثال في شأن
هؤلاء فقالوا: "أزهى من الذباب" فالذباب يقع على أنوف العلماء ووجوه الكبار وتيجان
الملوك، فلا تحزن ولا تيأس، {وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ
وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ
يُحِبُّ الظَّالِمِينَ* وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ
الْكَافِرِينَ* أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ
اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [(140-142) سورة آل
عمران]، ولكنكم تستعجلون...
ثانياً: من صور الاستعجال المذموم: الاستعجال في نزع بذور الشر من نفوس الناس: وهذه
شبيهة بسابقتها، لكن تلك على المستوى العام، وهذه لها علاقة بدعوة الأشخاص.
بعض من لهم جهود طيبة ومشكورة في إصلاح الناس، وبث الخير بينهم، ومحاولة نزع وتقليل
الشر من نفوسهم، هولاء يستعجلون أحياناً ويريدون أن يرتقوا بالمدعوين دفعة واحدة
وبسرعة، وهذا خطأ، فنفوس أشربت المعاصي لسنوات عديدة، ونفوس ألفت المنكرات مدة
طويلة من الزمن، من الاستعجال المذموم أنك تريد أن تنسف كل هذا الركام في وقت قصير
وفي لحظة.
بل من الطبيعي أنك ترى أخطاء، وتشاهد قصوراً وضعفاً، فالواجب عليك الصبر على هؤلاء،
وغض الطرف أحياناً عن بعض التقصير، حتى تستقيم هذه النفوس شيئاً فشيئاً على دين
الله.
هل تتصور أن بقاء الشخص على منكر أو معصية عشرة أو عشرين سنة لا يكون له أثر أو
بقايا في نفسه بعد استقامته؟
إن كنت تظن هذا فأنت مخطئ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وكذلك التائب
من الذنوب والمتعلم والمسترشد لا يمكن في أول الأمر أن يؤمر بجميع الدين ويذكر له
جميع العلم، فإنه لا يطيق ذلك، وإذا لم يطقه لم يكن واجباً عليه في هذه الحال، وإذا
لم يكن واجباً لم يكن للعالم والأمير أن يوجبه جميعه ابتداء، بل يعفو عن الأمر
والنهي بما لا يمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان، كما عفى الرسول -صلى الله عليه
وسلم- عما عفى عنه إلى وقت بيانه، ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات وترك الأمر
بالواجبات؛ لأن الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل، وقد فرضنا انتفاء هذا
الشرط، فتدبر هذا الأصل فإنه نافع" انتهى.. [مجموع الفتاوى 20/60]
منذ كم سنة والاعلام الفاسد في شتى بلاد الدنيا عموماً والبلدان الإسلامية خصوصاً
بشتى أنواعه من صحافة وإذاعة وتلفاز ينخر في عقول وأفكار الناس؟
لا أقل من مائة سنة، وجاءتنا الآن القنوات الفضائية والانترنت، فتخيل شخصاً منذ
عشرين سنة على الأقل إن لم يكن أكثر وهو يتقلب بين هذه الأوبئة يومياً ما يقارب خمس
ساعات إن لم يكن أكثر، فكم ترك ذلك من ركام على قلبه وفكره، فإزالة هذا كله لا
يتأتى في يوم وليلة بل يحتاج إلى وقت، ووقت طويل، والعجلة في رفع الناس أمر قد لا
يحمد عقباه، لذا يجب التدرج في دعوة الناس، وعدم مطالبتهم بالتغيير السريع في
أنفسهم؛ وذلك لما ألفوه وتلبسوا به دهراً طويلاً من الزمان من المنكرات والمخالفات،
وضرورة أخذهم بالرفق والبدء بالأهم فالمهم.
ومما يدخل في ذلك ما ينبغي أن يقوم به المربون في تربيتهم لأولادهم وطلابهم، وأن لا
يطالبوهم في بداية تربيتهم بما يطالبون به أنفسهم أو من أمضى سنوات في التربية
والتزكية... ولكنكم تستعجلون.
ثالثاً: من صور الاستعجال المذموم: الاستعجال في الفتوى. هناك العديد من النصوص
التي تحذر من الفتوى بغير علم، والتحدث في أمور الشرع والدين بغير بصيرة قال الله
تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا
بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا
لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ
تَعْلَمُونَ} [(33) سورة الأعراف].
إن أهل العلم الحقيقيين لا يودون أن يُسألوا؛ لأنهم يعلمون خطورة الفتوى، والصحابة
-رضي الله عنهم- كانوا يتدافعون الفتوى، كلهم يحيلها لغيره، حتى ترجع للأول، كل هذا
تورعاً من أن يتكلم أحدهم بشيء في الدين ثم لا يكون صواباً؛ لأن الفتوى معناها أن
حكم الله في هذه المسألة هو كذا، وهذا أمر صعب خصوصاً في الأمور والقضايا التي لا
يكون الأمر فيها واضحاً وضوحاً بيّناً، لذا فالاستعجال في الفتوى أمر مذموم ولا
يتعجل في الفتوى إلا جاهل ولا يجرؤ على الفتوى إلا قليل البضاعة.
قال عبدالرحمن بن أبي ليلى -رحمه الله-: "أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله
-صلى الله عليه وسلم- من الأنصار، إذا سئل أحدهم عن شيء، ودَّ أن أخاه كفاه".
وقال الإمام مالك -رحمه الله- عن نفسه: "ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهلٌ لذلك".
وقال الحافظ ابن رجب -رحمه الله- مشيراً إلى ظاهرة الخوض في المسائل الشرعية قبل
استكمال الأهلية: "ثم قلَّ الدين والورع، وكثر من يتكلم في الدين بغير علم، ومن
ينصّب نفسه لذلك، وليس هو له بأهل، فلو استمر الحال في هذه الأزمان المتأخرة على ما
كان عليه في الصدر الأول بحيث إن كل أحد يفتي بما يدّعي أنه يظهر له أنه الحق،
لاختل به نظام الدين لا محالة، ولصار الحلال حراماً والحرام حلالاً". ثم قال -رحمه
الله-: "ولهذا كان الإمام أحمد يشدد أمر الفتيا، ويمنع منها من يحفظ مائة ألف حديث
ومائتي ألف حديث وأكثر من ذلك..". انتهى
أين هذا مما عليه الحال اليوم والله المستعان؟ ومع كل أسف صار الدين في زماننا هذا
يتكلم فيه كل أحد، وأصبح الجميع متخصصين في تفاصيل أمور الشرع، وأصبحت الجرأة في
الفتوى عجيبة، خصوصاً بعد وفاة بعض كبار علمائنا المعاصرين، وانتشار القنوات
الفضائية، واستضافة من هب ودب، فأصبَحتَ تسمع بالطوام العظام.
المشكلة أن العجلة في التحدث في قضايا الشرع والجرأة في الفتوى لم تعد مقصورة على
أنصاف العلماء وأرباع العلماء وطويلبي العلم، بل حتى العوام أصبحوا مفتين، وتجد في
كل عائلة وفي كل حي أحياناً هناك هيئة لكبار العلماء ولجنة دائمة تجتهد في كل أمر
وفي كل مسألة وفي قضايا لو عرضت على عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لجمع لها أهلُ
بدر؛ وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على رقة الدين وزيادة الجهل وضعف الخوف من الله،
والله المستعان.
ومن عجائب هذا الزمان وكم هي عجائب هذا الزمان -ولم يذهب بعيداً من قال بأن هذا
الزمن كله عجيب- إن بعض اللاعبين صار يفتي في أمر الشرع، بل قرأنا مقابلات مع
ممثلات وراقصات -أكرمكم الله- سئلن عن بعض الأحكام الشرعية فصرن يفتين، ولا حول ولا
قوة إلا بالله، وليس العجب في الفتوى، ولكن العجب هو نشر مثل هذه السخافات على عامة
الناس، فنتسائل لماذا؟ وما هو الهدف من طرح هذا السؤال بالذات على هذه الشخصية ثم
نشره على الملأ؟ والشيء بالشيء يذكر، إن المفتي ومرجعية الفتوى لا يمكن أن تفرض على
الناس عبر وسائل الإعلام.
إن الأمة تعرف لمن ترجع حال النوازل، ومن هم العلماء الراسخون الذين يُلجأ لهم في
الفتوى بعد الله -عز وجل- ففي الوقت التي كانت حكومة المأمون ضد الإمام أحمد -رحمه
الله- وجردته من كل شيء، من الإمامة والتدريس والفتوى بل وجردته حتى من ثيابه
وأودعته السجن، ووضعت القيد في يديه ورجليه في تلك اللحظة كان الإمام أحمد هو مفتي
أهل السنة والجماعة في وقته وله المرجعية في المسائل الشرعية. ومثله شيخ الإسلام
ابن تيمية -رحمه الله- في الوقت الذي حبس في سجن القلعة بدمشق وألّب قضاة السوء
الدولة عليه كان هو المفتي الحقيقي للأمة، وفتاواه كانت هي التي يعمل بها في حين
كان غيره خارج السجن حراً طليقاً، فلله الأمر من قبل ومن بعد.. ولكنكم تستعجلون.
رابعاً: من الاستعجال المذموم بل والخطير، الاستعجال في الحكم على الأشخاص والهيئات
والأوضاع: لقد أمرنا الله -عز وجل- بالتثبت، ونهانا عن قبول خبر الفاسق، قال الله
تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ
فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا
فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [(6) سورة الحجرات].
يظهر أحياناً في المجتمع من يتخصصون في تفسير النيات والمقاصد والنوايا، فلان يقصد
كذا، وفلان كان يريد بكلامه كذا، وفلان ينوي أن يقول كذا.
وحديثي ليس إلى هذه الفئة؛ لأن من سلك هذا المسلك فانحرافه أظهر من أن يبين،
واعوجاجه أوضح من الشمس في رابعة النهار، فليس من منهج أهل السنة والجماعة، تبديع
الناس، وتفسيقهم من خلال النية والمقصد؛ لأنها قضايا لا اطلاع لأحد من البشر عليها،
ولا يعلم بالنيات إلا الله -عز وجل-، بل ولا حتى من المنهج الصحيح، تبديع فرد بعينه
بمجرد كلمة خرجت منه ربما لا يقصدها، أو لا يريد معناها، ونحو ذلك، لكن نصيحتي
لغيرهم، لنا نحن جميعاً، أن لا نقبل الطعن في أحد دون بينة، أن لا نستعجل ونقبل
كلام أحد في أحد إلا بعد التثبت؛ فإن من الاستعجال المذموم، قبولنا الحكم على
الأشخاص والهيئات أو الأوضاع، بطعنٍ أو تبديعٍ أو تجريح، دون أدلة قوية واضحة، ودون
تأكد بأنه قد أقيمت عليهم الحجة، وبُيّن لهم الخطأ، والاستعجال في مثل هذه الأمور
قد يُحملّك وزر غيرك أنت في غنىً عنه... ولكنكم تستعجلون..
خامساً: من صور الاستعجال المذموم: استعجال النصر: إن البعض قد يستعجل النصر في بعض
الميادين، ولا يخطو الخطوات المرحلية المناسبة.
إن الثقة بنصر الله، وعونه ووعده الحق لمن جاهد في سبيله، هي زاد الطريق، ومفتاح
الأمل، ونور الأجيال الإسلامية التي تبصر بها آفاق الرحلة وتبقى لحظة النصر وبشارة
التمكين حية شاخصة في رؤى المجاهدين ومشاعرهم، وإن من فقد هذه الثقة بالله ونصره،
فقد خسر خسراناً مبيناً، ومن تشكك فيها لحظة، فقد تأخر عليه النصر على قدرها،
{مَن
كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ
فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ
يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ* وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ
وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ} [(15-16) سورة الحـج].
من كان يشك في نصر الله لأوليائه فليقرأ قول الله تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ
رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ
الْأَشْهَادُ} [(51) سورة غافر].
من كان يشك في نصر الله لأوليائه فليقرأ قوله سبحانه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن
قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ
الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [(47) سورة
الروم].
من كان يشك في نصر الله لأوليائه فليقرأ قوله -عز وجل-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ *
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ *
يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا
الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ
الْعَظِيمُ* وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ
وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [(10-13) سورة الصف].
من كان يشك في نصر الله لأوليائه فليقرأ قوله تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ
بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ
اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [(60) سورة الحـج].
إن نصر الله -جل وعز- متحقق لمن يستحقونه وهم المؤمنون الذين يثبتون حتى النهاية،
الذين يثبتون على البأساء والضراء، الذين يصمدون للزلزلة، الذين لا يحنون رؤوسهم
للعاصفة، الذين يستيقنون أن لا نصر إلا نصر الله، وعندما يشاء الله، وحتى حين تبلغ
المحنة ذروتها فهم يتطلعون فحسب، إلى نصر الله لا إلى أي حل آخر، ولا إلى نصر لا
يجيء من عند الله، ولا نصر إلا من عند الله.
ومع ذلك نقول بأن من سنن الله تعالى أن النصر قد يتأخر ولو كان أهله مسلمين
وأعداؤهم كفاراً؛ وذلك لأسباب:
منها: أن البنية للأمة لم تنضج بعد، ولم يتم بعد تمامها، ولم تُحشد بعد طاقاتها،
ولم تتحفز كل خلية وتتجمع لتعرف أقصى المذخور فيها من قوى واستعدادات، فلو نالت
النصر حينئذٍ لفقدته وشيكاً؛ لعدم قدرتها على حمايته طويلاً؛ لأن النصر السريع
الهين اللين سهل فقدانه وضياعه؛ لأنه رخيص الثمن لم تُبذل فيه تضحيات عزيزة.
وقد يتأخر النصر أيضاً: لتزيد الأمة المؤمنة صلتها بالله وهي تعاني وتتألم وتتأذى
وتبذل، ولا تجد لها سنداً إلا الله، ولا ملجأً إلا إليه وهذه الصلة هي الضمانة
الأولى لاستقامتها على المنهج الصحيح بعد النصر عندما يتأذن به الله، فلا تطغى ولا
تنحرف عن الحق والعدل والخير الذي نصرها الله به.
وقد يتأخر النصر أيضاً؛ لأن الأمة المؤمنة لم تتجرد بعد في كفاحها وبذلها وتضحياتها
لله ولدعوته، فهي تقاتل لمغنم تحققه، أو تقاتل حمية لذاتها، أو تقاتل شجاعة أمام
أعدائها، والله يريد أن يكون الجهاد له وحده وفي سبيله بريئاً من المشاعر الأخرى
التي تلابسه، وقد سئل النبي -صلى الله عليه وسلم-: الرجل يقاتل حمية، والرجل يقاتل
شجاعة، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فأيها في سبيل الله؟ فقال: ((من قاتل لتكون كلمة
الله هي العليا، فهو في سبيل الله))، [متفق عليه].
وقد يتأخر النصر أيضاً؛ لأن الباطل الذي تحاربه الأمة المؤمنة لم ينكشف زيفه للناس
تماماً، فلو غلبه المؤمنون حينئذٍ فقد يجد الباطل له أنصاراً من المخدوعين فيه لم
يقتنعوا بعد بفساده وضرورة زواله، فتظل له جذور في نفوس الأبرياء الذين لم تنكشف
لهم الحقيقة، فيشاء الله أن يبقى الباطل مدة من الزمن حتى يتكشف عارياً للناس، وإذا
ما ذهب فإنه يذهب غير مأسوف عليه.
وقد يتأخر النصر أيضاً؛ لأن البيئة لا تصلح بعد لاستقبال الحق والخير والعدل الذي
تمثله الأمة المؤمنة، فلو انتصر حينئذٍ للقيت معارضة من البيئة حولها لا يستقر معها
قرار، فيظل الصراع قائماً حتى تتهيأ النفوس من حوله لاستقبال الحق الظافر
ولاستبقائه.
من أجل هذا كله، ومن أجل غيره مما يعلمه الله ولا نعلمه نحن، قد يتأخر نصر الله،
فتتضاعف التضحيات وتتضاعف الآلام وتتضاعف معها الأجور، وفي كل ذلك خير مع دفاع الله
عن الذين آمنوا وتحقيق النصر لهم في النهاية: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن
يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي
الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ
وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ * وَإِن يُكَذِّبُوكَ
فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ
إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ
لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِير*ِ فَكَأَيِّن مِّن
قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا
وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ* أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ
فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا
فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي
الصُّدُورِ * وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ
وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ * وَكَأَيِّن
مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ
الْمَصِيرُ} [(40-48) سورة الحـج].
صبـح تنفـس بالضيـاء وأشرقـا
*** والصحـوة الكبرى تهـز البيرقـا
وشبيـبة الإسـلام هــذا فيلـق *** في ساحـة
الأمجـاد يتبـع فيلقـا
وقوافـل الإيمـان تتخـذ المـدى ***
ضربـاً وتصنـع للمحيـط الزورقـا
مـا أمـر هـذي الصحـوة الكبـرى سـوى *** وعـد مـن الله الجليـل تحققـا
هـي نخلـة طـاب الثـرى فنمـى لها *** جـذع طويـل في التـراب وأعذقـا
هـي فـي رياض قلوبـنا زيتونـة *** في جذعها غصـن الكرامـة أورقـا
فجـر تدفـق مـن سيحـبِس نـوره؟! ***
أرنـي يـداً سـدت عليـنا المشرقـا
ولكنكم تستعجلون...
والحمد لله أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد،
وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً...