خدمة rss
قصة إبراهيم عليه السلام



  
   

قصة إبراهيم - عليه السلام -

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد


ولد إبراهيم - عليه السلام - كما ذكر ابن كثير - رحمه الله - بأرض بابل، وكانت ولادته بعد أن بلغ والده من العمر خمسٍ وسبعين سنة، وكان اسم والده آزر كما جاء في قول الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}
[(74) سورة الأنعام]. وكان مولد خليل الرحمن إبراهيم - عليه السلام - في عهد النمرود، وكان النمرود حاكماً مستبداً جباراً وكانت رعيته تتقلب في دياجير الجهل والضلالة كما كانوا يعبدون الحجارة الصماء والتماثيل البكماء.
استخف النمرود بقومه فنصب نفسه إلهاً لهم، ودعا الناس إلى عبادته فأطاعوه، وفي هذه البيئة الفاسدة ولد خليل الرحمن إبراهيم - عليه السلام -. وكان أبوه آزر من ألد أعدائه وكذلك كان أقرباؤه وأشقائه وأترابه وهذا يعني أنه كان غريباً بين أهله وذويه. ولما شب إبراهيم - عليه السلام - تزوج بامرأة تسمى "سارة" وكانت عقيماً لا تلد.
وقد عَرَفَ إبراهيم - عليه السلام - منذ نعومة أظفاره بصائب رأيه وثاقب فكره أن الله واحد أحد ليس له شريك في الملك وألقى الله في قلبه كره الأصنام التي كان يعبدها قومه وأنها لا تجلب نفعاً ولا تدفع ضراً.
ابتعث الله إبراهيم - عليه السلام - بالرسالة وهو في بابل فقام بالواجب الذي أمره الله به خير قيام وصبر على الأذى والابتلاء، وقابل التهديد والوعيد بعزيمة أشد رسوخاً من الجبال، وعندما تأكد من إعراض قومه عن دعوته هاجر في أرض الله الواسعة يبذر بذور الإيمان في كل أرض تطأه قدماه، فاستحق بصبره ودأبه أن يكون أباً للأنبياء وإماماً للأتقياء وقدوة للموحدين الأمناء.
ونظراً لأهمية الدور الذي قام به إبراهيم - عليه السلام - فقد ذكرت قصته في خمس وعشرين سورة وفي ثلاث وستين آية من القرآن الكريم.
إن البيئة التي نشأ فيها إبراهيم - عليه السلام - سيطر عليها تعدد الآلهة، ونصبت فيها التماثيل لعبادتها؛ لذلك عزم إبراهيم - عليه السلام - على هداية قومه وتخليصهم من هذه الأباطيل، وهذا ما ذكره الله لنا بقوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ * قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ}
[(51-56) سورة الأنبياء].
كان تعليل هؤلاء القوم لعبادتهم الأصنام هو أنهم وجدوا آباءهم عابدين لها فافتدوا بهم فإبراهيم - عليه السلام - أراد أن يحرر قومه من عبادة الأصنام وما يستتبع ذلك من الاعتقاد بالخرافات والأساطير قال الله تعالى: {قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ}
[(75-82) سورة الشعراء]، هذا هو إيمان إبراهيم - عليه السلام - إنه إيمان المستسلم لربه في كل جارحة من جوارحه، إنه الإيمان الذي ينزع من النفس همومها وأحزانها ويسبغ عليها طمأنينة وسعادة، إنه الإيمان الذي يخلص النفس من الاستسلام للخرافات، فلا رازق ولا شافي ولا محيى ولا مميت ولا غافر للذنب إلا الله رب العالمين، كان والد إبراهيم في مقدمة عابدي الأصنام بل كان ممن ينحتها ويبيعها، وقد عز على إبراهيم فعل والده وهو أقرب الناس إلى قلبه، فرأى من واجبه أن يخصه بالنصيحة ويحذره من عاقبة الكفر، ولكن بأي أسلوب خاطب إبراهيم أباه؟
لقد خاطبه بلهجة تسيل أدباً ورقةً، مبيناً بالبرهان العقلي بطلان عبادته للأصنام. قال الله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا}
[(41-48) سورة مريم].
هذا كلام يهز أعطاف السامعين، انظر كيف استهل إبراهيم - عليه السلام - كلامه عند كل نصيحة بقوله: {يا أبت} توسلاً إليه واستعطافاً لقلبه مع استعمال الأدب الجم، ومن ناحية أخرى يحاول إبراهيم أن يكسر بذلك الأسلوب الجذاب حدة أبيه حتى يستطيع أن يبلغه رسالة الله، وهذا أمر معلوم. فإن الغالب في الآباء أنهم لا يقبلون شيئاً من أولادهم؛ لأن الوالد دائماً يرى الولد أقل منه وأنه خرج أساساً من صلبه فلا يمكن أن يصل إلى مستواه، وهذا الذي كان يفكر فيه والد إبراهيم - عليه السلام -، ولا شك أن هذا تفكير غير صحيح، فقد يكون الوالد صالحاً ويخرج أولاده على غير الصلاح، والعكس أيضاً أمر وارد، فيكون الولد مهتدياً بنور الله ويكون الأب يعيش في ظلمة الجهل والهوى كما كان حال إبراهيم مع أبيه، فحاول إبراهيم أن يقيم الحجة على أبيه وهو هادئ غير ثائر بعد أن ناداه بذلك الأسلوب الموجب للحنان والعطف {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا}
[(42) سورة مريم]، كيف تعبد يا أبت إلها لا يسمعك إذا ناديته ولا يبصرك إذا اقتربت منه ولا يجلب لك نفعاً أو يدفع عنك مكروهاً؟ {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا} [(43) سورة مريم] لم يبدأ إبراهيم - عليه السلام - حواره مع أبيه بالحديث عن غزارة علمه وقوة حجته وشدة ذكائه، كما أنه لم يصف أباه بالجهل ولو قال ذلك لكان صادقاً، وهذا ما يجب أن يتنبه إليه الأبناء وهم يواجهون من هم أكبر منهم سواء كانوا الآباء أو من القرابات أو الأرحام فإن طبيعة النفوس لا تقبل النصيحة ممن هو أصغر منك ولو كان على علم ودراية. لكن كيف كانت مقابلة الوالد لولده؟ لم يقبل النصيحة وصار يهدد إبراهيم - عليه السلام - {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} [(46) سورة مريم] لئن لم تنته يا إبراهيم عن ضلالك وتعود عن باطلك لأرمينك بالحجارة، وما عليك الآن إلا أن تخرج من داري وتعتزل مجالستي، وهكذا طُرد إبراهيم - عليه السلام - من منزل أبيه؛ لأن ذلك الوالد لم يرد الهداية ولا يريد أن يكون ولده محافظاً على أوامر الله - عز وجل - أمامه، والأب مخالف لله، فأفضل حل أن يطرده ولا يراه أمامه. فماذا قابل إبراهيم معاملة أبيه القاسية؟ لم يقابل والده إلا بقوله {سلامٌ عليك} كما قال سبحانه: {قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} [(47) سورة مريم] أي لن يصلك مني أي مكروه، ولن ينالك مني أذى، بل أنت سالم من ناحيتي وفوق كل هذا، سأدعو الله أن يغفر لك مع أنك عاص له. عندها خرج إبراهيم - عليه السلام - من عند أبيه واعتزل القوم كلهم كما قال سبحانه: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا} [(48) سورة مريم].
اعتزل إبراهيم أباه وقومه فكان لا يحضر في أفراحهم ولا أعيادهم وندواتهم، ومع ذلك كان يدعو لأباه في ظهر الغيب عسى الله أن يهديه، ولكن هذه الدعوة لم تستمر، فبعد أن علم أن أباه لا يمكن أن يهتدي وأنه سوف يلقى الله - عز وجل - وهو كافر أمره الله - عز وجل - أن يتبرأ منه، قال تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ}
[(114) سورة التوبة].
بعد ذلك عزم إبراهيم - عليه السلام - على تحطيم أصنام القوم ورأى أنها هي الطريقة العملية لإقامة الحجة عليهم، أن هذه الأصنام لا تضر ولا تنفع، فالبرهان العملي له في النفس البشرية وقع كبير أشد أثراً من الوعظ والإرشاد.
تحين إبراهيم الفرصة المناسبة لتحقيق ما عزم عليه حتى صار يوم عيد عندهم، خرج معهم ثم انتهز فرصة غفلتهم ورجع أدراجه نحو المكان الذي فيه أصنامهم وكان قد صمم على تحطيمها، وصل إبراهيم - عليه السلام - إلى الهيكل الذي أقيمت فيه أصنامهم، وكان بعضها إلى جانب بعض يتصدرها كبيرها، ورأى أمامها ما تركه القوم قرباناً لها من الطعام والشراب لتأكله في زعمهم، فخاطبها إبراهيم ساخراً: ألا تأكلون، فلما لم يجبه أحد، قال: ما لكم لا تنطقون، ثم انحنى عليها ضرباً بيده فكسرها كلها بفأس كان معه، وجعلها قطعاً صغيرة، أما الصنم الكبير فأبقاه ولم يكسره وهو أكبر الآلهة عندهم وعلق الفأس بيده ثم غادر الهيكل، قال الله تعالى: {فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ * فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ}
[(90-93) سورة الصافات] وجاء في آية أخرى: {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} [(57، 58) سورة الأنبياء].
فإبراهيم - عليه السلام - أراد بتحطيمه لهذه الأصنام أن يقيم دليلاً حسياً لقومه على بطلان عبادة الأصنام، فلو كانت آلهة حقيقية لدافعت عن نفسها.
رجع القوم بعد أن احتفلوا بعيدهم، فرأوا ما حلّ بأصنامهم فراعهم ذلك وتساءلوا فيما بينهم عن الفاعل الذي نال من مقدساتهم، فقال بعضهم: سمعنا فتىً يذكر هذه الأصنام بسوء، يسمى إبراهيم، كان من عادته أن يعيبها ويستهزئ بها وهو الذي نظنه فعل بها هذا الفعل.
وصل الخبر إلى الحكام، فقالوا لجنودهم أحضروه لنحاكمه على مشهد من الناس، جيء به - عليه السلام - فسأله الحكام: {أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ}
[(62) سورة الأنبياء]، عندها وجد إبراهيم الفرصة سانحة ليبلغ قومه ويوصلهم إلى الحقيقة فقال: {فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ} [(63) سورة الأنبياء]، عندها أدرك القوم فأطرقوا رؤوسهم من الخجل لكنهم بفكرهم وعنادهم عادوا إلى مجادلة إبراهيم قائلين: إنك تعلم أن هذه الأصنام لا تتكلم فكيف تطلب منا أن نسألها، عندما برزت حجة إبراهيم مدوية مجلجلة تقرع آذانهم في مثل قول الله تعالى: {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [(66، 67) سورة الأنبياء]، وبعد ما رأى القوم أنه لا يمكن مناظرة إبراهيم - عليه السلام - بالحجة استخدموا القوة معه، فأصدروا حكمهم عليه بالموت حرقاً، كما قال تعالى: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ} [(68) سورة الأنبياء]، وهذا هو سلاح أهل الباطل الذي يلجأون إليه دائماً في كل عصر، فأجمع القوم على إحراقه بالنار، ولكن أي نار، بنوا بنياناً شاهقاً ووضعوا فيه كميات كبيرة من الحطب شارك القوم كلهم في جمعها، قال الله تعالى: {قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ} [(97) سورة الصافات]، قال ابن إسحاق: وجمعوا من الحطب شهراً ثم أوقدوها فاشتعلت النار واشتدت، حتى أن الطائر ليمر بجنباتها فيحترق من شدة وهجها، وعندما أرادوا حرق إبراهيم - عليه السلام - لم يستطيعوا الاقتراب من النار لشدة حرها فوضعوه في المنجنيق وألقوه من بعيد وهو مربوط مغلول. وفي تلك اللحظات كان إيمان إبراهيم - عليه السلام - بربه أشد رسوخاً من الجبال الرواسي، وكان ثقته بنصر الله وتأييده أقوى من الأرض ومن عليها ولهذا لم يكترث لجماهيرهم المحتشدة ونيرانهم الملتهبة وكلماتهم النابية. عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: ((كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل)).
وقالها أيضا رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - حين قالوا: ((إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء))، وكذلك إبراهيم - عليه السلام - انقلب بنعمة من الله وفضل لم يمسه سوء، فوالله إنها لكلمة نافعة في مواقف الضيق، وعندما يشتد الكرب بالمسلم لو قالها من قلب صادق موقنٍ بنصر الله - عز وجل - (حسبنا الله ونعم الوكيل).
عندها نزلت رحمة الله - عز وجل - على نبيه {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ}
[(69) سورة الأنبياء]، فسلبت النار الخاصية التي أعطاها الله - عز وجل - وهي الإحراق لتكون بأمره برداً وسلاماً {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [(82) سورة يس]. خرج خليل الرحمن من النار سليماً معافى وقومه يشاهدونه ولا يتعظون؛ لأن الله قد كتب عليهم الهلاك بكفرهم وعنادهم {وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ} [(70) سورة الأنبياء].
ومن سنن الله أن ينصر رسله إذا بلغت الشدة بهم منتهاها ويخذل أعداءه، قال الله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ}
[(110) سورة يوسف].
وللوزغ موقف من حرق إبراهيم - عليه السلام - بالنار. روى البخاري في صحيحه عن سعيد بن المسيب عن أم شريك - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتل الوزغ وقال: ((كان ينفخ على إبراهيم - عليه السلام -)) وفي رواية لأحمد عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((اقتلوا الوزغ فإنه كان ينفخ النار على إبراهيم)) قال: فكانت عائشة تقتلهن، وفي رواية أخرى لأحمد أن امرأة دخلت على عائشة - رضي الله عنها - فإذا رمح منصوب، فقالت ما هذا الرمح؟ فقالت: نقتل به الوزغ، ثم حدثت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن إبراهيم لما ألقى في النار جعلت الدواب كلها تطفئ عنه إلا الوزغ فإنه جعل ينفخها عليه.
إي دين أعظم من هذا الدين الذي هدانا الله إليه ورزقنا اتباعه، أية مشاركة وجدانية تلك المشاركة التي أوجدها الإسلام بين أفراده منذ آلاف السنين، وكلما رأى المسلمون وزغاً سارعوا إلى قتله؛ لأنه كان ينفخ النار على أبينا إبراهيم - عليه السلام -، ولأن عدو إبراهيم عدو لكل مسلم وسيبقى المسلمون على ذلك حتى يرث الله الأرض ومن عليها، فلا ود ولا مصالحة مع أعداء الله ولو كانوا حيوانات صغيرة كالأوزاغ، وقصة الوزغ، يعرفها خاصة المسلمين وعامتهم، فلو رأى فتى صغير في قرية نائية وزغاً لسارع إلى قتله؛ لأنه رأى أهله يقتلونه وسمع منهم أنه كان ينفخ النار على خليل الرحمن - عليه السلام -.
ومن المحزن حقاً أن هذه المشاركة الشعورية بين أعضاء الجسد الإسلامي الواحد أصابها كثير من الضعف والفتور في زماننا هذا، فكم يصاب المسلمون في أقاصي الأرض بشتى المصائب فلا نقول يتحرك المسلمون برد هذه المصيبة أو الكارثة بل ولا حتى التأثّر القلبي، حتى هذا نزع من قلوب بعض المسلمون، وإن تأثروا فيكون تأثرهم عابراً كسحب الصيف، ولهذا أصبحت عمليات إبادة المسلمين في أي بقعة من الأرض قضية لا تستحق اهتماماً.
خرج إبراهيم - عليه السلام - من النار سالماً معافى والقوم ينظرون إليه، عندها أيقن القوم أنهم عاجزون عن قتل خليل الرحمن أو حتى زحزحته عن عقيدته التي يدعوا إليها، وعندها وقف طاغوتهم النمرود حائراً لا يدري ماذا يفعل بعد أن عجزت نيرانهم المتأججة عن التهام ظفر من أظفار إبراهيم - عليه السلام - أو حتى حرق قطعة صغيرة من ملابسه. وأيقن إبراهيم - عليه السلام - أن جذور الشرك عميقة وعميقة جداً في قلوب قومه وعقولهم. لقد أقام عليهم الحجج الدامغة ورأوا معجزات تبهر العقول فما زادهم ذلك كله إلا إصراراً على الباطل وإعراضاً عن الحق، ولم يعد ينفع معهم أو فيهم النصح والموعظة، إذاً لا فائدة من بقاء إبراهيم - عليه السلام - في أرض جرداء قاحلة لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، عندها جاء أمر الله وأمره بالهجرة.
أُمر إبراهيم - عليه السلام - بأن يهاجر ومن معه من المؤمنين إلى الأرض المباركة كما قال - سبحانه وتعالى -: {وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ}
[(70-73) سورة الأنبياء]. هاجر الخليل - عليه السلام - كما هاجر نوح قبله، وكما هاجر نبينا - عليه السلام - بعدهما. أخرج البخاري في صحيحه من حديث أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - وعن أبيها أن ورقة بن نوفل قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى يا ليتني فيها جذعاً ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أو مخرجي هم، قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك لأنصرنك نصراً مؤزرا)).
تخلى إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - عن وطنه وعن رفاق صباه كما تخلى عن أقرب الناس إليه من أهله وقومه، وفرّ بدينه في أرض الله الواسعة وليس معه من المسلمين إلا ابن أخيه لوط - عليه الصلاة والسلام - وزوجه سارة، وهؤلاء الثلاثة إبراهيم ولوط وسارة هم جماعة المسلمين في ذلك الوقت، وليس على وجه الأرض من يذكر الله غيرهم، وفي هذا عبرة لمن يعول على الكثرة ويقول بأن المسلمين قلة وأن أعدائهم كثير، فهذا عذر غير مقبول في حقل العمل الإسلامي، فإبراهيم - عليه السلام - خرج من قومه وليس معه إلا شخصان، زوجه وابن أخيه فصار يتنقل في أرض الله تعالى داعياً إلى الله غير مكترث بالقلة. سار إبراهيم ومن معه حتى وصلوا إلى أرض حرّان في بلاد الشام وكان أهلها يعبدون الكواكب من دون الله فدعاهم إبراهيم إلى توحيد الله وعدم الإشراك به فلم يستجيبوا له، وبعد أن مكث في حران ما شاء الله له أن يمكث، بعدها رحل إلى أرض بيت المقدس وما والاها ثم ارتحل بعدها إلى مصر وهناك جرت له قصة مع ملك مصر يخص زوجه سارة، وقد ذكر هذه القصة الإمام البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
وملخصها أن هذا الملك أعجب بزوجة إبراهيم - عليه السلام - فأمر جنوده فسلبت منه، وكان هذا ابتلاء آخر لنبي الله، فأدخلها الطاغوت إلى قصره ثم حاول قبحه الله هتك عرضها والاعتداء على شرفها وهي لا تملك قوة تدافع بها عن نفسها، ويبيت زوجها خليل الرحمن لائذاً بكنف الله سبحانه لا يدري ماذا يصنع ولا يدري ماذا يفعل، يصلي ويدعوا ربه، وهل له وسيلة أخرى غير الدعاء في مثل هذه المواقف، ولكن الله تعالى الذي نجى إبراهيم من النار حفظه كذلك من وصمة العار، فعادت إليه سارة عزيزة شريفة، وقد جاء في الحديث أنه كلما حاول الاقتراب منها ليتناولها بيده أُخذ بأمر الله، حاول ذلك مراراً، عندها علم أنه لن يصل إليها فلما رأى منها ما رأى أعطاها جارية قبطية تسمى (هاجر) فمكث إبراهيم - عليه السلام - في مصر مدة من الزمن ثم غادرها راجعاً إلى أرض بيت المقدس ومعه من الأنعام والعبيد والمال ما لا يحصى.
وبعد ذلك رزقه الله - سبحانه وتعالى - ذرية صالحة فما من نبي بعث بعد إبراهيم - عليه السلام - إلا كان من ذريته، وما من كتاب نزل من السماء على نبي من الأنبياء من بعده إلا نزل على أحد من نسله وعقبه. ونِعم الله - سبحانه وتعالى - التي أنعمها على إبراهيم - عليه السلام - تذكرنا بهجرة المسلمين إلى الحبشة وما لا قوه عند النجاشي من إكرام وحرية وأمن، مما دعا الصحابي الجليل عبد الله بن الحارث بن قيس أحد المهاجرين إلى القول برسالة بعثها إلى إخوانه المقيمين في مكة يقول فيها - رضي الله عنه -:
 

يا راكباً بلغ عني مغلفة *** من كان يرجوا بلاغ الله والدين
كل امرئ من عباد الله مضطهد *** ببطن مكة مقهور ومفتون
إنا وجدنا بلاد الله واسعة *** تنجي من الذل والمخزاة والهون
فلا تقيموا على ذل الحياة وخزي *** في الممات وعيب غير مأمون


ما أشد بُعد بعض المصلحين اليوم في فهم معاني هذه الأبيات والتأسي بإبراهيم - عليه الصلاة والسلام - في هجرته وغربته عن وطنه وأهله، لقد كانت الدعوة إلى الله - سبحانه وتعالى - في غربة إبراهيم - عليه السلام - عن وطنه وأهله هي من أهم القضايا التي عالجها كتاب الله، فلم يتعلق قلبه - عليه السلام - بالأرض التي ولد فيها ولا على التراب الذي نشأ فيه.
يجب أن تبقى العقيدة أهم من التراب والطين والوطن، وأغلى من الأهل والعشيرة والقوم، وأن تكون ثقتنا بالله - سبحانه وتعالى - أقوى من أن تزعزعها الأهواء والمحن، وما يغلق في وجوهنا في أرض قد يفتح الله لنا في أرض آخر، فقال عز من قائل: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}
[(100) سورة النساء].
عاد إبراهيم - عليه السلام - من مصر إلى أرض فلسطين ومعه زوجه والجارية هاجر، وكانت نفس إبراهيم ترغب في ولد فدعا الله أن يهبه ولداً صالحاً كما قال سبحانه: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ}
[(100) سورة الصافات]، وكأن زوجه سارة شعرت بما يجول في خاطر زوجها فقالت له: إن الله حرمني الولد، فأرى أن تتزوج جاريتي هاجر لعل الله أن يرزقك منها ولداً، وكانت سارة قد تقدمت في السن وكانت عقيماً لا تلد. تزوج إبراهيم - عليه السلام - بهاجر فولدت له إسماعيل. بدأت هاجر تعتز بهذا الولد مما أثار الحسرة والغيرة في نفس سارة فطلبت من إبراهيم - عليه السلام - إقصاءهما عن وجهها، استجاب إبراهيم - عليه السلام - إلى رغبتها لأمر يريده الله، فأوحى الله إلى إبراهيم أن يأخذها ويذهب بها إلى مكة وكان إسماعيل يومئذ رضيعاً، اصطحب إبراهيم الغلام وأمه هاجر وسار بهما سيراً طويلاً إلى أن أمره الله بالتوقف في أرض خلاء بعيدة عن العمران، في المكان الذي سيُبنى فيه البيت الحرام. أنزل إبراهيم هاجر وطفلها في المكان المقفر الذي ليس فيه شيء حتى الماء لا يوجد، ثم تركها وقفل راجعاً، تبعته هاجر عليها السلام وهي ملتاعة وقالت له: إلى أين تذهب ولمن تتركنا في هذا الوادي الموحش المقفر، وهو يمضي في سبيله لا يلتفت إليها، عندئذ قالت: آالله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذاً لا يضيعنا الله - عز وجل -. ثم رجعت إلى المكان الذي وضعهما إبراهيم فيه مع ولدها.
أي ثبات عند هذه المرأة؟!!.
انطلق إبراهيم - عليه السلام - وقلبه منفطراً على فراق زوجته وولده، لكن مشيئة الله - عز وجل - فوق مشيئة العبد، فاستسلم لربه وقفل راجعاً وهو يبتهل لربه ويدعوا بهذه الكلمات التي ذكرها الله لنا في كتابه: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللّهِ مِن شَيْءٍ فَي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء}
[(37، 38) سورة إبراهيم]، امتثلت هاجر لأمر الله وتحلت بالصبر ومكثت تأكل من الزاد وتشرب من الماء الذي تركه إبراهيم إلى أن نفد كله، فعطشت وعطش ولدها، وجعلت تنظر إليه وهو يتلوى من الظمأ فلم تحتمل هذا المشهد المؤلم وهبت قائمة وسارت تعدو وتهرول صعدت مكاناً مرتفعاً يعرف بالصفا فنظرت لعلها ترى ماء فلم ترى شيئا فهبطت وسعت سعي الإنسان المرهق حتى أتت مكاناً مرتفعاً آخر يعرف بالمروة فنظرت فلم ترى شيئاً ثم رجعت إلى الصفا فنظرت لعلها ترى شيئاً أو أحداً فلم ترى شيئاً فعلت ذلك سبع مرات ثم لما أشرفت أخيراً على المروة سمعت صوتاً فتلفتت فإذا بملك من الملائكة عند موضع بئر زمزم فبحث بجناحه حتى ظهر الماء. وقيل إن إسماعيل كان يفحص بقدميه الأرض فنبع الماء من تحتهما والله أعلم بالصواب. على كل سواء هذا أو هذا أو غيره فكله حاصل بأمر الله - عز وجل - وإرادته، رأت هاجر هذا المشهد المثير فغمرها الفرح والسرور ثم جعلت تغرف من الماء وتسقي ولدها وتروى نفسها ولما نبع الماء اجتذب الطير إليه، وكان قوم من قبيلة جُرهم يسيرون قرب هذا المكان فرأوا الطير تحوم حوله، فقالوا: بأن هذا الطير يحلق على ماء فأرسلوا أحدهم ليستطلع الخبر لعلمهم بعدم وجود الماء في هذا الوادي، فرجع إليهم يزف البشرى في وجود الماء فجاءوا إلى هاجر فقالوا لها: لو شئت كنا معك والماء ماؤك، فرحبت بهم فاستوطنوا بجوارها حتى شب إسماعيل - عليه السلام -، ثم تزوج بعد ذلك بامرأة جرهمية وتعلم العربية منهم. كان إبراهيم - عليه السلام - يزورهم من حين لآخر، وفي إحدى هذه الزيارات رأى إبراهيم - عليه السلام - في منامه أن الله يأمره بذبح ولده إسماعيل ورؤية الأنبياء حق؛ لأنها بمثابة الوحي من الله، لذلك عزم إبراهيم على تنفيذ أمر الله ولم يثنه من عزمه أن إسماعيل ابنه الوحيد، وأنه أصبح في سن الشيخوخة وهذا ما يقصه الله علينا في كتابه بقوله تعالى: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ} [(99-112) سورة الصافات].
أي امتحان أصعب من هذا يؤمر بذبح ولده وكان وحيده آنذاك، إن هذا من أعظم الحوادث وأجلها في تاريخ التضحيات، وبالأخص إذا نظرنا إليها من الزوايا التي أحيطت بهذه التضحية، فإبراهيم الحريص على الذرية والذي رزق ولداً في سن الشيخوخة، هذا الولد الذي هو مهجة قلبه وأمل حياته ووارث اسمه يأمره الله أن يضحي به ليمتحن إيمانه ويرى مبلغ استجابته لأمره - سبحانه وتعالى - ودرجة طاعته.
حدّث إبراهيم ولده في هذا الشأن الخطير ويكاد قلبه لينخلع من الحزن فيجيبه إسماعيل بقوله: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}
[(102) سورة الصافات]، إن اللسان ليعجز عن وصف مضمون هذا القول الذي يتمثل في الرضا التام بتضحية النفس في سبيل الله، تضحية من وجهين: تضحية الوالد بولده، وتضحية الابن بنفسه، هذه هي أرفع صور الإيمان وأجلها في تاريخ الإنسانية، فليس الإيمان ادعاءات تلوكها الألسنة، وليس الإيمان تسلية للأحزان لفترة ما، وليس نظرية من النظريات يغوص العقل في كشف خفاياها، بل الإيمان هو الاندماج الكلي في إرادة الله - سبحانه وتعالى - التي تتركز في العمل بوصايا الله وأوامره في كل شيء، والتضحية بكل غالٍ ونفيس في سبيله، ما أحوجنا إلى هذا الدرس في هذا الزمن الذي أصبح فيه المال والولد والزوجة يستأثرون بحب الإنسان الذي يؤثرهم على كل شيء حتى أصبحوا له معبودات من دون الله، وما أحقر الإنسان إذا تعلق بزينة الحياة الدنيا الفانية، وترك الحقيقة الخالدة التي هي مصدر وجوده ومصدر استمرار حياته.
قدِم إبراهيم يوماً إلى مكة وأتى بيت إسماعيل فلم يجده ووجد امرأته وكانت تجهل أنه والد زوجها فسألها عن إسماعيل فأخبرته أنه خرج يصطاد، ثم سألها عن حالهم، فقالت: نحن في شدة وضيق وشكت إليه سوء الحال، ثم قال لها: هل عندك ضيافة من طعام وشراب؟ فقالت: لا ليس عندي، ولما لقي منها إبراهيم من البخل وعدم الرضا بقسمة الله قال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له فليغير عتبة بابه. انطلق إبراهيم - عليه السلام - وجاء الزوج وكأنه آنس أن أمراً حدث خلال غيابه، فقال: هل جاءكم أحد؟ فقالت: نعم، جاءنا شيخ كبير صفته كذا وكذا وسألني عنك فأخبرته بالواقع، فقال لها: هل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام وطلب مني أن أقول لك أن تغير عتبة بابك، فقال إسماعيل: ذلك أبي وقد أمرني أن أفارقك فالحقي بأهلك، ثم طلقها - عليه السلام - وتزوج امرأة أخرى. غاب إبراهيم - عليه السلام - عن إسماعيل بعض الزمن ثم أتاه بعد فترة فلم يجده كذلك، ووجد امرأة أخرى فاستقبلته ورحبت به، فسألها: هل عندك ضيافة؟ قالت: نعم، فضيفته وأكرمته ثم سألها عن حالهم، فقالت: نحن بخير وسعه والحمد لله، وأثنت على الله - عز وجل -، فقال لها إبراهيم - عليه السلام -: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له: أن يثبت عتبة بابه، ثم انصرف. رجع إسماعيل بعد زمن إلى منزله فأخبرته بمجيء شيخ كبير في غيبته ووصفت له هيئته وأخبرته بوصيته له، فقال لها إسماعيل: إنه أبي وقد أمرني أن أحتفظ بك ولا أفارقك فلازمها إسماعيل طوال حياته، وكانت أماً لأبنائه.
لبث إبراهيم - عليه السلام - فترة من الزمن ثم جاء بعد ذلك، وإسماعيل يبري نبلاً له تحت دوحة قريباً من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر قال: فأصنع ما أمرك الله، قال: وتعينني؟ قال وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتاً، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، قال فعند ذلك، رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء، جاء بحجر، وهو المقام فوضعه له، فقام عليه إبراهيم وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}
[(127) سورة البقرة].
بنى إبراهيم - عليه السلام - بيت الله وارتفع البناء وما زالت أفئدة الناس تتلهف إلى هذا البناء منذ أن بُني وحتى يومنا هذا، وفي هذا حكمة عجيبة فليس هناك بناء على وجه الأرض تشتاق لها القلوب، وتتلهف لمشاهدته مثل الكعبة، وكلما زاد الإنسان الطواف به، وكلما زاد النظر إليه زاده ذلك شوقاً، وما خرج مسلم صادق الإيمان من مكة إلا وقلبه متعلق بهذا البناء لا يدري هل يعود إليه أم لا، ولهذا يقول - عليه الصلاة والسلام -: ((اجعلوا آخر عهدكم بالبيت)) وها نحن نرى المسلمون يتواردون إلى مكة من كل فج عميق، وينطلقون في حشد لم يعرف ولن يعرف التاريخ له مثيلا في العدد والنظام ووحدة المشاعر والهدف، وجميعهم يرددون بصوت واحد (لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك). مئات الألوف من الناس يقفون يوم التاسع من ذي الحجة في كل عام في أرض عرفات يقفون وقد خلعوا ملابسهم إلا لباس الإحرام وأقبلوا على الله داعين ملبين. وتتحرك هذه الجماهير المحتشدة كلها من عرفات قبل غروب الشمس كما تتحرك من مزدلفة بعد صلاة الفجر، وكل شيء في هذه الشعائر يذكرها بإبراهيم وإسماعيل ومحمد عليهم أفضل السلام وأتم التسليم. فعندما يطوفون بالبيت العتيق يتذكرون من بناه وكيف كان إبراهيم وإسماعيل يدوران حول البيت ويرددان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}
[(127) سورة البقرة]. وعندما يسعون بين الصفا والمروة يتذكرون سعي هاجر الحزينة وهي تبحث عمن يغيثها وينقذ ولدها من الهلاك. وعندما يشربون من زمزم يتذكرون كيف فجر الله هذا الماء من وسط هذه الصخور ومنّ به على عبده ونبيه إسماعيل - عليه السلام -. وعند رمي الجمرات يتذكرون كيف اعترض الشيطان إبراهيم - عليه السلام - ليفتنه بمعصية أو يُدخل على حجه شبهة، وكيف رماه الخليل بالحجارة طرداً له وقطعاً لأمله. وعند ذبح الهدي يتذكرون إسماعيل الذبيح وكيف فداه الله بكبش عظيم.
إن الحج بمناسكه وأركانه يتجلى فيه منتهى الانقياد لله وغاية الاستسلام والإذعان لله، وفيه يجدد المسلمون العهد من أجل أن يعودوا خير أمة أخرجت للناس.


والحمد لله أولاً...



 
حركة الجهاد والفتح الإسلامي في عهد الدولة الأموية

القائمة البريدية

54.86