قصة سبأ
9/6/1426هـ
الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله...
أما بعد: أيها المسلمون: يقول الله تعالى في كتابه الكريم:
{فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ
أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم
بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ
ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}
[(44-45) سورة الأنعام] تصف
هذه الآيات الكريمات حالَ أقوامٍ من الناس تصدى لهم الوعاظُ والمذكرون والخطباءُ
والمصلحون، يعظونهم صباح مساء بأرق المواعظِ وأبلغ الخطبِ، محاولين إعادة التائهيَن
في صحراءِ غرورهم إلى واحةِ الإيمان واليقين، فما كان جواب أولئك المترفين إلا
مزيداً من العناد والغرور، والاستكبار والنفور، إصراراً على الرذيلة، وإمعاناً في
عبادة النفس والهوى.
فماذا تراه كان جزاؤهم؟ أتظنها صاعقة أحالتهم رماداً؟ أم تظنها صيحةً خلعت قلوبهم
في أجوافهم؟ أم تظنها ريحاً صرصراً عاتية جعلتهم أعجاز نخل خاوية؟!.
كلا لم يكن هذا ولا ذاك، بل كان جزاؤهم من نوع آخر لم يكن في الحسبان أبداً، لقد
فتح الله عليهم أبواب كل شيء، فبسط لهم في أرزاقهم، واكتظت الثمرات في أسواقهم،
تجبى إليهم من كل مكان، ومتعوا بصحةٍ في الأبدان وأمنٍ في الأوطانِ، وأمطرتِ
السماءُ عليهم مدراراً، وفجرت الأرضُ من تحتهم ينابيعَ وانهاراً!.
وبينا هم فرحون منعمون بما أوتوا من الخير والرزق العميم، قد انحصرت اهتماماتهم في
الزينة واللذة والمتاع، واستسلمت نفوسهم للأهواءِ والشهواتِ، وبينا هم كذلك في
أوجِّ لذتهم، وغاية نشوتهم، إذا بالعذاب يحل بغتةً، وإذا بالعقوبة تنزل فجأةً، فإذا
هم مبلسون، يسكن البومُ ديارهم، وينعق الغرابُ فوق أطلالهم.
{وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَانظُرْ
كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ
* فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً
لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [(50-52) سورة النمل].
وهكذا يمكر الله بجموعِ المعرضين، ويباغتُ بالعقوبةِ جماهير الغافلين، سنة الله
التي لا تتغيرُ ولا تتبدل مهما تغيرَ الزمانُ أو تباين المكانُ، ولكن كثيراً من
الناس بلقاء ربهم لكافرين!.
أيها المسلمون: ويعرض القرآن الكريم أنموذجاً حياً لأمثال أولئك المعرضين المكذبين،
ذكرى لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمعَ وهو شهيد، إنها مملكة سبأ التي سادت ثم بادت،
وأصبحت أثراً بعد عين، قد ذهب سلطانها وهيلمانها، وغدت روايةً وحكايةً تُحكى، فإلى
حديثِ القرآن وهو يعرض قصتهم ويسجلُ نهايتهم فاعتبروا يا أولي الأبصار:
{لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ
جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ
بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} [(15) سورة
سبأ].
لقد كانوا في أرضٍ
خصبةٍ وثمرةٍ يانعةٍ، جنتان عن يمين وشمال، رمزٌ ناطقٌ بالخضرة والجمال، والرخاءِ
والمتاع، قال قتادة -رحمه الله-: "كانت المرأة تمشي تحت الأشجارِ وعلى رأسها مِكتل
أو زنبيل، فتساقط الثمار فيه من غير حاجة إلى كلفة أو قطاف، لكثرته ونضجه واستوائه"
أ.هـ.
وقد وهبهم الله ذكاءً ودهاءً، فتحكموا في القطرِ النازل من السماء، فبنوا سداً
عظيماً عُرف بسد مأرب الشهير! فكانوا يرتعون فيه، ويسقون زروعهم ومواشيهم، في نظامٍ
متقنٍ بديعٍ، لقد كانت حياتهم حياةُ الرفاهية بكل ما تحمله الكلمات من معانٍ، ولم
يكن في بلادهم شيء من البعوضِ أو الهوامِ لاعتدال الهواءِ، وصحةِ المزاج، وعناية
الله الفائقة بهم، كلوا من رزق ربكم واشكروا لـه بلدةٌ طيبةٌ وربٌ غفور، بلدة طيبة
معطاء، آمنةً مطمئنةً رخاء ورب غفورٌ، ودودٌ رؤوف، جوادٌ رحيم، فأي عذر بقي لأولئك
يحول بينهم وبين حسن القصد والعمل؟!.
ترى ماذا كان يضير سبأ لو أطاعوا ربهم، الذي أحاطهم بكل عناية، وشملهم بكل رعايةٍ،
فأطعمهم من فوقهم، ومن تحت أرجلهم، بلا حدودٍ ولا حسابٍ ماذا كان يضيرُ سبأ لو
عرفوا للمتين الوهاب حقه، وأدركوا أن ما يتمتعون به من النعيم المقيم، والظل
الوارف، والماء المسكوب، هو فضلٌ من الله ومنة؟! فلم التجبر والطغيان؟!
ماذا كان يضير سبأ لو أدركوا أن ما ينعمون به من رغدِ العيشِ وأمن البلادِ، إنما هو
ابتلاء من الله لهم ليعلم -وهو العليم الخبير- أيشكرون أم يكفرون؟ أينسبون الفضل
لله أم لأنفسهم الضعيفة؟ {كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ
وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا
عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى
أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ}
[(15-16) سورة سبأ].
فأعرضوا وهنا مَكمَن الخطأ، وبدايةُ النهايةِ، وبوادرَ الكارثةَ، فأعرضوا عن شكر
النعمِ، وإجابة المرسلين، ورضوا لأنفسهم بالذِّلةِ والهوان، يوم استبدلوا بعبودية
الله عبودية شمس تشرق وتغرب، ويحجب أشعتها ركامٌ يسير من السحاب!
{فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ
تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً
تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدتُّهَا
وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ
الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ}
[(22-24) سورة النمل].
يا لخيبتهم وتعاستهم! نِعَمٌ تتنزلُ صباح مساء، وعطاءٍ بلا حدود، وفضلٍ بلا قيود ثم
يقابل ذلك كله، بتأليهِ شمس مأمورة، لا تنفع ولا تضر! لعمرك إن هذا لهو الضلال
المبين! فاعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم يقتلع أشجارهم، ويُفسدُ ثمارهم، ويقوضُ
ديارهم، ويطمسُ زهرة حياتهم.
لقد كان سيلاً مهولاً يحطم كل شيء، ويدمر كل شيء، ويُفسد كل شيءٍ، يحمل في طريقه
الصخورُ العاتية، لتحطيم السد العظيم، فينهمر طوفاناً جارفاً ليضيف إلى المصيبةِ
مصيبةً، وإلى النقمة نقمة. {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ
إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}
[(102) سورة هود]!
{وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى
أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ}
[(16) سورة سبأ] يا سبحان
الله! هكذا في ساعةٍ من نهارٍ، إذا بالجنان الفيح والحدائق الغناء، تنقلب صحراءَ
قاحلةً وبلاقع دامرة، لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً!. وإذ بالثمار الناضجة، والظلال
الوارفة، تتحول إلى شوكٍ حادٍ، وأثلٍ يابسٍ وشيءٍ من سدرٍ قليل، فأصبح السدرُ غايةَ
ما تجودُ به مزارعهم الخاوية، مع لوعةً في القلب موجعةً، وحسرةً في الصدر كامنةً،
ودمعةً في العين حارةً، وما أهون الخلق على الخالق حين يعصون أمره، حين يتجاوزون
حدودهم، وتغرهم قوتهم، وتعجبهم كثرتهم، وليت الحالةُ البائسةُ وقفت عند هذا الحد.
كلا فما زالت فيهم بقيةٌ من نعمةٍ تنتظر التدمير والإهلاك.
{وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى
ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا
آمِنِينَ} [(18) سورة سبأ]
لقد كان طريق سبأ من اليمن إلى الشام طريقاً مأمون الاتجاهات، محدود المسافاتِ وعلى
جانبي الطريق قرى متلاصقة، لا يكادُ المسافرُ يخرج من قريةِ إلا يدخلُ الأخرى، فلا
يحتاج في الحالة هذه إلى حمل زادٍ أو طعام، ولكن غلبت الشقوةٌ على الأشقياء،
{فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا
وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ} [(19) سورة سبأ]
اجعل بين أسفارنا مسافاتٍ بعيدة، ومفاوز شاسعةً حتى نشعر بعناء السفر ومشقته!. يا
للسفه والجنون! ويا للحماقةِ والطيش! أناسٌ هيئ الله لهم قرى متشابكة، وطرقاً آمنة،
فإذا بهم يتطلبون المسافات البعيدةِ والقرى النائية.
{فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [(19) سورة
سبأ] فكان لا بد من وضعِ حدٍ لكبرياءَ القومِ
وغرورهم وتجبرهم وطغيانهم، فقد طفح الكيلُ وبلغ السيلُ الزُّبى، فإذا بالجموع
المتماسكة، والبيوتِ المتلاقصة، والأسرُ المتقاربةِ تنفرط سبحتها، وتتمزق وحدتها،
وتتقوضُ سلطتها، {فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ
وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ
شَكُورٍ}.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر
الحكيم..
أقول ما قلت، فإن كان صواباً فمن الله وحده، وإن كان غير ذلك فمن نفسي ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان.
وأستغفر الله إنه
كان غفاراً....
الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه...
أما بعد: أيها المسلمون: فحين يحدثنا الله من أخبار سبأٍ، ويقصُ علينا من أنبائهم،
فحاشا أن يكونَ ذلك بقصد التسليةِ أو شُغل الفراغِ، ولكنه يخاطبنا بخطابٍ مفهومٍ،
وكلامٍ معلومٍ، أنه لا فضل لنا على سبأ ولا لسبأ علينا، ولا فرق بيننا وبينهم إلا
بالإيمان والتقوى، فالأصل واحد، والأب واحد، والأم واحدة، والله لا يحابي أحداً،
فمتى حصلَ الكفرُ والطغيانُ، والبطرُ والأشرُ والعدوان، وظلم الناس فالعقوبةٌ
جاهزةً والنقمةٌ حاضرةً، وما ربك بظلامٍ للعبيد.
لقد ختم الله قصة سبأ بقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ
لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [(19) سورة سبأ].
فما يعي الدروس، ولا يستلهمُ العبَر إلا من اتصف بالصبرِ والشكر، والصبر والشكرِ
ليس كلاماً فارغاً، ولا عبارات جوفاء.
أما الصبر: فهو توطين النفس على طاعة الله، وكفها عن محارمه، وبذل النفس والنفيس
لإرضاء الخالق جل جلاله!.
وأما الشكر: فما أكثر ما يظلمهُ الناس, ويسيئون إليه، حين يحسبونه تمتمة باللسان،
وحركة في الشفاه، دون استشعار لمعناه العظيم، ومفهومه الكبير!. ألا إن الشكر الذي
تكفل الله لمن أداهَ على وجههِ المشروع بدوامِ النعم وازديادها، ألا إنه وجدانٌ
وشعورٌ قلبي، وعملٌ وسلوكٌ واقعي، وثناءٌ جميلٌ على المتفضل بالإحسانِ جل في علاه،
إن الشكر الذي تدوم به النعم ويصنع سياجاً واقياً أمام الكوارثِ والنقمِ، يكون
بالعودةِ الصادقةِ إلى الكتاب والسنة، علماً وعملاً وتحاكماً.
وشُكرُ النعم: يكون بنبذ الأمةِ للمذاهب الهدَّامةِ، والنحلِ الضالة والأفكار
المسمومة.
وشكرُ النعم: يكون بتطهير الأموالِ من الحرامِ، وتنقية المكاسبِ من الشبهاتِ
وشُكرُ النعم: يكون بحفظِ الشبابِ من البؤر المشبوهةِ، والتوجهات المنحرفة،
والولايات الباطلة.
وشكر النعم: يكون بصونِ المرأةِ عن الفتن والميوعة، والتهتك والخلاعة.
الشكر: مفهومٌ عظيم، ومعنى كبير، ولكن كما قال الله تعالى:
{وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [(13)
سورة سبأ] {وَإِنَّ
رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ}
[(73) سورة النمل].
اللهم إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ،
وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ، والشوقُ إلى لقائِكَ
في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة.
اللهم زينا بزينةِ الإيمانِ واجعلنا هداةً مهتدين، لا ضاليَن ولا مُضلين، بالمعروف
آمرين، وعن المنكر ناهين يا ربَّ العالمين...