خدمة rss
أصحاب الأخدود



  
   

أصحاب الأخدود
24/8/1425هـ

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد
 

الخطبة الأولى:
إن الحمد لله...
أما بعد: أيها المسلمون: قال الله تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: {وَٱلسَّمَاء ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ، وَٱلْيوْمِ ٱلْمَوْعودِ، وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلاْخْدُودِ، ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ، إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ، وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ}
[(1-7) سورة البروج].
إن هذه الآيات تحملُ قصةَ أصحابِ الأخدود، هؤلاء الذين فتنوا في دينهم، هؤلاء الذين أحرقوا في خنادقِ النارِ مع نسائهم وأطفالِهم، وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد. وكان نكالاً دنيوياً بالغَ القسوة وجريمةً نكراء عندما يقادُ أولئك المؤمنون الأطهار إلى خنادقَ وحفر أضرمت فيها النار، هم ونساؤهم وأطفالهم ليلقوا فيها لا لشيء إلا لأنهم آمنوا بالله -جل وعلا-، حتى تأتي المرأةُ معها طفلُها الرضيعُ تحملُه، حتى إذا أوقفت على شفيرِ الحفرةِ والنارُ تضطرمُ فيها ترددت، لا خوفاً من النار ولكن رحمةً بالطفل، فيُنطقُ اللهُ الطفلَ الرضيع ليقولَ لها مؤيداً مثبتاً مصبراً: يا أماه اصبري فإنك على الحق. فتلقي المرأةُ الضعيفةُ بنفسها وهي تحمل طفلها الرضيع في تلكم النار.
إنه مشهدُ مروع وجريمةُ عظيمةٌ يقصُ القرآنُ خبرها ويخبر بشأنها، فإذا هي قصة مليئة بالدروس، مشحونة بالعبر، فهل من مدكر؟.
لقد ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- قصة أصحاب الأخدود لأصحابه كاملة واضحة ورواها الإمام مسلم في صحيحه: فَعَنْ صُهَيْبٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم- قَالَ: ((كَانَ مَلِكٌ فيِمَنْ كَانَ قبْلَكُمْ، وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا كَبِرَ قَالَ لِلْمَلِك: إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ فَابعَثْ إِلَيَّ غُلاَماً أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ غُلاَماً يعَلِّمُهُ، وَكَانَ في طَريقِهِ إِذَا سَلَكَ رَاهِبٌ، فَقَعَدَ إِلَيْهِ وَسَمِعَ كَلاَمهُ فأَعْجَبهُ، وَكَانَ إِذَا أَتَى السَّاحِرَ مَرَّ بالرَّاهِب وَقَعَدَ إِلَيْه، فَإِذَا أَتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ فقال: إِذَا خَشِيتَ السَّاحِر فَقُلْ: حبَسَنِي أَهْلي، وَإِذَا خَشِيتَ أَهْلَكَ فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحرُ. فَبيْنَمَا هُو عَلَى ذَلِكَ إذْ أتَى عَلَى دابَّةٍ عظِيمَة قدْ حَبَسَت النَّاس فقال: اليوْمَ أعْلَمُ السَّاحِرُ أفْضَل أم الرَّاهبُ أفْضلَ؟ فأخَذَ حجَراً فقالَ: اللهُمَّ إنْ كان أمْرُ الرَّاهب أحَبَّ إلَيْكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ فاقتُلْ هَذِهِ الدَّابَّة حتَّى يمْضِيَ النَّاسُ، فرَماها فقتَلَها ومَضى النَّاسُ، فأتَى الرَّاهب فأخبَرهُ. فقال لهُ الرَّاهبُ: أي بُنيَّ أَنْتَ اليوْمَ أفْضلُ منِّي، قدْ بلَغَ مِنْ أمْركَ مَا أَرَى، وإِنَّكَ ستُبْتَلَى، فإنِ ابْتُليتَ فَلاَ تدُلَّ عليَّ، وكانَ الغُلامُ يبْرئُ الأكْمةَ والأبرصَ، ويدَاوي النَّاس مِنْ سائِرِ الأدوَاءِ. فَسَمعَ جلِيسٌ للملِكِ كانَ قدْ عمِي، فأتَاهُ بهداياَ كثيرَةٍ فقال: ما هاهنا لك أجْمَعُ إنْ أنْتَ شفَيْتني، فقال إنِّي لا أشفِي أحَداً، إِنَّمَا يشْفِي الله تعَالى، فإنْ آمنْتَ بِاللَّهِ تعَالَى دعوْتُ الله فشَفاكَ، فآمَنَ باللَّه تعَالى فشفَاهُ اللَّهُ تَعَالَى، فأتَى المَلِكَ فجَلَس إليْهِ كما كانَ يجْلِسُ فقالَ لَهُ المَلكُ: منْ ردَّ علَيْك بصَرك؟ قال: ربِّي. قَالَ: ولكَ ربٌّ غيْرِي؟ قَالَ: رَبِّي وربُّكَ الله، فأَخَذَهُ فلَمْ يزلْ يُعذِّبُهُ حتَّى دلَّ عَلَى الغُلاَمِ فجئَ بِالغُلاَمِ، فقال لهُ المَلكُ: أي بُنَيَّ قدْ بَلَغَ منْ سِحْرِك مَا تبْرئُ الأكمَهَ والأبرَصَ وتَفْعلُ وَتفْعَلُ فقالَ: إِنَّي لا أشْفي أَحَداً، إنَّما يشْفي الله تَعَالَى، فأخَذَهُ فَلَمْ يزَلْ يعذِّبُهُ حتَّى دلَّ عَلَى الرَّاهبِ، فجِئ بالرَّاهِبِ فقيل لَهُ: ارجَعْ عنْ دِينكَ، فأبَى، فدَعا بالمنْشَار فوُضِع المنْشَارُ في مفْرقِ رأْسِهِ، فشقَّهُ حتَّى وقَعَ شقَّاهُ، ثُمَّ جِئ بجَلِيسِ المَلكِ فقِلَ لَهُ: ارجِعْ عنْ دينِكَ فأبَى، فوُضِعَ المنْشَارُ في مفْرِقِ رَأسِهِ، فشقَّهُ به حتَّى وقَع شقَّاهُ، ثُمَّ جئ بالغُلامِ فقِيل لَهُ: ارجِعْ عنْ دينِكَ، فأبَى، فدَفعَهُ إِلَى نَفَرٍ منْ أصْحابِهِ فقال: اذهبُوا بِهِ إِلَى جبَلِ كَذَا وكذَا فاصعدُوا بِهِ الجبلَ، فـإذَا بلغتُمْ ذروتهُ فإنْ رجعَ عنْ دينِهِ وإِلاَّ فاطرَحوهُ فذهبُوا به فصعدُوا بهِ الجَبَل فقال: اللَّهُمَّ اكفنِيهمْ بمَا شئْت، فرجَف بِهمُ الجَبَلُ فسَقطُوا، وجَاءَ يمْشي إِلَى المَلِكِ، فقالَ لَهُ المَلكُ: ما فَعَلَ أَصحَابكَ؟ فقالَ: كفانيهِمُ الله تعالَى، فدفعَهُ إِلَى نَفَرَ منْ أصْحَابِهِ فقال: اذهبُوا بِهِ فاحملُوه في قُرقُور وَتَوسَّطُوا بِهِ البحْرَ، فإنْ رَجَعَ عنْ دينِهِ وإلاَّ فَاقْذفُوهُ، فذَهبُوا بِهِ فقال: اللَّهُمَّ اكفنِيهمْ بمَا شِئْت، فانكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفينةُ فغرِقوا، وجَاءَ يمْشِي إِلَى المَلِك. فقالَ لَهُ الملِكُ: ما فَعَلَ أَصحَابكَ؟ فقال: كفانِيهمُ الله تعالَى. فقالَ للمَلِكِ إنَّك لسْتَ بقَاتِلِي حتَّى تفْعلَ ما آمُركَ بِهِ. قال: ما هُوَ؟ قال: تجْمَعُ النَّاس في صَعيدٍ واحدٍ، وتصلُبُني عَلَى جذْعٍ، ثُمَّ خُذ سهْماً مِنْ كنَانتِي، ثُمَّ ضعِ السَّهْمِ في كَبدِ القَوْسِ ثُمَّ قُل: بسْمِ اللَّهِ ربِّ الغُلاَمِ ثُمَّ ارمِنِي، فإنَّكَ إذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتنِي. فجَمَع النَّاس في صَعيدٍ واحِدٍ، وصلَبَهُ عَلَى جذْعٍ، ثُمَّ أَخَذَ سهْماً منْ كنَانَتِهِ، ثُمَّ وضَعَ السَّهمَ في كبدِ القَوْسِ، ثُمَّ قَالَ: بِسْم اللَّهِ رَبِّ الغُلامِ، ثُمَّ رمَاهُ فَوقَعَ السَّهمُ في صُدْغِهِ، فَوضَعَ يدَهُ في صُدْغِهِ فمَاتَ. فقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الغُلاَمِ، فَأُتِىَ المَلكُ فَقِيلُ لَهُ: أَرَأَيْت ما كُنْت تحْذَر قَدْ وَاللَّه نَزَلَ بِك حَذرُكَ. قدْ آمنَ النَّاسُ فأَمَرَ بِالأخدُودِ بأفْوَاهِ السِّكك فخُدَّتَ وَأضْرِمَ فِيها النيرانُ وقالَ: مَنْ لَمْ يرْجَعْ عنْ دينِهِ فأقْحمُوهُ فِيهَا أوْ قيلَ لَهُ: اقْتَحمْ، ففعَلُوا حتَّى جَاءتِ امرَأَةٌ ومعَهَا صَبِيٌّ لهَا، فَتقَاعَسَت أنْ تَقعَ فِيهَا، فقال لَهَا الغُلاَمُ: يا أمَّاهْ اصبرِي فَإِنَّكَ عَلَي الحَقِّ))
[روَاهُ مُسْلَمٌ].
إن قصة أصحاب الأخدود كما وردت في سورة البروج وكما ذكرها النبي -صلى الله عليه وسلم- حقيقة بأن يتأملها المؤمنون الداعون إلى الله في كل أرض وفي كل جيل. فالقرآن بإيرادها في هذا الأسلوب مع مقدمتها والتعقيبات عليها والتقريرات والتوجيهات المصاحبة لها كان يخط بها خطوطاً عميقة في تصور طبيعة الدعوة إلى الله، ودور البشر فيها، واحتمالاتها المتوقعة في مجالها الواسع، وهو أوسع رقعة من الأرض، وأبعد مدى من الحياة. إنها قصة فئة آمنت بربها واستعلنت حقيقة إيمانها. ثم تعرضت للفتنة من أعداء جبارين مستهترين بحق الإنسان في حرية الاعتقاد والإيمان بالله العزيز الحميد، وبكرامة الإنسان عند الله عن أن يكون لعبة يتسلى بها الطغاة بآلام تعذيبها، ويتلهون بمنظرها في أثناء التعذيب بالحريق. وقد ارتفع الإيمان بهذه القلوب على الفتنة، وانتصرت فيها العقيدة على الحياة، فلم ترضخ لتهديد الجبارين الطغاة، ولم تُفتن عن دينها، وهي تُحرق بالنار حتى تموت. لقد تحررت هذه القلوب من عبوديتها للحياة، فلم يستذلها حب البقاء وهي تعاين الموت بهذه الطريقة البشعة، وانطلقت من قيود الأرض وجواذبها جميعاً، وارتفعت على ذواتها. وفي مقابل هذه القلوب المؤمنة الخّيرة الكريمة هناك قلوب جاحدة شريرة مجرمة لئيمة، جلس أصحابها على النار، يشهدون كيف يتعذب المؤمنون ويتألمون، جلسوا يتلهون بمنظر الحياة تأكلها النار، والبشر يتحولون وقوداً وتراباً. وكلما ألقي فتى أو فتاة، صبية أو عجوز، طفل أو شيخ، من المؤمنين الخيرين الكرام في النار، ارتفعت النشوة الخسيسة في نفوسهم، وعربد السعار المجنون بالدماء والأشلاء!.
أيها المسلمون: والتاريخ يتكرر ولكن بصور أخرى، الحقيقة واحدة والشكل يتغير. إن عقول الفئة الكافرة لم تتغير منذ قديم الزمان إلى عصرنا الحالي، فنرى اليهود قد ارتكبوا أبشع الجرائم في فلسطين المسلمة، والروس قاموا بأفظع المذابح في أفغانستان، والصرب قتلوا وشردوا ويتّموا الكثير من العوائل في البوسنة والهرسك ومن بعدها في كوسوفا، ويعود الروس ثانية لجرح المسلمين جرحاً جديداً في الشيشان. والآن تمارس الصليبية ما تمارس من أقسى أنواع الوحشية، وأشد صور الإجرام في العراق. إن كل هؤلاء ظلمة مجرمون وإن اختلف شكل الأخدود.
إن قصة أصحاب الأخدود يتكرر عبر الزمان في أكثر من مكان وضحيتها هو هذا الإنسان.
إن نظرة البشر لكل شيء تطورت مع مرور الزمن إلا نظرة الكفار للمسلمين ودمائهم. فنرى الجمعيات التي أنشأت للرفق بالحيوان، والمحافظة على البيئة، ولكن لم يتخذ أي إجراء حقيقي ولم تنشأ أي جمعية أو رابطة لحفظ دماء المسلمين وأعراضهم. لماذا كل هذا الحقد على المسلمين من جهة، وتجاهلهم من جهة أخرى؟. الجواب: في قول الله تعالى في قصة أصحاب الأخدود: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}
[(8) سورة البروج] فهذه جريمتهم أنهم آمنوا بالله العزيز الحميد. حقيقة ينبغي أن يتأملها المؤمنون الداعون إلى الله في كل أرض وفي كل جيل. إن المعركة بين المؤمنين وخصومهم هي في صميمها معركة عقيدة وليست شيئاً آخر على الإطلاق. وإن خصومهم لا ينقمون منهم إلا الإيمان، ولا يسخطون منهم إلا العقيدة. إنها ليست معركة سياسية، ولا معركة اقتصادية، ولا معركة عنصرية، ولا معركة من أجل البحث عن أسلحة الدمار الشامل، ولا معركة لمحاربة الإرهاب وهم أصحاب الإرهاب، ولكنها في صميمها معركة عقيدة، إما كفر وإما إيمان، إما جاهلية وإما إسلام !.
وهذا ما يجب أن يستيقنه المؤمنون حيثما واجهوا عدواً لهم. فإنه لا يعاديهم لشيء إلا لهذه العقيدة {إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} وقد يحاول أعداء المؤمنين أن يرفعوا للمعركة راية غير راية العقيدة، راية اقتصادية أو سياسية أو عنصرية، كي يموَّهوا على المؤمنين حقيقة المعركة، ويطفئوا في أرواحهم شعلة العقيدة. فمن واجب المؤمنين ألا يُخدعوا، ومن واجبهم أن يدركوا أن هذا تمويه لغرض مبيّت، وأن الذي يغير راية المعركة إنما يريد أن يخدعهم عن سلاح النصر الحقيقي فيها.
أيها المسلمون: ولنرجع إلى قصة أصحاب الأخدود ولنطوي عبرَها كلها ونعبرَها لنقف مع آيةٍ عظمى، تومض من خلال هذا العرض للقصة، تنفعنا هذه العبرة ونحن نواجه اليوم أشد أنواع المكر والكيد من كفار الأرض، إن هذه الآيات قد ذكرت تلك الفتنة العظيمةَ وذكرت تلك النهاية المروعة الأليمة لتلك الفئة المؤمنة، والتي ذهبت مع آلامها الفاجعة في تلك الحفر التي أضرمت فيها النار. بينما لم يرد خبر في الآياتِ عن نهايةِ الظالمين اللذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات، لم تذكر الآياتُ عقوبة دنيوية حلت بهم، لم تذكر أن الأرض خسفت بهم، ولا أن قارعة من السماءِ نزلت عليهم، انتهت القصة بذكرِ مصيرِ المؤمنين وهم يُلقونَ في الأخدود. والإعراض عن نهاية الظالمين الذين قارفوا تلك الجريمة فلم تذكر عقوبتهم الدنيوية ولا الانتقام الأرضي منهم. فلماذا أُغفل مصيرُ الظالمينَ؟ أهكذا ينتهي الأمر؟ أهكذا تذهبُ الفئةُ المؤمنةُ مع آلامها واحتراقها بنسائِها وأطفالِها في حريق الأخدود؟ بينما تذهب الفئةُ الباغية الطاغية التي قارفت تلك الجريمة تذهبُ ناجية؟. هنا تبرز الحقيقةُ العظمى التي طالما أفادت فيها آياتُ القرآن وأعادت وكررت وأكدت وهي: أن ما يجري في هذا الكون لا يجري في غفلةٍ من اللهِ -جل وعلا- وإنما يجري في ملكِه. ولذا جاء التعقيبُ بالغ الشفافية: {وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ، ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأرْضِ}
[(8-9) سورة البروج]. فهذا الذي جرى كله جرى في ملكِه ليس بعيداً عن سطوتِه، وليسَ بعيداً عن قدرتِه، إنما في ملكه: {وَٱللَّهُ عَلَى كُلّ شَيء شَهِيدٌ} [(9) سورة البروج]. فهذا الذي جرى لم يجري في غفلةٍ من الله ولا في سهو من الله. كلا، ولكن جرى والله على كل شيء شهيد، شهيد على ذلك، مطلع عليه. إذاً فأين جزاء هؤلاء الظالمين؟ كيف يقترفون ما قارفوا، ويجترمون ما اجترموا ثم يفلتون من العقوبة؟ يأتي الجوابُ، كلا لم يفلتوا. إن مجال الجزاء ليست الأرض وحدَها. وليست الحياة الدنيا وحدها، إن الخاتمةَ الحقيقةَ لم تجيء بعد، وإن الجزاءَ الحقيقي لم يجيء بعد وإن الذي جرى على الأرض ليسَ إلا الشطر الصغير الزهيد اليسير من القصة. أما الشطرُ الأوفى والخاتمةُ الحقيقةُ والجزاء الحقيقي فهناك: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ} [(10) سورة البروج] هؤلاء الذين أحرقوا المؤمنين في الأخدود سيُحرقون ولكن أين؟ في جهنم، نعم في جهنم، إن الذين أحرقوا المؤمنين في الدنيا سيحرقون ولكن في الآخرة. وما أعظمَ الفرقَ بين حريقٍ وحريق في شدته أو في مدته! أين حريقُ الدنيا بنارٍ يوقدُها الخلق، من حريقِِ الآخرةِ بنارٍ يوقدُها الخالق؟ أين حريقُ الدنيا الذي ينتهي في لحظات من حريقِِ الآخرةِ الذي يمتدُ إلى آبادٍ لا يعلمُها إلا الله؟ أين حريقُ الدنيا الذي عاقبتُه رضوانُ الله، من حريقِ الآخرةِ ومعهُ غضبُ الله؟ أين حريق الدنيا باستخدام الصواريخ الملتهبة والقنابل الذكية، وحريق نار جهنم الذي أوقد عليها ألف عام حتى ابيضت، وأوقد عليها ألف عام حتى احمرت، وأوقد عليها ألف عام حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة، هذا المعنى الضخم الذي ينبغي أن تشخصَ الأبصارُ إليه، وهو الارتباطُ بالجزاء الأخروي رهبة ورغبة. أما الدنيا فلو كانت تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربةَ ماء. إن الدنيا هينة على الله -جل وعلا-، مر النبيُ -صلى الله عليه وسلم- وأصحابُه معه، مروا في طريقهم فإذا سباطة قوم، تلقى عليها النفايات والفضلات والجيف، فإذا بالرسول -صلى الله عليه وسلم- ينفردُ عن أصحابه ويتجه صوب سباطة هؤلاء القوم ليأخذَ من القمامة الملاقاة عليها جيفة تيس مشوّهِ الخلقةِ قد مات، مشوه الخلقة، صغير الأذن قد انكمشت أذنه، فأمسك النبيُ -صلى الله عليه وسلم- بهذا التيس الميت فرفعه، ثم أقام مزاداً علنياً ينادي على هذه الجيفة الميتة، فيقول مخاطباً أصحابه: ((أيكم يحبُ أن يكونَ هذا له بدرهم؟)) من يشتري هذا التيس المشوه بدرهم؟ وعجب الصحابة من هذا المزاد على سلعة قيمتها الشرائية صفر ليس لها قيمة شرائية ولذا ألقيت مع الفضلات. قالوا يا رسولَ الله: والله لقد هانَ هذا التيس على أهلهِ حتى ألقوه على هذه السباطة، لو كان حياً لما ساوى درهماً. لأنه مشوه. فكيف وهو ميت؟ لقد هان على أهله حتى ألقوه هنا، فكيف يزاد عليه بدرهم؟ فألقاهُ النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهوت الجيفة على السباطة، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((للدنيا أهونُ على الله من هذا على أحدِكم)). إن الدنيا هينة على الله، ومن هوانها أنها أهونُ من هذه الجيفة التي ألقيتموها واستغربتم أن يزاد عليها ولو بدرهمٍ يسير. وإذا كانتِ الدنيا هينة على اللهِ هذا الهوان، فإن اللهَ -جلا جلاله- لم يرضها جزاءً لأوليائِه. وأيضاً لم يجعل العذاب فيها والعقوبة فيها هي الجزاءُ الوحيدُ لأعدائه. كلا.. إن الدنيا أهونُ على الله، بل لولا أن يفتن الناس، لولا أن تصيبهم فتنة لجعل الله هذه الدنيا بحذافيرها وزينتها وبهجتها ومتاعها جعلها كلها للكافرين. قال الله تعالى: {وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} [(33) سورة الزخرف]. ولذا كانت آياتُ القرآنِ تتنـزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تخاطبه وتلفتُ أنظارَ المؤمنين معه إلى أن القِصاص الحقيقي، والعقوبةَ الحقيقةَ والجزاء الذي ينتظرُ الظالمين والمتكبرين والمتجبرين من الكفار والفجرة والظلمة هناك: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} [(25-26) سورة الغاشية] قال الله تعالى: {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ} [(46) سورة يونس].
بارك الله لي ولكم...

الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه...
أما بعد: أيها المسلمون: إن الحياة وسائر ما يلابسها من لذائذ وآلام، ومن متاع وحرمان ليست هي الغاية، وليست هي القيمة الكبرى في الميزان وليست هي السلعة التي تقرر حساب الربح والخسارة، والنصر ليس مقصوراً على الغلبة الظاهرة، فهذه صورة واحدة من صور النصر الكثيرة. إن القيمة الكبرى في ميزان الله هي قيمة العقيدة، وإن السلعة الرائجة في سوق الله هي سلعة الإيمان وإن النصر في أرفع صوره هو انتصار الروح على المادة، وانتصار العقيدة على الألم، وانتصار الإيمان على الفتنة، وفي هذا الحادث انتصرت أرواح المؤمنين على الخوف والألم، وانتصرت على جواذب الأرض والحياة، وانتصرت على الفتنة انتصاراً يشرّف الجنس البشري كله في جميع الأعصار وهذا هو الانتصار.
إن الناس جميعاً يموتون، وتختلف الأسباب، ولكن الناس جميعاً لا ينتصرون هذا الانتصار، ولا يرتفعون هذا الارتفاع، ولا يتحررون هذا التحرر، ولا ينطلقون هذا الانطلاق إلى هذه الآفاق. إنما هو اختيار الله وتكريمه لفئة كريمة من عباده لتشارك الناس في الموت، وتنفرد دون الناس في المجد، المجد في الملأ الأعلى.
لقد كان في استطاعة المؤمنين أن ينجوا بحياتهم في مقابل الهزيمة لإيمانهم، ولكن كم كانوا يخسرون هم أنفسهم؟ وكم كانت البشرية كلها تخسر؟ كم كانوا يخسرون وهم يَقتلون هذا المعنى الكبير، معنى زهادة الحياة بلا عقيدة، وبشاعتها بلا حرية، وانحطاطها حين يسيطر الطغاة على الأرواح بعد سيطرتهم على الأجساد؟ إنه معنى كريم جداً، ومعنى كبير جداً، هذا الذي ربحوه وهم بعد في هذه الأرض، ربحوه وهم يجدون مس النار، فتحرق أجسادهم الفانية، وينتصر هذا المعنى الكريم الذي تزكيه النار!.
إن القلوب حين يباشرها الإيمان، ويستقر في سويدائها يهون عليها كل عسير، ويُلَذذ لها كل صعب وخطير، فتصبح الآلام راحة، والعذاب نعيماً، والبكاء فرحاً. ولقد رأيت يا أخي الحبيب في هذا الحدث العظيم كيف يصنع الإيمان الرجال، وإن كانوا صغاراً في السن، وربما ازدرتهم الأعين أو استقلتهم النفوس لكن الإيمان يسموا بهم فيصنعون ما لا يصنعه الرجال.
غلام صغير يبتلى ويؤذى ويعرّض للقتل مراراً بل يُذهب به إلى القتل فيمشي وكأنه يُزف ليوم زفافه، غلام داعية إلى الله، غلام يحمل في نفسه همّ إصلاح الناس، يحمل في طياته وكوامن نفسه همّ هداية الناس إلى الدّين وإلى عبادة الله وحده لا شريك له، ويجود هذا الغلام بكل وسيلة وطريقة لإصلاح الناس حتى إذا نفذ ما لديه من ذلك جاد بأغلى ما يملك، جاد بحياته، جاد بروحه رجاء هداية الناس، فكان ما أراد.
أيها المسلمون: هكذا سجل هذا الغلام أعظم تضحية عرفها التاريخ، فقدم نفسه لإعلاء كلمة الله، ولكي يُعبد الله وحده لا شريك له. فيموت كما يموت الشهداء، فلا يجد من ألم الطعنة إلا كما يجد أحدنا من القرصة، ويأتي يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك.
واليوم نشاهد أطفال الحجارة في فلسطين، وهم أطفال في أجسامهم، لكنهم أبطالٌ في أفعالهم، رجال في مواقفهم، فقد تربوا على مائدة القرآن، يجاهدون في سبيل الله، لا يهابون طلقات القذائف، بل يتصدون لها بصدورهم وقلوبهم إنها هِمَمُ رجال ترفض المهانة والذل. هؤلاء الأطفال أُعتقل آباؤهم، وهُدّمت بيوتهم، وهم يشهدون ذلك بناظريهم إن هذا الطفل لا يملك سوى حجر، لكنه يرى نفسه شامخاً يتحدى دبابة الاحتلال دون خوفٍ أو وجل. والأمهات يباركن خطوات فلذات أكبادهن نحو الموت والشهادة. صَبر هذا الشعب طويلاً وقدّم تضحياتٍ جسيمة، ودماؤه تُراق على أرض فلسطين، وهم بأحجارهم وعصيهم وقفوا ضد اعتداء الغاصبين الذين نهبوا الأموال وقتّلوا الأبرياء وحفروا الأخاديد ونقضوا العهود والمواثيق.
إن طفل الحجارة اليوم يريد أن يحقق ما جاء في سورة الإسراء من وعد بالنصر حتى يقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله.
أيها المسلمون: لقد سجل أبناء تلك الأرض بطولات وتضحيات لا تتوقف أمام ذلك الصلف اليهودي الذي أقدم وما يزال على أبشع ما عرفت البشرية من وحشية. لماذا يُحجم العالم الذي يزعم أنه متحضر عن ردع المعتدي، والأخذِ على يديه، أين المعاهدات؟ أين المواثيق التي تنص على ضمان السلام والتقليل من الإجرام؟ أين الأخذ على يد المعتدي ونصرة المظلوم؟ أين دعاة السلام والداعون له؟ أين المنظّرون لثقافته؟ أين محاربة الإرهاب في العالم؟ وهذه المذابح والبنادق والصواريخ تُخرب الديار وتحرق القلوب والأجساد، أجساد الشيوخ الركع والأطفال الرضع. إن هذه الدماء لن تثمر -بإذن الله- إلا نفوساً أبيّة لن ترضى الدنيّة في دينها. ولتسقط تلك الدعاوى الساقطة، ولتنكسر تلك الأقلام الهزيلة التي ما زالت تُزيّن السلام غير العادل بزينة كالحة.
اللهم دمّر اليهود الغاصبين، اللهم شتت شملهم وفرق جمعهم، واجعل الدائرة عليهم، اللهم اجعل بأسهم بينهم، اللهم إن اليهود والنصارى طغوا وبغوا وأسرفوا في طغيانهم، اللهم زلزل الأرض من تحت أقدامهم، وصب العذاب عليهم من فوقهم، واجعلهم عبرة للمعتبرين، اللهم اجعلهم حصيداً خامدين، اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمّر اللهم أعداءك أعداء الدين، واجعل اللهم هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم إنا نسألك رضوانك والجنة، ونعوذ بك من سخطك ومن النار. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، اللهم ألّف بين قلوب المسلمين ووحّد صفوفهم، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين. اللهم وأقم علم الجهاد، واقمع أهل الشرك والكفر والزيغ والعناد، وانشر رحمتك على العباد، يا من له الدنيا والآخرة وإليه المآب. اللهم وقاتل الكفرة الذين يعادون أوليائك ويحاربون دينك ويقتلون المسلمين بغير ذنب، اللهم واجعلهم عبرة للمعتبرين وأنزل اللهم عليهم رجزك وعذابك الذي لا يرد عن القوم الظالمين. اللهم يا ولي الصاحين، ويا ناصر عبادك المستضعفين، نسألك اللهم أن تعين وتنصر إخواننا في فلسطين وفي الشيشان وفي أفغانستان. اللهم آمن روعاتهم، واستر عوراتهم واحفظهم اللهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم يا رب العالمين.
 


  

 
حركة الجهاد والفتح الإسلامي في عهد الدولة الأموية

القائمة البريدية

57.54