خدمة rss
أحداث دارفور



  
   

أحداث دارفور
17/8/1425هـ


الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد
 

الخطبة الأولى:
إن الحمد لله...
أما بعد: أيها المسلمون: ولا يزال أعداء الملة من اليهود والدول الصليبية يخططون بعد كل فترة لضرب الإسلام في أحد الأماكن واحتلال أرضها وإذلال أهلها، وها هو العالم الإسلامي يعيش هذه الأيام مشكلة دارفور السودانية.
هذا القطر المترامي الأطراف، الغني بالثروات، والذي يحتل موقعاً متميزاً يربط شرق القارة الأفريقية بغربها، وشمالها بجنوبها، كما أنه يمكن أن يلعب دوراً بارزاً في نشر الإسلام، إذ إن جميع الدول التي تحيط به من ناحية الجنوب والشرق دول يحكمها نصارى يرتبطون بوضوح بالمصالح الصليبية الغربية، وهذا هو مفتاح فهم مسار الأحداث واتجاهاتها في السودان.
يقع إقليم دارفور في أقصى غرب السودان، الذي يمثل نحو خمس مساحة السودان، ويبلغ عدد سكان دارفور ما يقارب 6 ملايين نسمة!. وكانت دارفور في السابق مملكة إسلامية مستقلة تَعاقب على حكمها عدد من السلاطين كان آخرهم السلطان علي دينار، وكان للإقليم عُملته الخاصة وعلَمه، وجميع سكان دارفور مسلمون‏، وقد انضمت إلى السودان عام 1916م.
أيها المسلمون: لماذا الهجوم على السودان؟ ولماذا جاءت هذه المشكلة الآن؟ إنّ هناك أكثر من سبب يجعل السودان في مقدمة أجندة كثير من القوى العالمية ومطمع للصهيونية والصليبية ‏منها:
أولاً: الدور الإسلامي للسودان في شتى المحافل الدولية ومحاولة تطبيقه للشريعة الإسلامية ولو بشكل مبسط وفي حدود ضيقة، وخاصة دوره الواضح في تأييد المقاومة في فلسطين والعراق، ورفضه للإملاءات الأمريكية لتغيير الثوابت الإسلامية.
ثانياً: أن السودان تجاور تسع دول افريقية متعددة الأزَمَات والديانات واللغات، وأمن كل هذه ‏الأنظمة مرتبط بصورة أو بأخرى بأمن السودان، فمعظم قبائل السودان الحدوديّة في الشمال والشرق والغرب والجنوب، هي ‏قبائل مشتركة، نصفها في السودان ونصفها الآخر في الدولة المجاورة.
ثالثاً: السودان به ثروة من المعادن وأهمها البترول لم تستغل حتى الآن، وهناك صراع دائر بين شركات الدول الكبرى حول استغلال تلك الثروة، ولا يفوتنا المشهد السينمائي الأمريكي نحو الاندفاع حول وزارة البترول في العراق واحتلال الآبار هناك بمجرد احتلالهم للبلاد. هل تعلم يا أخي الحبيب أن احتياطي السودان من النفط يقدر بحوالي 2 مليار برميل ومن المتوقع زيادتها إلى 4 مليارات عام 2010م، كل هذا يجعل شهية الولايات المتحدة مفتوحة للالتهام هذا المنجم المفتوح. ويزيد في ذلك تأكيد وجود اليورانيوم في دارفور مما يعطى أهمية خطيرة لهذا الإقليم، فضلا عن أنّ السودان دولة بمساحة مليون ميل مربع، صالحة للزراعة والصناعة ‏ويرقد على موار هائلة من المياه الجوفية والمعادن والنفط والثروات وتجري تحته الأنهار.
رابعاً: أن بريطانيا تنظر على الدوام للسودان على أنّه مستعمرة تاريخيّة، ويجب أن تظل هذه الفريسة ‏الأفريقية تحت مجهر التاج البريطاني، كما تنظر فرنسا إلى السودان كدولة مهمة تجاور الشريط الفرنسي الأفريقي والذي له ‏أكثر من باب يفتح على السودان، ولا بدّ أن تؤمّنَ هذه الأبواب جميعها. ثم يأتي دور الولايات المتحدة، أَسَدُ هذه الغابة ‏الكبيرة في ظل انعدام التوازن العالمي، وهذا الأسد في عالمه الجديد يرى أنّ كل الصيد في الغابة العالمية هو ملكه، ولا يذهب ‏شيء إلى أحد، ولو كانت عشيقته بريطانيا إلا بعد إذنه وعلمه.
خامساً: إسرائيل والصهيونيّة التي تريد عزل السودان عن محيطه العربي والإسلامي. فللصّهاينة دور واضح في حرب الجنوب في محاولة لخلق دولة منفصلة معادية للعرب على مجرى النيل ولا تربطها روابط بمصر، بهدف السيطرة على المياه، وليُّ ذراع كل من مصر والسودان. وقد سبق للكيان الصّهيونيّ تقديم مساعدات للحركة الشعبيّة لدى انفجار التمرّد.
سادساً: أن الطغيان الأمريكي دائماً يستهدف الدول الضعيفة بسبب ضعف الموارد كأفغانستان، والاستنـزاف في الحروب كالعراق، وتأتى السودان فرصة مع قرب الانتخابات الأمريكية كهدف استراتيجي ضعيف وسهل. لأن المتتبع لمجريات أحداث العراق يدرك أن المشروع الأمريكي للتغيير في المنطقة متعثر في العراق بسبب صمود المقاومة العراقية وتسديدها لضربات قاصمة للوجود الأمريكي ومشاريعه للسيطرة على العراق، وبات النظام في وضع قلق على مشروعه الأساسي في المنطقة، ومع اقتراب موعد الانتخابات الأمريكية أصبحت الحكومة في وضع حرج: إما التسليم بإخفاق مشروعها للتغيير، وهذا يعني هزيمتها، أو محاولة ترميم وضعها في العراق بقدر الإمكان، وفي نفس الوقت الانتقال خطوة أخرى نحو تطبيق مشروعها للمنطقة والبدء بالحلقة الأضعف وهي السودان. فأوجدت الولايات المتحدة مشكلة دارفور.
سابعاً: موقع السودان الاستراتيجي على البحر الأحمر وجنوب مصر وفى حوض النيل وقلب أفريقيا، كل هذا يجعله فاتحاً لشهية سعار الذئب الأمريكي ليفترس عظام السودان الطيب المكافح في ظل حالة من السلبية أو الخوف عربياً وإسلامياً؟!.
لهذا ولغيره أوجدت الصليبية هذه المشكلة محاولة تغطيتها بغطاء هيئة الأمم المتحدة.
أيها المسلمون: وبينما العالم مشغول بمتابعة أخبار العراق وممارسات الاحتلال الأمريكي والمقاومة، وكذلك أخبار ممارسات الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين فجأة سلّطت الأضواء الأمريكيّة والبريطانيّة على دارفور، وكأنّ المشاعر المرهفة والأخلاق الإنسانيّة استيقظت فجأة لتبصر مشكلة دارفور، والصراع العرقي المزعوم بين القبائل العربيّة والقبائل الأفريقيّة. وتجمعت سحب سوداء في الأجواء منذرة باحتلال دارفور، وكأن الآلة الإعلاميّة المدعّمة بالطغيان الأمريكي تريد أن تسحب التركيز العالمي والعربي من مصائب الاحتلال في العراق إلى دارفور حيث تعلو نبرة إنسانية تمثيليّة أمريكيّة.
وإذا كان التدخل الغربي والأمريكي مقبولاً فيما يتعلق بالوضع في جنوب السودان بدعوى أن هناك صراعاً بين مسلمين ومسيحيين، استناداً إلى الإحصاءات التي تشير إلى أن نسبة المسلمين في الجنوب 18% والمسيحيين 17% وباقي السكان وثنيون، فهو ليس مقبولاً في دارفور؛ لأن كل القبائل هناك مسلمة سواء العربية أو الأفريقية بنسبة 99% وليس هناك معنى لتدخل الاتحاد الأوربي بدعوى وجود تطهير عرقي أو ديني.
ولو أن الاستنفار العالمي حاصل لنصرة وإغاثة كل المضطهدين والمسحوقين من ضحايا الصراعات في أنحاء العالم، لما كان هناك مبرر للشك أو القلق، ولكن أن تتعدد الصراعات في أماكن شتى ويتساقط في ثناياها ومن جرائها مئات بل ألوف الضحايا، الذين هم في أمس الحاجة إلى العودة والإغاثة والحماية، ثم يتم تجاهل ذلك كله، ويجري التركيز على دارفور بوجه أخص، فإن ذلك يثير أكثر من علامة استفهام وتعجب، من ثم فليس السؤال هو لماذا الاستنفار العالمي من أجل دارفور؟ بقدر ما أنه لماذا الاستنفار لأجل دارفور وإهمال غيرها؟. لهذا فلسنا ندعو إلى تقليل الاهتمام بالحاصل هناك، ولكننا ندعو إلى توجيه اهتمام مماثل لملفات وقضايا مماثلة، إن لم تكن أشد تعقيداً وأكثر جسامة من قضية دارفور.
إن أحداً لم يهتم مثلاً بالتقرير الذي أصدرته منظمة العفو الدولية عن أوضاع مسلمي الصين، والذي كشف النقاب عن أجواء القمع القاسية التي يتعرض لها أكثر من عشرة ملايين مسلم في تركستان الشرقية. تقرير من هذا القبيل لم يُحدث أيّ صدى حتى في وسائل الإعلام، في حين كان المسؤولون الدوليون يركضون نحو دارفور، في مقدمتهم الأمين العام للأمم المتحدة، ووزيرا خارجيتي الولايات المتحدة وألمانيا.
مأساة مسلمي الصين تعد أمراً بسيطاً إذا قورنت بالحاصل في فلسطين أو في بلاد الشيشان، في تلك الأجواء أيضاً واصلت إسرائيل افتراسها للفلسطينيين، من خلال الاجتياحات والاغتيالات وعمليات التدمير ونهب الأراضي، التي شملت قطاع غزة ونابلس وغيرها من مدن الضفة، وقبل ذلك تابع العالم التقارير البشعة التي نشرت عن ممارسات الجنود الروس في الشيشان وجارتها أنقوشيا. هذه الممارسات قوبلت بالصمت المشهود أو بتحركات سياسية اتجهت صوب مناصرة القتلة وليس الضحايا كما في الحالة الفلسطينية.
الفيضانات الهائلة التي اجتاحت بنجلادش مؤخراً وشردت أكثر من عشرين مليوناً من الفقراء والعجزة والأطفال، لماذا لم يلتفت لهم العالم؟.
التمييز العنصري والتصفية الدينية التي يمارسها الهندوس تجاه المسلمين المستضعفين في الهند أو في كشمير، ماذا كان تعليق الغرب عليها وفي مقدمتهم الولايات المتحدة؟ قالوا بأنها قضية داخلية لا علاقة للغرب بها.
التهجير والإبادة الجماعية التي يتعرض لها شعب أراكان من الحكومية البورمية، لماذا لم تقلق الدول الكبرى؟.
الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان في الشيشان، وجنوب الفلبين، وأوزبكستان، وأرتريا.. كل ذلك لا علاقة للغرب بها، فهم على حد زعمهم يحترمون سيادة الدول وقضاياها الداخلية.
أما دارفور فتتصاعد فيها الأحداث بصورة مذهلة جداً، ويتواطأ الغربيون للضغط وإصدار القرارات، والتهديد بالمحاصرة، بل بالتدخل العسكري. فما الذي يجري إذاً؟ وما هذا التناقض والكيل بمكيالين؟.
لقد استأثرت دارفور بالاهتمام الدولي والإقليمي، الأمر الذي يؤكد الشك في براءة ذلك الاهتمام، ويوحي بأن وراء الأكمة ما ورائها، وأن في دوافعهم أشياء أخرى غير الاعتبارات الإنسانية.
تتعمّد واشنطن توصيف أزمة دارفور على أنّها حرب إبادة بين العرب والأفارقة في السّودان تديرها مليشيات الجنجويد العربيّة بدعم من حكومة السودان، وتنطوي على التّطهير العرقيّ، والتّهجير، والتّعريب، وغير ذلك من التّهم الباطلة. والإدارة الأمريكيّة تفعل ذلك بخبث لكي تعقّد الأمور ولكي تتاح لها الفرصة في التدخّل والاصطياد في الماء العكِر.
إنّ المشكلة في دارفور هي والحمد لله بين طرفين مسلمين، وليس بينهما طرف مسيحي أو وثني و إلا لكانت الأمور أكثر تعقيدًا.
والنـزاع الحالي في دارفور طبيعيّ، وهو ليس تطهيرًا عرقيًّا كما تصفه الإدارة الأمريكية، فالأمر لا يعدو نزاعًا بين القبائل الرعويّة الرحّل والقبائل الزراعيّة المستوطنة والتي قد تحصل في أي مكان وفي أية دولة، هذه هي كل المشكلة.
لكنه المخطّط الأمريكيّ، الذي يتضمّن تخويف أبناء دارفور من الحكومة السودانيّة من أجل البدء في تنفيذ مخطط تفتيت السودان بدءًا بإقامة دولة مستقلة تضمّ قبائلها كبيرة العدد، والمنتشرة على جانبي الحدود السودانيّة التشادية، وتكون عاصمتها دارفور، على أنْ ترتبط بالولايات المتحدة، فتصبح قاعدة استراتيجيّة لها في هذا الموقع بغرب السودان مجاورًا لليبيا وتشاد، ودول شرق إفريقيا التي ترتبط تقليديًّا بفرنسا. هذا هو الهدف!.
ولأجل عدم تكرار أخطاء العراق، فقد حرصت الإدارة الأمريكية على استصدار قرار من مجلس الأمن بالتدخل في دارفور، منحازًا من خلال دعوته حكومة السودان إلى جمع أسلحة الجنجويد فقط، دون ذكر الميليشيات الأخرى ليساعد ذلك على تقسيم البلاد. وهذه المفارقة تذكرنا فيما حدث بالبوسنة في عهد بطرس غالي عندما منع السلاح عن المسلمين فقط. وهو شرط لا يقبله عاقل إطلاقًا، فأبسط مبادئ العدل نزع السلاح من جميع أطراف الصراع، هذا فضلاً عن شروط أخرى أقل ما توصف بأنها شروط طرف يشعر بالانتصار والحماية الدولية.
أيها المسلمون: لقد وضح بجلاء السياسة الغربية تجاه جميع الدول الإسلامية وهي سياسة التقسيم، ومحاولة إثارة النعرات لأجل أن تقبل عدد من الطوائف وتطالب بالتقسيم، وهي استراتيجيّة أمريكا والغرب بعد الحرب الباردة، وتريد أنْ تطبّقه على العالم الإسلاميّ بأسره، ففي دول الخليج والعراق الصّراع والتقسيم يكون على أساس طائفيّ، سنة وشيعة، وفي مصر يكون التقسيم على أساس دينيّ بين المسلمين والأقباط، وفي الجزائر والمغرب على أساس لغويّ بين العرب والبربر، وفي ماليزيا وأندونيسا على أساس عرقيّ ودينيّ بين المسلمين والهندوس والبوذيين، وهكذا. هذا مخطط مدروس وقديم، لكن هل يتمكنون من تطبيقه وتنفيذه، هنا يأتي دور الشعوب المسلمة ودولها وأن تكون على حذر من ذلك، وأن تحاول بكل ما تملك أن تفسد هذا المخطط الصليبي اليهودي الماكر.
والدور الآن أتى على السودان، تلك الدولة العربية المسلمة والتي قد ابتليت بمصائب شتى، كان أهمها حركة التمرد الصليبي المدعومة من إسرائيل في جنوب السودان، والتي ظلت حكومة السودان تقاومها سنوات طويلة، مما عطّل وأجهض كثيرًا من مشاريع التنمية، واستنـزف كثيرًا من موارد الدخل، وبعد أنْ كانت السودان كما تؤكّد الدراسات أنّها سلّة غذاء أفريقيا أو العالم العربي أضحت سلّة حركات التمرد، والصراعات الحزبية المقيتة مما زاد ذلك من تدهور أحوالها.
وجاءت مشكلة دارفور العرقيّة وما خلّفته من أوضاع متردّية إنسانية لتزيد من كمّ مصائب السودان التي أُجبرت على التفاوض بطريقة مهينة مع حركة التمرد في الجنوب، وقبلت شروطًا وإملاءات تؤدي إلى تقسيم السودان، والقبول بالأمر الواقع بكل ما فيه من تواجد صهيوني أمريكي في جنوب السودان .
وكان السودانيون يأملون أن تكون اتفاقيّات الجنوب نهاية للضغوط التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكيّة، ولكن هيهات، فإنّ الاستعمار بكل أساليبه القديمة، وأشكاله الكئيبة عاد يطلّ على السودان في القرن الحادي والعشرين.
السؤال: أين ذهبت الجامعة العربية؟ أو منظمة المؤتمر الإسلامي؟! لا وجود لهما. لماذا هذا الصمت والسلبية؟!. هل ننتظر أن يأتي الدور دولة أخرى قريبة؟ وربما نكون نحن في القائمة الأمريكية أيضاً؟.
نسأل الله -جل وتعالى- أن يحفظ بلاد المسلمين، وأن يدمر أعداء الدين، وأن يجعل كيدهم في نحورهم.
أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم...

الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه...
أما بعد: أيها المسلمون: لم يعد خافياً الآن أن ظهور مشكلة دارفور بهذا الشكل المخطط واضح للقبض على السودان متلبساً بأي اتهام كي يسهل إنزال العقوبات وفرض الشروط والتهيئة للاحتلال كما حدث مع العراق.
والمشهد العراقيّ يكرّر نفسه في السّودان، حيث مسلسل الضّغوط المتلاحقة بات الأكثر استعمالاً ضدّ الحكومة السودانيّة الأمر الذي يمهّد إمّا إلى ضم دارفور إلى السودان الجديد في الجنوب بعد ستّ سنوات على أحسن التقديرات وإمّا الاستقلال المباشر تحت حماية القوّات الأمريكيّة والبريطانيّة التي ستدخل السودان تحت مسمّى تأمين وصول المساعدات الإنسانيّة التي ستشرف عليه قوات الاتحاد الإفريقيّ العاملة في دارفور لمراقبة وقف إطلاق النار حسب السيناريو الأنجلو أمريكي.
أيها المسلمون: إنَّ تداعياتِ الأحداث النازلة وممارسات الإكراه على ديارِ المسلمين مِن قِبَل أعدائهم ليست وليدةَ اليوم، إذ الابتلاءُ سنّة ماضية، بل الابتلاء ليس قاصرًا في الشرّ وحدَه إذ يقول تعالى: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}
[(35) سورة الأنبياء]. وليست المصيبةُ في الابتلاء لكونه سنّةً ربانية ماضية، وإنما المصيبة في كيفية التعاملِ السلبيّ معه، إذِ المفترض أن يكونَ موقفُ المؤمنين منه واضحًا جليًّا من خلال الإيمان بأنّه من عند الله، ثمّ الإدراك بأنه وإن كان ظاهره الشرّ إلا أنّه قد ينطوي على خيراتٍ كثيرة لمن وفّقه الله لاستلهام ذلك. ولا أدلَّ على مثل هذا من حادثةِ الإفك الشهيرة التي رُمي فيها عِرض سيِّد ولد آدم بأبي هو وأمّي -صلوات الله وسلامه عليه-، حيث يقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [(11) سورة النــور] فالسعيدُ مِن الناس من اقتبسَ الأملَ وسطَ هذه الزوابع، والكيِّس الفطِن هو مَن استخرج لطائفَ المنَح وسطَ لفائفِ المحَن.
فالغارَةُ الكاسِحة على ديار المسلمين قد أبرَزت لنا دروسًا ليست بالقليلة، كان من أهمِّها أنّ المسلمين مهما بلَغوا مِن المقام والرِّفعة وهدوء البال واستقرار الحال فإنهم معرَّضون لأيّ لون من ألوان الابتلاء، فعليهم أن لا يستكينوا إلى درجتِه ويطمئنّوا إلى مكانته، وأن لا يحكمَهم اليأس والقنوطُ في إبّانه، كما أنَّ توطينَ النفس على السرّاء دومًا سببٌ ولا شكّ في التهالُك عند القوارعِ التي تنـزل بالمسلمين أو تحلّ قريبًا من دارهم، فيقع الانحراف ويضيع الأمَل بالله {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}
[(11) سورة الحـج].
ثمَّتَ درسٌ مهمّ يبرز جليًّا إثرَ تلك التداعياتِ، ألا هو أنه لا فائدة مع العدو المحتل إلا سلاح المقاومة، لأنه قد دخل بالقوة ولا يمكن أن يخرج إلا بالقوة، فالتفاهم يكون مع الخارج، أما الداخل فلا تفاهم معه حتى يخرج، ولنا في القضية الفلسطينية أكبر شاهد على ذلك، فكم حققت الانتفاضة -ولله الحمد- من انتصارات ومكاسب، ولو قدموا تضحيات كبيرة وأنفساً نحسبهم شهداء عند الله تعالى؛ لأن المحتل لا يمكن أن يخرج إلا بهذه الطريقة..

اللهم رحمة اهد بها قلوبنا، ونسألك اللهم...
 



 
حركة الجهاد والفتح الإسلامي في عهد الدولة الأموية

القائمة البريدية

53.2