الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ناصر بن محمد الأحمد (http://www.alahmad.com)

المرأة تحرير أم تدمير(1)

تم الإنشاء 11/11/2007 - 05:11

المرأة تحرير أم تدمير(1)
22/12/1424هـ

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد


الخطبة الأولى:
إن الحمد لله... أما بعد:
أيها المسلمون: إن أعداء الإسلام منذ بزوغ شمسه وظهوره، وانتشار ضيائه وجماله وسنائه، وهيمنته على الأديان كلها، ما فتئوا يكيدون للإسلام وأهله، ويتربصون بهم الدوائر كما قال تعالى: {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء}
[(89) سورة النساء]، وإن أعداء الإسلام سلكوا مسالك شتى لضرب الإسلام وعرقلة انتشاره وظهوره، ولكن لعمر الله من يرد السيل إذا هدر؟ أم لعمر الله من يرد على الله القدر؟ جرب هؤلاء الأعداء أبواباً كثيرة ومسالك خطيرة في تشويه الإسلام، وتقويض حصونه من الداخل، لكن ليس العجيب أنهم يخططون لضرب الإسلام وشل حركته، ولكن العجب العجاب أن تنطلي دعواتهم ودعايتهم وكلامهم المعسول المسموم على السذج والبسطاء من أبناء المسلمين، فيصبحون من أنصار هذه الدعوة ومن الداعين إليها، والمنافحين عنها، والناشدين لأمرها من حيث شاءوا أو لا يشاءون.
لقد تمكن أعداء الإسلام من هز كيان هذه الأمة وزعزعة حصونها وأن ينفذوا مخططًا مجرماً لتدمير الأمة الإسلامية، وذلك من خلال بابين خطيرين، ألا وهما باب العقيدة وباب الأسرة وإن شئت فقل باب المرأة المسلمة.
أما الباب الأول: فقد استطاع الأعداء أن ينشئوا مذاهب منحرفة وعقائد باطلة ويدسوها في أصل ديننا، حتى أفسدت عقائد الكثيرين من أبناء المسلمين فافترقوا فرقاً، وصاروا شيعًا وأحزابًا يكفر بعضهم بعضًا، ويضرب بعضهم رقاب بعض، وسلط هؤلاء الأعداءُ على نصوص الوحيين التأويلاتِ الباطلة حتى فسد الدين فسادًا، لولا أن الله سبحانه تكفل بحفظه وأقام له حراسًا ووكّلهم بحمايته من تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين، لجرى عليه ما جرى على الأديان السالفة، ولكن الله برحمته وعنايته بهذه الأمة يبعث لها عند دروس السُّنَّة وظهور البدعة من يجدد دينها، ولا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم في طاعته.
وأما الباب الثاني: فهو باب المرأة المسلمة، لم تعد جهة معينة هي التي تتحدث عن المرأة وتهتم بشؤونها، فأصحاب تيار الرذيلة والانحراف لهم نصيب في نسف الحياة الطيبة التي تعيشها المرأة المسلمة في ظل دينها وإسلامها، ووسائل الإعلام بمختلف أنواعها أصبحت توجه المرأة، بل غدت المنظمات الدولية والمؤسسات الحقوقية تتسابق في توجيه المرأة بشكل عام والمرأة المسلمة بشكل خاص وتقوم بتعريفها بمسؤولياتها وواجباتها وتتباكى على حالها.
إن هناك حرباً ضروساً لا هوادة فيها ضد المرأة، هذه الحرب موجهة ومنذ زمن ليس بالقريب لتحطيم هذا الحصن وهذا الكيان وهي المرأة، وإن لم نكن جميعاً بمستوى هذه الحرب فالخسارة من الذي يتحملها؟ أنا وأنت، وستنجرف في الهاوية أختي وأختُك وبنتي وبنتُك.
لقد علم أعداء الشريعة وخصوم الملة المركز الحساس الذي تحتله المرأة في هذا الدين، فهم يعلمون أن المرأة المسلمة هي أم المستقبل ومربية الليوث القادمة، والحصن المنيع ضد تيارات الفساد والتدمير، بل يعلمون أنها نموذج الصبر والتضحية، وأنها قبس في البيوت مضيء، وجوهرة تتلألأ. ويعلمون جيداً تلك الحدود والضوابط التي وضعها الله جل جلاله في كل ما يتعلق بشؤون المرأة، من لباسها وخمارها وجلبابها وكلامها ومشيتها وطريقة عبادتها وكيفية دخولها وخروجها، كل هذا حفاظاً عليها من عبث ذئاب البشر بها، وأيضاً حفاظاً وحماية للمجتمع المسلم أن يتردى في مهاوي الرذيلة.
فبدأ هؤلاء المنتكسون منذ زمن بعيد والتي قد آتت أكلها في الآونة الأخيرة، بدأوا في محاولة تغيير نظرة الناس والمجتمع بشكل عام، والمرأة بشكل خاص؛ لأنها هي المعنية في هذه الضوابط التي جاء بها الإسلام، وبمعنىً مختصر تغيير دين الناس من الإسلام إلى ما يحاولون إقناع الناس به بما يسمونه الإسلام المتحضر أو الإسلام المرن الذي يقبل كل ما يأتي من الغرب، خصوصاً فيما يتعلق بشؤون المرأة لكن حسب تقاليدنا وضوابطه الشرعية -زعموا-، واستخدموا في سبيل تحقيق ذلك آلاف المقالات ومئات الندوات والمحاضرات بطرح ممجوج، وساعد هذا التيار ما يصنعونه هم وبأيدهم عن طريق الإعلام من مسلسلات وأفلام تخدم هذا التيار وهذا التوجه.
فالمرأة والرجل بل المجتمع بأسره، إذا نظر في الشاشة أو سمع في المذياع أو قرأ في مجلة أو جريدة فيما يتعلق بموضوع المرأة لا يرى ولا يسمع ولا يقرأ إلاّ تلك النداءات المتكررة في إخراج المرأة من بيتها، بحجة الدراسة والوظيفة، وما الدراسة أرادوا، ولا الوظيفة قصدوا، لكن وراء الأكمة ما وراءها.
لم تعرف البشريةُ ديناً ولا حضارةً عُنيت بالمرأة أجملَ عناية وأتمَّ رعايةٍ وأكملَ اهتمام كالإسلام، تحدَّث عن المرأة، وأكّد على مكانتها وعِظم منزلتها جعلها مرفوعةَ الرأس، عاليةَ المكانة، مرموقةَ القدْر، لها في الإسلام الاعتبارُ الأسمى والمقامُ الأعلى، تتمتّع بشخصيةٍ محترمة وحقوقٍ مقرّرة وواجبات معتبرة، نظر إليها على أنها شقيقةُ الرجل، خُلِقاَ من أصل واحد، ليسعدَ كلٌّ بالآخر ويأنس به في هذه الحياة، في محيط خيرٍ وصلاح وسعادة، قال -صلى الله عليه وسلم-: ((إنما النساء شقائق الرجال)).
المرأةُ في تعاليم الإسلام كالرجل في المطالبة بالتكاليف الشرعية، وفيما يترتّب عليها من جزاءات وعقوبات، {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا}
[(124) سورة النساء]، هي كالرجل في حمل الأمانة في مجال الشؤون كلها إلا ما اقتضت الضرورةُ البشرية والطبيعة الجِبليّة التفريقَ فيه، وهذا هو مقتضى مبدأ التكريم في الإسلام لبني الإنسان، {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} [(70) سورة الإسراء].
لقد أشاد الإسلام بفضل المرأة ورفع شأنَها، وعدَّها نعمةً عظيمةً وهِبةً كريمة، يجب مراعاتها وإكرامُها وإعزازها، يقول المولى -جل وعلا-: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا}
[(49، 50) سورة الشورى]، وفي مسند الإمام أحمد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من كان له أنثى فلم يئدها ولم يُهنها ولم يؤثر ولده عليها أدخله الله الجنة)).
المرأةُ في ظل تعاليم الإسلام القويمة وتوجيهاتِه الحكيمة تعيش حياةً كريمة في مجتمعها المسلم، حياةً مِلؤها الحفاوةُ والتكريم من أوَّل يوم تقدُم فيه إلى هذه الحياة، ومُرورًا بكل حال من أحوال حياتها.
رعى حقَّها طفلةً، وحثَّ على الإحسان إليها، ففي صحيح مسلم من حديث أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من عال جاريتين حتى تبلُغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين)) وضمّ أصابعه، وفي مسلم أيضاً أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من كان له ثلاث بنات وصبر عليهن وكساهن من جِدته كُن له حجاباً من النار)).
رعى الإسلام حقَّ المرأة أُمّاً، فدعا إلى إكرامها إكرامًا خاصًّا، وحثَّ على العناية بها، {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}
[(23) سورة الإسراء]، بل جعل حقَّ الأمّ في البرّ آكدَ من حقِّ الوالد، جاء رجل إلى نبينا -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، من أبِرّ؟ قال: ((أمّك، قال: ثم من؟ قال: أمّك، قال: ثم من؟ قال: أمّك، قال: ثم من؟ قال: أبوك)) [متفق عليه].
رعى الإسلامُ حقَّ المرأة زوجةً، وجعل لها حقوقاً عظيمة على زوجها، من المعاشرة بالمعروف والإحسان والرفق بها والإكرام، قال -صلى الله عليه وسلم-: ((ألا واستوصوا بالنساء خيراً، فإنهن عوان عندكم))
[متفق عليه]، وفي حديث آخر أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: ((أكملُ المؤمنين إيماناً أحسنُهم خُلُقاً، وخيارُكم خياركم لنسائه)).
رعى الإسلامُ حقَّ المرأة أختًا وعمَّةً وخالةً، فعند الترمذي وأبي داود: ((ولا يكون لأحد ثلاثُ بنات أو أخوات فيُحسن إليهن إلا دخل الجنة)).
وفي حال كونِها أجنبيةً فقد حثَّ على عونها ومساعدتها ورعايتها، ففي الصحيحين: ((الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو كالقائم الذي لا يفتُر، أو كالصائم الذي لا يفطِر)).
للمرأة في الإسلام حريةٌ تامة في مناحي الاقتصاد كالرجل سواءً بسواء، هي أهلٌ للتكسُّب بأشكاله المشروعة وطرقه المباحة، تتمتّع بحرية التصرف في أموالها وممتلكاتها، لا وصايةَ لأحدٍ عليها مهما كان وأينما كان {وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ}
[(6) سورة النساء].
بل إن الإسلامَ يفرض للمرأة من حيث هي ما يسمَّى بمبدأ الأمن الاقتصادي مما لم يسبق له مثيلٌ ولا يجاريه بديل، حينما كفل للمرأة النفقةَ أمًّا أو بنتاً أو أختاً أو زوجةً وحتى أجنبية، لتتفرّغ لرسالتها الأسمى وهي فارغةُ البال من هموم العيش ونصب الكدح والتكسُّب، هذه بعضُ مظاهر التكريم للمرأة في الإسلام، وذلك غيْضٌ من فيض وقطرةٌ من بحر.
وعلى الرغم من أن الإسلام احترم المرأة وأعلى مكانتها وأعطاها من الحقوق ما يليق بخلقتها وبقدرتها، كيف لا والمشرع هو خالقها، {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}
[(14) سورة الملك]، لكن أعداء الإسلام من اليهود وأذنابهم، والنصارى ومقلديهم ومحبيهم، والعلمانيين الحاقدين، لا يروق لهم وضعُ المرأة في الإسلام، فهم لمّا علموا وأيقنوا أنهم لن يستطيعوا ضرب الإسلام وتقويض حصونه من الداخل إلا بإخراج المرأة من بيتها، بل إخراجها عن طبيعتها وأصل خلقتها، {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} [(18) سورة الزخرف]، أرادوها أن تزاحم الرجل في كل ميادين الحياة ولا بد، فلا بد أن تزاحم الرجل في تجارته، وفي عمله، وفي صناعته، وفي وظيفته، بل حتى في سيارته، وتنقله.
ما كان لهؤلاء الحاقدين أن يدخلوا على الناس في بيوتهم ويخرجوا بناتهم ونساءهم، ولكنهم بمخططهم الماكر افتعلوا قضية أسموها "تحرير المرأة"؛ ليوحوا للمرأة أن لها قضيةً تحتاج إلى نقاش، وتستدعي الانتصار لها أو الدفاع عن حقها المسلوب، ولذلك يكثرون الطنطنة في وسائل كثيرة ومختلفة على هذا الوتر، بأن المرأة في مجتمعاتنا تعاني ما تعاني، وأنها مظلومة وشقٌّ معطل، ورئة مهملة، ولا تنال حقوقها كاملة، وأن الرجل قد استأثر دونها بكل شيء وهكذا؛ ليشعروا الناس بوجود قضيةٍ للمرأة في مجتمعنا، هي عند التأمل لا وجود لها.
يقال لهؤلاء الناعقين: أي حريّة للمرأة تريدون؟! أتريدونها أن تكون ألعوبة في يد القاصي والداني؟! أم تريدونها أن تكون ورقةً مبذولةً تطؤها الأقدام وتمزقها الأيدي، بعد أن كانت جوهرةً مصونةً لا يكاد يرى أحد منها شيئًا من غير محرمها إلا بعقد صحيح؟ أيّ حرية في أن تكون المرأة مع الرجل جنبًا إلى جنب في كل شيء حتى في مصنعه وهندسته؟! عجبًا! ثم عجبًا!.
يقول سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-: "فلا يخفى على كل من له معرفةٌ ما عمت به البلوى في كثير من البلدان من تبرج الكثير من النساء وسفورهن، وعدم تحجبهم من الرجال، وإبداء الكثير من زينتهن التي حرم الله عليهن إبداءها، ولا شك أن ذلك من المنكرات العظيمة والمعاصي الظاهرة، ومن أسباب حلول العقوبات ونزول النقمات؛ لما يترتب على التبرج والسفور من ظهور الفواحش وارتكاب الجرائم وقلة الحياء وعموم الفساد". ثم يقول -رحمه الله-: "فاتقوا الله أيها المسلمون، وخذوا على أيدي سفهائكم وامنعوا نساءكم مما حرم الله عليهن، وألزموهن التحجب والتستر واحذروا غضب الله سبحانه، وعظيم عقوبته، فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه))".
ويقول -رحمه الله- رادًّا على دعاة الاختلاط ونزع الحجاب: "إن ثمرات الاختلاط مُرة، وعواقبه وخيمة، رغم مصادمته للنصوص الشرعية التي تأمر المرأة بالقرار في بيتها، والقيام بالأعمال التي تخصها في بيتها ونحوه، ومن أراد أن يعرف عن كثب ما جناه الاختلاط من المفاسد التي لا تحصى؛ فلينظر إلى تلك المجتمعات التي وقعت في هذا البلاء العظيم بإنصافٍ من نفسه وتجرد للحق عما عداه، فسيجد التحسر على انفلات المرأة من بيتها وتفكك الأسر" أهـ.
لقد طفى على سطح الماء فقاقيع المتغربين، واعتلت المنابر الإعلامية وجوهٌ مشبوهة، وألسنةٌ مسعورة، تم اختيارها بدقةٍ وعناية، ثم دُفع بها إلى حلبة الإعلام، وأعطيت قلماً حبره السم، ليؤدي دوره المرسوم سلفاً خدمةً للعديد من تيارات التدخل الدولي أو التبعية المحلية، وسعى سعياً حثيثاً دائباً لتقليص مساحة هيمنة الإسلام على الحياة وتخطيطه لها، وتفريغه من مضمونه الرباني الشامل، هكذا ينبغي علينا أن نفهم مصطلح "تحرير المرأة" إنها حرب على الإسلام لكن هذه المرّة من خلال بوابة المرأة.
إن المرأة تواجه تحديات كثيرة في هذا الواقع المرّ، وتواجه صراعات متعددة الأطراف، فأنت لا تدري هل تحميها من ذئاب الإعلام، أم تحافظ عليها من فساد الشارع والسوق، أم تحذرها من أدعياء التقدم ورافعي رايات التغريب، أم ماذا تقول لها في هذا الوقت العصيب.
إن هؤلاء المسعورين من العلمانيين والمستغربين ومن سار في فلكهم ممن يتباكون على وضع المرأة هم أعداء المرأة حقاً، إنهم يتسللون بأفكارهم التحررية ودعوتهم للانحلال من خلال قضايا شرعية يحاولون أن يجعلوها مجال نقاشٍ وأخذٍ ورد. فلم يعد خافياً على أحد ما تشهده مجتمعات المسلمين اليوم من حملة محمومة من الذين يتبعون الشهوات على حجاب المرأة وحيائها، وقرارها في بيتها حيث ضاق عطنهم وأخرجوا مكنونهم ونفذوا كثيراً من مخططاتهم في كثير من مجتمعات المسلمين؛ وذلك في غفلة وقلة إنكار من أهل العلم والصالحين، فأصبح الكثير من هذه المجتمعات تعج بالسفور والاختلاط والفساد المستطير مما أفسد الأعراض والأخلاق، وبقيت بقية من بلدان المسلمين لا زال فيها والحمد لله يقظة من أهل العلم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، حالت بين دعاة السفور وبين كثير مما يرومون إليه.
وهذه سنة الله -عز وجل- في الصراع بين الحق والباطل والمدافعة بين المصلحين والمفسدين، ومن كيد المفسدين في مثل المجتمعات المحافظة مع وجود أهل العلم والغيرة أن أولئك المفسدين لا يجاهرون بنواياهم الفاسدة، ولكنهم يتسترون وراء الدين ويُلبِسون باطلهم بالحق واتباع ما تشابه منه، وهذا شأن أهل الزيغ كما وصفهم الله -عز وجل- في قوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ}
[(7) سورة آل عمران]، وهم أول من يعلم أن فساد أي مجتمع إنما يبدأ بإفساد المرأة واختلاطها بالرجال، ولو تأملنا في التاريخ لوجدنا أن أول ما دخل الفساد على أية أمة فإنما هو من باب الفتنة بالنساء.
وقد ثبت عن النبي صلى لله عليه وسلم قوله: ((ما تركت فتنة هي أضر على الرجال من النساء))، وهذه حقيقة لا يماري فيها أحد، وملل الكفر أول من يعرف هذه الحقيقة؛ حيث إنهم من باب الفتنة بالنساء دخلوا على كثير من مجتمعات المسلمين وأفسدوها وحققوا أهدافهم البعيدة، وتبعهم في ذلك المهزومون من بني جلدتنا ممن رضعوا من ألبان الغرب وأفكاره، ولكن لأنهم يعيشون في بيئة مسلمة ولا زال لأهل العلم والغيرة حضورهم فإنهم لا يتجرؤون على طرح مطالبهم التغريبية بشكل صريح؛ لعلمهم بطبيعة تديُّن الناس ورفضهم لطروحاتهم وخوفهم من الافتضاح بين الناس، ولذلك دأبوا على اتباع المتشابهات من الشرع، وإخراج مطالبهم في قوالب إسلامية وما فتئوا يلبسون الحق بالباطل.
نسأل الله تعالى أن يكفينا شرهم...
بارك الله لي ولكم...

الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه... أما بعد:
بدأ مسلسل ما يسمى حركة تحرير المرأة قبل مائة عام أي في عام ألف وثمانمائة وتسع وتسعين للميلاد حين خرج كتاب تحرير المرأة لقاسم أمين، الذي دعا فيه المرأة إلى السفور ونبذ الحجاب واختلاطها بالرجال، ولم يكن في ذلك الوقت في مصر امرأة تختلط بالرجال سوى امرأة واحدة هي "ناظلي فاضل" حفيدة محمد على باشا، وفي تركيا دعا "أحمد رضا" عام ألف وتسعمائة وثمانية للميلاد أي قبل تسعين سنة إلى إفساد المرأة حيث قال ما نصه: "ما دام الرجل التركي لا يقدر أن يمشي علناً مع المرأة في تركيا وهي سافرة الوجه فلا أعد في تركيا دستوراً ولا حرية"، هكذا دعا هذا الأثيم إلى سفور المرأة قبل تسعين عاماً تقريباً، ولكن انظروا ماذا يحدث الآن في تركيا حيث وصل الحال إلى إنشاء المراقص وبيوت البغاء وكل أنواع الشرور كما هو مشاهد ومعلوم في تلك البلاد، نسأل الله أن يحمي بلاد المسلمين من كل سوء ومكروه.
إن كثيراً من الكتابات التي نطالعها على صفحات الجرائد إنما هي نسخة مستلة من دعوة قاسم أمين وهي طبق الأصل من كتاباته وأفكاره هو وأضرابه دعاة السفور والاختلاط.
لقد تآمروا على المرأة بالوظيفة، وقالوا يجب أن تعمل المرأة، إن عمل المرأة بالصورة التي ينادون بها له من المفاسد الشيء الكثير من إهمال الأسرة وتمزيق أركانها وتضييع النشئ وإفساد الأولاد وكثرة حالات الطلاق وكثرة حالات العنوسة في المجتمع، وتحديد النسل إذ أن المرأة العاملة تضطر لإيقاف الإنجاب مراعاةً للوظيفة والتضييق على الرجل في الحصول على الوظيفة، وهذا مشاهد ملموس بل الواقع يشير إلى بداية ظهور البطالة في المجتمع في أوساط الرجال، والرجل مطالب بالعمل لكونه مطالب بالنفقة على المرأة، ومن ذلك كثرة السائقين والخادمات والمربيات.
ومن ذلك ما تحدثه من أثر نفسي على الأطفال نتيجة تنشئتهم في دور الحضانة، ومنها أنه لا عائد مادي من عمل المرأة إذ أنه سيصرف في تبعات ذلك من خادمة أو مربية أو سائق وسيارة وغيرها من المصاريف، وبالجملة فمن أراد أن يعرف آثار عمل المرأة بالصورة التي ينادي بها العلمانيون فلينظر إلى المجتمعات التي سبقت إلى مثل هذا العمل، وما حل بها من فساد وانحراف يوجب على العقلاء السعي لكف هذا الشر عن المسلمين، ويتعين على الجميع بذل الجهود لحفظ المجتمع وصيانة الأمة من خلال السعي على الحفاظ على خصوصية تعليم المرأة وعملها.
إن الذين يتباكون على وضع المرأة يريدونها أن تكون كالمرأة الغربية ويصرحون بأن هذا هو طريق خلاصها، هل خلاصها أن تكون غانيةً في سوق الملذات والشهوات يستمتع بها الرجل ويستبد من طلوع الشمس إلى غروبها ومن غروبها إلى طلوعها؟ في دور الأزياء، وقاعات السينما، وشاشات التلفاز، وصالات المسارح، وشواطئ البحار والأنهار، وبيوت اللهو والدعارة، وأغلفة المجلات والصحف السيارة؟ بل حتى في ردهات مستشفياتهم وملاحاتهم الجوية؟ ونستحي أن نقول في دور التعليم ومحاضن التربية؟ هل هذا هو سبيل الخلاص من القهر الذي ينشدون والعنف الذي يقولون؟ إنها البيوت الخربة والمسؤولية الضائعة حين ألقاها الرجل الغربي عن كاهله، فوقعت نساؤهم حيث وقعت، إهمالٌ وتنصلٌ من مسؤولية الإنجاب والتربية، فأصبح ذكرهم وأنثاهم لنفسه لا لأمته، للذاته لا لكرامته، فالفساد في مجتمعاتهم يستشري، والخراب إلى ديارهم يسري.
لماذا لم نسمع الغرب يتحدث عن المرأة المقهورة المعذّبة؟ المرأة المشرّدة؟ المرأة المغتصبة من إفرازات حروب أنشأوها وكوارث أثاروها؟ من الظلم العالمي والفقر المتدني في شعوب تنتسب إلى الأمم المتحدة؟ ما حال أمهاتنا وأخواتنا وبناتنا في فلسطين وكشمير والبوسنة والشيشان وأفغانستان وارتريا والصومال والعراق؟ إن وثائقهم لا تكاد تعير هذا اهتماماً في مقابل احتفائها واحتضانها للشاذات والبغايا والمومسات والمصابين والمصابات بكل ألوان أمراض الجنس الفتاكة، إنهم لا يعرفون الرحم ولا التراحم، ولا يعرفون البر ولا الفطرة، أي خيانة أكبر من خيانة إهمال النشء وإهلاك النسل؟.
إنهم يعلمون ولكنهم قومٌ بهت، إنهم يعلمون أن السكينة والطمأنينة لا تكون إلاّ في بيوت مستقرة، في ظلال أسرة حانية بنسائها ورجالها وأطفالها وصباياها، أما الهمل والضياع في الأزقة والأرصفة وزوايا الوجبات السريعة فلا تبني أمة، ولا تجلب طمأنينة، بل إن حياة الطيور في أعشاشها، والسباع في أكنّتها خير وأصلح من هذا الهمل الضائع.
إن الغرب وأبواقه لن يرضوا إلاّ أن يروا مجتمعاتنا الطاهرة الطيبة وقد انزلقت في وبائه ورجسه، بل إن هناك إصراراً من الغرب ورجاله ومؤتمراته ولجانه ليصهر الشعوب في عاداته وتقاليده، احتكارٌ وقهرٌ ليجعل هذا السلوك الممقوت مقياس التقدم ورمز الحضارة.
أما نحن أهل الإسلام فنأرز إلى إيماننا ونطمئن إلى كتاب ربنا فقد خاطبنا رجالنا ونساءنا في التكاليف والمسؤولية، {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}
[(71، 72) سورة التوبة].
اللهم...


Source URL:
http://www.alahmad.com/node/394