الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ناصر بن محمد الأحمد (http://www.alahmad.com)

المرأة (2)

تم الإنشاء 11/11/2007 - 04:59

المرأة (2)
3/7/1419هـ

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد

 

الخطبة الأولى:
إن الحمد لله، نحمده ونستغفره ونستعينه... أما بعد:
وتتمةً لموضوع المرأة وهي الورقة الثانية من الملف الذي فتح في الأسبوع الماضي، وبالمناسبة فإن أوراق ملف المرأة غير مرتبة، بمعنى أنه لا يلزم أن تكون المواضيع متسلسلة بحيث يرتبط لاحقها بسابقها، ولا يعني أيضاً أن ما قُدّم أنه أهمّ مما سيأتي بعده، لكنها تأتي هكذا بحسب ما يجول في الخاطر اتفاقاً، لكنها في النهاية تصب في موضوع أساسي واحد وهو ما نحن بصدده موضوع المرأة.
إن المرأة تواجه تحديات كثيرة في هذا الواقع المرّ، وتواجه صراعات متعددة الأطراف، فأنت لا تدري هل تحميها من ذئاب الإعلام، أم تحافظ عليها من فساد الشارع والسوق، أم تحذرها من أدعياء التقدم ورافعي راية التغريب، أم ماذا تقول لها في هذا الوقت العصيب.
ثم إنه ليس بغريب أن يسعى دعاة التغريب جاهدين بكل ما يستطيعون، محاولين تغريب المرأة، وإخراجها من بيتها المكنون، وليس أيضاً بغريب أن تُطرح أطروحات عفنة مما سمعتم من نماذج في الجمعة الماضية، ممن في قلوبهم مرض أو ممن يكره الدين أو من مرتد أو زنديق.
لكن الأسف كل الأسف أيها الأحبة أن يدخل هذا المضمار بحسن نية أناس محسوبون على أهل الإسلام، ويمثلون توجهاً إسلامياً معروفاً، بل وممن يعتبرهم عوام الناس من مشايخ هذا العصر، ويستفتونهم في كافة شئون حياتهم.
أقول إنه من المؤسف أن نحذر من ضمن من نحذر منهم وما نحذر في موضوع المرأة من يمثلون الإسلام، لكنها مصيبة ولا ينبغي السكوت. وحتى أكون واضحاً ولئلا يذهب عقل السامع هنا وهناك، فإن المعنيّ هو مفتي قطر. والذي يجب وجوباً التحذير من فتاواه، وكشف عوار شطحاته وشذوذاته، وإن أصاب في بعض الفتاوى؛ لأن منطلقاته في الفتوى فيها نظر، وطريقته في الاستدلال غير سليمة، ولهذا فإن العامة مرتاحة ومعجبة بفتاواه ولا أدري هل هذا الارتياح وهذا الإعجاب هو مجرد ارتياح؟ أم لأن فتاواه توافق أهواء ورغبات العامة من تجويز بعض الأشياء المنهي عنها؟ والتساهل في كثير من الأمور، وتمييع الدين ومحاولة تقريبه من حياة الغرب، كل ذلك بحجة -أقصد مفتي قطر- فقه التيسير، والفقه المرن، وفقه معرفة ومراعاة أحوال الناس.
لقد فتح باباً من الشر عظيم عندما أفتى بجواز كشف المرأة لوجهها، وكثيرين ممن يتساهلن في هذا الأمر يحتجون بقوله وأنه عالم، وفتح باباً من الشر أيضاً عظيم عندما أفتى بجواز سماع الغناء والموسيقى، وقد خالف بقوله هذا أعداداً من العلماء المعتبرين في السابق واللاحق، وليس القصد هنا تعداد المسائل الذي خالف فيها المحققين من أهل العلم، لكن لأن موضوعنا الحديث عن المرأة فإن المفتي قد فتح باباً آخر من الشر أعظم من أختها، في الأيام التي مضت فيما نحن بصدد الحديث عنه وضمن كلامنا حول قضايا المرأة ألا وهو إباحتهُ لعمل المرأة في التمثيل، بل والدعوة إلى ذلك، فاسمع رعاك الله بعضاً من كلامه إذا كنت ممن يتابع برامجه عبر الشاشة أو كنت ممن يرتاح لفتاويه.
يقول القرضاوي: إن الفقهاء لا يمكن أن يقفوا عاجزين أمام التحدي الإعلامي ويدفنوا رؤوسهم في الرمال، وعليهم أن يواجهوا مشكلات العصر بفقه جديد وفهم جديد للتكيف مع تطورات العصر في ضوء ضوابط الشرع.
وقال: إن الإسلام يريد إعلاماً حياً شاملاً من دراما ومسلسلات وأفلام ومسرحيات وبرامج علمية ومهنية وترويحية مختلفة كبدائل كاملة للإعلام الغربي اللاديني الموجه ضد المسلمين ليفسد عليهم دينهم، وسندهم في ذلك الفقهاء والفقه المعاصر المعتدل المرن.
فهل سمعت أذناك كلاماً أغرب من هذا وممن؟ من أحد من يعتلي أعلى وأخطر منبر وهو منبر الفتوى، إنه من الطبيعي أن يفكر المسلمون في إعلام يكون بديلاً عن الإعلام الغربي، وهذا الكلام في الجملة لا غبار عليه لكن الغبار والمأخذ على البديل الذي يقترحه الشيخ حيث يقول: إن اشتراك المرأة في التمثيل أمر ضروري لا بد منه، لأننا لا نستطيع أن نخرج المرأة من الحياة.
تأمل أيها المحب في طريقة الاستدلال "لأننا لا نستطيع أن نخرج المرأة من الحياة"، ثم يقول: وأي عمل درامي هادف لا توجد فيه المرأة فهو عمل غير منطقي، ودليلنا على ذلك -إسمع الدليل- أن القصص القرآني منذ آدم -عليه السلام- حتى الرسول الخاتم -عليه الصلاة والسلام- لم يهمل وجود المرأة فيه حيث آدم وحواء، ونوح وامرأته، وكذلك لوط وزوجته، ثم الخليل إبراهيم وزوجتيه، ثم قصة ابني آدم وموسى منذ ولادته ووجود أمه وأخته وامرأة فرعون، وابنتي شعيب وحوارهما مع نبي الله موسى، ويوسف وامرأة العزيز، وسورة كاملة تحكي تفاصيل قصة احتلّت فيها المرأة دوراً رئيساً، ثم سيدنا عيسى وجدته وقصة والدته مفصلة، وحتى قصة زيد بن حارثة وزينب بنت جحش، حيث ذكر القرآن هذه القصص كلها وفيها المرأة بدورها الحيوي فكيف بنا نغلق الباب أمامها ونخرجها من الحياة؟
عجيب هذا الاستدلال أيها الأحبة، وهل لذكر المرأة في القرآن مجرد ذكر دليل على جواز التمثيل، وأن تشارك في مشهد درامي أو تظهر على المسارح كما زعم، إن المرأة ذكرت في القرآن في بعض المواطن في معرض الذم وأحياناً في معرض الكفر والشرك، فكيف يقال بأن مجرد الذكر دليل على جواز التمثيل.
يواصل الدكتور قوله فيقول: إن اشتراك المرأة في التمثيل إشكالية تحتاج للاجتهاد، والتغلب عليها لإيجاد حل لها، وهذا الحل ليس بفقه المنع الذي لا يحل مشكلة رغم سهولته، وترديد الفتوى بأن ذلك حرام حرام، فتبقى العقد كما هي والنتيجة أن ينطلق الناس بدوننا، وليس من الحكمة أن نغلق الأبواب فيدعنا الناس ونقف وحدنا، فلا بد من أن نتبنى فقه التيسير، ونُعمل عقولنا في فقه جديد، نجتهد لعصرنا كما اجتهد فقهاؤنا القدامى لعصرهم، ولو كان الأئمة المجتهدون يعيشون في عصرنا اليوم لتعاملوا مع هذه القضايا بصورة مختلفة وفق هذه القواعد الفقهية بأن عموم البلوى من المخففات، وأنه إذا ضاق الأمر اتسع، والمضايقات تجلب التيسير دون افتئات على محكمات النصوص، إلى أن قال: لأنه من غير المقبول إنشاء قصة خالية من المرأة فهذا ضد الواقع.
تأمل كيف يصور الشيخ القضية بأن التمثيل مما عمت به البلوى وأنه أصبح ضرورة، وأي ضرورة في تمثيل المرأة؟ إن أقل طالب علم لا يمكن أن يعتبر تمثيل المرأة من باب التحسينيات فضلاً عن الشيخ الذي يعرف ما معنى كلمة ضرورة عند الفقهاء، وهو أنه يقوم عليها مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فُقدت لم تَجرِ مصالح الدنيا على استقامة، إن الضرورة إذا فُقدت فلا يستقيم النظام بالإخلال بها، وإذا انخرمت، حال الأمر إلى فساد، فأين كل هذا من تمثيل المرأة.
اليوم خرجت الفتوى بجواز تمثيل المرأة بحجة أنها ضرورة لمواجهة مشكلات العصر والتكيف مع تطورات العصر، فليس بغريب أن تكون الفتوى في الغد عن جواز الرقص للمرأة من أجل مواجهة مشكلات العصر، ولا بأس بأن تشارك المرأة في الفرق الموسيقية تكيفاً مع تطورات العصر، وفي النهاية لو جمّعنا هذه الفتاوى لأصبح لدينا ممثلات وراقصات وعارضات أزياء ومغنيات على الطريقة الإسلامية، فيا للعجب!!!.
ثم هذه الجرأة على فقهاء المسلمين القدامى بأنهم لو عاشوا عصرنا لتعاملوا مع هذه القضايا بصورة مختلفة، وبناءً على كلام الشيخ فإن فقهاء الأمة الأئمة الأربعة أبو حنيفة والشافعي ومالك وأحمد يُصنفون ضمن أصحاب الفقه اليابس والقاسي، وتكون فتاواهم على وجوب حفظ المرأة وسترها واحتشامها وحرمة تبرجها واختلاطها بالرجال، فإن هذا في نظر الشيخ أنه من فقه التعسير وليس من باب فقه التيسير الذي ينادي به.
تخيلوا أيها الأحبة أن بنتي أو بنتك حسب هذه الفتوى وأختي أو أختك تخرج من بيتها لتذهب إلى معهد يعلّم التمثيل، ثم تتخرج لتكون ممثلة إسلامية بشروط.
كم من الفتاوى أفسدت وجرّت على المسلمين أنواعاً من البلاء؟ وبدلاً من أن يكون الشيخ في قمة المدافعين عن حمى هذه الشريعة وأحكامها نراه ينزلق في فتاوى حججها التكيّف ومقتضيات العصر وفقه التيسير، والفقه المرن، فيطرح طرحاً مشابهاً لأصحاب من يسمون بالإسلام المستنير الذين انطلقوا تحت ضغط الواقع من منطلقات عقلانية تستدبر النص الشرعي والضابط الفقهي.
أيها المسلمون: قال الله تعالى: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}
[(31) سورة النــور]، فهل يعقل أن يأمر الإسلام بغض البصر عن الرؤية المحرمة ويجيز في الوقت نفسه أن تخرج المرأة في دور تمثيلي في المسرح أو أمام المشاهدين؟ وقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [(59) سورة الأحزاب]، فهل يصح في العقل والنظر أن يأمر الله المرأة بأن تدني عليها من جلبابها لئلا تعرف، ثم يجيز في الوقت نفسه أن تظهر على شاشة التلفاز والقنوات ممثلة أو مذيعة؟.
وفي صحيح مسلم عن جرير -رضي الله عنه- قال: ((سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن نظرة الفجأة فأمرني أن أصرف بصري))، فإذا كانت فتوى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في نظرة الفجأة وهو مما تعم به البلوى في بعض الأحيان، فهل يعقل أن تجيز الشريعة المتكاملة البريئة من النقص والتناقض أن تخرج المرأة عارضة نفسها في التمثيل أمام كل من يراها؟ وفي الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((العينان زناهما النظر...)) الحديث، فأي شيء يكون زنى العينين سوى تسريح النظر في محاسن النساء الأجنبيات والتمتع بالنظر إليهن، والذي يحدث بتمثيل المرأة أن تظهر بوجهها وجسمها في الشاشة أو على المسرح والأعين تنظر إليها.
وفي جامع الترمذي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لعلي -رضي الله عنه-: ((يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة))، وهذا الحديث وحده كاف في حسم هذه القضية، فهو نص في محل النزاع؛ لأنه يستنبط منه أنه لا يجوز إتباع النظرة الأولى التي هي نظرة الفجأة نظرة ثانية مقصودة متعمدة، وهذا ما سوف يحدث حتماً بظهور المرأة ممثلة.
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، اللهم إن أردت فتنة بعبادك فاقبضنا إليك غير مفتونين.
أقول هذا القول، فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأً فمن نفسي ومن الشيطان والله ورسوله منه بريئان، وأستغفر الله لي ولكم وسائر...

الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه... أما بعد:
أيها المسلمون: إن للفتوى علمائها، وللاجتهاد فرسانه ورجالاته، ولا يصلح أيها الأحبة أن يتصدر أو يتصدى لهذا الأمر كل أحد، وبالمناسبة أحذركم من مشايخ الشاشة، إحذروا مشايخ الشاشة مرّة ثالثة، إحذروا مشايخ الشاشة، فإن الفتاوى المعتبرة ليست عندهم، وإذا أردت يا عبد الله -وهذا هو الظن بك- أن تنجو من عذاب الله يوم القيامة وأن تخلص رقبتك من النار فلا تأخذ إلا من العلماء الموثوقون بدينهم وأمانتهم وورعهم البعيدين عن الدنيا، الأتقياء، الذين يراقبون الله تعالى في فتواهم، ولا يُظن بأن الأمة تجهل علمائها، أو أنها لا تعرف ممن تأخذ، أما ذلك الذي يبحث عن الرخص، ويقول أجعلها في رقبة عالم أو شيخ، وهو يعلم بأنه ما توجه لسؤال فلان إلا لهوىً في نفسه، أو لعلمه بتساهل فلان هذا في الفتوى، فهذا لا ينفعه ذلك يوم القيامة.
أيها المسلمون: وعوداً لموضوع المرأة وإن لم نبعد كثيراً، إنه من الضروري أن تفقه المرأة ويفقه ولي أمرها من الذي يريد لها الخير ومن الذي يتربص بها. وينبغي أن يعلم بأن أولئك الذين يتظاهرون اليوم أنهم هم الحريصون على مستقبلها وأنهم هم الذين سيخلصونها مما تعانيه -زعموا- أنهم كذبوا في زعمهم ذلك، {يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ}
[(9) سورة البقرة]، وهذا الصنف كثير اليوم في ديار المسلمين، {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} [(16) سورة البقرة]، وإذا نظرنا إلى جذورهم الفكرية وجدناها تمتد في فكر أعداء الإسلام، تشرب منه وتستمد من تعاليمه ومنهجه، فكلما نعق ناعق في أحد عواصم الكفر في الغرب ردد النبرة نفسها أذنابهم في الشرق، هؤلاء الذين قال عنهم رسول -صلى الله عليه وسلم-: ((دعاة على أبواب جهنم من أجابهم قذفوه فيها))، وقال معرفاً بهم: ((هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا))، إن هؤلاء يرددون ما يقوله أسيادهم في واشنطن ولندن وموسكو، فإنهم لا يقولون للمرأة تعالي إلى العلمانية، ولا يقولون لها أخرجي من الإسلام، ولكنهم يفعلون معها ما فعله إبليس بآدم وحواء حتى أخرجهما من الجنة، {وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} [(20، 21) سورة الأعراف]، وهؤلاء يقسمون بأيديهم وأرجلهم أنهم ناصحون للمرأة وكذبوا ورب الكعبة، لكنهم يتاجرون بقضية المرأة لتحقيق مآربهم الشخصية. وللحديث بقية أسأل الله تعالى العون والسداد.
اللهم رحمة إهد بها قلوبنا، واجمع بها شملنا، ولُمَّ بها شعثنا، ورد بها الفتن عنا.
اللهم صلي على محمد...


Source URL:
http://www.alahmad.com/node/392