الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ناصر بن محمد الأحمد (http://www.alahmad.com)

الاعتداء على طالبان

تم الإنشاء 11/11/2007 - 04:05

الاعتداء على طالبان
3/8/1422هـ

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد


الخطبة الأولى:
إن الحمد لله...
اللهم إنك أنت الله لا إله إلا أنت الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد. القوي الجبار، العزيز الفعّال، الذي لا يغلبه شيء ولا يقهره شيء، أعزّ جنده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، العزة له والجبروت له العظمة له والكبرياء له السلطان له والملك له والحكم له، أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء. فلا إله إلا الله ناصر المظلومين، ولا إله إلا الله هو الحافظ لعباده المستضعفين، ولا إله إلا الله القادر على إهلاك المعتدين، التوكل على الله والاعتماد على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله..

تبجّحت دول الكفر معلنةً حرباً *** ضروساً على الإسلام والطُهرِ
سحائب الكفر والإلحاد ممطرةٌ *** على رؤوس البرايا أسوء المطر
مناظر يأنف الإنسان رؤيتها *** تدنوا بأربابها عن مستوى البقر
أين العدالة يا من تدّعون بها *** تقدماً بل إنكم في أنتن الحفر
أين الحمية يا أرباب أمتنا *** أين التمعّر إجلالاً لمقتدر
أليس من غضبةٍ لله صادقةٍ *** جبارةٍ ضد أهل الكفر والضرر
هبوا لهم يا ذوي الألبابِ وانتصروا *** لله وارموا دعاة التنصير بالشرر
إني أناجي الذي ما خاب سائله *** بحفظكم من صروف الدهر والغِير

قال الله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [(173 - 176) سورة آل عمران]. وقال تعالى: {وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} [(46) سورة إبراهيم]. وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا} [(9) سورة الأحزاب]. وقال -عز وجل- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [(51) سورة المائدة]. وقال تعالى: {لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [(11) سورة النــور]. وقال تعالى: {فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [(19) سورة النساء] وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} [(1 - 5) سورة الفيل]. وقال -عز وجل-: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [(45) سورة القمر].
أما بعد: أيها المسلمون: هل يخالجكم شك في قوة الله؟ هل يخالجكم شك في قدرة الله؟ هل يخالجكم شك على أن الله ينصر دينه وأوليائه؟ وهل ترتابون في ضعف كيد الأعداء مهما بلغت قوتهم وكثر جمعهم؟ وهل يتردد مسلم في الاعتقاد بأن العاقبة للتقوى والمتقين، والغلبة في النهاية للإسلام والمسلمين.

تلك حقيقة أدلتها في الكتاب العزيز والسنة المطهرة أكثر من أن تحصر، وإن كان الله جعل لكل شيءٍ قدراً، وربط الأمور بأسبابها وجعل للنصر والتمكين شروطاً لا بد من توفرها، ولكن هذه الأسباب والشروط ليست ضرباً من المستحيل، ولا فوق طاقات البشر، لكنها محتاجة إلى صدق وإخلاص وجهاد ونية، وأنتم اليوم كما كان أسلافكم من قبل تمتحنون على صدق الجهاد لدينه والولاء لشرعه وللمؤمنين والبراءة من الشرك والكافرين وأهله.
أيها المسلمون: إن الدين دين الله والحرمات حرماته، والله أغير على دينه وحرماته منا، وهو الذي أنزل الدين وأرسل الرسل وتكفل بإظهاره. ومن قديم الزمن والأعداء يتربصون بالمؤمنين الدوائر، ويكيدون لهم وفي مثل هذا الزمن يبلغ كيد الأعداء مبلغاً ربما ظن معه ضعفاء الإيمان أن المسلمين لن تقوم لهم بعده قائمة، ولن ترتفع لهم راية، ولكن العودة إلى آيات القرآن تكشف عن مكر قديم للأعداء، وعن إنفاق الأموال للصد عن سبيله ومع ذلك باءت هذه المحاولات بالفشل بالنهاية، وكشف الله عن ضعف كيد الأعداء وغلبتهم في النهاية واقرأ بتمعن قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ* لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ* قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ* وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ* وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ}
[(36 - 40) سورة الأنفال].
عباد الله: وينبغي أن لا يغيب عن بالنا ونحن نقاوم أعداء الإسلام أن هؤلاء الأعداء أعداء لله ولدينه قبل أن يكونوا أعداءً لنا، والله تعالى أغير على دينه وحرماته فمهما بلغ كيد الأعداء فالله موهن كيدهم، والله يمهلهم قليلاً ثم يأخذهم، ودين الله ينتصر، والمسلمون يسيحون في الأرض ينشرون الإسلام ويبشرون برضوان الله والجنة، حتى يبلغ الإسلام مبلغاً لم يبلغه أي دين، ويدخل في الإسلام من لم يدخل في غيره من الأديان، ولن تتوقف حركة المد الإسلامي وليبلغنّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار.
أيها المسلمون: وما ترون اليوم من ملل زائغة كاليهودية والنصرانية ونحوها ستنتهي ويبقى الإسلام، وفي آخر الزمان وحين ينـزل عيسى -عليه السلام- لا يحكم بالنصرانية ولا باليهودية وإنما يحكم بالإسلام فقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح فقال: ((والله لينـزلن ابن مريم حكماً عادلاً فليكسرن الصليب وليقتلن الخنـزير، وليضعنّ الجزية))
[رواه البخاري ومسلم].

فهل يفقه المسلمون مدلول هذا الحديث؟ وهل تزيدهم ثقة بدينهم وتدعوهم إلى الدعوة للحق الذي يملكون؟ حتى وإن كان أصحابه اليوم مستضعفين، وتُقلل في أذهانهم من شأن اليهود والنصارى، وتلقي في روعهم بطلان عقائدهم وإن كانوا اليوم غالبين.
أيها المسلمون: إن كيد الشيطان ضعيف والغلبة في النهاية للحق وأهله. إن الشدة التي تحسون بها تخفي وراءها فرجاً بإذن الله، والمكروه الذي تشاهدون وتسمعون يحمل الخير القادم بإذن الله، وإن الدلائل والبشائر من نصوص الكتاب والسنة، ومن واقع الحضارات المادية المنهارة والآيلة للانهيار، ومن واقع الأمة الإسلامية التي باتت الصحوة تسري بين رجالها ونسائها ومثقفيها وعوامها، ومن لم يستطع منهم العمل للإسلام تراه متحسراً على واقع المسلمين، داعياً على أعدائهم محاولاً إصلاح شأنه على الأقل ومن يعول.

ومن واقع الأعداء كذلك وتآزرهم لضرب الإسلام وخنق المسلمين كل هذه وغيرها تقول بلسان الحال: إن الإسلام قادم وإن الجولة القادمة للمسلمين إن شاء الله، فالأيام دول وحركة التاريخ لم تتوقف عن التغيير، ولم يحدث أن توقفت النوبة عند أمة من الأمم لم تتجاوزها إلى غيرها.
فيا أخا الإسلام هذا دين الله ساهم في كبت أعداء الله بما تستطيع، واعلم أنك إنما تنفع نفسك وإلاّ فالله غنيّ عنّا وعن ما نبذل إن كنا نبذل شيئاً، واعلم كذلك أن الله قادر على الانتقام من أعدائه والانتصار عليهم، ولكن ليبلو الناس ويتميز الصادقين المجاهدين من المنافقين.
خطب ابن الجوزي -رحمه الله- الناس أيام الغزو الصليبي لديار المسلمين في الجامع الأموي بدمشق فقال: "أيها الناس مالكم نسيتم دينكم، وتركتم عزتكم، وقعدتم عن نصر الله فلم ينصركم، حسبتم أن العزة للمشرك وقد جعل الله العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، يا ويحكم أما يؤلمكم ويشجي نفوسكم مرأى عدو الله وعدوكم يخطر على أرضكم التي سقاها بالدماء أباؤُكم يذلكم ويستعبدكم وأنتم كنتم سادات الدنيا، أما يهز قلوبكم وينمّي حماستكم مرأى إخواناً لكم قد أحاط بهم العدو وسامهم ألوان الخسف، أفتأكلون وتشربون وتتنعمون بلذائذ الحياة وإخوانكم هناك يتسربلون اللهب ويخوضون النار وينامون على الجمر؟!!. انتهى..
فيا أيها المسلمون: لقد تفتحت أبواب السماء، وهبت رياح الإيمان، فكونوا من فرسان هذا الدين وأثبت يا عبد الله حبك للإسلام والمسلمين.
عباد الله: ليس في هذه الدنيا شر محض، ومهما تقع من فتن ومصائب وقلاقل وحروب ويحصل من جرّاء ذلك قتل وتشريد وإن كان ظاهره الشر، فلا بد وأن يكون في ذلك خير، فمن ذلك تمايز الصفوف، واتضاح الحقائق لدى المسلمين، وظهور الولاء والبراء، وتحقيق مسائله عملياً، وانهزام المبادئ الكفرية كوحدة الأديان والحوار مع الغرب والديمقراطية والحرية الغربية وانكسار حاجز الخوف لدى العالم أجمع؛ أن أية دولة مهما بلغت قوتها فهي ضعيفة ومعرفة سنن الله في الكون وتحققها في الواقع واتضاح الرايات وظهور المنافقين من المسلمين وانكشاف عورات واتضاح من أراد الدنيا ممن أراد الآخرة، وظهور وحدة المسلمين وتكاتفهم واستعدادهم لترك الدنيا من أجل عزة الإسلام وغيرها، من الآثار والمصالح والآخرة خير وأبقى، قال الله تعالى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}
[(8) سورة الصف].

ثَمِلوا بسوَرة أكؤوس الأشرار *** سفِلت نفوسهم إلى الأقذار
أغرتهم الدنيا بزيف زخارفٍ *** منسوجةٍ بأنامل الكفار
فتهافتوا فيها بغير تريثٍ *** فعلَ الفراش على لهيب النار
ياويح أمتنا التي رغم الأسى *** لما تزلْ تسعى بكل سُعار
تهفوا إلي تقبيل كف منافقٍ *** قد سامها سوءاً وكل شنار
رضْيت بهذا الذٌّل فهي مسوقةٌ *** قسراً إلى ضحضاحِ جرفٍ هار
أنىَّ لها النصر المبين وقومُها *** زجُّوا بها في لُجةَّ الإعصار
أغراهم الغربٌ الدنيءٌ بحفنةٍ *** من ماله جهراً بلا إسرار
ما ذاك إلاَّ أن قومي جانبوا *** سبلَ السٌّمو إلى ذرى الأطهار
تاهت سفيُنتنا وعز مصابُنا *** بعدتْ مراسينا على البحَّاَر
كلأً مباحاً صّيروا إسلامنا *** ورموه في رجعيةٍ وإسَار
يا ألف مليونٍ يؤرَّق ليلهَم *** صوتٌ الهوى وتمايلٌ الفجًّار
مَدوُا أكفَّ ضراعٍة نحو الألى *** طعنوا ٌمروءَتهم بألفِ شعار
أفما علمتم يا بني قومي بما *** في الذّكر من بٌشرى ومن أخبار
لن يجعلِ اللهُ العزيز لكافرٍ *** سٌبلاً علينا يا أولي الأبصار
قولوا لعاد اليوم في كوننا *** سلفٌ وبئس القوم في الأخبار
هم قوم عادٍ أسرفوا وتجبروا *** فقضوا بريح الصرصر الإعصار
فطواهم التاريخ تحت سجله *** فغدوا به خبراً من الأخبار
قولوا لهم في الأرض ألف مجاهدٍ *** هم يرجحون بكفة المليار
لا الخوف يسكنهم وليس جباهُهم *** تُحنى سوى لجلال وجه الباري
سيزلزلون الأرض بالتكبير *** ويمرغون معاطس الكفار
هذي كلاب الغرب ليس يضيرها *** أن تضرب المليار بالمليار
قولوا لهم إنا نُعزُّ بربنا *** وحياتنا بشريعة القهار
هذا الكتاب وتلك شرعة أحمدٍ *** فمتى نسير على خطى المختار؟!

بارك الله لي ولكم...

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه...
أما بعد: ستظل هذه الأمة عزيزة قائمة بأمر الله، وسيبقى فيها طوائف من أهل العلم والصدق والدعوة والجهاد يجددون لها أمر دينها، ويدفعون عنها غائلة عدوها، ويصدقون موعود الله ورسوله, في تحقيق العزة لأهل طاعته، والذل والصغار على أعدائه وأعداء رسله ولتعلمُنّ نبأه بعد حين قال الله تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}
[(51) سورة غافر].
أيها المسلمون: إن الحق والعدل أساس في هذا الكون، وأصل في بناء السماوات والأرض، والدنيا بدأت بالحق وستنتهي بالحق، ويوم القيامة يتجلى الحق في أعلى وأجل صورة. ومن هذا الحق: أن تعود لأمة الإسلام قيادتها للبشرية، ومن الحق أن يعود حكم الإسلام في الأرض كله، ومن الحق والعدل أن تزول هذه الغشاوة، وتنقشع هذه الغمة، وتعود هذه الأمة إلى وضعها الطبيعي، ويتحقق قول الله -عز وجل- {أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ}
[(214) سورة البقرة].
أيها المسلمون: لا يغركم انتعاش الكفر وتسلطه على الدنيا فإن الله جل جلاله يقول: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ* مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ}
[(196 - 197) سورة آل عمران]، فإن الكفر والباطل وإن تسلط، فإن تسلطه محدود بقدر من الله، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يستمر هذا التسلط وهذه الغلبة فإن لكل شيء نهاية، ولنفرض أن الكفار استطاعوا أن تكون لهم الغلبة مدة الحياة الدنيا كلها مع أن هذا الافتراض ليس بصحيح، ولكن لنفترض ذلك، أليس نحن المسلمين نعتقد ونؤمن بأن الله وعدنا بالآخرة ووعدنا بالجنة ووعدنا بالحياة الأبدية الباقية فما قيمة الحياة الدنيا من أولها إلى آخرها مقارنة بالآخرة؟ لا شيء: {فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} [(38) سورة التوبة] فليأخذوا هم الدنيا بأسرها، ولتكن لنا الآخرة وكما قلت فإن هذا الافتراض ليس بصحيح.
أيها المسلمون: لماذا قص الله علينا في كتابه قصة أصحاب الأخدود بهذه الطريقة لمن تأملها وبتلكم النهاية التي انتهت إليه؟ إنه حادث مؤلم جداً، أن تحفر حفراً في الأرض ثم تؤجج فيها النار ويلقى فيها أبرياء لا ذنب لهم سوى الإيمان {وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ}
[(7) سورة البروج] إنه حادث بشع، ولحكمة لم تذكر الروايات التي وردت في هذا الحادث كما لا تذكر النصوص القرآنية أن الله قد انتقم منهم بسبب جريمتهم البشعة كما أخذ قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم شعيب، وقوم لوط، أو كما أخذ فرعون وجنوده أخذ عزيز مقتدر.

وعند المقارنة المادية، وإغفال عالم الآخرة يكون هؤلاء المجرمون هم المنصورون، وأولئك المؤمنون هم الخاسرون. لكنّ الله -عز وجل- يخبرنا بهذه الحادثة في كتابه وبهذه النهاية ليعلمنا شيئاً آخر، وليكشف لنا عن حقيقة أخرى قد نغفل عنها وهو: أن الحياة الدنيا وسائر ما يلابسها من لذائذ وآلام، ومن متاع وحرمان، ليست هي القيمة الكبرى في الميزان، وليست هي السلعة التي تقرر حساب الربح والخسارة، والنصر ليس مقصوراً على الغلبة الظاهرة، فهذه صورة واحدة من صور النصر الكثيرة. إن القيمة الكبرى في ميزان الله هي قيمة العقيدة، وإن السلعة الرائجة في سوق الله هي سلعة الإيمان، وإن النصر في أرفع صوره هو انتصار الروح على المادة، وانتصار العقيدة على الألم، وانتصار الإيمان على الفتنة، ولم تعد مجال المعركة هو الأرض وحدها وليس هو الحياة الدنيا وحدها وشهود المعركة ليسوا هم الناس في جيل من الأجيال، بل إن الملأ الأعلى يشارك في أحداث الأرض ويشهدها ويشهد عليها {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ* الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [(8 - 9) سورة البروج] وهكذا اتصلت حياة المؤمنين في الأرض بالحياة الباقية الخالدة في الملأ الأعلى، واتصلت الدنيا بالآخرة، ولم تعد الأرض وحدها هي مجال المعركة بين الخير والشر، والحق والباطل، والإيمان والطغيان، ولم تعد الدنيا هي خاتمة المطاف، ولا موعد الفصل في هذا الصراع. لقد انفسح المجال في المكان، وانفسح المجال في الزمان، وانفسح المجال في القيم والموازين، واتسعت آفاق النفس المؤمنة، وكبرت اهتماماتها، فصغرت الأرض وما عليها، والحياة الدنيا وما يتعلق بها، وكبر المؤمن بمقدار ما معه من إيمان غيبي، وما عرف من الآفاق وما يتعلق بالحياة الآخرة: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ * إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ * إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} [(10 - 12) سورة البروج].
عباد الله: ومن المسلمات عندنا أيضاً أن هذه الأمة فيها خير كثير، وهذه الأمة منصورة بإذن الله تعالى، فقط تحتاج إلى من ينفض عنها الغبار، والذي يريد أن يواجه الإسلام ويحارب الإسلام هذا مسكين، مثله كمثل الصبي الذي يريد أن يوقف السيل بيده، أو كالذي يريد أن يحجب أشعة الشمس بيده الضعيفة.
ربما يقتل أناس من هذه الأمة وهذا صحيح. وربما تباد جماعات ومجتمعات، وهذا أيضاً صحيح. وربما تسقط دول وتذهب أسماء وشعارات أيضاً هذا صحيح، لكن الإسلام باق، والله متم نوره ولو كره الكافرون. كيف لا وقد قال الحق سبحانه: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}
[(9) سورة الصف].
أيها المسلمون: إن هذا الدين هو سر هذه الأمة وروحُها وسر بقاءها ووجودها؛ إن هذه الأمة للإسلام، هذه الأمة وجدت للإسلام مهما غضب الغاضبون، وخطط المخططون، وزمجر المزمجرون، وأزبد الزابدون، فالذي يريد أن يقضى على الإسلام، فليقضى على هذه الأمة، وهل يستطيع أحد أن يقضي على هذه الأمة؟ هيهات ثم هيهات. نقول بأن هذا محال، لماذا؟ لأن هذه الأمة موعودة بالبقاء، ليس بالبقاء فقط بل بالنصر والتمكين. ولا يزال الله يغرس لهذا الدين غرساً يستعملهم في طاعته، ولا يزال المولى جل وعز يخرج لهذه الأمة في كل مرحلة من تاريخها، وفي كل فترة من فتراتها علماء ودعاة وقادة ومجاهدون يستعملهم لخدمة هذا الدين، ((ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله الإسلام بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وأهله، وذلاً يذل الله به الكفر وأهله))، كم دفن الناس من طاغية؟ كم دفن الناس من محارب لله ولرسوله؟. كم دفن الناس من زنديق؟ كم دفن الناس من كافر؟ كم دفن الناس من ملحد؟ فرعون مضى، هولاكو مضى، جنكير خان مضى، وقروناً بين ذلك كثيراً، حتى رموز الكفر والضلال، في هذا الزمان سوف يأتي يوم ويدفُنهم أصحابهم. فقط، صبر جميل، واستعانة بالله: {وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}
[(21) سورة يوسف].
أيها المسلمون: أن هذا الدين هو كلمة الله -عز وجل- قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء* تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا}
[(24 - 25) سورة إبراهيم] ولا إله إلا الله هي كلمة الإسلام، ومن ذا الذي يستطيع أن يطفىء وهج ونور هذه الكلمة.

أتطفئ نور الله نفخة كافر *** تعال الذي بالكبرياء تفردا
إذا جلجلت الله أكبر في الوغى *** تخاذلت الأصوات عن ذلك الندا
ومن خاصم الرحمن خابت جهوده *** وضاعت مساعيه وأتعابه سدى

قد يضعف المسلمون فترة من الزمن، وقد يضطهدون، لكن النهاية لهم بإذن الله -عز وجل-.
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين، اللهم واحفظ دماء المسلمين وأعراضهم في كل مكان، اللهم وارحم ضعفهم، واجبر كسرهم، ووحد صفهم، وبلغهم فيما يرضيك آمالهم، واجمع كلمتهم على الحق والهدى، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا أرحم الراحمين. اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء اللهم فأشغله بنفسه ورد كيده في نحره واجعل اللهم تدبيره تدميراً عليه. اللهم أحقن دماء المسلمين واحمي اللهم نساءهم وأطفالهم وشيوخهم وبلادهم وأموالهم. اللهم عليك باليهود والنصارى فإنهم لا يعجزونك، اللهم أحصهم عددا، وأهلكهم بددا، ولا تغادر يا ربي منهم أحدا
اللهم أقم علم الجهاد، واقمع أهل الشرك والكفر والزيغ والعناد، وانشر رحمتك على العباد، يا من له الدنيا والآخرة وإليه المآب. اللهم يا ولي الصاحين، ويا ناصر عبادك المستضعفين، نسألك اللهم أن تعين وتنصر إخواننا في فلسطين وفي الشيشان وفي أفغانستان. اللهم آمن روعاتهم، واستر عوراتهم وأحفظهم اللهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم...


Source URL:
http://www.alahmad.com/node/366