خدمة rss
معركة اليرموك



  
   

معركة اليرموك

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد

 

إن الحمد لله..

أما بعد:

نقف هذه الليلة مع معركة من أقوى معارك الإسلام التي شهدت من البطولات ما يجعلها أقرب إلى الخيال وهي الحقيقة واليقين، كيف لا يسطر التاريخ هذه البطولات وأصحابها خرجوا للشهادة وللشهادة فحسب، كيف لا يحققون نصراً تلو النصر على مر الزمن وكل فرد منهم على تواضعه عظيم في ذاته، فكان الفرد يفعل الفعلة التي تكسبه مجداً وشهرةً أبد الدهر، ثم يخفي اسمه ولا يعلنه قانعاً بثواب الله سبحانه وكفى. كيف لا تكون هذه المعارك ملاحم انتصارات وبطولات ومن خاضها باع دنياه بآخرته؟ والمؤمن المجاهد يقول: الله أكبر فما يكاد يسمعها حتى تطير به روحه، شوقاً إلى لقاء الدار الآخرة. لقد كَبّر المجاهدون قائلين: الله أكبر... ولو كان الصوت الصادر نوراً، لملأ بين الفجر والضحى، وأي زمام أقوى روحانية، وأشد وأوثق من زمام هذه العبارة؟ "الله أكبر" كانت دقات في ساعة الإسلام لموعد جميل بهيج، تحنو الروح إليه وتهفو، إنه موعد مع إحدى الحسنيين: إما النصر وإما الشهادة. فكانت روح المجاهد المؤمن- والروح أسمى من المادة الفانية - تجيب لبيك ربي. قالها النبي -صلى الله عليه وسلم- في بدر فانكسر لها كبرياء قريش، وقالها خالد بن الوليد في اليرموك فسحق بها جحافل الروم وقالها المسلمون في الصواري فتحول بها بحر الروم ليكون بحر الشام، وقالها صلاح الدين في حطين فتحطمت أمامها جحافل الصليبيين في القدس، وقالها قطز في عين جالوت فأنقذ الله بها بقية العالم من وحشية المغول، ثم قالها أطفال الحجارة في فلسطين فارتعدت لها فرائص اليهود وصهاينة العالم، "الله أكبر" فتحنا بها الدنيا وذلت لنا بها أعناق الطغاة ولانت لنا بها الأرض طوعاً أو كرها. كيف لا تكون هذه المعارك خالدةً في التاريخ وأصحابها تركوا الشهوات ومتع الدنيا وخرجوا من جزيرتهم باعوا أنفسهم لله، ولو ملك أحدهم الدنيا بمالها وخيراتها يبقى همه الشهادة. ملكُه وغنائمه كلُها زائلة في نظره فأصبحت نفسه "كالمِنخَل" يوضع فيه الدقيق الناعم ليخرج منه فيمسكه كله ولا يملك منه شيئاً. كانت دولة الروم الدولة الثانية في عظمتها في العالم كله توازي دولة الفرس بل أعظم في سعة الملك وقوة السلطان وازدهار الحضارة. ومناوشات المسلمين مع الروم بدأت منذ أيام الرسول -صلى الله عليه وسلم-، بدأت بعد أن أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- رسائله إلى ملوك وحكام البلاد خارج الجزيرة العربية يدعوهم فيها إلى الدين الحنيف. فكان رد بعضهم طيباً كالمقوقس والنجاشي، وكان رد بعضهم الآخر قاسياً، فقد طرد كسرى الوفد الذي كان برئاسة الصحابي الجليل عبد الله بن حذافة السهمي. أما أمير  الغساسنة الحرث بن أبي شمر الغساني فقد قبض على رسول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقتله، وهو "الحارث بن عمير الأزدي" وليس هكذا تُعامل الوفود، لا قديماً ولا حديثاً، فأرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- جيشاً للاقتصاص من الأمير الغساني، كان لا بد من الجزاء لهذا الأمير الذي تناسى وعن عمد أن الوفود لا تقتل مهما عملت ومهما تكلمت، فهذا عرف دولي تجاهله وتغافل عنه وهو يقول: "من ينـزع مني ملكي أنا سائر إليه". أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- جيشاً متواضعاً من حيث العَدد بقيادة بطل يافع ملأ الإيمان قلبه -زيد بن حارثة- وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- "إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر، فعبد الله بن رواحة على الناس" سار الجيش بقيادة زيد وعدده ثلاثة آلاف فقط، وودع زيد رسول الله والدموع في عينيه، لا خشية الموت؛ لأنه خارج لملاقاته؟ بل دمعت عيناه؛ لأنه استشف في روحه وقلبه أنه لن يرى رسول الله في هذه الدنيا بعد يومه هذا. سمع الروم بقدوم هذا الجيش الذي خرج إليهم، فأعدوا له عدة كأنهم يعدونها لدولة الفرس فكان مجموع ما جمعوا من الروم والعرب مائتي ألف  على أقل تقدير، وكيف تتمكن فئة عددها ثلاثة آلاف فقط أن تجابه هذه القوة؟ تطاول الروم وظنوا أن النصر قد تحقق لهم وطمعوا أن يسحقوا الدعوة في مهدها في المدينة، فترامت الأنباء إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن الروم يحشدون قواتهم على حدود فلسطين للزحف على المدينة، فجهز -صلى الله عليه وسلم-  جيشاً في رجب من السنة التاسعة، ويسمى هذا الجيش جيش العسرة؛ لأن التأهب للخروج كان في زمن عسرة من الناس، وشدة من الحر، وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار، والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ويكرهون الشخوص على هذا الحال من الزمان الذي هم فيه، ولكن أمر الرسول أحب إليهم من ثمارهم وظلالهم، فأنفق الكرام ما يتجهز به ضعفاء الحال. خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى وصل بجيشه وقدره ثلاثون ألف إلى تبوك، أقام المسلمون بتبوك بضع عشرة ليلة لم يجدوا أثناءها أي جيش رومي، حيث انسحب شمالاً خوفاً ورعباً من الثأر، فرجع الجيش إلى المدينة. وهذه الغزوة آخر مرة خرج بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- محارباً غازياً.

كما جهز -صلى الله عليه وسلم- جيشاً بقيادة أسامة بن زيد ليُسيّره إلى الشام، لكن النبي الكريم لحق بالرفيق الأعلى قبل تسييره لجيش أسامة. ولما تولى أبو بكر الخلافة، كان أول عمل قام به، أنه أرسل منادياً ينادي ليتمّ بعث أسامة: "ألا لا يبقيّن بالمدينة أحد من جند أسامه إلاّ خرج إلى عسكره بالجرف". خرج الصديق وشيّع الجيش ماشياً وأسامة راكب، وعبد الرحمن بن عوف يقود دابة أبي بكر، فقال له أسامة: يا خليفة رسول الله: والله لتركبن أو لأنزلن! فقال الصديق: والله لا تنـزل ووالله لا أركب! وما عليّ أن أغبر قدمي في سبيل الله ساعة؟ ثم وقف الصديق يحدد بكلمات واضحة خالدة إنسانية حروب أمتنا، فكأنه وضع دستوراً لحروب هذه الأمة، أصبح نهجاً نفخر به، إذ أن هذا الفكر لم تصل إليه الدول حتى في أيامنا الحاضرة، قال الصديق: "يا أيها الناس قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني: لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً، ولا شيخاً كبيراً، ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكله، وسوف تمرون بأقوام قد فرّغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم، وما فرّغوا أنفسهم له، وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام، فإذا أكلتم منها شيئاً بعد شيء فاذكروا اسم الله عليها، وتلقون أقواماً قد فحصوا أوساط رؤوسهم وتركوا حولها مثل العصائب، فاخفقوهم بالسيف خفقاً. اندفعوا باسم الله".

إن هذه الوصية لم يعهد العالم مثلها، لقد شهد العالم فاتحين كثراً ولكنه لم يشهد مثل إنسانية الفتوحات الإسلامية. فمن كلمات أبى بكر -رضي الله عنه- في وصيته دستور فتوحات المسلمين وهي غاية الحرص على الأرواح وأرقى غايات الإنسانية في الحفاظ على الثروة الطبيعية، فهي تنطق بصريح العبارة: لا تقاتلوا إلا جند الأعداء ولا شأن لكم بالأطفال والشيوخ والنساء. كيف لا تكون هذه الكلمات دستور فتوحات هذه الأمة وقد توجب بـ "لا تخونوا ولا تغلوا"؟ وإذا كان جند الفتح لا يخونون ولا يغلّون أعداءهم فكيف هم فيما بينهم؟ إنهم صفوة البشر، وكفاهم فخراً أن خاضوا فتحاً وحرباً فيها إنسانية واحترام للشعوب، وحفظ لزرعهم وثروتهم الحيوانية "ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكله" فهنيئاً للأمم بعدالة الإسلام ورحمته التي شملت كل شيء حتى الحيوان والنبات. من أي مدرسة أو أكاديمية حرب تخرج الصديق -رضي الله عنه-؟. إنها مدرسة النبوة. قارن بين هذا وبين ما تعانيه البشرية اليوم من هلكٍ للحرث والنسل بل وضرب للمدنيين وعن عمد بحجة القضاء على الإرهاب. وبعد الانتهاء من حروب الردة، وتسيير خالد من اليمامة إلى العراق في سنة ثلاث عشرة من الهجرة، جهز الصديق -رضي الله عنه- الجيوش إلى الشام فبعث عمرو بن العاص إلى فلسطين، وسيّر يزيد بن أبى سفيان وأبا عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة، آمراً إياهم أن يسلكوا تبوك على البلقاء إلى الشام. وكان عدد كل لواء من هذه الألوية الأربعة ثلاثة آلاف، ثم توالت النجدات فيما بعد.

وصل الأمراء إلى الشام، فنـزل أبو عبيدة "الجابية" على طريق الشام، ونزل يزيد البلقاء، ونزل شرحبيل الأردن، أما عمرو فقد وصل إلى وادي " عَرَبَة ". عيّن الصديق لكل منهم الولاية التي يتولاها بعد الفتح فجعل لعمرو فلسطين، وليزيد دمشق، ولأبي عبيدة حمص، ولشرحبيل الأردن. سار الأمراء الليوث إلى أهدافهم، فبلغ الروم ذلك، فكتبوا إلى هرقل، فجاء من حمص، وأعد هرقل إمبراطور الروم وعظيمهم  الجند وجمع العساكر وهو يعلم يقيناً من هم المسلمون؟ الذين خَبَرَ شدة بأسهم وقوة إيمانهم بعد أن أجرى أشد الامتحانات قسوة وضراوة على عبد الله بن حذافة السهمي ليرده عن دينه فاستعصى عليه. وعلم صحة هذا الدين وسلامة معتقده وأنه دين ظاهر وغالب لا محالة بعد حواره مع سيد قريش أبو سفيان بن حرب قبل أن يسلم حينما ختم الحوار بقوله لأبي سفيان إن صدقتني فإن محمداً وأصحابه سيملكون ما تحت قدمي هاتين ولو تجشمت لقائه لغسلت قدميه وشربت مرقتها. لذلك عند ما قرر هرقل عظيم الروم خوض اليرموك مع المسلمين حشد كل قوى إمبراطوريته ليدخل معركة حياة أو موت. وأراد أن يشغل قواد المسلمين بعضهم عن بعض لكثرة جنده وفضول رجاله، أراد أن يحاربهم متفرقين لكن عمرو بن العاص تنبه للأمر. فسأل الجميع بكتب مستعجلة عمرو بن العاص: ما الرأي؟ فكاتبهم وراسلهم أن الرأي الاجتماع وذلك أن مثلنا إذا اجتمع لم يغلب من قلة. كما كتب الأمراء إلى أبي بكر بمثل ما كاتبوا عمرواً فطلع عليهم كتابه بمثل رأي عمرو، أن اجتمعوا فتكونوا عسكراً واحداً، بلغ ذلك هرقل فكتب إلى بطارقته أن اجتمعوا وانزلوا بالروم منـزلاً واسع العطن واسع المطرد ضيق المهرب، وعين عليهم قائده "التذارق" فنـزلوا الواقوصة وهي على ضفة اليرموك وصار الوادي خندقاً لهم. انتقل المسلمون من عسكرهم الذي اجتمعوا به، فنـزلوا عليهم بحذائهم على طريقهم وليس للروم طريق إلا عليهم فقال عمرو: أيها الناس، أبشروا، حصرت والله الروم، وقلما جاء محصور بخير!. إذ أن الروم تتحرك في منبطح فسيح من الأرض، تحيط به من ثلاث جهات الجبال المرتفعة، فهم محصورون. وبقي المسلمون أمامهم صفر من سنة ثلاث عشرة وشهري ربيع لا يقدرون من الروم على شيء، فكتبوا إلى الصديق وأعلموه بذلك في صفر، فكتب إلى خالد ليلحق بهم وأمره أن يخلّف على العراق المثنى. علم الصديق خطر المعركة، وحرج الموقف، وقلة عدد جيشه وكثرة عدد جيش عدوه، فاختار لهذه المعركة الحاسمة: بطل حروب الردة، وقاهر الفرس، وسيف الله المسلول، وقال أبو بكر لأصحابه: "خالد لها"، ثم قال -رضي الله عنه- كلمات سطرها التاريخ بالذهب: "والله لأنسِينّ الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد"، وكتب الصديق لخالد: "سر حتى تأتي جموع المسلمين باليرموك فإنهم قد شجوا وأشجوا".

فمن هو خالد بن الوليد هذا الذي قال فيه ما قاله أبو بكر -رضي الله عنه-؟

أسلم خالد بعد الفتح وقبل الحديبية فكان إسلامه نصراً للإسلام والمسلمين. بدأ خالد -رضي الله عنه- حياته الإسلامية جندياً تحت إمرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو أطوع ما يكون الجندي في جيش، والحرب محك الرجال ومظهر الأبطال ومصنع العباقرة، ومن عجيب صنع الله تعالى في حياة هذا القائد الموفق أن تكون أولى مواقفه الإسلامية هي أول موقعة يقف فيها الإسلام أمام أعظم دولة في التاريخ وهي دولة الرومان وجهاً لوجه. وقد قُتل في مؤتة وهي أول وقعة إسلامية حضرها خالد ثلاثة أمراء كان النبي -صلى الله عليه وسلم- عينهم ورتب إماراتهم على الجيش فالتفت المسلمون إلى أنفسهم وهم في أشد الحرج ليقيموا عليهم أميراً يقودهم في هذه الحرب الضروس فلم يجدوا في بديهتهم من يسعفهم في محنتهم أشجع من خالد ولا أبرع سياسة في الحرب منه فاختاروه لقيادتهم، فماذا عسى أن يصنع في قيادة جيش نالت منه الحرب أقسى ما تناله من جيش قليل العدد بعيد المدد يواجه جيوشاً ضخمة في أهبة تامة وعدة كاملة إن قائداً في مثل موقف خالد أحوج إلى الفكر النافذ منه إلى السلاح الصارم، وقد حبا الله تعالى خالداً من ثاقب الفكر ومحكم التدبير وبارع السياسة بما أغنى عن الإمداد والسلاح.فقرر أن يطلق لهذا الجيش عنان الفرار والهرب وحسبه من الغنيمة أن يكون قد نجّى كتيبة المسلمين من فناء محقق، فأثنى عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: ففتح الله عليه وعلى أصحابه بأنهم الكرارون. فلم يكن فراره عن جبن ولكنها حكمة القائد المظفر الذي لا يعجزه جيش ولا خطوب، فقد كان يطلب النصر في مظانّه حتى لو كانت في عنان السماء، فها هو يقول لأهل تدمر عندما استعصوا عليه: "والله لو كنتم في السحاب لأنزلناكم وظهرنا عليكم ما جئناكم إلا ونحن نعلم أنكم ستفتحون لنا. فقال عقلاء تدمر لقومهم: إنا لا نرى هؤلاء القوم إلا الذين كنا نتحدث أنهم يظهرون علينا فافتحوا لهم، فبعثوا إلى خالد فصالحوه".

استجاب خالد لأمر الصديق -رضي الله عنه-، فانحدر خالد بجيشه عن طريق دومة الجندل وهذا الطريق سلكه خالد سابقاً فعرفه أيام غزوة تبوك وهو الطريق البعيد عن المخاطر. فعندما وصل وادي السرحان توقف وقال: كيف لي بطريق أخرج فيه من وراء جمع الروم، فإني إن استقبلتها حبستني عن غياث المسلمين. فأجابه رجاله: إننا لا نعرف إلا طريقاً لا يحمل الجيوش، وإنما يأخذ الفذ الراكب، فإياك أن تغرر بالمسلمين الداخل فيه هالك والخارج منه مولود، أي: ليس في هذا الطريق مياه كافية، تفي بحاجة جيش عدده تسعة آلاف. هذا تحذير له خطورته، ولكن عزيمة خالد تذلل مشقة وخطورة هذا الطريق، إن إرادة خالد تقوى وتزيد وتشتد بزيادة الصعاب حتى تذللها، فأجاب خالد رجاله: "لا يختلفنّ هديكم، ولا يضعفنّ يقينكم، واعلموا أن المعونة تأتي على قدر النية، والأجر على قدر الحسبة، وأن المسلم لا ينبغي له أن يكترث لشيء يقع فيه مع معونة الله له". فأثارت كلمات خالد هذه، حمية جنده، فقالوا في تسليم المستيقن أن المعونة من الله: "أنت رجل قد جمع الله لك الخير فشأنك". فطلب خالد من رافع بن عميرة الطائي أن يقود الناس، فقال رافع: "إنك - يخاطب خالداً - تطيق ذلك بالخيل والأنفال والله إن الراكب المفرد يخشى فيها على نفسه، إنها لخمس ليال لا يصاب فيها ماء"، وعلى الرغم من ذلك، وعلى الرغم من كلام رافع، عاد خالد يؤكد ما استقر عليه رأيه: "لا بد والله من ذلك فمر بأمرك". وسقط في يد رافع ولم يجد مفراً من التنفيذ، فقال: "استكثروا إذن من الماء من استطاع منكم أن يُصّر أذن ناقته على الماء فليفعل، فإنها المهالك إلاّ ما دفع الله". وجاءوا بإبل سمان وظمؤوها ثم أوردوها الماء، فلما امتلأت، صروا آذانها وشدوا مشافرها؛ لئلا تجتر، وانطلق الجيش بقيادة سيف الله، وإرشاد رافع بن عميرة. وكانت رحلة يكفي وصفها بكلمة "قاسية"، فكان الجند كل يوم ينـزلون عن خيلهم، فيأكلون ويشربون ثم يشقون بطون الإبل، ويخرجون منها الماء فيسقون الخيل. وفي اليوم الخامس نادى خالد على رافع: "ويحك يا رافع ما عندك؟ " فقال رافع: "خيراً أدركتم الري إن شاء الله وأنتم على الماء" ثم قال رافع: "أيها الناس انظروا علمين كالنهدين كأنهما ثديان"، فلما أتوهما قال: "انظروا هل ترون شجيرة من عوسج كقعدة الرجل؟ " قالوا: "ما نراها"، قال: "إنا لله وإنا إليه راجعون، هلكتم إذن والله، وهلكتُ، لا أبا لكم، اضربوا يمنة ويسرة" فنظروا فوجدوا الشجرة وقد قطعت وبقيت منها بقية، فقال رافع: "احفروا في أصلها" فحفروا ونبع الماء، فقال رافع عندما نبع الماء: "والله ما وردت هذا الماء قط إلا مرّة واحدة مع أبي وأنا غلام". شرب الجند، وكيف لا يهتدون إلى الماء والعناية الإلهية ترعاهم وتكلؤهم؟ فهم جند الله الأخيار. إن هذه المفازة التي قطعها خالد بنفسه وجيشه من العراق إلى الشام هي المعروفة الآن ببادية الشام، وهي اليوم طريق السيارات بين دمشق وبغداد، وهي زهاء ثمانمائة وستين ميلاً، قطعها خالد بجيشه في خمسة أيام. إن الإرادة الصادقة لا تعرف الحدود، ولا تعترف بقيمة الحواجز المادية التي تصادفها في طريقها إلى غاياتها النبيلة، وبطل الإسلام خالد واحد من أفذاذ الأبطال الذين استنارت صفحات التاريخ بأسمائهم، وسفره من العراق إلى الشام بحجافله وأثقالها من أعجب ما رواه التاريخ في سير الأبطال.

تقدم خالد بجيشه فدخل "سوى" ثم إلى تدمر وانحدر إلى "أذرعات" وأغار على غسان في مرج راهط واتصل بأبي عبيدة وشرحبيل ويزيد على قناة بُصرى وتقدمهم واقتحموا جميعاً بصرى ثم ساروا جميعاً إلى فلسطين مدداً لعمرو بن العاص، واكتمل عِقد المسلمين جميعاً عند اليرموك.

فرح المسلمون بخالد، وزاد جدهم ويقينهم بالنصر، واشتد غضب الروم بمجيئه، ولما علم هرقل بمجيء خالد -رضي الله عنه- جمع أصحابه وقال: ألم أقل لكم لا تقاتلوهم، فإنه لا قوام بكم على هؤلاء القوم، إن دينهم جديد، لا يقوم لهم أحد حتى يبلى؟ فغضب أصحابه وقالوا له: قاتل ولا تُجبِن الناس، واقض الذي عليك، ولكن هرقل علم أنه لا قِبل له بهؤلاء الأبطال فقال: "أرى من الرأي ألاّ تقاتلوا هؤلاء القوم، وأن تصالحوهم، فوالله لإن تعطوهم نصف ما أخرجته الشام، وتأخذوا نصفه، وتَقِرّ لكم جبال الروم، خير لكم من أن يغلبوكم على الشام، ويشاركوكم في جبال الروم". ومما زاد في حيرة هرقل وارتباكه وحيرة جنده وارتباكهم: أنه أشاع بعض الروم في بلاد الشام وهم متيقنون كأنهم يصفون شيئاً مشاهداً أن خالداً في يده سيف نزل من السماء، أعطاه له رسول الله فلا يقاتل به قوما إلاّ انتصر عليهم. أليست هذه الكلمات كافية ليجد الرعب مسكناً مناسباً له في قلوب الروم؟.

الجو مهيأ لبدء المعركة، فالطرفان اتخذا استعدادهما، الروم في مائتين وأربعين ألفاً، منهم ثمانون ألفاً مقيدين بالسلاسل كي لا يفروا أثناء المعركة، والمسلمون: سبعة وعشرون ألفاً ممن كان مقيماً، إلى أن قدم عليهم خالد في تسعة آلاف فبلغوا: ستة وثلاثين ألفاً. ومما يذكر: أن الصديق في هذه الأثناء، مرض وتوفي للنصف من جمادى الآخرة، قبل الفتح بعشر ليال. قدم خالد من العراق بسرعة خاطفة، يمكن اعتبارها بحق في غاية الإعجاز والحنكة، فوجد المسلمين يقاتل كل منهم متسانداً مع الآخر، لكل أمير جنده، لا يجمعهم أحد، بل عسكر أبي عبيدة يجاوره عسكر عمرو بن العاص، وعسكر شرحبيل مجاور لعسكر يزيد بن أبي سفيان. ولما جاء خالد عسكر على حده، وصلى بأهل العراق، وجرت اشتباكات ليست فاصلة مع أن بعضها جعل الروم يتراجعون إلى "الواقوصة"، فلزموا خندقهم شهراً، يحضهم الرهبان حتى خرجوا للقتال في جمادى الآخرة.

أحس خالد بخروجهم متساندين لقتالهم، فسار خالد بين المسلمين وقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: "إن أبا بكر لم يبعثنا إلا وهو يرى أنا سنتياسر، ولو علم بالذي كان ويكون لجمعكم، إن الذي أنتم فيه أشد على المسلمين مما قد غشيهم، وأنفع للمشركين من أمدادهم، ولقد علمتُ أن الدنيا فرقت بينكم، فالله الله، فقد أفرد كل رجل منكم ببلد من البلدان لا ينتقصه منه إن دان لأحد من أمراء الجنود، ولا يزيده عليه أن دانوا له، إن تأمير بعضكم لا ينتقصكم عند الله ولا عند خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. هلمّوا فإن هؤلاء تهيؤوا، وهذا يوم له ما بعده، إن رددناهم إلى خندقهم اليوم لم نزل نردهم، وإن هزمونا لم نفلح بعدها. فهلمّوا فلنتعاور الإمارة – أي نتبادل - فليكن عليها بعضنا اليوم، والآخر غداً، والآخر بعد غد، حتى يتأَمّر كلكم، ودعوني إليكم اليوم". فأمّروه، وهم يظنون أن الأمر سيطول وسيتولون الإمارة  بالتداول. وقد علم خالد بفراسته أن المعركة مع الروم هي معركة يوم واحد، ضربة واحدة، إمّا لهم وإمّا عليهم، ولذا وضع نفسه لليوم الأول ليحسم الموقف وقد وضع خطة عجيبة للقضاء على الروم بضربة واحدة لم يجربها قبل هذه المرة، وإذا قيل أن معركة اليرموك هي خالد بن الوليد فليس ذلك ببعيد.

ومما حطم معنويات الروم قبيل المعركة، أن قائدهم أرسل رجلاً من قضاعة يقال له: ابن هزارف، فقال له: ادخل في هؤلاء القوم - يعني جيش المسلمين - فأقم فيهم يوماً وليلة، ثم ائتني بخبرهم. فدخل ابن هزارف في جيش المسلمين، فأقام يوماً وليلة، ثم رجع إلى قائد الروم، فقال له القائد: ما وراءك؟ قال: بالليل رهبان وبالنهار فرسان، ولو سرق ابن ملكهم قطعوا يده، ولو زنى رجم، لإقامة الحق فيهم، فقال القائد: لئن كنت صدقتني، لبطن الأرض خير من لقاء هؤلاء على ظهرها، ولوددت أن حظي من الله أن يخلي بيني وبينهم، فلا ينصرني عليهم ولا ينصرهم عليّ.

عبأ خالد الجيش تعبئةً لم يعبئها العرب قبلا، أخرجت ذهنيته الحربية نظاماً رائعاً جديداً، لا ندري من أين أخذه؟ ولا ندري في أي كلية حربية درسه؟ إلاّ أن يكون اختراعه، فأحكم الخطة وسدد خطاها، ورتب الأمور لها ترتيب البصير في الحرب وفنونها. رتب خالد الجيش ولأول مرة في تاريخ حروب المسلمين استخدم خالد طريقة الكراديس، وهو تقسيم الجيش إلى كتائب كبيرة وصغيرة يجعله مرن الحركة، مرتبطاً جنديه بأميره، وأميره بالقائد العام. وقال: "إن عدوكم قد كثر وطغى وليس من التعبية تعبية أكثر من رأي العين من الكراديس". فاستخدم نظام الأجنحة قلب وميمنة وميسرة الذي عرفه العجم قديماً ثم طوره خالد بنظام الكراديس فوزع كل جناح إلى عدة كراديس، فجعل أبو عبيدة قائداً على القلب وتحته ثمانية عشر كردوساً، وعلى كل كردوس أمير. وجعل على الميمنة عمرو بن العاص وتحته أحد عشر كردوساً، على كل كردوس منها أمير. وجعل على الميسرة يزيد بن أبي سفيان وتحته تسعة كراديس، على كل كردوس أمير. أما القاضي فكان أبو الدرداء، وكان القاص أبو سفيان بن حرب يحمّس الناس على الروم، وكان على الطلائع قباث بن أشيم، وكان على الأقباض عبد الله بن مسعود، وكان القارئ المقداد بن عمرو، وكانت السنة التي سنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد بدر أن تقرأ سورة الجهاد عند لقاء العدو وهي سورة الأنفال، ولم يزل الناس بعد ذلك على ذلك. وقد قرئت هذه السورة في اليرموك من قِبل المقداد بن عمرو، وما أدراك من المقداد؟ إنه بألف رجل في إيمانه وقوته،  فشعَّت هذه المعاني نوراً في قلوب المجاهدين.

شهد اليرموك ألفاً من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيهم نحو مائة من أهل بدر، وكان أبو سفيان يسير فيقف على الكراديس فيقول: "الله الله إنكم ذادة العرب وأنصار الإسلام، وإنهم ذادة الروم وأنصار الشرك! اللهم إن هذا يوم من أيامك، اللهم أنزل نصرك على عبادك".

وبينما كان خالد يرتب الجند ويفتش بينهم قال له رجل: "ما أكثر الروم وأقل المسلمين؟ ". فقال خالد: "بل ما أقل الروم وأكثر المسلمين، إنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال". ثم نطق بكلمات خالدة خلود الزمن، كلمات ما قالها إنسان قبله وما قالها إنسان بعده، قالها وهو صادق فيها يقول، ويعي ما يتحدث، إنها عزيمة الصدق وصدق العزيمة، إنها قوة الإيمان وإيمان القوة. قالها خالد ويكفينا أن نقول إنه خالد، قالها فندع للخيال فسحة ليفكر بهذه الشخصية التي عجزت النساء أن تلد مثلها، ماذا قال؟ أَقْسَمَ بالله وقال: "والله لوددت أن الأشقر براء من توجّيه، وأنهم أضعفوا العدد".

ماذا تعنى هذه الكلمات؟ الأشقر نوع من الخيل فيها حمرة صافية، يحمّر معها العرف والذنب، أما وجي الفرس فهو أن يشتكي الفرس باطن حافره، وفرس خالد الأشقر أصيب في حافره عند مجيئه من العراق. وهذه الكلمات تعني بوضوح بعد إجراء معادلة بسيطة ما يلي: جيش الروم مائتين وأربعين ألفاً، فلو أضعفوا العدد لأصبحوا أربعمائة وثمانين  ألفاً، والأشقر سليم معافى، إذن في تربية هذه الأمة أصبح خالد لا يعادل ربع مليون من الروم، لا بل فرسه الأشقر يعادل مائتين وأربعين ألف  رجل من الروم، فإذا كان فرس خالد بهذه القيمة، فما قيمة خالد؟ هل نقول الملايين؟ الله أكبر يا أمة الإسلام كيف نهضت؟ كيف تقدمت؟ كيف فتحت الدنيا؟ ألا يحق لنا إذا سمعنا بخالد وأمثاله من أبطالنا، أن نطأطىء رؤوسنا إجلالاً، وترف القلوب فرحاً، وتحنو الروح عشقاً ومحبة، لقد ألهبت كلمات خالد حماس المجاهدين فتشوقوا إلى الشهادة فانطلقوا بعد سماعها كالسهام إلى صدور الأعداء.

بهذه الهمة وهذه الثقة، أمر القائد العام الكراديس كلُها أن تنشب القتال فأمر القعقاع وعكرمة وكانا على جناحي القلب فأنشبا القتال، والتحم الناس وتطارد الفرسان، وبينما هم على ذلك إذ قدم البريد من المدينة، فأخذته الخيول وسألوه الخبر، فلم يخبرهم إلا بخير، وأخبرهم عن إمداد، ولكن البريد جاء بوفاة أبي بكر -رضي الله عنه- في يوم الاثنين الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثلاثة عشر للهجرة وتأمير أبي عبيدة، فأَبلَغ الأمر خالداً، وأخبره بوفاة أبي بكر، وأخبره بأن الجند لم تُخبر بعد فقال لحامل البريد: "أحسنت فقف" وأخذ الكتاب وجعله في كنانته حيث بضع شعرات مباركات من شعرات رسول الله يتبارك خالد بها قبل بداية كل حرب وخاف إن هو أظهر ذلك أن ينتشر الأمر في الجند، فوقف محمية بن زنيم مع خالد، وهو الذي جاء حاملاً البريد، وهكذا جاء عزل خالد وتأمير أبي عبيدة وبقي الأمر سراً كي لا تضعف معنويات الجند، وليتم خالد خطته التي رتبها، وما هي إلا ساعات يحقق الله فيها النصر فبعدها سيقاتل خالد جندياً كما قاتل قائداً ما دام أنه يقاتل لله وحده وفي سبيله.

وزحفت صفوف الروم من مكانها إلى المسلمين يدفّون دفيفاً، وقد رفعوا الصلبان وأقبل معهم الأساقفة والقسيسون والرهبان والبطارقة مما يعني أن الروم قد عبؤوا للمعركة تعبئة دينية. تقدم الروم ولهم دويّ كدويّ الرعد وقد تبايع عظماؤهم على الموت ودخل منهم ثلاثون ألفاً كل عشرة في سلسلة حتى لا يفروا.

نظر المسلمون إلى رايات الروم تقترب منهم وتدنو، فقال أبو عبيدة -أمين هذه الأمة-: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" ثم قال: "أين أبو سليمان خالد بن الوليد"؟ فأجابه خالد بالتلبية، فقال أبو عبيدة: "أنت لها يا أبا سليمان" فابرز في أبطال المسلمين، وصد عن الحريم، وخذ صفوة الرجال واستعد للحرب بآلاتها، فقال: "حباً وكرامة" ونادى خالد: أين الزبير بن العوام؟ أين عبد الرحمن بن أبي بكر؟ أين الفضل بن العباس؟ أين يزيد بن أبي سفيان؟ أين ميسرة بن مسروق العبسي؟ أين مسرّة بن قيس بن عبد الله الجهني؟ أين صخر بن حرب الأموي؟ أين عمارة الدوسي؟ أين عبد الله بن سلام؟ أين غانم الغنوي؟ أين المقداد بن الأسود؟ أين أبو ذر الغفاري؟ أين عمرو بن معد يكرب الزبيدي؟ أين عمار بن ياسر العبسي؟ أين ضرار بن الأزور؟ أين عامر بن الطفيل؟ أين أبان بن عثمان بن عفان؟ وجعل خالد يدعوهم رجلاً بعد رجل من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهؤلاء كل واحد منهم يلقى فئة كثيرة، فكيف إذا اجتمعوا؟ جمعهم خالد ليضربوا عدوهم الضربة القاضية. ثم طاف معاذ بن جبل في الناس محرضاً يقول: "يا أهل الدين، ويا أنصار الهدى والحق، اعلموا -رحمكم الله تعالى- أن رحمة الله لا تنال إلا بالعمل والنية، ولا تدرك بالمعصية والتمني  بغير عمل مُرضٍ، ولا تدخلوا الجنة إلا بالأعمال الصالحة مع رحمة الله، ولا يؤتى الرحمة والمغفرة الواسعة إلا الصابرون والصادقون، ألم تسمعوا قوله جل من قائل: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [(55) سورة النور] فاستحيوا من الله أن يراكم في فرار من عدوكم وأنتم في قبضته ليس لكم ملجأ من دونه". كذلك خرج أبو سفيان وسهيل بن عمرو وحمسوا الناس بمثل هذه الكلمات.

قال ورقة بن مهلهل التنوخي: "وكان صاحب راية أبي عبيدة في اليرموك كان من أوائل من افتتحوا الحرب غلام من الأزد حدثاً كيساً قال لأبي عبيدة: "أيها الأمير إني أردت أن أشفي قلبي وأجاهد عدوي وعدو الإسلام، وأبذل نفسي في سبيل الله تعالى لعلي أرزق الشهادة، فهل تأذن لي في ذلك وإن كان لك حاجة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبرني بها" فبكى أبو عبيدة وقال: "أقرئ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مني السلام وأخبره أنّا وجدنا ما وعدنا ربنا حقا" ثم اندفع الغلام! هل لك أن تتصور قوة اندفاع هذا الغلام الأزدي إلى الجهاد؟ وهل لك أن تتصور أمة هكذا أبناؤها، هل تُغلب؟!

خرج لهذا الغلام المتقدم بين الصفين علج من الروم، جاء إليه على فرس أشهب، فلما رآه الغلام قصد نحوه وهو يقول:

لا بد من طعن وضرب صائب *** بكل لدن وحسام قاضبد

عسى أن أفوز بالمواهب *** في جنة الفردوس والمراتب

فحمل كل منهما على صاحبه، وابتدأ الغلام الأزدي الرومي بطعنة فجندله صريعاً وأخذ جواده وعدته وسلم ذلك لرجل من قومه، وعاد إلى المبارزة فخرج إليه آخر فقتله وثالث فقتله ورابع فقتله، فخرج إليه خامس فقتل الغلام الأزدي، فغضبت الأزد، ودنت من صفوف المشركين يشدهم الحماس بعد بطولات غلامهم. هنيئاً له الشهادة فقد لقي من أحب وأراد، لقي رسول الله، ولا ندري كم كان من هذه البطولات لغلمان هذه الأمة قد سطرها التاريخ، وعلى مثل هذا يربى النشء وإلاّ فلا..

قصة أخرى: والقصص الفردية في اليرموك كثيرة ولا يسع المجال لسردها لكن ننتقي بعضها:

خرج بين الصفين علج من الروم وعليه درع سابغ فسأل القتال، فخرج إليه غلام، فقُتل الغلام على يد العلج، ثم رأى معاذ بن جبل فأعجبه منظره فطلبه للنـزال، فقال أبو عبيدة: يا معاذ سألتك إلاّ ثبتَّ مكانك، ولزمت رايتك، فلزومك الراية أحب إلي من قتالك هذا العلج، فوقف معاذ بالراية ونادى: "يا معشر المسلمين من أراد فرساً يقاتل عليه في سبيل الله فهذا فرسي وسلاحي" فجاء ولده عبد الرحمن فقال: "أنا يا أبت" وكان غلاماً لم يحتلم، فلبس السلاح وركب الجواد، وقال: "يا أبت أنا خارج إلى هذا العلج، فان صبرت فالمنّة لله عليّ، وإن قتلت فالسلام عليك! يا أبت إن كان لك إلى رسول الله حاجة فأوصني بها"، قال الأب لابنه الزاحف إلى الموت: "يا بني أقرئه مني السلام، وقل جزاك الله عن أمتك خيرا" ثم قال: "يا بني اخرج وفقك الله لما يحب ويرضى"، فخرج عبد الرحمن بن معاذ بن جبل إلى العلج كأنه شعلة نار وحمل على العلج وضربه بالسيف، فمال عنه العلج، ومال إلى عبد الرحمن وضربه على رأسه فقطع العمامة وشجه شجةً عميقة أسالت دمه، فلما رأى العلج دم عبد الرحمن ظنّ أنه قتله، فتأخر إلى ورائه لينظر كيف يسقط عن جواده، فلما نظر عبد الرحمن إلى العلج وقد تأخر عنه، انثنى راجعاً إلى المسلمين، فقال له والده معاذ: "ما بك يا بني؟" قال: "قتلني العلج" قال معاذ: "ما الذي تريد من الدنيا يا بني؟" فَشَدّ عبد الرحمن جرحه ورجع لكنه استشهد قبل قتل العلج، فقال أبو عبيدة: "فمن له منكم؟ " فخرج إليه عامر بن الطفيل الدوسي، وكان من أصحاب الرايات وممن قاتل يوم اليمامة قتالاً شديداً، خرج عامر إلى العلج: وما هي إلا لحظات حتى ضرب العلج بسيفه على هامته حتى وصل السيف إلى أمعائه فتنكّس العلج صريعاً. خرج لعامر بن الطفيل بعد أن قتل العلج جبلة بن الأيهم قائلاً: أنا من غسان وأنا سيدها، أنا جبلة بن الأيهم الغساني، قَتَلتَ العلج فعلمتُ أنك كُفؤ، فخرجت إليك لأقتلك، وأحظى عند هرقل بقتلك، فقال عامر: إن قولك أنك ستحظى بقتلي عند مخلوق مثلك، فإني أريد أن أحظى بجهادي عند رب العالمين بقتلك، وحمل عامر على جبلة بن الأيهم والتقيا بضربتين فخرجت ضربة عامر بن الطفيل غير مُمَكّنة، وخرجت ضربة جبلة مُمَكّنة، فقطعت من قرنه إلى كتفه فسقط عامر قتيلاً، فوقف جبلة معجباً بنفسه وبما صنع، وطلب المبارزة ثانية، فخرج إليه جندب بن عامر بن الطفيل وكانت معه راية أبيه فأقبل إلى أبي عبيدة وقال: "أيها الأمير"، إن أبي قد قتل، وأريد أن آخذ بثأره أو اقتل، فادفع رايتك لمن شئت، وخرج الغلام وهو يقول:

سأبذل مهجتي أبداً لأني *** أريد العفو من رب كريم

وأضرب في العدا جهدي بسيفي *** وأقتل كل جبار لئيم

فإن الخلد في الجنات حق *** تباح لكل مقدام سليم

ودنا من جبلة وقال له: "اثبت يا قاتل أبي"، فقال جبلة: "ومن أنت من المقتول؟ ". قال: "ولده" قال جبلة: "وما الذي حملكم على قتل نفوسكم، وقتل النفوس محرم؟" قال جندب: "إن قتل النفس في سبيل الله محمود عند الله، وننال به الدرجة العالية"، قال جبلة: "إني لا أريد قتلك" فقال جندب: "وكيف أرجع وأنا المفجوع بأبي؟ والله لا رجعت إلا أن آخذ بثأر أبي أو ألحق به". ثم حمل على جبلة وجعلا يقتتلان وقد شخصت نحوهما الأبصار، نظر جبلة إلى الغلام وما أبدى من شجاعة فعلم أنه شديد البأس، صعب المراس، فأخذ منه حذره، وغسان ترمق صاحبها فرأت الغلام وقد ظهر على صاحبهم وقارنه في الحرب، فصاح بعضهم على بعض وقالوا: إن هذا الغلام الذي برز إلى سيدكم غلام نجيب، وإن تركتموه ظهر عليه، فأنجدوه ولا تدعوه، فتأهبت غسان للحملة لينقذوه، ونظر المسلمون إلى جندب وما ظهر منه ومن شجاعته وشدته ففرحوا بذلك، ونظر الأمير أبو عبيدة إلى ذلك وما فعل فبكى وقال "اللهم تقبل له فعله". قال جابر بن عبد الله: "شهدت اليرموك فما رأيت غلاماً كان أنجب من جندب بن عامر بن الطفيل حين قاتله جبلة" وكانت النتيجة أن ضرب جندب جبلة ضربة أوهنه بها، فكرّ جبلة على جندب فقتله. فصاحت قبيلة جندب واسمها "دوس": الجنة الجنة، فحملت وحملت معها الأزد فسطروا بطولات ما بعدها بطولات. فنشب القتال بجد، ودق ساعة الخطر، وأقبل الأعداء بقضهم وقضيضهم وخيلائهم وفخرهم، تُحادّ الله وتهزأ من أنصاره، وخاف صحابة رسول الله على سلامة الجيش أمام سيل العدو الجارف، فأسرع بعضهم إلى الزبير بن العوام في مقدمة الفرسان فقالوا: ألا تشد فنشد معك؟، واستجاب الزبير لنداء العزة، فوثب ووثب من حوله على الروم، فأزاحوهم عن الوادي وأرغموهم على تسلق الجبال وسلوك سبلها بحثاً عن النجاة ولا نجاة، وقال المسلمون: لله در الزبير بن العوام وهاشم بن المر فقد أرجعوا الروم بعد زحفهم.

وممن أظهر شجاعة لا نظير لها في اليرموك: ضرار بن الأزور الذي قَتَلَ أميراً رومياً، فخرج فارس رومي يطلب المبارزة فخرج إليه الزبير فقتله، وخرج إليه ثان وثالث فقتلهم، فقال خالد بن الوليد لأبي عبيدة: إن الزبير قد تجرد للروم وبذل نفسه لله ولرسوله وأخاف عليه من التعب، فصاح عليه أبو عبيدة وأقسم عليه فرجع الزبير، وفي هذا اليوم كثرت الجراح من كثرة السهام، وكان أبو عبيدة يمشي في الناس هو وخالد بن الوليد يتفقدان الجرحى ويقولان: "أيها الناس إن عدوكم يألم كما تألمون وترجون من الله مالا يرجون".

جاء مساء اليوم الأول من القتال، ولم يقل أبو عبيدة لأحد من المسلمين من يكون الليلة حرس المسلمين لما عندهم من التعب، بل إنه قد تولى الحرس بنفسه ومعه جماعة صغيرة من المسلمين، فبينما هو يدور إذ رأى فارسين قد لقياه وهما يدوران بدورانه، فكلما قال لا إله إلا الله، قالا: محمد رسول الله، فَقَرَبَ أبو عبيدة منهما فإذا هما الزبير بن العوام وزوجته أسماء بنت أبي بكر الصديق، فسلم عليهما وقال: يا ابن عمة رسول الله ما الذي أخرجكما؟ قال الزبير: نحرس المسلمين، وذلك أن أسماء قالت: إن المسلمين مشتغلون بأنفسهم في هذه الليلة عن الحرس بما لحقهم من التعب في الجهاد طوال يومهم فهل لك أن تساعدني على حرس المسلمين فأجبتها إلى ذلك، فشكرهما أبو عبيدة وعزم عليهما أن يرجعا، فلم يرجعا ولم يزالا حتى طلع الصباح.

إنها المرأة المسلمة: فقد شاركت في هذه المعركة بطهرها وعفافها وأخلاقها الفاضلة، أجل لقد دخلت المرأة المسلمة المعركة، ولكن في جو ملائكي طاهر، وصور كفاح المرأة المسلمة في اليرموك كثيرة، حتى قال عبد الله بن قرط: ساعدتنا النساء اللاتي شهدن مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المشاهد يداوين الجرحى، ويسقين الماء، ويبرزن إلى القتال، ولم أر من نساء قريش اللائي قاتلن بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا في اليمامة مع خالد مثلما قاتلت نساء قريش يوم اليرموك.

ومن النساء اللاتي قاتلن في اليرموك: خولة بنت الأزور، وأم حكيم بنت الحرث، وسلمى بنت لؤي، وأسماء بنت أبي بكر التي قاتلت إلى جانب زوجها الزبير بن العوام.

ومما حدث في اليرموك: أن حملت خولة بنت الأزور على علج رومي كان قد حمل على النساء، فاستقبلته خولة بالسيف، فضربها العلج بسيفه على رأسها فأسال دمها وسقطت على الأرض، فصاحت عفيرة بنت عفان حين نظرتها صريعة ونادت: فُجع والله ضرار في أخته، فأخذت رأسها على ركبتها والدم قد صبغ شعرها وقالت لها: كيف تجدك يا ابنة الأزور؟ فقالت خولة: أنا بخير إن شاء الله تعالى، ولكني هالكة لا محالة فهل لك علم بأخي ضرار؟ فقالت عفيرة: يا ابنة الأزور ما رأيته، فقالت خولة: اللهم اجعلني فداءً لأخي ولا تفجع به الإسلام. قالت عفيرة: فجهدت أن تقوم معي، فلم تقم فحملناها إلى أن أتينا بها موضعها، فلما كان الليل رأيتها وهي تدور تسقي الرجال وكأن ليس بها ألم قط، ونظر إليها أخوها والضربة في رأسها فقال لها: ما بك؟ فقالت ضربني علج قتلته عفيرة.

ومن مواقف النساء: أن صاحت هند: إلى أين تفرون من الله وجنته وهو مطلع عليكم؟ ونظرت إلى زوجها أبو سفيان فضربت وجه حصانه بعمود كان بيدها، وقالت له: إلى أين يا ابن صخر! ارجع إلى القتال وابذل مهجتك حتى تمحص ما سلف من تحريضك على رسول الله، قال الزبير بن العوام: فلما سمعتُ كلام هند لأبي سفيان ذكرت يوم أحد ونحن بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  ثم قال: فعطف أبو سفيان عندما سمع كلام هند، وعطف المسلمون معه، ونظرتُ إلى النساء وقد حملن معهم، وقد رأيتهن يسابقن الرجال، وبأيديهن العُمد بين أرجل الخيل، ولقد رأيت منهن امرأة وقد أقبلت على علج عظيم وهو على فرسه فتعلقت به وما زالت به حتى نكسته عن جواده وقتلته.

وفي هذه الأثناء رأى خالد -رضي الله عنه- تراجع الميمنة، فدعمها بنفسه وبستة آلاف، فكبر وكبروا ونكل بالروم نكالةً عظيمة وردهم إلى مواقعهم.

تضعضع الروم وسارع خالد بالقلب حتى كان بين خيلهم ورجلهم، وكان مقاتل الروم لا يدري ما العمل فمكان قتاله واسع المطرد، ضيق المهرب، فكلما وجدت خيلهم مذهباً ذهبت وتركت راحلتهم في أماكنهم، وخرجت الخيل تشتد بالروم في الصحراء، فلما رأى المسلمون خيل الروم توجهت للهرب أفرجوا لهم، ولم يحرجوها، فذهبت متفرقة في البلاد، وأقبل خالد والمسلمون على الراجلة، ففضوهم وتراجعوا إلى خنادقهم فاقتحم المسلمون عليهم خندقهم، فصاروا يهربون إلى الواقوصة، ولكن المقرّنين بالسلاسل هووا في الخنادق والوادي، ومن صبر منهم من المقترنين للقتال هوى به من خاف وهرب، أو قتل فسقط أرضاً، فكان يهوي الواحد بالعشرة؛ لأنهم لا يطيقونه، وكلما هوى اثنان كانت البقية أضعف، فتهافت في الواقوصة ثمانون ألفَ مقترن، وذلك في بضع ساعات من النهار.

وصلى المسلمون ذلك اليوم الظهر والعصر إيماءً أثناء القتال.

وفي اليوم الثاني: وقف عكرمة بن أبي جهل يومئذ وقال: "قاتلتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كل موطن وأفر منكم اليوم؟" ثم نادى: من يبايع على الموت؟ فبايع الحارث بن هشام، وضرار بن الأزور، وأربعمائة من وجوه وفرسان المسلمين، فقاتلوا في مقدمة فسطاط خالد حتى أصيبوا جميعاً بجراحات وقُتلوا إلا من برأ من جراحه ومنهم ضرار بن الأزور، وأتى خالد بعدما أصبحوا بعكرمة جريحاً فوضع رأسه على فخذه، ووضع رأس ولده عمرو بن عكرمة على ساقه وقد أصيب أيضاً، فرضي الله عن الأب، ورضي الله عن الابن، وجعل يمسح عن وجهيهما، ويقطر في حلقيهما الماء.

دامت المعركة الحاسمة يوماً وبضع اليوم، وكان الهجوم الأخير هجوماً يمكن وصفه أن جميع المسلمين هجموا هجوم رجل واحد، فارتد فيلق الروم، فأصدر خالد أمره بالهجوم العام، واشتد المسلمون، واندفع سيف الله على رأسهم يهوي بسيفه ويخطف الأرواح حتى شاركت النساء المسلمات الرجال في هذا الهجوم الأخير، وكان من أكثرهن حماسة جويرية بنت الحارث ابنة هند بنت عتبة، وكانت المصيبة الكبرى التي أصابت الروم هروب فرسانهم وبقاء الرجّالة يتلقون الضربة. اقتحم خالد وجيشه خندق الروم وتساقطوا في الواقوصة يهوون، وكان فيمن هوى فمات أخو هرقل "تذارق" قائد الروم في اليرموك.

انتهت المعركة باستشهاد ثلاثة آلاف من المسلمين منهم: عكرمة وابنه عمرو، وسلمة بن هشام، وعمرو بن سعيد، وأبان بن سعيد، وجندب بن عمرو الدوسي وغيرهم. فصلى كل أمير قوم على قتلاهم.

وقتل من الروم مائة وعشرون ألفاً أكثرهم سقطوا هاوين في الواقوصة، فكانت السلاسل وتقييدهم عشرة عشرة وبالاً عليهم فما هوى واحد أو اثنان منهم في الوادي إلاّ هووا معه، وإن لم يصابوا فقد كانوا يموتون لعمق الوادي وسقوط آخرين فوقهم.

سمع هرقل بخبر المعركة ونتائجها فارتحل من حمص مودعاً سورية وداعه الأخير وقال: " سلام عليك يا سورية سلاماً لا لقاء  بعده ".

تابع المسلمون تطهير الأردن وجنوب سورية من الروم ثم خرج خالد في الخيل يتعقب الفلول الهاربة، ويقتلُهم في كل واد وكل شِعب وفي كل جبل، وفي كل ناحية حتى انتهى إلى دمشق.

وصف القعقاع بن عمرو انتصار المسلمين في اليرموك فقال:

ألم ترنا على اليرموك فزنا *** كما فزنا بأيام العراق

فتحنا قبلها بُصرى وكانت *** محرمة الجباب لدى العناق

 

قتلنا الروم حتى ما تساوى *** على اليرموك مفروق الوراق

فضضنا جمعهم لما استحالوا *** على الواقوص بالبتر الرقاق

غداةَ تهافتوا فيها فصاروا *** إلى أمرٍ تعضّل بالذواق

وبعد انتهاء المعركة، وإتمام النصر، أعلن خالد نبأ وفاة الصديق –رضي الله عنه-، ونبأ خلافة عمر، ونبأ عزله، ونبأ تأمير أبي عبيدة. تقدم خالد إلى أبي عبيدة، وطأطأ رأسه احتراماً وإجلالاً له ولأمر عمر، واحتراماً للقائد العام الجديد لجيوش الإسلام قائلاً: "مرني يا أميري فأنت القائد العام" وقال لحامل البريد الذي جاءه بأمر عزله: "بلّغ أمير المؤمنين أن من حقه أن يعزلني عن القيادة، ولكنه لا يملك أن يجردني من سيفي، فسأظل حاملاً هذا السيف في خدمة ربي". وأصبح خالد جندياً في الجيش تحت إمرة أبي عبيدة.

كان خالد -رضي الله عنه- يوم عزله قد بلغ قمة العظمة التي ليس فوقها لأمثاله من الأبطال مكان، فإنه بلغ من قلوب المسلمين ومحبتهم وتعظيمهم مكاناً جعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يعلن إلى الناس أنه يخشى عليهم من الفتنة به، وبلغ من قلوب أعدائه أن كان يُنصر عليهم بالرعب منه. ورجل هذا شأنه كان يستطيع لو قال برأسه هكذا أو بيده هكذا لأشعل نار الثورة في كل مكان يذكر فيه اسمه من أقطار الإسلام والمسلمين، لكن خالد رجلاً ملأ الإيمان قلبه، وامتزجت روح الإسلام بلحمه ودمه، واستنارت روحه بنور النبوة وهديه فهو منذ آمن بالله ورسوله شرى نفسه ابتغاء مرضات الله، فكان جندياً من جنود الإسلام، أبت عليه طبيعة الجندية، وحبه العميق للإسلام أن يكون سبباً لوقف تيارها المندفع للفتوحات التي كان هو قطب رحاها وقائد قواها وبطل أبطالها.

ولمّا عُزل قام إليه رجل فقال: "أصبر أيها الأمير فإنها الفتنة" فماذا قال خالد –رضي الله عنه-؟ قال: "أما وابن الخطاب حي فلا". وهذا لون من ألوان الإيمان القاهر الغلاّب الذي لا يرزقه إلا المصطفون من أخصّاء أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- فأية قوة روحية سيطرت على أعصاب خالد في هذا الموقف الخطير؟ وأي إلهام أُلقي على لسان خالد؟ -ذلك الرد الهادئ الحكيم- إنها قوة الإيمان ووحي الإيمان لعظمة الإسلام الذي يسمو بصاحبه إلى الآفاق. فعرف المسلمون أن قائدهم المعزول ليس من طراز الرجال الذين يبنون عروش عظمتهم على أشلاء الفتن والثورات الهدامة، وإنما هو طراز من الرجال من أولئك الأبطال، الذين خُلقوا للبناء والتشييد، لذا قال عمر -رضي الله عنه-: "إني لم أعزل خالداً عن سخطة ولا خيانة، ولكن الناس فتنوا به، وخفت أن يوكل إليه ويبتلوا به، فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع وألا يكونوا لعَرَضٍ فتنة". وقال عنه بعدما أرسله أبو عبيدة لفتح قنسرين بعد اليرموك "أمّر خالد نفسه -رحم الله أبا بكر هو كان أعلم مني بالرجال-". ولما بلغ عمر موت خالد قال: "قد ثلم في الإسلام ثلمة لم ترتق، وليته بقي ما بقي في الحمى حجر، كان والله سداداً لنحور العدو ميمون النقيبة". وروى ابن عساكر: أن هشام البختري دخل على عمر في ناس من بني مخزوم، وكان هشام شاعراً، فقال له عمر: أنشدني ما قلت في خالد، فلما أنشده قال له: لقد قصّرت في الثناء على أبي سليمان -رحمه الله-.

لم يبكِ خالد عندما عزل، بل قال وهو يودع جنده: "إن المسلم لا ينبغي أن يكترث بشيء يقع فيه مع معونة الله له"، لكنه بكى -رضي الله عنه-  وهو يحتضر على فراشه وقال: "لقد حضرت كذا وكذا زحفاً وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه ضربة من سيف، أو رمية من سهم، أو طعنة من رمح، وها أنا ذا أموت على فراشي، حتف أنفي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء، ولقد طلبت القتل في مظانّه فلم يقدَّر لي إلا أن أموت على فراشي، وما من عملٍ أرجى عندي بعد لا إله إلا الله من ليلة شديدة الجليد، في سرية من المهاجرين بتّها وأنا متترس والسماء تنهل علي وأنا انتظر الصبح حتى أغير على الكفار، فعليكم بالجهاد".

رحم الله أبا سليمان، كان نموذجاً فريداً في العبقرية العسكرية، والبطولة الحربية، وإن أبرز خاصية في خالد خصيصة الجندية، والتي كانت عنواناً لكل فصل من فصول حياته –رضي الله عنه-. إنه خالد، رجل حرب، وقائد جحفل، وفارس ميدان. فاقئ عين الردة، وفاتح العراق، ومدوّخ فارس. إنه بطل الإسلام، وربيب الجهاد، وقائد جيوش الإسلام المظفرة. لقد أعلنها لهذه الأمة صريحةً واضحةً وهو على فراش الموت: "عليكم بالجهاد" "عليكم بالجهاد".

والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً..

وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.



 
حركة الجهاد والفتح الإسلامي في عهد الدولة الأموية

القائمة البريدية

76.84