الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ناصر بن محمد الأحمد (http://www.alahmad.com)

معركة أحد

تم الإنشاء 06/17/2007 - 07:13

معركة أحد

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد

 

إن الحمد لله..

لم تزل مكة تغلي نار الحقد في أرجائها، ويتعالى لهب العداوة في جنباتها بعد الهزيمة المخزية التي لحقتهم من المسلمين في معركة بدر. فبقيت قريش تعالج الهموم والآلام على فقد أشرافها وصناديدها، ومن ذلك الحين وهي تعد العدة لأخذ الثأر، واسترداد الكرامة، والنيل من أعدائهم كما نالوا منهم، وكان عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وأبو سفيان بن حرب وعبد الله بن أبي ربيعة من أكثر زعماء قريش نشاطاً وتحمساً لخوض المعركة‏.‏ حتى إن قريشاً كانوا قد منعوا البكاء على قتلاهم، ومنعوا الاستعجال في فداء الأسرى حتى لا يتفطن المسلمون إلى مدى مأساتهم وحزنهم، واتفقت قريش على القيام بحرب شاملة ضد المسلمين، وأول ما فعلوه بهذا الصدد أنهم احتجزوا عير أبا سفيان وقالوا لأربابها: يا معشر قريش، إن محمداً قد وتركم، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا أن ندرك منه ثأراً، فأجابوا لذلك فباعوها وكانت ألف بعير وخمسين ألف دينار، لكن الأمر كما قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ} [(36) سورة الأنفال].

ولما استدارت السنة كانت مكة قد استكملت عدتها، واجتمع لها ثلاثة آلاف مقاتل من قريش والحلفاء والأحابيش، وكان في الجيش ثلاثة آلاف بعير ومائتا فرس وسبعمائة درع، وقائدهم أبا سفيان، وقائد الفرسان خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل.

ولما ترك جيش المشركين بعث العباس - رضي الله عنه - رسالة إلى رسول الله ضمنها جميع تفاصيل الجيش، قرأ الرسالة على النبي - صلى الله عليه وسلم - أبي بن كعب، فأمره بالكتمان، وعاد مسرعاً إلى المدينة، وتبادل الرأي مع قادة المهاجرين والأنصار‏.‏ وظلت المدينة في حالة استنفار لمدة عام لا يفارق رجالها السلاح حتى وهم في الصلاة، استعداداً للطوارئ‏.‏

وقام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وسعد بن عبادة بحراسة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فكانوا يبيتون على بابه وعليهم السلاح‏.‏ وقامت على مداخل المدينة وأنقابها، مجموعات تحرسها خوفاً من أن يؤخذوا على غرّة‏.‏ وقامت دوريات من المسلمين لاكتشاف تحركات العدو تتجول حول الطرق التي يحتمل أن يسلكها المشركون للإغارة على المسلمين‏.‏

ووصل جيش مكة إلى أحد وهو الجبل الذي حول المدينة الذي قال فيه: ((أحد جبل يحبنا ونحبه)). سمّي أحد؛ لأنه جبل شاهق مستقل لا يتصل به أي جبل من الجبال المحيطة به، ولذلك سمي بهذا الاسم لتوحده وتفرده بين الجبال.

فنزلوا قريباً من جبل أحد في مكان يقال له عينين، يوم الجمعة السادس من شهر شوال سنة ثلاث من الهجرة، واستشار النبي أصحابه وأخبرهم عن رؤيا رآها قال: ((إني قد رأيت والله خيراً، رأيت بقراً تذبح، ورأيت في ذباب سيفي ثلماً، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة)) وتأول البقر بنفر من أصحابه يُقتلون، وتأول الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته، وتأول الدرع بالمدينة، ورأى ألا يخرجوا من المدينة بل يتحصنوا بها، فإن أقام المشركون أقاموا بشر مقام وبغير جدوى، وإن دخلوا المدينة قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة، والنساء من فوق البيوت وكان هذا هو الرأي، وأشار جماعة من الصحابة ممن فاته الخروج يوم بدر بالخروج إليهم، وألحوا على رسول الله، وكان في مقدمتهم حمزة بن عبد المطلب، فاستقر الرأي على الخروج إليهم، ودخل رسول الله بيته مع صاحبيه أبي بكر وعمر فألبساه وعمّماه، فتدجج بسلاحه وظاهر بين درعين وتقلد السيف، وندم الناس كأنهم استكرهوا رسول الله فقالوا: يا رسول الله، ما كان لنا أن نخالفك فاصنع ما شئت، إن أحببت أن تمكث بالمدينة فافعل، فقال - عليه الصلاة والسلام -: ((ما ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه)) فسار الجيش وكان قوامه ألف مقاتل في مائة درع، واستعرض - عليه السلام - جيشه وردّ من كان صغيراً منهم، كعبد الله بن عمر وأسامة بن زيد والبراء بن عازب وغيرهم، وممن ردّهم أيضاً سعد بن حبتة، عُرف بأمه - رضي الله عنه - وهي حبتة بنت مالك الأنصارية؛ ردّه لصغر سنه، فلما كان يوم الخندق رآه يقاتل قتالاً شديداً، فدعاه ومسح على رأسه ودعا له بالبركة في ولده ونسله، فكان عماً لأربعين، وخالاً لأربعين، وأباً لعشرين، ومن ولده أبو يوسف صاحب أبي حنيفة.

وأجاز رافع بن خديج؛ لأنه كان ماهراً في رماية النبل، وسمرة بن جندب حيث قال: "أنا أقوى من رافع" فأمرهما أن يتصارعا أمامه، فصرع سمرة رافعاً فأجازه أيضاً.

وعقد - عليه الصلاة والسلام - ثلاثة ألوية، لواء للأوس ودفعه لأسيد بن حضير، ولواء للخزرج ودفعه للحباب بن المنذر وقيل لسعد بن عبادة، ولواء للمهاجرين ودفعه لعلي بن أبي طالب.

وصل المسلمون إلى مكان يقال له الشيخان، وسميت المنطقة بالشيخين: لأُطُمَين كانا هناك في كل أطم عجوز، وكانا هذان العجوزان يتناجيان، فسميت المنطقة باسم الأطمين، وكل أطم باسم الشيخين ويقصدون هذين العجوزين.

فباتوا ليلتهم، وقبل طلوع الفجر بقليل اقترب الجيش الإسلامي من عدوه حتى أضحوا يرونه ويراهم، عندها تمرّد عبد الله بن أبيّ المنافق، فانسحب بنحو ثلث العسكر، ثلاثمائة مقاتل قائلاً: "ما ندري علام نقتل أنفسنا"، وكاد أن يحدث الاضطراب في الجيش الإسلامي بعد انسحاب المنافق ومن معه، فليس يسيراً على النفوس الضعيفة أن يخسر الجيش ثلثه، وهم قاب قوسين أو أدنى من قتال العدو، وتبعهم عبد الله بن حرام والد جابر بن عبد الله وهو يقول: تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا، قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع. فقال عبد الله: أبعدكم الله أعداء الله فسيغني الله عنكم نبيه، ولله الحكمة البالغة فإن انسحاب عبد الله بن أبي بثلث الجيش، صفى الجيش النبوي من الطابور الخامس {وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} [(167) سورة آل عمران]، وسار النبي بمن بقي معه من الجيش حتى نزل الشعب من جبل أحد، فعسكر بجيشه مستقبلاً المدينة جاعلاً ظهره إلى هضاب جبل أحد، وهناك عبّأ جيشه وهيأهم صفوفاً للقتال، واختار فصيلة من الرماة الماهرين قوامهما خمسون مقاتلاً وجعل قائدهم عبد الله بن جبير بن النعمان، وأمرهم بالتمركز على جبل يقع على الضفة الجنوبية من وادي قناة، وهو ما يعرف اليوم بجبل الرماة. وقال لهم كما روى البخاري: ((إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هَزمنا القوم ووطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم)).

أما بقية الجيش فجعل على الميمنة المنذر بن عمرو، وجعل على الميسرة الزبير بن العوام، يسانده المقداد بن الأسود، وكان إلى الزبير مهمة الصمود في وجه فرسان خالد بن الوليد، وجعل في مقدمة الصفوف نخبة ممتازة من شجعان المسلمين ورجالاتهم المشهورين بالنجدة والبسالة، والذين يوزنون بالآلاف.

وحض النبي جيشه على القتل فجرد سيفاً باتراً ونادى بأصحابه: ((من يأخذ هذا السيف بحقه)) فقام إليه رجال فأمسكه عنهم، منهم علي - رضي الله عنه - قام ليأخذه فقال له: اجلس، وعمر بن الخطاب فأعرض عنه، والزبير بن العوام طلبه ثلاث مرات والرسول - صلى الله عليه وسلم - يعرض عنه، فقام أبو دجانه فقال وما حقه يا رسول الله، قال: ((أن تضرب به وجوه العدو حتى ينحني)) قال: أنا آخذه بحقه يا رسول الله، فأعطاه إياه.

وكان أبو دجانة رجلاً شجاعاً يعتصب بعصابة حمراء، إذا اعتصب بها علم الناس أنه سيقاتل حتى الموت، فلما أخذ السيف عصب رأسه بتلك العصابة وجعل يتبختر بين الصفين، وحينئذ قال رسول الله: ((إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن)).

ولما تقارب الجمعان، كان أول وقود المعركة حامل لواء المشركين طلحة بن أبي طلحة، وكان من أشجع فرسان قريش، خرج وهو راكب على جمل يدعو إلى المبارزة، فأحجم الناس لفرط شجاعته، ولكن تقدم إليه الزبير، ولم يمهله بل وثب إليه وثبة الليث، حتى صار معه على جمله، ثم اقتحم به الأرض، فألقاه عنه وذبحه بسيفه، فكبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وكبر المسلمون، وقال: ((إن لكل نبي حوارياً، وحواريي الزبير)).

ثم اندلعت نيران المعركة واشتد القتال، وتعاقب على حمل لواء المشركين عشرة من بني عبد الدار، كلما قُتل أحدهم حمل الراية آخر، إلى أن سقطت الراية على الأرض، لم يبق أحد يحملها، وانطلق المسلمون في كل نقاط المعركة كالأسود، وعصب أبو دجانة عصابته الحمراء، فجعل لا يلقى أحداً إلا قتله، وكان في المشركين رجل شديد لا يدع جريحاً للمسلمين إلا قتله، فدنا منه أبو دجانة فاختلفا ضربتين، فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاه بدرعه، فضربه أبو دجانة فقتله.

وقاتل حمزة بن عبد المطلب قتال الليوث، فقد اندفع إلى قلب جيش المشركين يغامر مغامرة منقطعة النظير، ينكشف عنه الأبطال كما تتطاير الأوراق أمام الرياح الهوجاء، فبالإضافة إلى مشاركته الفعالة في إبادة حاملي لواء المشركين فعل الأفاعيل بأبطالهم الآخرين، حتى صُرع وهو في مقدمة المبرزين، ولكن لا كما تصرع الأبطال وجهاً لوجه في ميدان القتال، وإنما كما يغتال الكرام في حلك الظلام‏.

يقول قاتل حمزة وحْشِي بن حرب ‏:‏ كنت غلاماً لجبير بن مُطْعِم، وكان عمه طُعَيمَة بن عدي قد أصيب يوم بدر، فلما سارت قريش إلى أحد قال لي جبير‏:‏ إنك إن قتلت حمزة عمّ محمد بعمّي فأنت عتيق‏.‏ قال‏:‏ فخرجت مع الناس وكنت رجلاً حبشياً، أقذف بالحربة قلّما أخطئ بها شيئاً، فلمّا التقي الناس خرجت أنظر حمزة وأتبصره، حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأوْرَق، يهُدُّ الناس هدّاً ما يقوم له شيء‏.‏ فوالله إني لأتهيأ له أريده، فأستتر منه بشجرة أو حجر ليدنو مني، قال: وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها إليه فوقعت في أحشائه حتى خرجت من بين رجليه، وذهب لينوء نحوي فَغُلِبَ وتركته وإياها حتى مات، ثم أتيته فأخذت حربتي، ثم رجعت إلى العسكر فقعدت فيه، ولم يكن لي بغيره حاجة، وإنما قتلته لأعتق، فلما قدمت مكة عتقت.‏

وهكذا دارت رحى الحرب، وظل الجيش الإسلامي مسيطراً على الموقف كله، وفرّ معسكر المشركين، قال البراء بن عازب كما عند البخاري: "فلما لقيناهم هربوا، وتبع المسلمون المشركين يضعون فيهم السلاح، ويأخذون الغنائم، وبينما كان الحال كذلك، كان الرماة فوق الجبل يرقبون الموقف، ويرون نصر الله يتنزل، فقال بعضهم لبعض: الغنيمة الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون، فقال لهم قائدهم عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله؟ فقالوا: والله لنأتينّ الناس فلنصيبنّ من الغنيمة، فنزل أربعون منهم والتحقوا بسواد الجيش، ولم يبق على جبل الرماة إلا عبد الله بن جبير وتسعة معه، عندها انتهز خالد بن الوليد هذه الفرصة، فاستدار بسرعة خاطفة حتى وصل إلى مؤخرة الجيش الإسلامي، فلم يلبث أن أباد عبد الله بن جبير وأصحابه، ثم انقض على المسلمين من خلفهم وصاح فرسانه فعاد المنهزمون من جيش المسلمين، ورفعت امرأة يقال لها عمرة بنت علقمة الحارثية لواء المشركين فالتفوا حوله، وأحيط المسلمون من الأمام والخلف.

وكان النبي في تسعة نفر من أصحابه يرقب المسلمين ومطاردتهم المشركين، إذ بوغت من الخلف بفرسان خالد بن الوليد، فكان أمامه طريقان إما أن ينجو بنفسه ومن معه بسرعة وإما أن يخاطر بنفسه فيدعو أصحابه ليجمعهم حوله، فنادى بأعلى صوته: ((إليّ عباد الله)) كما قال تعالى: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ} [(153) سورة آل عمران].

فخلص إليه المشركون قبل أن يصل إليه المسلمون، وتزعزع الناس في معسكر المسلمين فلاذ بعضهم بالفرار إلى المدينة، وصعد بعضهم جبل أحد ثم صاح صائح: إن محمداً قد قتل، فانهارت روح المؤمنين، أو كادت تنهار، فتوقف من توقف عن القتال، وألقى بعضهم السلاح، فمر بهؤلاء أنس بن النضر فقال: ما تنتظرون، فقالوا: قتل رسول الله، قال: ما تصنعون بالحياة بعده، قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله، ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني المسلمين-، وأبرأ إليك من صنع هؤلاء يعني المشركين، ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ فقال: إلى أين يا أبا عمر، فقال أنس: واهاً لريح الجنة يا سعد، إني لأجده دون أحد، ثم مضى فقاتل حتى قتل، فما عرفه أحدٌ إلا أخته من بنانه، وبه بضع وثمانون، ما بين طعنة برمح وضربة بسيف ورمية بسهم.

ومرّ رجل من المهاجرين برجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه، فقال: يا فلان أشعرت أن محمداً قد قتل، فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بلّغ، فقاتلوا عن دينكم. وبمثل هذه المواقف عادت الروح إلى قلوب المؤمنين، وطوق المشركون رسول الله ومن معه وكانوا تسعة فقتل سبعة منهم بعد قتال عنيف. ولم يبق معه غير سعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله، فطمعوا في القضاء على رسول الله فرماه عتبة بن أبي وقاص بالحجارة فوقع لشقه، وأصيبت رباعيته اليمنى السفلى، وجرحت شفته السفلى، وتقدم إليه عبد الله الزهري فشجه في جبهته.

وجاء عبد الله بن قمئة فضربه على عاتقه بالسيف ضربة عنيفة شكا لأجلها أكثر من شهر، وضربه ضربة أخرى شديدة حتى دخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته، فقال - عليه السلام - والدم يسيل عن وجهه: ((كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله، اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)). وقال ابن قمئة وهو يضرب النبي - صلى الله عليه وسلم -: خذها وأنا ابن قمئة، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - ((أقمأك الله)) فلما كان بعد المعركة على سفح جبل نطحه تيس فتدهده من الجبل فمات فارس من فرسان المشركين يقتله ذلك التيس المبارك؛ بسبب دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -.

واستبسل سعد وطلحة في الدفاع عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد نثل رسول الله كنانته لسعد بن أبي وقاص وقال: ارم فداك أبي وأمي. وأما طلحة فقد قاتل حتى شلّت يده، فقد تلقى بيده سهماً رمى به نحو رسول الله أحد أمهر رماة المشركين، فتلقى طلحة السهم بيده فشلت أصابعه بعد، وظل يقاتل دون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى سقط مغمياً عليه من كثرة الجراح، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: أوجب طلحة، أي وجبت له الجنة - رضي الله عنه - وأرضاه.

وكان أبو بكر - رضي الله عنه - إذا ذكر يوم أحد قال: ذلك اليوم كله لطلحة. وروى الترمذي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال فيه يومئذ: ((من ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله)).

وخلال هذا الموقف العصيب تسارع المسلمون إلى رسول الله وأقاموا حوله سياجاً من أجسادهم وسلاحهم وبالغوا في الدفاع عنه، قام أبو طلحة على رسول الله يُسوّر نفسه بين يدي رسول الله ويرفع صدره ليقيه عن سهام العدو، وكان رامياً يرمي، فكلما رمى أشرف رسول الله ليرى موضع سهمه، فيقول له أبو طلحة: بأبي أنت وأمي لا تشرف يصبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك. وقام أبو دجانة أمام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فترّس عليه ظهره والنبل يقع عليه، وهو لا يتحرك. ومص مالك بن سنان الدم عن وجنته وأنقاه فقال: مجه، فقال: والله لا أمجه أبداً، ثم أدبر يقاتل فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا)) فقتل شهيداً - رضي الله عنه -.

قال - عليه الصلاة والسلام - حين غشيه القوم: من رجل يشري لنا نفسه؟ فقام زياد بن السَّكن في نفر من الأنصار فقاتلوا دون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلاً ثم رجلاً يقتلون دونه، حتى كان آخرهم زياد - رضي الله عنه -، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أدنوه مني فأدنوه منه فوسّده قدمه فمات وخده على قدم النبي - صلى الله عليه وسلم -.

ومصعب بن عمير حامل اللواء يوم أحد ضربوه بيده اليمنى حتى قطعت فأخذ اللواء بيده اليسرى فقطعت، ثم برك على صدره وعنقه حتى قتل، فأخذ الراية بعده علي بن أبي طالب.

وقام النبي - صلى الله عليه وسلم - فعرفه كعب بن مالك فنادى بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله، فأشار إليه أن اصمت لئلا يعرف المشركون موضعه، فلاذ إليه المسلمون فأخذ بالانسحاب المنظّم إلى شعب الجبل.

وثبت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذه المرحلة خمسة عشر رجلاً ثمانية من المهاجرين وهم: أبو بكر وعمر وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة بن الجراح وسبعة من الأنصار وهم: الحباب بن المنذر وأبو دجانة وعاصم بن ثابت والحارث بن الصمة وسهل بن حنيف وسعد بن معاذ وقيل سعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة.

وفي أثناء الانسحاب عرضت لرسول الله صخرة من الجبل فنهض إليها ليعلوها فلم يستطع، فجلس تحته طلحة بن عبيد الله فنهض حتى استوى عليها فقال: ((أوجب طلحة)) أي وجبت له الجنة، ولما أَسند رسول الله في الشعب أدركه أبيُّ بن خلف وهو مقنّع في الحديد يركض على فرسه ويقول: أين محمد لا نجوتُ إن نجا؟ فاعترض له رجال من المؤمنين فقال رسول الله للقوم: دعوه، فلما دنا تناول رسول الله حربة من الزبير بن العوام فلما أخذها هزها، فانتهض الصحابة من حوله وتطايروا تطاير الشعراء عن ظهر البعير إذا انتفض بها، ثم استقبله فطعنه في عنقه طعنة تدحرج منها عن فرسه وجعل يخور كما يخور الثور. وصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر قاعداً من أثر الجراح وصلى المسلمون خلفه قعوداً‏.

ولما تكامل تهيؤ المشركين للانصراف، أشرف أبو سفيان على الجبل فنادى: أفيكم محمد، فلم يجيبوه، فقال: أفيكم ابن أبي قحافة؟ فلم يجيبوه، فقال: أفيكم عمر بن الخطاب؟ فلم يجيبوه. فقال: أما هؤلاء فقد كفيتموهم، فلم يملك عمر نفسه أن قال: يا عدو الله إن الذين ذكرتهم أحياء، وقد أبقى الله ما يسوءك. ثم قال: أُعل هبل، فقال رسول الله: ((ألا تجيبونه)) فقالوا: ما نقول؟ قال: ((قولوا: الله أعلى وأجل)). ثم قال: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال - عليه السلام -: ((ألا تجيبونه)) قالوا: ما نقول؟ قال: ((قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم)) ثم قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، فأجاب عمر وقال: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.

وكان أناس من الصحابة قد نقلوا قتلاهم إلى المدينة فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يردوهم فيدفنوهم في مضاجعهم وألا يغسّلوا، وأن يدفنوا كما هم بثيابهم بعد نزع الحديد والجلود.‏ وكان يدفن الاثنين والثلاثة في القبر الواحد، ويجمع بين الرجلين في ثوب واحد، ويقول ‏:‏ ((أيهم أكثر أَخْذًا للقرآن‏؟))‏ فإذا أشاروا إلى الرجل قدمه في اللحد، وقال ‏:‏ ((‏أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة))‏ ودفن عبد الله بن عمرو بن حرام وعمرو بن الجموح في قبر واحد لما كان بينهما من المحبة،‏ ودفن مع حمزة ابن أخته عبد الله بن جحش، وكان قد مُثّل به غير أنه لم يُبقر بطنه.

وفقدوا نعش حنظلة، فوجدوه في ناحية من الأرض يقطر ماءً وليس بقربه ماء، فأخبر الرسول - عليه السلام - أصحابه: ((ن الملائكة تغسله)) فسألوا امرأته فأخبرتهم أنه حديث عهد بعرس.

وقال رسول الله: ((من ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع، أفي الأحياء هو أم في الأموات؟ فإني رأيت اثني عشر رمحاً شرعى إليه)) فقال محمد بن مسلمة: أنا، فذهب يبحث عنه فوجده جريحاً في القتلى وبه رمق، فقال له: إن رسول الله يسأل عنك، فقال سعد: أنا في الأموات، فأبلغ رسول الله عني السلام، وقل له إن سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته، وقل له: إني أجد ريح الجنة، وأبلغ قولي للأنصار السلام، وقل لهم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خُلِصَ إلى نبيكم وفيكم عين تطرِف، ثم لم يبرح أن مات، فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالخبر فاستغفر له.

ووجدوا في الجرحي الأُصَيرِِم عمرو بن ثابت وبه رمق يسير، وكانوا من قبل يعرضون عليه الإسلام فيأباه، فقالوا:‏ إن هذا الأصيرم ما جاء به‏؟‏ لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الأمر، ثم سألوه‏:‏ ما الذي جاء بك، أحَدَبٌ على قومك أم رغبة في الإسلام؟‏ فقال:‏ بل رغبة في الإسلام، آمنت بالله ورسوله، ثم قاتلت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أصابني ما ترون، ومات من وقته، فذكروه للرسول - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ((‏هو من أهل الجنة))‏ قال أبو هريرة‏:‏ ولم يُصَلِّ لله صلاة قط.

ووجدوا أيضاً في الجرحي قُزْمَان وكان قد قاتل قتال الأبطال، قَتَلَ وحده سبعة أو ثمانية من المشركين، وجدوه قد أثبتته الجراح، فاحتملوه إلى دار بني ظَفَر، وبشره المسلمون، فقال‏:‏ والله ما قاتلت إلا عن أحساب قومي، ولولا ذلك ما قاتلت، فلما اشتد به الجراح نحر نفسه،‏ وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول إذا ذُكر له:‏ ((‏إنه من أهل النار‏)).

وكان ممن قُتل مع المسلمين مخيريق وكان من اليهود، وقال: إن أُصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما شاء، فقاتل حتى قتل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مخيريق خير يهود، ثم جعل ماله وكانت سبع حوائط أوقافاً، بالمدينة فكانت أول وقف بالإسلام.

ولما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ما بعمه حمزة اشتد حزنه، قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: "ما رأينا رسول الله باكياً قط أشد من بكائه على حمزة، وضعه في القبلة، ثم وقف على جنازته وانتحب حتى نشج من البكاء".

وفي مضطرب المعركة نظر حذيفة بن اليمان إلى أبيه والمسلمون يريدون قتله لا يعرفونه، وهم يظنونه من المشركين، فقال حذيفة: أي عباد الله أبي، فلم يفهموا قوله حتى قتلوه، فقال: يغفر الله لكم. فأراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يؤدي ديته، فقال حذيفة: قد تصدقت بديته على المسلمين، فزاد ذلك حذيفة خيراً عند رسول الله.

ولما انقضت المعركة انصرف المشركون فظنّ المسلمون أنهم قصدوا المدينة لسبي الذراري وإحراز الأموال فشق ذلك عليهم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي ابن أبي طالب - رضي الله عنه -: ((اخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون وماذا يريدون؟ فإن هم جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وإن هم ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدينة، فوالذي نفسي بيده لو أرادوها لأسيرنّ إليهم ثم لأناجزهم فيها)) قال علي: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون؟ فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا مكة.

روى الإمام أحمد قال: لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((استووا حتى أثني على ربي - عز وجل -)) فصاروا خلفه صفوفاً فقال: ((اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مبعد لما قربت، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهم إني أسألك العون يوم العيلة، والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا، وشر ما منعتنا، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق))، ولما فرغ رسول الله من دفن الشهداء والثناء على الله والتضرع إليه انصرف راجعاً إلى المدينة.

ونزل القرآن يلقي ضوءاً على جميع المراحل المهمة من هذه المعركة مرحلة مرحلة، فأنزل الله ستين آية من سورة آل عمران تبتدئ بذكر أول مرحلة من مراحل المعركة ‏:‏ {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [(121) سورة آل عمران]، وتترك في نهايتها تعليقاً جامعاً على نتائج هذه المعركة وحكمتها {مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [(179) سورة آل عمران].

هذه هي معركة أحد ولنا معها عشرون وقفة:

أولاً: يجب على الأمة أن تعلم أن الإيمان بهذا الدين، يجب أن يصاحبه يقين تام بنصر الله - جل وعلا - لهذا الدين وتمكينه، قال الله تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [(51) سورة غافر]، والوعد الصادق من رسول الله: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك)) فهذه الطائفة ظاهرة لا يضرها شيء، فقد تخذلهم فئام من الناس، وقد يخذلهم المرجفون الذين يقفون بين الصفين {فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ} [(141) سورة النساء]، كل هؤلاء لن يضروا الدين مهما فعلوا، وإن هذا الوعد الصادق ينبغي أن يكون يقيننا به كيقيننا بهذا الدين الذي نعتقده، ونحتاج هذا اليقين أكثر في ساعات الشدة وأوقات الكرب، يوم تدلهم الخطوب وتكفهرُّ الأحداث، فنوقظ في النفوس صدق هذا الموعود واليقين به، ولذا كان نبينا صلوات الله وسلامه عليه أشد ما يكون تفاؤلاً في ساعات الشدة وأوقات الكرب، يأتي إليه خباب بن الأرت وقد أمضّه الألم من إيذاء المشركين ورسول الله محاَرَبٌ منهم، ويلقى المسلمون من المشركين الشدة يُطردون ويؤذون في شعاب مكة، فيقول: يا رسول الله ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ فماذا أجابه الرسول الكريم؟: ((والله لينصرن الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وذلاً يذل به الشرك، وليتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه))، يقوله في حين أن المسلم ذلك الوقت لا يأمن أن يسير في فجاج مكة آمناً، ثم انظر إلى رسول الله وللمسلمين معه يوم الأحزاب حينما أحاط به المشركون حينما كبَّر وكبَّر المسلمون معه، وقال لهم لقد أضاءت لي قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، ورأيت القصور الحمر في أرض الروم وأمتي ظاهرة عليها، ورأيت قصور صنعاء وأمتي ظاهرة عليها، فاستبشر المسلمون حينذاك. وكلما تكالبت على المسلمين الخطوب والكوارث واشتد عليهم الخطب يجب أن يفزعوا إلى يقينهم بصدق موعود الله - عز وجل - وأن هذا الدين له، وهو الذي تكفل بنصره والتمكين له في أرضه وسمائه ولو كره الكافرون. حقيقٌة ينبغي ألا تغيب مهما غامت الرؤى أو غبشت الأجواء. لم يرتبط نصر هذا الدين مصيره بالدول أو الجماعات أو الأفراد، إن كان الأنبياء قد قتلوا ومع ذلك لم يمتنع أتباعهم عن مواصلة الدعوة والعمل، بل لقد عاتب الله أصحاب نبيه في يوم أحد عندما سرى فيهم الوهن عندما أشيع بين ظهرانيهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قتل فقال لهم: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ} [(144) سورة آل عمران].

ثانياً: بذل الصحابة في هذه المعركة أمر يستحق التأمل: إن هذا الدين وصل إلينا بعد كفاح مرير من الصحابة والأسلاف، ذاقوا فيه مرارة المصائب والمحن. أنس بن النضر يصاب في هذه الغزوة ببضع وثمانين جرحاً، ثم مثّل به بعدها، فلم يعرفه أحد سوى أخته عرفته ببنانه. وفي سعد بن الربيع سبعون طعنة، وحمزة بقرت بطنه ومُثّل به، ومصعب بن عمير قطعت ذراعاه ثم قتل، فماذا قدمنا لديننا؟ وللصحابة الكرام الصحبة والسبق والإقدام، تقطعت منهم الأشلاء، وتمزقت الأجساد، وترمّل النساء، قدموا أرواحهم فداءً لهذا الدين، حتى وصل إلينا كاملاً متمّماً. إن الرجال الذين يكتبون التاريخ بدمائهم وجهادهم، ويوجهون سهامه بعزماتهم، هم الذين صلوا هذه الحرب، وبهذه التضحية وحدها حفظوا مصير الإسلام في الأرض. إنها صور قوية للتضحية والبطولة اصطدم بها الكفر في أول المعركة وآخرها، فانهزم أمامها، وانسحب من تحت أقدامه الأرض، فما ربح شيئاً في بداية القتال، ولا انتفع بما ربح آخره. وهذا اللون من البطولة مسطر في التاريخ ينتظر من يلقي عليه الضوء، ولن يقوم للإسلام صرح ولن ينكشف عنه طغيان إلا بهذه القوة المذخورة في أفئدة الصديقين والشهداء. إن النفس البشرية ليست كاملة في واقعها ولكنها في الوقت ذاته قابلة للنمو والارتقاء حتى تبلغ أقصى الكمال المقدر لها في هذه الأرض.

ثالثاً: وبالمعاصي تدور الدوائر، لم يقف تعقيب القرآن على هذه المعركة العظيمة عند حدود المعركة القتالية ودروسها الحية، بل تعرض بوضوح وتفصيل لأعمال إيمانية كثيرة، ذلك أن القرآن كان يعالج المسلمين على أثر معركة لم تكن معركة في ميدان القتال وحده، إنما كانت معركة في القلوب أيضاً، ومن ثم عرّج على الرِّبا فنهى عنه، وعرّج على الإنفاق في السراء والضراء فحضّ عليه، وعرّج على طاعة الله ورسوله فجعلها مناط الرحمة، وعرّج على كظم الغيظ والعفو عن الناس، وعرّج على الإحسان والتطهر من الخطيئة بالاستغفار والتوبة وعدم الإصرار، فجعلها مناط الرضوان. كما عرّج على رحمة الله المتمثلة في رحمة الرسول ولين قلبه، وعرّج على مبدأ الشورى وتقريره في أحرج الأوقات، وعرّج على الأمانة التي تمنع الغلول، وعرّج على البذل والتحذير من البخل في نهاية ما نزل في التعقيب على هذه الغزوة من آيات، عرّج على كل هذه الأعمال الصالحة؛ لأن العمل يعتبر مادة مهمة لإعداد الإيمان في نفوس المسلمين. ولم تكن هذه التوجيهات الشاملة بمعزل عن المعركة، فالنفس لا تنتصر في المعركة الحربية إلا حين تنتصر في المعارك الشعورية والأخلاقية، حين تنتصر على نفسها ومعاصيها، فإذا تطهرت الأمة من الذنوب ورجعت إلى الله كان ذلك من عدَّتها في المعركة، ولم ينعزل ذلك عن الميدان. وإذا كانت معصيةً واحدة هي المخالفة الجزئية لخطة المعركة كما وقع من الرماة في معركة أحد وتطلّعت بعض النفوس إلى الغنائم المادية وتولى بعض الأفراد حين حمى الوطيس نذائرَ شؤم وأسبابَ هزيمة وخسارة لذلك الجيل الطاهر، جيل النبي - صلى الله - وصحابته الكرام، فكيف تنتصر أمة الإسلام اليوم وهي تُلقي كتاب ربها وراءها ظهرياً، وتعبد الدرهم والدينار والريال والدولار، ولا يخطر على بالها جهاد قط، حتى لو أُخذت مقدساتها وأخذت أراضيها واستنصرها إخوانها، وتستحل الربا والغلول، وتفعل ما تعرضت له هذه الآيات وما لم تتعرض له، ثم تستبطئ نصر الله الذي وعد به المؤمنين، وتحسب نفسها مؤمنة حق الإيمان؛ لأنها تُصدّق بقلوبها وتُقر بلسانها! إن مقارنة يسيرة بين حال الأمة في يومها وبين حالها يوم هزمت في معركة أحد وجعلت الهزيمة بسبب معصيتها ومخالفتها لرسولها توحي بأن الأمة اليوم لم تستكمل أسباب النصر والتمكين التي وردت في كتاب الله تعالى، وإنما هي في غفلة معرضة، لم ترفع بالدين رأساً في كثير من بقاعها وأصقاعها وفي كثير من أحوالها وأهوالها. لقد فاضت أرواح في هذه المعركة بسبب خطيئة، وأُخرج آدم من الجنة بمعصيته، ودخلت امرأة النار في هرة. فالزم يا عبد الله الطاعة والعبودية، يؤخذ بيدك في المضايق، وتُفرج لك الشدائد، ولا تجعل أعمالك جُنداً عليك، فيزداد بها عدوك قوة عليك.

رابعاً: في أحد وقع خطأ حربي مادي عندما خالف الرماة الأمر العسكري، فدفع المسلمون ثمن المخالفة، فمنع الله النصر عن المسلمين كي لا تتعلق القلوب بغير الله، فخطأ واحد مع كل الفضائل المجتمعة ما حال دون العقوبة والجزاء، فكانت أحد درساً مؤثراً، عَمَّق الإيمان مع خالص الحب والطاعة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ففازوا بكامل الإيمان فجاء النصر الدائم المستمر حتى فتح الله عليهم مكة. كانت أحد امتحاناً واختباراً ليعرف المسلمون مراحل إيمانهم، وإلى أية مرحلة وصلوا، فمن آثر الآخرة على الدنيا ومغانمها ازداد إيماناً وعلوّا، ومن آثر الدنيا ومغانمها على الآخرة، استدرك ولحق بعد أحد بمن آثر الآخرة على الدنيا.

خامساً: وبعد المخالفة جاء العزاء من الله سبحانه مع عفوه للمسلمين {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [(152) سورة آل عمران]، فكان تضميداً للجراح وتبديلاً للنفوس من الوهن إلى القوة، ومن اليأس إلى الأمل، فانتقلوا إلى حمراء الأسد يحمل بعضهم بعضاً، فكأنما أحياهم بعد موت، وأوجدهم من عدم، مع أنهم كانوا لا يستطيعون المشي من كثرة جراحاتهم، حملهم إيمانهم لا أبدانهم، وحملهم يقينهم لا صحتهم وأجسامهم. وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((وأن لا يخرجنّ معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس)) فرفض - صلى الله عليه وسلم - بذلك الجندي سليم الجسد مريض القلب، وقبل الجندي جريح الجسد معافى الإيمان صحيح القلب، فساروا وجراحاتهم في صدورهم وليست في ظهورهم واستجابوا بعد أن مسهم القرح.

سادساً: أراد الله أن يدرك المؤمنون سنة من سننه في خلقه، وهو أن النصر لا يكون إلا بأسبابه، وأن الهزيمة لها أسبابها أيضاً حتى لو كان رسول الله بين الصحابة في المعركة. وهذا يدل بوضوح على أن صلاح العقيدة وحده غير كاف لتحقيق النصر، فللنصر نواميسه وأسبابه، وأن الأخذ بهذه الأسباب من صلاح هذه العقيدة.

سابعاً: هيأ الله - سبحانه وتعالى - لعباده المؤمنين الصادقين منازل في دار كرامته، فقيض لهم أسباب الابتلاء ليصلوا إليها، بفضله ومنته أولاً، وبصبرهم وجهادهم واستشهادهم ثانياً، فالشهادة من أعلى مراتب المؤمنين المخلصين، فساقهم الله إليها إكراماً لهم {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [140) سورة آل عمران]، {وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} [(141) سورة آل عمران].

ثامناً: النفاق وما أدراك ما النفاق، لقد تميز الناس على حقيقتهم في معركة أحد فكانوا ثلاث طوائف سوى الكفار، وإذا كان قد مر معنا خبر طائفة من المؤمنين ثبتت حول النبي - صلى الله عليه وسلم - تحوطه وتدافع عنه حتى استشهد من استشهد منهم، وجرح من جرح، فثمة طائفة أخرى من المؤمنين حصل منهم ما حصل من تول وفرار واستزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا، لكن الله عفا عنهم؛ لأن هذا الفرار لم يكن عن نفاق ولا شك، وإنما كان عارضاً كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [(155) سورة آل عمران]. أما الطائفة الثالثة التي أراد الله لها أن تتكشف على حقيقتها في هذه المعركة فهي طائفة المنافقين، فإن المسلمين لما أظهرهم الله على أعدائهم يوم بدر وطار لهم الصيت دخل معهم في الإسلام ظاهراً من ليس معهم فيه باطناً، فاقتضت حكمة الله - عز وجل - أن سَبّبَ لعباده محنة ميزت بين المؤمن والمنافق، فأَطْلَعَ المنافقون رؤوسهم في هذه المعركة، وتكلموا بما كانوا يكتمونه، وظهرت مخابئهم، وعاد تلويحهم تصريحاً، وانقسم الناس إلى كافر ومؤمن ومنافق انقساماً ظاهراً، وعرف المؤمنون أن لهم عدواً في نفس دورهم، وهم معهم لا يفارقونهم يجب الحذر منهم، قال الله تعالى: {مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء} [(179) سورة آل عمران]، وكذلك ينبغي أن تكون الشدائد والمحن في كل زمان فيصلاً لتمييز المؤمنين وفضح المنافقين.

تجنّب أخي الحبيب أصحاب السوء، فإنهم يخذّلونك في أحوج ما تكون إليهم، هم في النعماء لك أصدقاء، ولكنهم في الشدائد أعداء، وقد انخذل أهل النفاق عن الصحابة في أحلك المواقف، لذا فالزم الصحبة الصالحة، فهم حافظون لك في الغيب والشهادة، لنفعك يسعون، وعنك يذودون.

تاسعاً: الشباب هم عماد الأمة في أزماتها، في هذه المعركة قاتل سمرة ورافع وهما ابنا خمس عشرة سنة، وعلى دماء فتيان الصحابة علا هذا الدين، لا لهوٌ في الأوقات، ولا مرح في الشهوات، سعى الآباء لإصلاحهم، فجنوا ثمرة صلاحهم، فماذا قدّم شبابنا لدينهم؟ وما هي همتهم؟ وما همهم؟ وما تطلعاتهم؟ وبم تعلقهم؟.

عاشراً: الدعوة إلى الله هي الأساس، للحق جولة، وللباطل صولة، والعاقبة للتقوى، فلا تيأس من إصلاح المجتمع، ولا تقنط من هدايته، لقد صبر النبي - صلى الله عليه وسلم - على الأذى والجراح، حتى دخل الناس أفواجاً في دين الله، إن عواقب الأمور كلها بيد الله، فامض في الدعوة إلى الله، وداوم على الدعاء، وهداية البشر بيد خالق البشر. أبو سفيان في معركة أحد قاد المشركين وكان شعاره: "اعلُ هُبل"، وفي فتح مكة يقول: "لا إله إلا الله"، ووحشي يقتل حمزة، ثم يسلم، ويقتل مدعي النبوة مسيلمة الكذاب.

الحادي عشر: احذر على نفسك التقلب، فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، واسأله دوماً الثبات، والعبد وإن استغرق في العصيان فالتوبة تحط الأوزار وإن بلغت العنان. خالد بن الوليد يقود خيَّالة الكفر في معركة أحد، وقُتِل على يديه فضلاء الصحابة، ولما شرح الله صدره للإسلام، أتى يبايع النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: يا رسول الله، إني أشترط أن تغفَر زلتي، فقال: ((يا خالد، أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله، وأن التوبة تجُبُّ ما قبلها؟)). فأنقذ نفسك من وحل الأوزار، وأَقبل على ربك بعيداً عن الآثام، فالحسنات يذهبن السيئات، ولا تستنكف عن التمسك بهذا الدين، فحوله سالت الدماء.

الثاني عشر: المرء قد يبتلى بذوي القربى والأرحام، فاصبر على ما تلاقيه منهم، فأقارب النبي - صلى الله - تركوا أوطانهم وأموالهم، وقدموا إلى المدينة لقتله، وفعلوا ما لم يفعله غالب الكفار، من تمثيلهم بالقتلى، مع أنهم بنو عمه، وفي الفتح عفا عنهم وصفح، وقال: ((أنتم الطلقاء))، فاتخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - قدوة لك في الحلم والعفو، وصل رحمك، وغض الطرف عما يسوؤك منهم.

الثالث عشر: في الفرقة والنزاع تبعثَر الجهود، وفي الألفة والاتفاق صفاء القلوب، فاحذر من تفرق الكلمة والاختلاف في الرأي، فهي الهزيمة {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ} [(46) سورة الأنفال].

الرابع عشر: لا تأمن المعصية من جانب المسرة، وحلاوة الفرح قد تختلط بمرارة الحزن، والصحابة الكرام - رضي الله عنهم - فرحوا بالغنيمة، ونزل الرماة لجمعها، فلحقتهم الهزيمة، والدنيا لا تدوم على حال، فكن صابراً على لأوائها، شاكراً لله في نعمائها.

الخامس عشر: الأنبياء عبيدٌ مخلوقون، يعتريهم ما يعتري البشر، لا يُرفعون فوق منزلة العبودية، ولا يُحَطُّ من شأنهم، والنبي - صلى الله عليه وسلم - ظاهر بين درعين ولبس لأمةَ الحرب، وكافح معه الصحابة، وقاتل عنه جبريل وميكائيل أشد القتال، ومع هذا شُجَّ في وجهه، وكسرت رَباعيته، والأمر لله من قبل ومن بعد، وهو سبحانه وحده النافع الضار، ولو كان يملك لنفسه شيئاً ما سال الدم منه، فاصرف عبادتك للجبار، وتذلل بين يدي القهار، تتحقق لك بإذن الله المسارّ.

السادس عشر: من مروآت الأفعال، العرفان لمن خدم الدين، ومن جميل الخلال الوفاء للأصحاب، ودماء شهداء أحد بقيت في نفس الرسول إلى السنة التي مات فيها، فصلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين، كالمودع لهم. فأجلّ نبلاء هذا الدين، واحفظ ودَّ خِلاَّنك، وارع حق صحبتهم واحفظ سرهم، يقول أبو سفيان: (ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً، كحب أصحاب محمد محمداً) {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} [(4) سورة محمد]، {سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ} [(5) سورة محمد]، {وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} [(6) سورة محمد].

السابع عشر: أن الله سبحانه إذا أراد أن يهلك أعداءه ويمحقهم، قيض لهم التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقهم، ومن أعظمها بعد كفرهم بغيهم وطغيانهم واستعمارهم واحتلالهم لبلدان المسلمين، ويزداد بذلك أعداؤه من أسباب محقهم وهلاكهم، وقد أشار القرآن إلى ذلك ضمن الآيات التي تتحدث عن هذه المعركة، فقال سبحانه: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [(139) سورة آل عمران]، {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [(140) سورة آل عمران]، {وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} [(141) سورة آل عمران].

الثامن عشر: إن المنهزم هو الذي هزم في دينه وعقيدته وولائه وبرائه، أما الذي انتصر في دينه وعقيدته وولائه وبرائه فهو الفائز فوزاً كبيراً، ولو قتل وسحق ومحق؛ لأن الفوز هو فوز الآخرة لا فوز الدنيا. فأحدٌ نصر لا هزيمة، معركة فياضةٌ بالعبر والعظات، أحداثها صفحات ناصعة، يتوارثها الأجيال بعد الأجيال. أنزل الله فيها ستين آية في كتابه المبين، كان لها أثر عميق في نفس النبي - صلى الله عليه وسلم - ظل يذكره إلى قبيل وفاته.

إن عادة الرسل أن تُبتلى وتكون لها العاقبة، والحكمة في ذلك أنهم لو انتصروا دائماً دخل في المؤمنين من ليس منهم، ولم يتميز الصادق من غيره، ولو انكسروا دائماً لم يحصل المقصود من البعثة، فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين لتمييز الصادق من الكاذب، ولو قطع الله كل يد امتدت إلى رسوله في حينه لما بقي إسلام بعده، فلا صبر لداعية، ولا تحمُّل لمسلم. وتحمّله - صلى الله عليه وسلم - أسوة وقدوة لتحمل الدعاة المجاهدين من بعده، وتأخير النصر في بعض المواطن حكمة، فهو لتربية النفوس ولكسر شموخها وتعاظمها.

التاسع عشر: جبل أُحُد لا يتبرَّك بترابه، ولا تلتقَط حصياته، فعنده قتِل سبعون، وبجانبه جرِح الرسول، ولو كانت تغني شيئاً لما حل المصاب، ففوّض أمرك إلى الله، والجأ إليه في كشف الملمات.

ثم إن الإنسان كثيراً ما يربط بين المصيبة وبين مكانها أو زمانها، وحتى لا تنسحب هذه العادة وتستمر بعد أن جاء الإسلام قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أحد جبل يحبنا ونحبه)) فكان هذا القول الكريم بيناً للحق وابتعاداً عن الطيرة والتشاؤم.

العشرون: هذا الثبات العجيب من النبي - صلى الله عليه وسلم -، يقول لك: هكذا تكون القيادة الحقيقية. القائد يجب عليه أن يكون في مقدمة الصفوف مع جنده، وذلك من أعظم أسباب رفع المعنويات، ونحن نرى اليوم نماذج من القادة نسأل الله العفو والسلامة يُنشِبون الحروب ويوقعون شعوبهم في حروب عظيمة وهم إما في مخبأ تحت الأرض من الخرسانات المسلحة، أو على بعد آلاف الكيلومترات من أرض المعركة، فسبحان الله الفرق بين هذه القيادة النبوية وبين غيرها من القيادات الفاشلة.

ثم هذه الشجاعة الفائقة منه - صلى الله عليه وسلم -، جميع الأسلحة المستخدمة في ذلك العصر تفعل فعلها وتدور رحاها من حوله، الرماح والسيوف والسهام وهو ثابت لا يتزحزح - صلى الله عليه وسلم - فكانت هذه الشجاعة من أهم أسباب إنقاذ جيشه من الإبادة التامة والهزيمة الكاملة. فيا حسرتا على المسلمين في هذا العصر إنهم محرومون من القيادات الحقيقية. فإلى جانب ما ابتلي به المسلمون اليوم من القيادات الهزيلة فقد ابتلوا أيضاً بالقيادات العميلة، التي جرّت على الأمة نكبات جسام وهزائم كبار، فحسبنا الله ونعم الوكيل.

والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً وصلى الله وسلم وبارك....


Source URL:
http://www.alahmad.com/node/32