خدمة rss
سليمان عليه السلام

   

سليمان -عليه السلام-

19/2/1409هـ

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد

 

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله، أما بعد:

ومن قصص القرآن أيضاً، ومواصلة معكم مع قصص الأنبياء -عليهم السلام-، يكون قصتنا لهذه الجمعة، بعد توفيق الله -عز وجل-، مع نبي الله سليمان -عليه السلام-، ولقد كان سليمان -عليه السلام- نبياً من أنبياء الله، ومع ذلك كان ملكاً من ملوك الأرض في زمانه، وفوق كل هذا فقد منّ الله عليه، وعلمه لغة الحيوان والطير، وكان يفهم -عليه الصلاة والسلام- ما تتخاطب به هذه الحيوانات والطيور.
عباد الله: جاء في سورة النمل ثلاث قصص عن سليمان -عليه السلام- مع النملة، ثم مع الهدهد، ثم مع ملكة سبأ، أما عن موقف سليمان -عليه السلام- مع النملة، فيقول الله -عز وجل-: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ * وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ * وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ}
[(15-19) سورة النمل].
عباد الله: إن الله -سبحانه وتعالى- آتى سليمان خير ما يؤتى الإنسان من فضل وإحسان، وهو العلم الذي من ملكه، ملك أقوى ما على هذه الأرض من قوة، ومع هذا فقد أعطي -عليه الصلاة والسلام- ملكاً عظيماً وسلطاناً واسعاً، ومع هذا العلم الذي أعطى سليمان، ومع هذا الملك أيضاً، لم يمنعه كل هذا، أن يأخذ درساً من أصغر مخلوقات الله وهي النملة، ويستفيد منها، ولم يغتر بملكه ولا بعلمه -عليه الصلاة والسلام-، كما هو شأن بعض حاملي الشهادات في زماننا هذا، والله المستعان.

يقف سليمان -عليه السلام-، وينظر من خلال ملكها إلى ملكه العريض، فيرى أن لها سلطاناً كسلطانه، وملكاً كملكه، وسياسة رفيقة رحيمة أروع وأعظم من سياسته، فلا يملك إلا أن يخشع لسلطان الله بين يديها، ويسبح بحمده وجلاله، فيقول في محراب ملكها، الذي يسبح فيه بحمد الله: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [(19) سورة النمل].
لقد أراد الله -سبحانه وتعالى- أن يصغر في عيني سليمان هذا الملك العريض، الذي بين يديه، وأن يكسر من حدة هذا السلطان المندفع، كالشهاب الذي لا يمسكه شيء، ولا يعترض سبيله معترض، وذلك كي لا يدخل على نفسه شيء من العجب والزهو، فتقف له النملة هذا الموقف، الذي يرى منه عجباً، فيرى سليمان -عليه السلام- من النملة، ما لم ير أحد من جنده، ويسمع منها ما لم يسمع أحد غير النمل الذي يعيش معها: {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}
[(18) سورة النمل] والدرس الذي نود أن نأخذه من موقف سليمان -عليه السلام- مع النملة هو صوت النذير، الذي أنذرت به النملة جماعتها، إن الهلاك مقبل على جماعة النمل، من هذه الحشود الحاشدة، التي تسير في ركب سليمان، فلتأخذ جماعة النمل حذرها، ولتدخل مساكنها، ولتنجحر في مساربها، وإلا فالهلاك المحقق، ومن أين هذا الهلاك؟
من جماعة غالبة، لا تنظر إلى ما تحتها، ولا تلتفت إلى مواطن أقدامها، ولا تشعر بما تصيب أو تقتل، من تلك الكائنات الضعيفة، فهل يشعر من يسكن البيوت الفارهة بما يعاني عباد الله من ساكني العشش والخيام؟ وكم في دنيا الناس من المستضعفين ممن تطؤهم أقدام الأقوياء دون أن يشعروا بهم، وهم في طريقهم إلى التمكين لسلطانهم، والاستزادة من جاههم وقوتهم، وكم من مجتمعات بشرية جرفها تيار عاتٍ من تيارات الظلم والاستبداد، وكم من مدن عامرة دمرتها رحى الحروب التي يوقد نارها من يملكون الحطب والوقود، وكم وكم، أنها والله لحكمة بالغة، ودرس عظيم، تلقيه النملة، أضأل مخلوقات الله، وأقلها شأناً تلقيه على الإنسانية كلها، في أحسن أحوالها، وأعدل أزمانها، وأقوى سلطانها، ولكن أين من يتعظ ويعتبر؟ ولقد أخذ سليمان العبرة والعظة، فحاد بركبه عن وادي النمل، وهو يضع ابتسامة على فمه، ويرسل ضحكة رقيقة واعية من صدره، ويحرك لسانه بكلمات شاكرة، ذاكرة فضل الله ونعمته، فيقول: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ}
[(19) سورة النمل] إن للنملة سلطاناً كسلطان سليمان، ودولة كدولته، وجنداً كجنده، ثم إنها تقوم على هذه الدولة، وترعاها رعاية الأم لأبنائها، وإنها لتضع عينها دائماً على مواقع الخير، ترتاده لرعايتها، وإلى مواطن الشر فتدفعها عنها، فهل تجد رعايا سليمان في ظله، مثل هذه الرعاية التي تجدها جماعة النمل في ظل السلطان الحكيم، وهل تنال رعيته مثل هذا العطف والحنو الذي تناله جماعة النمل من ملكتها؟!
عباد الله: وما يكاد سليمان يخرج من هذا الموقف الذي وقفه مع النملة حتى يلقاه موقف آخر، مع طائر وديع لطيف، أقرب إلى النملة في لطفها، وحسن مدخلها للأمور التي تعالجها، وهو الهدهد، قال تعالى: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ}
[(20-27) سورة النمل] حشد سليمان -عليه السلام- جموعه ورعيته، فنظر فلم ير الهدهد قد حضر هذا الحفل، فتوعده سليمان -عليه السلام- بأشد العذاب والنقمة {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [(21) سورة النمل] أما كان للهدهد عذر يمكن أن يقدم لتخلفه هذا، ويدفع عنه هذا العذاب، ألا يجوز أن يكون مريضاً؟ ألا يصح أن يكون قد وقع في شباك صائد؟ وماذا يغني الهدهد في هذا الجمع العظيم؟ وماذا يجدي أو يضير إذا هو حضر أو تخلف؟ لكنه الانضباط التام، والملاحظة العجيبة عند سليمان الملك، وكيف أنه يتفقد رعيته كاملاً؟! ويهمه حضورهم ووجودهم حتى لو كان مخلوقاً ضعيفاً كالهدهد؟!.
أيها المسلمون: وفي قول سليمان -عليه السلام-: {مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ}
[(20) سورة النمل] درس عظيم، لا بد من الوقوف عنده، فسليمان -عليه السلام- حين نظر ولم ير الهدهد، اتهم نفسه أولاً، فقال: مالي لا أرى الهدهد، ولم يقل: أين الهدهد؟ ولم يقل: إن الهدهد غائب؛ لأنه يحتمل أن يكون موجوداً؛ لكنه هو -عليه السلام- مارآه، وهذا هو شأن أصحاب العلم، إذا هم التمسوا حقيقة من الحقائق فلم يجدوها في أيديهم تشككوا واتهموا أولاً أسلوب تفكيرهم، الذي لم يصل بهم إلى الحقيقة، ثم أعادوا البحث والنظر مرةً بعد مرة، حتى يجدوا ما يطلبون، أما إذا التمس المرء الحقيقة، ثم لم يجدها، ثم كان ذلك مدعاة إلى إنكارها، فذلك ليس من أسلوب العلماء، ولا من طرق تحصيل العلم، فلينتبه لهذه القضية.
درس آخر: يعلمنا هذا الهدهد وهو أنه في تأخره الحضور مع سليمان، بماذا كان منشغلاً؟ وما الذي أخره عن الحضور؟ لقد كان منشغلاً بالدعوة إلى الله -عز وجل-، والإنكار على المشركين شركهم، وتسفيه أحلامهم، وتحقير آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، {وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ}
[(24) سورة النمل].
أيها المسلمون: لقد فاق هذا الهدهد كثيراً من الدعاة إلى الله في هذا الزمان، حيث أنهم محسوبين على الدعوة، يشاهدون المنكرات في مجتمعهم، ويشاهدون المخالفات الشرعية الواضحة، ومع هذا لا ينكرون على أقوامهم ذلك، ولا يمنعهم ذلك أن يؤاكلوهم، أو يجالسوهم، أو يشاربوهم، فهل لنا في هذا الهدهد أسوة حسنة حيث أنه أنكر على مكلة دولة في زمانها وهي ملكة سبأ؟.
نسأل الله -عز وجل-، أن يبصرنا في ديننا، وأن يرزقنا نية صادقة، وعملاً صالحاً متقبلاً، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
 

الخطبة الثانية:
الحمد لله، أما بعد:

أيها المسلمون: وأما عن القصة الثالثة لنبي الله سليمان -عليه السلام-، فكانت مع ملكة سبأ، وتسمى بلقيس، وأرض سبأ باليمن، وسميت كذلك نسبة إلى سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وسمي هو سبأ لأنه أول من سبي السبي من ملوك العرب، وأدخل السبايا إلى اليمن، فبعد ما رجع الهدهد وأخبر سليمان -عليه السلام- بما رآه وشاهده في أرض اليمن، من وجود امرأة تحكمهم، وأن لها دولة، أرسل سليمان -عليه السلام- الهدهد إلى أرض سبأ وأعطاه رسالة إلى ملكة سبأ، طار الهدهد برسالة سليمان إلى بلقيس، وألقاها بين يديها، تناولت بلقيس الرسالة، وقرأت ما فيها، ثم جمعت أشراف قومها، وقواد مملكتها، وأخبرتهم بالرسالة، وقرأت نصها عليهم، ثم طلبت المشورة، فأجابها الحاضرون بأنهم على استعداد للقتال مع جند سليمان, أنهم أصحاب قوة؛ لكنهم أرجعوا الأمر لها، وإلى هذا تشير الآيات القرآنية: {اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ * قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ * قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} [(28-33) سورة النمل].
أيها المسلمون: ولنا وقفة مع قول بلقيس في قول الله -عز وجل-: {قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ}
[(32) سورة النمل] إن هذه المرأة تكلمت بصراحة، وإنها الفطرة، ومتى كانت النساء يفتون في الأمور ويقطعونها خصوصاً ما يتعلق بأمور الدولة، فهذه المرأة مع أنها كانت ملكة سبأ؛ لكن عند حدوث بعض المواقف يتبين ضعف المرأة، وأنها لا تستطيع أن تسوس الأمور، فاستشارت الملأ، {قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ} [(32) سورة النمل] فهل يعقل أولئك الذين ينادون بدخول المرأة في البرلمان، وأولئك الذين يريدون أن يضعوا المرأة في غير الموضع الذي وضعها الله -سبحانه وتعالى- خالقها وخالق الكون كله، وأعطوني دولة من الدول من عمر هذه الأرض حتى وقتنا هذا ساستها امرأة من النساء، وكتب لها السداد، إنها مخالفة واضحة لفطرة الله -سبحانه وتعالى-، ولن تجد لسنة الله تبديلاً، ولن تجد لسنة الله تحويلاً.
عباد الله: عند ذلك عزمت بلقيس على إرسال هدية عظيمة لسليمان -عليه السلام-، فإن من عادة الملوك أن الهدايا تقع في نفوسهم موقعاً حسناً، فقالت: إن قبلها سليمان عرفت أنه ملك يرضيه ما يرضي الملوك، وإن كان نبياً أبى إلا أن نتبع دينه.
ذهب وفد بلقيس إلى فلسطين، يحملون الهدايا لسليمان -عليه السلام-، فلما رأى ذلك -عليه السلام-، أنكر عليهم، ورفض الهدية، وقال: إن بقوا على كفرهم، فلنأتينهم بجنود لا طاقة لهم بمقاومتها، ولنخرجنهم من مدينة سبأ أسرى أذلاء مستعبدين، قال تعالى: {قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ * فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ}
[(34-36) سورة النمل] رجع الوفد أدراجه، وأخبر ملكته بما رأى من قوة سليمان، أدركت بلقيس أن سليمان نبي مرسل، وأنها لا طاقة لها بمخالفة أمره، فتجهزت للسير إليه مع أشراف قومها، عرف سليمان بمسيرة بلقيس إليه، فأراد أن يريها بعض ما خصه الله به من معجزات، ليكون دليلاً على نبوته، فقال لمن حوله من الجن: أيكم يأتيني بعرش بلقيس قبل أن تصل إليّ مع قومها، ليروا قدرة الله -عز وجل-، فقال أحد العفاريت من الجن: أنا آتيك به قبل أن تقوم من مجلسك الذي تقضي وتحكم فيه، وكان سليمان يجلس من الصباح إلى الظهر في كل يوم للحكم بين الناس، وما هي إلا لحظات إلا وعرش بلقيس مستقراً في مجلسه، قال تعالى: {قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [(38-40) سورة النمل] أمر سليمان -عليه السلام- رجاله أن يغيروا هيئة العرش، ليعرف ما إذا كانت بلقيس تتعرف على عرشها وكرسي ملكها، قال سبحانه: {قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ * فَلَمَّا جَاءتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ * وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ} [(41-43) سورة النمل] ثم لما رأت بلقيس من إكرام سليمان الشديد لها، ورأت الحقيقة الساطعة التي كانت محجوبة عنها، توجهت إلى ربها: {قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [(44) سورة النمل].
عباد الله: وأما عن موت سليمان -عليه السلام- فقصته عجيبة، فبينما كان يصلي -عليه السلام- في محرابه، مات وهو متكئاً على عصاه، وكما نعلم بأن الشياطين والجن كانوا مسخرين له -عليه السلام-، فبقي كل منهم يؤدي المهمة التي كلف بها، وينظرون إليه، ولا يعلمون أنه قد مات، فصارت دودة الأرض تأكل من عصاه، فأكلت بعضه، فإنهار الجزء الذي أكلته فاختل توازنه فسقط -عليه السلام-، عندها علم الناس والجن أنه قد مات، وذلك قول الله -عز وجل-: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ}
[(14) سورة سبأ].
اللهم علمنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً متقبلاً، ونسألك اللهم قلباً خالصاً، ولساناً ذاكراً صادقاً...


  

التعليقات

حميد البخاري

اسلام وعليكم كيفكي انشاءالله طيبين ياناس ابغى قصص بصوت الشيخ ناصر بن محمد
ويعطيكم الف عافيه

حميد البخاري

اسلام وعليكم كيفكي انشاءالله طيبين ياناس ابغى قصص بصوت الشيخ ناصر بن محمد
ويعطيكم الف عافيه

nfl jerseys suppliers New products on the market
wholesale coach bags Online sellers
coach outlet New online fashion classic
coach outlet storeOnline wholesale sales
coach handbags outlet 2012 new online sellers
cheap coach New sale today
coach outlet store 2012 new online sellers
coach handbag outlet Popular new open years
authentic nfl jerseys Online sell at a
cheap authentic nfl jerseys Online wholesale at low prices

wholesale designer bags A unique design end marketing
wholesale designer handbags Roll out online sales
air max tn Wholesale sales
nike shox nz Answers customer issues line
cheap puma shoes Your satisfaction is our nature
super street Seek quality
puma men shoes Cheap comfortable clothes
wholesale puma shoes Low quality goods enjoy
men gucci shoes One better characters
gucci mens shoes Do not miss the
louis vuitton wallets Take a look to see


 
حركة الجهاد والفتح الإسلامي في عهد الدولة الأموية

القائمة البريدية

58.88