الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ناصر بن محمد الأحمد (http://www.alahmad.com)

آفات اللسان5

تم الإنشاء 10/28/2007 - 08:23

آفات اللسان5
24/1/1410هـ

الشيخ ناصر بن محمد الأحمد


الخطبة الأولى:
الحمد لله... أما بعد:
عباد الله ما زال الحديث عن اللسان، عن زلاته وعثراته وسقطاته.
أيها الأخوة كلما أردت أن أنهي هذه السلسلة وأتوقف ليكون الحديث حول موضوع آخر ظهرت لى آفات أخرى أرى أنها من الأهمية بمكان وبعضها يكون من طامات ما في المجتمع فأرى أنه من الواجب، التنبيه عليه.
ولا يخفى عليكم أيها الأخوة إن الآفات العظيمة والتي تعد من الكبائر لم نتعرض لها بعد مثل الكذب والغيبة والنميمة، وذلك ليس لعدم أهميتها ولكن لأن هناك من الآفات ما لا تقل خطورة عنها، يغفل عنها بعض الناس، ولأن هناك من الآفات لا تصل لدرجة الكذب والغيبة في الحرمة لكن لا يدركون الناس أنها من عثرات اللسان وزلاته.
ولهذا رأيت أن أجعل آفات الكذب والغيبة من أواخر ما سوف نتكلم عليه إن شاء الله تعالى، وذلك ليكون التفصيل فيه أكثر وليبسط فيه الكلام، فنضيف يا عباد الله، بعد هذه المقدمة آفة أخرى من آفات اللسان، وأيضاً يا عباد الله الآفات التي سوف نتناولها في جمعتنا هذه هي أيضاً مما لا يتوقع بعضكم أنها من الآفات.
أيها المسلمون ذكرنا من قبل تسعه آفات وبذلك تكون آفتنا هذه هي الآفة العاشرة ألا وهو الشعر نعم ذلكم الشعر الذى يطلقه ألسنة الشعراء وهي من الأمور المنتشرة سواء كان ذلك بين العامة وهو ما يعرف بالشعر الشعبى، أو بين المتعلمين والمثقفين إن الشعر أيها الأخوة له سحره وتأثيره فالشعر يأخذ عقول الناس وقلوبهم، ويستطيع الشاعر أن يصرف أصحاب القلوب المهزوزة إلى غير هدى وهذا هو الغالب أيها الأخوة على الشعر في هذا الزمان، جعلوا الشعر طريق الشرك والفسوق والعصيان وكثيراً ما يكون الشعر في ذكر النساء والحث على الزنا والفاحشة أو يكون الشعر في مدح إنسان بما ليس فيه وعظمت المصيبة أيها الاخوة لما صار في الأشعار مادة الغناء، يرفض لها الناس على كافة المستويات يردد أحدهم الأبيات، دونما تفكر أو تدبر.
أيها المسلمون: لقد ذم الله -تبارك وتعالى- الشعراء بأنهم في كل واد يهيمون، من خالفت أفعالهم أقوالهم مستثنياً سبحانه منهم المؤمنون حيث يقول -تبارك وتعالى-: {وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ}
[(224-227) سورة الشعراء]. روى البخارى ومسلم في صحيحيهما من حديث أبى هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لأن يمتلىء جوف رجل قيحاً حتى يريه خير له من أن يمتلىء شعراً)).
عباد الله: هناك نوع من الشعر ظهر في الآونة الأخيرة وهي في الحقيقة ليست بشعر أقرب ما يكون لها محاولات الأطفال في نظم الشعر، وذلك ما يسمى بالشعر الحر، سخافات، وهزل، لا ندرى من أين دخل علينا، بعض من يريد أن يعد من الشعراء ولا يستطيع أن يضع قصيدة قوية بلغة العرب الفصحى يقوم بوصف هذه الترهات جوار بعضها البعض، ووضعوا له قواعد وأصول على حد قولهم، وقالوا بأنها شعر لكن يختلف عن الشعر الذى تقبله الفطر السليمة فسموه الشعر الحر.
وليت الأمر توقف عند هذا الحد أيها الأخوة لعل أغلبكم قد سمع بالحداثة، هذا التيار الفكري الجديد، الذى يغزو مجتمعاتنا هذه الأيام، وهي إبعاد الدين عن واقع الحياة، وهو قبول كل حديث ونبذ كل قديم فكل ما كان قديماً فهو مرفوض، فمثلاً الحجاب قديم مرفوض ستر المرأة لنفسها شىء قديم، مرفوض استعمال السواك عادة قديمة، مرفوض الدين كله قديم إذن لا بد من الحداثة هي العلمانية لكنها بثوب الحداثة هذا الفكر أيها الأخوة، روج له عن طريق الشعر الحر وفشى وانتشر في المجتمع وقد لاقت قبولاً؛ وذلك لأن قلوب أغلب الناس كانت مهيأة لذلك، سأمت الالتزام تريد الانطلاق والتغلب من تكاليف الشرع، تريد الحرية فتصورت أن الحرية يكون في الشعر الحر وما علمت أنها عبودية، عبودية لغير الله -عز وجل-، ولا يمكن أن يستنشق الإنسان الحرية الحقيقية، إلا في ظل الإسلام.
أيها المسلمون: تنبهوا لمثل هذه الألاعيب الشيطانية، لا ينطلي عليكم فكر الحداثة، فإن ليس كل حديث مقبول، وليس بصحيح بأن كل قديم مرفوض ولا ينفع، هم أرادوا من هذه الفكرة نبذ الدين، ولكن الله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
عباد الله: هل أدركتم طرفاً من خطورة هذا اللسان، وما يمكن أن يجره على المجتمع، هذا من ناحية الشعر الحر الذي أشغلوا الناس به، وهو في حقيقته يحوي الكفر في بعض الأحيان.
هناك أيضاً أيها الأخوة، لون آخر من ألوان الشعر، وما أكثر ألوانه، غالبه كلام فارغ لا ينفع، هذا أيضاً أشغلوا به بعض عباد الله، وهو ما يسمى بمضارب البادية، وغالبه لا يخلو من أصوات المعازف المحرمة.
أيها الأخوة: إن الإسلام لا يحرم الشعر، إذا كان شعراً نظيفاً نافعاً، وقد قال -عليه الصلاة والسلام- في حديث البخاري ومسلم: ((إن من الشعر لحكمة))، إذا كان الشعر أيها الأخوة، أبياتها يحتوي على حث الأمة على الجهاد في سبيل الله مثلاً، أو كانت قصائد وعظية خالية من الإفراط والتفريط، فهذا أمر لا شيء فيه، بل هو مطلوب. ولا ننسى يا عباد الله جهاد شعراء الصحابة وهم ينافحون عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وعن دين الإسلام، أمثال حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة -رضي الله عنهم-.
يقول -عليه الصلاة والسلام- فيما يرويه كعب بن مالك عنه عن أبيه أنه قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: ((إن الله -عز وجل- قد أنزل في الشعر ما أنزل، فقال: إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده، لكأن ما ترمونهم به نضح النبل)).
أيها المسلمون عباد الله: الآفة الحادية عشر من آفات اللسان، وهذا أيضاً أيها الأخوة، من الآفات المنتشرة كثيراً، وكثيرة جداً في مجتمعاتنا، وتطلقها الألسنة، حال الغضب وعدم التحمل، خصوصاً من النساء في البيوت، ألا وهو الدعاء على النفس أو الأولاد أو الأموال.
بعض الناس هداهم الله، يصل به الحال في بعض الأحيان درجة من الغضب وعدم التحمل فيفقد توازنه، ويخرج عن طوره ويتكلم بلا شعور، تجده يخرج ألفاظ الشتم واللعن مصحوباً بالدعاء غالباً، إما أن يدعو على نفسه، أو يدعو على أحد أولاده، أو يدعوا على أهله كلهم، وفي بعض الأحيان يدعوا على حلاله وأمواله، لو تعكرت معه صفقة معينة، أو لم يوفق في بيع أو شراء،. إنها آفة خطيرة أيها الاخوة.
ما يدريك أخي المسلم، وأنت تطلق هذه الدعوات على نفسك أو أولادك، أن تلقى باباً مفتوحاً، أو توافق ساعة إجابة، فيقبل الله -عز وجل- هذا الدعاء. فكيف بك أخي المسلم، إذا هلك الولد، أو زال المال، أو احترق البيت.
وهذا إذا ما دل على شيء أيها الأخوة، فإنما يدل على عدم تقدير النعمة، فالأولى أن يشكر العبد ربه على نعمة الولد ونعمة المال لا أن يدعوا بزوالها عنه.
فاتقوا الله أيها المسلمون، لا يصل بكم الغضب إلى هذا الحد، الرجل لا بد أن يكون ضابطاً لإرادته، متزناً في جميع أحواله، الغضب نعم يحصل لكل أحد لكن لا يصل بكم ذلك إلى أمور لا تحمد عقباه. يقول -عليه الصلاة والسلام- في الحديث الصحيح من حديث جابر -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على خدمكم ولا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجاب لكم))، ويقول -عليه الصلاة والسلام- من حديث أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((قال لا تدعوا بالموت ولا تتمنوه فمن كان داعياً لابد فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لى وتوفنى إذا كانت الوفاة خيراً لى)).
إليكم أيها الأخوة طرفاً من الأدعية التي تخرج من السنة الأباء والأمهات على أبناءهم، والتي هي منتشرة بكثرة عندنا لتدركوا خطورة هذه الآفة.
فمن هذه الأدعية مثلاً: الله يلعنك، أو الله يقطعك، أو روح جاء البلا، أو الله ياخذك، أو الله يغربلك، أو روح عساك ما ترجع، وغيرها الكثير والكثير مما يعرفه بعضكم أفضل مني، ممن يمارسون هذه فاتقوا الله أيها المسلمون، كم من القصص الواقعية اتقوا الله في أنفسكم واتقوا الله في أولادكم واتقوا الله في أموالكم.
ولو قدر الله ووقعتم في شيء من هذا فبادروا أيها الإخوة بالندم، واستغفروا الله -عز وجل-، وصمموا على عدم العودة لمثل هذه الألفاظ، وتنبهوا لألسنتكم، وادعوا الله -عز وجل- أن يحفظ لكم أولادكم وأموالكم، وتقر بها أعينكم يوم القيامة في مستقر رحمته -عز وجل- إنه ولى ذلك والقادر عليه.
اكتفي بهذا القول واستغفر الله لى ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:
الحمد لله... أما بعد:
عباد الله: الآفة الثانية عشر من آفات اللسان، وهذا يتعلق أيها الأخوة بالولاء والبراء، يمس عقيدة المسلم، وفي هذا تكمن خطورة هذه الآفة وهو مخاطبة الكافر بسيد ونحوه، وهذه بلية أيها الاخوة، يقع فيها المسلمون من موظفي الشركات، وذلك لأنهم أكثر تعاملاً مع الكفار من غيرهم، تجد المسلم إذا لقى الكافر سواء كان رئيسه في العمل أو يعمل معه في قسم واحد تسمع من الألفاظ التي يطلقها وتخرج من لسانه ألفاظ التحية والتقدير والاحترام، حتى اعتاد اللسان على ذلك فكلمة السيد باللغة الإنجليزية أصبحت عادية ولا يدرى هذا المسلم إن هذا لا يجوز.
أخى المسلم: إن الإيمان الذى تحمله بين جنبيك لا بد أن تعتز به، أنت مسلم يا أخي ولك حرمه عند الله -عز وجل- فكيف تنقص من قدر نفسك؟! وكيف تزل وتهين نفسك أمام كافر لا يساوى عند الله جناح بعوضه؟!.
قد يكون مهندساً نعم، أو متخصصاً في أحد مجالات العمل التي أجهلها نعم، لكن هذا لا يعنى أن أنقص من كرامة نفسي وأذلها، وأغضب الله -عز وجل- لأجل كافر أحقر من كلب ميت.
أيها الإخوة: لا أريد أيضاً أن يفهم كلامي خطأ، إن المعاملة الحسنة مطلوبة، حتى مع الحيوان، لكن الذى أقصده هو إطلاق لفظ السيد على الكافر، والذى يكون أخطر من هذا يا عباد الله، هو الميل القلبى، وهذا الذي يتعلق بعقيدة المسلم، عقيدة الولاء والبراء، وهذا والله حاصل وواقع من المسلمين هداهم الله.
أليست الزيارات موجودة بين المسلم وبعض الكفار الذين يعملون معه، أليست تبادل الهدايا موجودة، فما دلالة هذا أيها الإخوة.
هذا والله إن دل على شيء فإنما يدل على الانهزامية النفسية عند هذا المسلم، وارتياحه وميله القلبى لهم، يقول الله -عز وجل-: {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}
[(113) سورة هود]، فكيف بالذين كفروا.
يقول عليه الصلاة من حديث بريده -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ولا تقولوا للمنافق سيدنا فإنه إن يكن سيدكم فقد أسخطتم ربكم))، وقال -عليه الصلاة والسلام-: ((إذا قال الرجل للمنافق يا سيدى فقد أغضب ربه)).
ويدخل في هذا أيضاً أصحاب العقائد الفاسدة المنحرفة من ابتلينا بالتعامل معهم، إما من خلال ساعات العمل أو حال البيع والشراء، فهؤلاء أيضاً لا يجوز إطلاق لفظ السيد عليهم. أيضاً أيها الأخوة لا يبدأون بالسلام، سواء الكفار أو الباطنيون، ولو كنت في موضع لا بد من إلقاء السلام فلا تقل السلام عليكم، فإن هذا تحية المسلمين والسلام يعنى الأمان، وهو اسم من أسماء الله -عز وجل- لا يحيا به هؤلاء، ولكن لو اضطررت فقل مثلاً مرحباً، أو صباح الخير أو نحوها.
أيها المسلمون: الرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول في حق الرجل يقول للمنافق يا سيدي، قال فقد أغضب ربه، فتأمل حالك أخى المسلم، فمن ابتليت بالتعامل مع هؤلاء الخنازير كم مرة أغضبت ربك.
فاتقوا الله أيها المسلمون، اتقوا الله تعالى لا تتهاونوا في مثل هذه الألفاظ، لا تبدأوهم بالسلام، لا تبشوا في وجوههم، لا بد أن يكون التعامل تعامل عمل فقط، لا تتطور القضية إلى أكثر من هذا، من زيارات وجلسات ومؤاكلات ومشاربات.
هل تصدقون أيها الأخوة أنه من المسلمين من تجرأ على حرمات الله -عز وجل- أكثر من هذا، حتى أهله ومحارمه -نسأل الله السلامة والعافية- يجلسهم مع الكفرة، وتحصل بينهم المحادثات وتبادل الهدايا إليه عقيدة الولاء والبراء. أين التميز الذى لا بد أن يحياه كل مسلم، أين الصدق والإخلاص مع الله -عز وجل-.
أيها الأخوة نحن مطالبون أن نضايقهم حتى في الطرقات لا نوسع لهم الطريق كما كان حال الصحابة، وحال السلف الصالح -رحمهم الله تعالى- أما أن يصل الحال إلى هذه الانهزامية، إلى هذا الحد من الدناءة من بعض المسلمين، فهذا والله هو الذى يهدد كيان الأمة، وهذا والله هو الذل والخذلان بعينه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أسأل الله -عز وجل- أن يبصرنا في أمور ديننا، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم إنا نسألك رحمة تهدي...
 


Source URL:
http://www.alahmad.com/node/190