الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ناصر بن محمد الأحمد (http://www.alahmad.com)

آفات اللسان6

تم الإنشاء 10/28/2007 - 08:21

آفات اللسان6
1/2/1410هـ

الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد


الخطبة الأولى:
الحمد لله... أما بعد:
عباد الله الآفات التي سوف نتكلم عنها في هذا الأسبوع بعد توفيق الله -عز وجل- هى آفة المدح وآفة النهي عن لفظة (لو) وآفة النميمة، وآفة الغيبة.
أيها المسلمون: آفة المدح هى الآفة الثالثة عشرة من آفات اللسان وزلاته وعثراته، يقول -عليه الصلاة والسلام- في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه: ((إذا رأيتم المداحين فاحثوا وجوههما التراب))، وقال -عليه الصلاة والسلام- في حديث معاوية -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إياكم والتمادح فإنه الذبح)).
إن المدح يا عباد الله له مساوئ كثيرة، ولا يمكن للمادح إلا أن يقع في أحد منها، فمن سلبيات المدح أنه قد يفرط فيه صاحبه فتنتهي به إلى الكذب، وذلك بأن يقوم المادح بذكر أوصاف وأشياء ليست موجودة في الممدوح، وهذه هى مصيبة الشعراء في مدحهم وثناءهم على بعض الولاة، فيقومون بذكر أوصاف ليست فيهم، فيقعون في الكذب، قال خالد بن معدان: من مدح إماماً أو أحداً بما ليس فيه على رؤوس الأشهاد بعثه الله يوم القيامة يتعثر بلسانه.
ومن سيئات المدح أيضاً أنه قد يدخله الرياء؛ لأن المادح مظهر للحب، ولا يعلم ما في قلبه حقيقة، ولا يعلم ما يعتقده، وقد يكون مبغضاً للمدح لكن يمدحه لمصلحة معينة، فيكون بذلك مرائياً منافقاً.
ومن سلبيات المدح أيضاً أنه قد يقول ما لا يعلمه، ولا سبيل له إلى الإطلاع عليه، فيقوم بمدح وذكر أشياء قد لا تكون في الرجل الممدوح، عن أبى بكر -رضي الله عنه- أن رجلاً ذكر عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فأثنى عليه رجل خيراً، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((ويحك قطعت عنق صاحبك، يقوله مراراً إن كان أحدكم مادحاً لا محالة فليقل أحسب كذا وكذا، إن كان يرى أنه كذلك وحسبه الله ولا يزكى على الله أحداً)). وعن أبى موسى الأشعرى -رضي الله عنه- قال: سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلاً يثني على رجل ويطريه في المدح، فقال: ((أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل)).
يروى أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- سمع رجلاً يثني على رجل، فقال: أسافرت معه؟ قال:لا، قال، أخالطته في المبايعة والمعاملة، قال:لا، قال فأنت جاره صباحه ومساءه؟ قال:لا، فقال: والذي لا إله إلا هو لا أراك تعرفه.
وأيضاً من سلبيات المدح أيها الإخوة أنه قد يفرح الممدوح، وهو ظالم أو فاسق، وذلك غير جائز، يقول الحسن البصرى -رحمه الله تعالى-: "من دعا لظالم بطول البقاء فقد أحب أن يعص الله تعالى في أرضه".
ومن مساوئ المدح أيضاً يا عباد الله، أنه يحدث في نفس الممدوح الكبر والإعجاب، وهذا يقع فيه غالب الناس، فإنها تتعاظم نفسه عندما يمدح، وتتطور القضية عنده، فيرضى عن نفسه ويعجب بها، فيغتر عن العمل، ولهذا إذا انطلقت الألسنة بالثناء عليه، ظن أنه قد أدرك، ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام-: ((قطعت عنق صاحبك)).
أيها المسلمون: الآفة الرابعة عشرة من آفات اللسان: التلفظ بكلمة لو.
لو فعلت كذا لكان كذا، أو ليتنى فعلت كذا، وهذه لفظه منهية التلفظ بها يا عباد الله، ولكن مع الأسف كثيراً ما نسمعها ولا ينجو منها أحد إلا من رحم ربى.
قال الله تعالى: {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا}
[(154) سورة آل عمران]، وقال سبحانه: {الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} [(168) سورة آل عمران]، وعن أبى هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان)).
نعم إن هذه الكلمة تفتح عمل الشيطان، هذه الكلمة التي شاع استعمالها وعم وطم، فلم يكد يخلو منها لسان، إلا وتلفظ بها، ولا فم إلا وتفوه بها، إنهما حرفان فقط، ولكنهما تدلان على أشياء كثيرة وعظيمة، تدلان على ضيق صدر المتلفظ بهما، وضعف إيمانه بقدر الله تعالى، وعدم تسليمه واستسلامه لله سبحانه، دلت على سوء الخلق مع الأزواج والأحباب والأخوة والأصحاب، دلت على نقصان الصبر، أجل إنها تفتح عمل الشيطان. عن أنس -رضي الله عنه- قال: ((ما مسست ديباجاً ولا حريراً ألين من كف رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا شممت رائحة أطيب من رائحة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولقد خدمت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عشر سنين فما قال لى قط: أف، ولا قال لشيء فعلته لم فعلته، ولا لشيء لم أفعله ألا فعلت كذا)).
أجمل به من خلق، وأحسن به من ذوق إسلامي فاضل، أين عنه من هذه الأخلاق ما أكثر تأففات القلب، وما أعظم تأففات اللسان، إنها نار تتأجج، وحروف تلدغ وكلمات تقتل، وأقوال تحرق، ويا لها من ألسنة.
ما أكثر مايقول الناس لم فعلت؟ ألا فعلت كذا وكذا، لو فعلت كذا، ويا ليتهم يعلمون أنهم يخطئون، بل يحسبون أنهم في هذا مهتدون. اللهم اهدنا لكتابك، وسنة نبيك العظيم، واجعلنا من المتخلقين بأخلاقه النبوية عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
عباد الله: الآفة الخامسة عشرة من آفات اللسان: النميمة.
والنمام ياعباد الله هو الذي ينقل الحديث من إنسان إلى آخر، على جهة الإفساد والشر.
قال الله تعالى: {هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ}
[(11) سورة القلم]، وعن حذيفة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يدخل الجنة نمام)) [متفق عليه]، وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مر بقبرين فقال: ((إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير بلى إنه كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله)).
أيها النمامون، يا أعداء المحبة، يا هواة الفرقة والخلاف، انظروا لأنفسكم فعسى أن يكون قد اقترب أجلكم، هل أشبعتم غيظكم؟ وملأتم قلوبكم الحاقدة فرحاً وغبطة بالنميمة والأذى؟؟
ماذا جنيتم أيها البلهاء؟ أتظنون أنفسكم قد أحسنتم صنعا؟ فلا والله ما أحسنتم، كم فرقتم بين القلوب؟ وكم بألسنتكم الجائعة للشر قتلتم الأبرياء؟ كم حملتم من الأوزار والآثام والخطايا؟
اعملوا ما شئتم، فستجزون على كل ذلك، لا تحسبوه خيراً لكم بل هو شر لكم، بئس السعادة هذه أن تفسدوا على المسلمين معيشتهم، ونعم الشقاء الذي تعدونه شقاء، أن يكف المرء لسانه عن إيقاع العداوة والبغضاء بين الناس ويحكم يا ساقطي الهمة، ما أشد جبنكم، إنكم تقاتلون بالنميمة من وراء جدر محصنه، تتسللون لواذاً، لا تقوون على المواجهة، بالخفاء تدبرون مؤامراتكم، عذاب الناس حياة قلوبكم، وذهاب غمومكم، لبئس ما أنتم عليه من حال، ولبئس ما سيكون لكم من مآل.
فاتقوا الله أيها المسلمون، إن شر النميمة عظيم، مذمومة عند الله، وعند عباد الله، لا تعرضوا أنفسكم لغضب الله تعالى بذكر الناس وأكل لحومهم.
يحكى أن رجلاً ذكر لعمر بن عبد العزيز رجلاً بشيء، فقال عمر: يا هذا إن شئت نظرنا في أول، فإن كنت صادقاً فأنت من أهل الآية: {إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا}
[(6) سورة الحجرات]، وإن كنت كاذباً فأنت من أهل الآية: {هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ} [(11) سورة القلم]، وإن شئت عفونا عنك، فقال: العفو يا أمير المؤمنين لا أعود إليه أبداً.
أيها الأخوة: ليس من النميمة أن يخبر الرجل صاحبه بما يقال فيه، إن كان في ذلك مصلحة مأمور الزواج مثلاً، ودليل ذلك ما رواه البخارى في صحيحه ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- قال: ((قسم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قسمة، فقال رجل من الأنصار: والله ما أراد بهذا وجه الله، فأتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبرته، فتمعر وجهه وقال: رحم الله موسى، لقد أوذى بأكثر من هذا فصبر)).
فالرسول -عليه الصلاة والسلام- لم ينكر على الصحابي الذي نقل له الخبر بأن فلاناً قال كذا وكذا؛ لأن نقل الخبر كان لمصلحة فدل على جواز ذلك.
بارك الله...

الخطبة الثانية:
الحمد لله... أما بعد:
عباد الله: الآفة السادسة عشرة من آفات اللسان، الغيبة.
قال الله تعالى: {وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ}
[(12) سورة الحجرات]، وقد عرف الرسول -صلى الله عليه وسلم- الغيبة بقوله في الحديث الصحيح: ((الغيبة أن تذكر الرجل بما فيه من خلقه))، وعن أبى هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((الغيبة ذكرك أخاك بما يكره)).
أيها المسلمون إن الإنسان الذي عود لسانه ليغتاب الناس، لا يمكن أن يكون يفعل هذا هكذا من غير دوافع، فمثلاً بعض الناس يقع في الغيبة عن طريق الحسد، وهذا كثير، تجده يحسد رجلاً إما لمنزلته في قلوب الناس، أو لوفرة ماله فيقع الحسد في قلبه عليه، فيترجم ذلك عن طريق الغيبة، وبعض الناس يقعون في الغيبة من أجل اللعب والهزل وإضحاك الآخرين، تجده من أجل النكتة يغتاب عباد الله، فإننا نذكر مثل هذا بقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ((ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له)).
ومن الناس يمارس هواية الغيبة المحرمة لكثرة الفراغ عنده، والشعور بالملل والسآم، فيشغل وقته بذكر أعراض الناس وعيوبهم.
وبعض الناس يقع في كبيرة الغيبة، وذلك للتقرب لدى أصحاب الأعمال والمسؤولين، وهذا كثيراً ما يحصل في مجال العمل، ليرتقي لمنصب أفضل، فيكون ارتقاءه على أكتاف الآخرين.
ومن الناس من يوقعه لسانه في الغيبة لشعوره بالنقص، فيزيد رفع نفسه، فليس له وسيلة كما يعتقد إلا بتنقيص غيره.
أيها المسلمون هناك أمور يظن الناس أنها ليست من الغيبة، وهى في حقيقتها غيبة محرمة وآفة من آفات اللسان، ولكن لاعتياد الناس عليها ظنوا أنها ليست من الغيبة.
فمن ذلك مثلاً قد يغتاب الرجل شخصاً ما فإذا أنكر عليه، قال أنا على استعداد للقول أمامه، فيا أخي المسلم إن استعدادك للحديث أمامه أمر آخر مستقل، لا يمنع من أنك وقعت في عينيه قبل الاستعداد. ومن الأمثلة أيضاً: قول بعض الناس إن هذا صغير تجوز غيبته، فهذه أيضاً غيبة أيها الإخوة، وتعد من الكبائر؛ لأنه لا دليل على جواز غيبية الصغير.
ومن الأمثلة الشائعة أيضاً: قولك هذا هندي، أو مصري، أو بدوي، أو قروي، أو سباك أو غير ذلك، إذا كان قاله تحقيراً وتنقيصاً، فإنها تعد من الغيبة وهي حرام.
أيها المسلمون: هناك ستة مواضع أجاز الإسلام للشخص أن يقع في الغيبة:
الموضع الأول: حال التظلم، كالتظلم للسلطان والقاضي أو ولي الأمر، ودليل ذلك أن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((عندما اشتكت هند زوجها أبا سفيان فقالت: إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال -عليه الصلاة والسلام- خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)).
الموضع الثانى الذي يجوز فيه الغيبة: حال الاستفتاء، كأن يقول للمفتي: ظلمني فلان فما طريقي في الخلاص مثلاً.
الموضع الثالث: حال الاستعانة على تغيير منكر أو رفع بلاء عن مسلم.
المدخل الرابع: حال تحذير المسلمين ونصحهم من أصحاب الشر، ويدخل فيه المشاورة في أمور الزواج أو المشاركة أو المجاورة ونحو ذلك.
الموضع الخامس: في ذكر المجاهد بما فيه أو صاحب البدعة ببدعته.
عن عائشة -رضي الله عنها- أن رجلاً استأذن على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ((أئذنوا له بئس أخو العشيرة))، قال النووي في رياض الصالحين: احتج البخاري به في جواز غيبة أهل الفساد وأهل الريب.
الموضع السادس: حال التعريف، إن كان معروفاً بلقب معين كالأعرج والأصم والأعمى ونحو ذلك، ولا يحل إطلاقه على وجه التحقير والتنقيص، وإن أمكن تعريفه بغير ذلك فهو أفضل وأولى.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، ربنا لا تزغ قلوبنا، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، اللهم اغفر لآبائنا واغفر اللهم لأمهاتنا ولمن له حق علينا، ونسألك اللهم مغفرة لجميع موتى المسلمين الذين...
 


Source URL:
http://www.alahmad.com/node/189